الأدبوحي الخاطر

في حضرة حزنك

دستور الوفاء السيادي وجلال العهد الوجداني في محراب الهوى الشريف

يَا كَعْبَةَ المَعْنَى الَّتِي تَطُوفُ حَوْلَهَا كَوَاكِبُ أَفْكَارِي الدَّائِبَةِ فِي مَدًى لَا يَضِيقُ بِاللَّحْظَةِ! عِنْدَمَا يَتَنَفَّسُ صَبَاحُكِ العَاطِرُ فِي دَوَاخِلِي، تَتَشَكَّلُ غَابَاتٌ كَثِيفَةٌ مِنَ الدَّهْشَةِ البِكْرِ، لَمْ تَطَأْهَا قَدَمُ الخَيَالِ مِنْ قَبْلُ، وَلَمْ تَلْفَحْهَا أُحْجِيَاتُ Mَالَمَلَلِ. عَيْنَاكِ لَيْسَتَا مَجَرَّدَ لَوْنَيْنِ فِي قَامُوسِ البَشَرِ، بَلْ نَافِذَتَانِ عَلَى فِرْدَوْسٍ دَاخِلِيٍّ، كُلَّمَا اقْتَرَفْتُ فِيهِمَا ذَنْبَ التَّأَمُّلِ المُتَعَمِّدِ، شَعَرْتُ أَنَّنِي لَا أَرَى، بَلْ أُسْتَرَدُّ مِنْ تَعَبِي، وَعُوقِبْتُ بِالخُلُودِ السَّعِيدِ فِي زَنْزَانَةِ السِّحْرِ الحَلَالِ. وَصَوْتُكِ المَلَائِكِيُّ حِينَ يَشُقُّ رَدَاءَ الصَّمْتِ الخَانِقِ كَأَنَّهُ مَطَرٌ غَزِيرٌ مِنَ الزُّمُرُّدِ يَتَسَاقَطُ عَلَى كُثْبَانِ شَوْقِي لَا يَكُونُ صَوْتًا فَحَسْبُ؛ بَلْ مَاءً يُرَتِّلُ، وَحَرِيرًا يُفَكِّرُ، وَقِيثَارَةً تَعْرِفُ كَيْفَ تُخْرِجُ مِنْ صَمْتِي أَلْحَانًا كُنْتُ أَظُنُّهَا مَاتَتْ فِي زِحَامِ الأَيَّامِ. فِيهِ مِنْ رَصَانَةِ الحِكْمَةِ مَا يَهَذِّبُ جُمُوحِي، وَفِيهِ مِنْ عُذُوبَةِ الطُّفُولَةِ مَا يَسْتَدْرِجُ وَقَارِي إِلَى ابْتِسَامَةٍ لَا أَسْتَطِيعُ مُقَاوَمَتَهَا.

قَدْ يَكْتَفِي غَيْرِي بِمُفْرَدَاتِ الغَزَلِ المُسْتَهْلَكَةِ، يَسْتَلُّهَا مِنْ جُيُوبِ العَادَةِ كَمَا تُسْتَلُّ العُمْلَةُ الصَّغِيرَةُ لِشِرَاءِ لَحْظَةٍ صَغِيرَةٍ. أَمَّا أَنَا، فَكُلَّمَا وَقَفْتُ أَمَامَ جَلَالِ مَقَامِكِ، شَعَرْتُ أَنَّ اللُّغَةَ المَأْلُوفَةَ تَضِيقُ، وَأَنَّ عَلَيَّ أَنْ أَخْلُقَ لَكِ أَبْجَدِيَّةً تُشْبِهُكِ؛ أَبْجَدِيَّةً لَهَا جَنَاحَا نَسْرٍ وَخُطَى غَزَالٍ، وَفِيهَا مِنْ صَلَابَةِ السَّيْفِ مَا يَحْمِي المَعْنَى، وَمِنْ رِقَّةِ النَّسِيمِ مَا يَحْمِلُهُ إِلَى قَلْبِكِ دُونَ أَنْ يَخْدِشَهُ، وَتُحَلِّقُ بِرُوحِكِ فَوْقَ غَيْمِ المَجَازِ إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى المَعْنَوِيَّةِ. فَأَنَا لَا أُحِبُّكِ كَمَا يُحِبُّ العَابِرُونَ لِيَمْلَأُوا فَرَاغًا فِي الوَقْتِ، أَوْ لِأُسَكِّنَ قَلَقِي الوُجُودِيَّ بِحُضُورٍ مُؤَقَّتٍ؛ أَنَا أُحِبُّكِ لِأُبَرْهِنَ لِلْكَوْنِ أَنَّ المُعْجِزَاتِ فِي حَقْلِ المَشَاعِرِ لَمْ تَنْتَهِ بَعْدُ. أَنْتِ لَسْتِ نِصْفِي الآخَرَ المَفْقُودَ كَمَا تُرَدِّدُ أُكْذُوبَةُ الضُّعَفَاءِ؛ أَنْتِ كُلِّي المُتَجَدِّدُ الفَائِضُ، وَأَنَا بِكِ كِيَانٌ عِمْلَاقٌ يَتَّسِعُ فَيَسْتَوْعِبُ نِصْفَ العَالَمِ فِي صَدْرِهِ لَا يَضِيقُ.

حِينَ تَخْطِينَ عَلَى الأَرْضِ، لَا أَرَى خُطًى تَمُرُّ فَوْقَ التُّرَابِ، بَلْ أَسْمَعُ مَقَامًا مُوسِيقِيًّا خَفِيًّا تُرَتِّبُهُ الأَرْضُ تَحْتَ قَدَمَيْكِ كَيْ لَا يَضِيعُ وَقْعُكِ فِي فَوْضَى المَارَّةِ. وَحِينَ تَتَكَلَّمِينَ، يَبْدُو لِي أَنَّ الحُرُوفَ كَانَتْ قَبْلَكِ أَقَلَّ ثِقَةً بِنَفْسِهَا، فَلَمَّا مَرَّتْ بِصَوْتِكِ اسْتَقَامَتْ، وَتَطَهَّرَتْ مِنْ غُبَارِ الاِسْتِعْمَالِ، وَعَادَتْ كَمَا خُلِقَتْ أَوَّلَ مَرَّةٍ: طَرِيَّةً، مُشْرِقَةً، مُطْمَئِنَّةً إِلَى مَعْنَاهَا. أَرَى فِيكِ جَلَالَ الجِبَالِ حِينَ لَا تُبَاهِي بِثَبَاتِهَا، وَرِقَّةَ اليَنَابِيعِ حِينَ تَشُقُّ طَرِيقَهَا بَيْنَ الصُّخُورِ دُونَ أَنْ تَتَعَلَّمَ مِنْهَا القَسْوَةَ. لَقَدْ أَوْقَفْتِ بِحُضُورِكِ الطَّاغِي قَوَانينَ الفِيزْيَاءِ العَنِيدَةَ فِي مَدَارَاتِ إِحْسَاسِي؛ فَأَنَا مَعَكِ، وَمَعَكِ وَحْدَكِ، أَسْقُطُ نَحْوَ الأَعْلَى بِسُرْعَةِ الضَّوْءِ، وَأَحْتَرِقُ بِشَغَفٍ لِأَزْدَادَ نَضَارَةً وَحَيَاةً، وَأَغْرَقُ فِي لُجَّةِ تَفَاصِيلِكِ المُذْهِلَةِ لِأَتَنَفَّسَ بِحُرِّيَّةٍ لَمْ يَعْرِفْهَا طَلِيقٌ مِنْ قَبْلُ.

وَغَيْرَتِي عَلَيْكِ لَيْسَتْ سِجْنًا لِحُرِّيَّتِكِ، وَلَا ظِلًّا ثَقِيلًا يَتْبَعُ خُطَاكِ كَيْ يُرْهِقَهَا؛ إِنَّهَا يَقَظَةُ القَلْبِ حِينَ يَعْرِفُ قِيمَةَ مَا أُودِعَ فِيهِ. هِيَ لَا تَشُكُّ فِيكِ، بَلْ تُجِلُّكِ؛ وَلَا تُرِيدُ أَنْ تُغْلِقَ عَلَيْكِ الأَبْوَابَ، بَلْ أَنْ تَحْرُسَ مَقَامَكِ مِنْ عُيُونٍ لَا تَعْرِفُ الفَرْقَ بَيْنَ الوَرْدَةِ وَالسِّلْعَةِ، وَلَا بَيْنَ المَرْأَةِ وَالصُّورَةِ، وَلَا بَيْنَ الجَمَالِ وَالفُضُولِ. غَيْرَتِي لَا تَنْقُصُ مِنْكِ، بَلْ تَعْتَرِفُ بِعُلُوِّكِ؛ وَلَا تُقَيِّدُكِ، بَلْ تَقُولُ لِلْعَالَمِ كُلِّهِ: إِنَّ هَذِهِ المَرْأَةَ لَيْسَتْ عَابِرَةً فِي عَيْنٍ، بَلْ مَقَامٌ فِي قَلْبٍ.

وَأَنَا، فِي حَضْرَةِ حُزْنِكِ، لَسْتُ مُتَفَرِّجًا يُحْسِنُ الوَصْفَ وَيَعْجِزُ عَنِ العَوْنِ؛ أَنَا جِسْرُكِ إِذَا تَعِبَتْ خُطَاكِ، وَسَاحِلُكِ إِذَا طَالَ بِكِ المَوْجُ، وَكَتِفُكِ إِذَا ضَاقَ العَالَمُ عَنْ حَمْلِ مَا فِيكِ. رُجُولَتِي، فِي مِيزَانِ الحُبِّ، لَا تَكْتَمِلُ بِأَنْ أَكُونَ عَالِيَ الصَّوْتِ، بَلْ بِأَنْ أَكُونَ وَاسِعَ الصَّدْرِ؛ وَلَا بِأَنْ أُخِيفَ العَالَمَ مِنْ حَوْلِكِ، بَلْ بِأَنْ أَجْعَلَكِ تَأْمَنِينَ إِلَيَّ حِينَ يَخِيفُكِ العَالَمُ. ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ الحَقِيقِيَّ هُوَ مَنْ تَصْغُرُ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ إِذَا كَبُرَتِ امْرَأَتُهُ فِي قَلْبِهِ، وَيَسْتَحِيلُ كِبْرِيَاؤُهُ ظِلًّا رَحِيمًا، لَا حَجَرًا يَسْقُطُ عَلَى مَنْ يُحِبُّ.

فَيَا آيَتِي العُظْمَى فِي مَصَاحِفِ الشَّعُورِ، وَيَا سِرِّي المَكْنُونَ تَحْتَ حِجَابِ المُهْجَةِ المُرْتَجِفَةِ! لِتَسْتَرِحْ رُوحُكِ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً عَلَى وِسَادَةِ يَقِينِي؛ وَإِنِّي لَا أَعِدُكِ بِعِصْمَةِ المَلَائِكَةِ، وَلَا بِصَفَاءٍ لَا تَمَسُّهُ غَيْمَةٌ، وَلَكِنِّي أَعِدُكِ بِقَلْبٍ إِذَا أَخْطَأَ رَجَعَ، وَإِذَا أَوْجَعَ اِعْتَذَرَ، وَإِذَا تَعِبَ لَمْ يَتَّخِذْ مِنْ تَعَبِهِ ذَرِيعَةً لِلْخِيَانَةِ أَوِ القَسْوَةِ. أَعِدُكِ بِوَفَاءٍ لَا يَتَبَاهَى بِنَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ يَبْقَى؛ وَبِحُبٍّ لَا يُكْثِرُ الضَّجِيجَ، وَلَكِنَّهُ يَحْرُسُ؛ وَبِرُجُولَةٍ لَا تَطْلُبُ مِنْكِ أَنْ تَصْغُرِي لِتُثْبِتَ حُضُورَهَا، بَلْ تَفْخَرُ أَنْ تَرَاكِ كَبِيرَةً كَمَا يَلِيقُ بِكِ. وَإِنِّي وَاللهِ لَا أَتَبَدَّلُ حَتَّى يَتَبَدَّلَ النُّورُ بِالظَّلَامِ المَائِلِ، وَلَا أَخُونُ حَتَّى تَخُونَ الرُّوحُ بَارِئَهَا العَادِلَ. سَأَبْقَى فَارِسًا مَزْرُوعًا فَوْقَ رُبَى هَذَا الزَّمَانِ المُتَقَلِّبِ؛ طَوْدًا لَا تُزَعْزِعُهُ فِتَنُ المَادَّةِ، نَاصِبًا بِيَمِينِي شِرَاعَ الوَفَاءِ الصَّامِدِ لِسَفِينَتِكِ الَّتِي أَقْسَمْتُ أَلَّا تَرْسُوَ يَوْمًا إِلَّا فِي شَوَاطِئِ أَعْمَاقِي الآمِنَةِ. أُحِبُّكِ كَمَا يَلِيقُ بِمُعْجِزَةٍ بَاهِرَةٍ أَنْ تُحَبَّ إِجْلَالًا، وَأَعْشَقُكِ كَمَا يَلِيقُ بِمِحْرَابٍ طَاهِرٍ أَنْ يُقْصَدَ تَبَتُّلًا، وَأَبْقَى لَكِ الحَارِسَ النَّبِيلَ الَّذِي يُقَدِّمُ قَلْبَهُ دِرْعًا صَلْبًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ شَوْكُ الطَّرِيقِ أَطْرَافَ ثَوْبِكِ الحَرِيرِيِّ.

هَذَا دُسْتُورِي فِي هَوَاكِ، قَدْ خَتَمْتُهُ بِعَقْدٍ مِنَ الشَّرَفِ مَتِينٍ، وَوَثَّقْتُهُ بِيَقِينٍ فِي دِيوَانِ النُّبْلِ الأَصِيلِ، وَجَعَلْتُ شَاهِدَهُ هَذَا القَلْبَ الَّذِي لَا يَرَى فِي الوَصْلِ عَادَةً، بَلْ شَرَفًا، وَلَا فِي القُرْبِ قَيْدًا، بَل *رَحْمَةً، وَلَا فِي الغَيْرَةِ شَكًّا، بَلْ صَوْنًا، وَلَا فِي الوَفَاءِ ضَعْفًا، بَلْ سِيَادَةً تَخْتَارُ أَنْ تَبْقَى. دُسْتُورٌ سِيَادِيٌّ لَا يَقْبَلُ النَّقْضَ، وَلَا يَعْرِفُ النَّسْخَ، وَلَا يَرْضَى بِالتَّأْوِيلِ. فَالوَصْلُ شَرَفٌ يُؤْتَى، وَالعَهْدُ دِينٌ يُرْعَى، وَالوَفَاءُ سِيَادَةٌ تَبْقَى حَتَّى يَرِثَ اللهُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، أَوْ أُفْنَى فِيكِ حُبًّا، فَلَا يُعْرَفُ لِي مِنْ بَعْدَكِ أَثَرٌ، وَلَا يُسْمَعُ لِي مِنْ دُونِكِ صَدًى.

وَإِنْ سَأَلُونِي عَنْكِ، سَأَقُولُ: هِيَ المَعْنَى الَّذِي لَوْ غَابَ تَعَثَّرَ البَيَانُ، وَالرُّوحُ الَّتِي لَوْ نَأَتْ ضَاقَتِ الجِهَاتُ، وَالمَرْأَةُ الَّتِي عَلَّمَتْنِي أَنَّ الحُبَّ لَا يَبْلُغُ جَلَالَهُ حَتَّى يَصِيرَ عَهْدًا، وَلَا يَبْلُغُ عَهْدَهُ حَتَّى يَصِيرَ وَفَاءً، وَلَا يَبْلُغُ وَفَاءَهُ حَتَّى يَصِيرَ دِينًا مِنْ أَدْيَانِ القَلْبِ، يُرْعَى بِالصِّدْقِ، وَيُسْقَى بِالرَّحْمَةِ، وَيَظَلُّ قَائِمًا مَا بَقِيَ فِي الرُّوحِ نَبْضٌ يَعْرِفُ لِمَنْ يَخْفِقُ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى