الشعر

أعشى السجايا

لَمْ يَنْسَ لَكِنْ سَقَوهُ الدَّرْسَ بِالدَّسِّ = فَخَارَ يهْرِقُ كَأْسَ البَأْسِ بِاليَأْسِ
قَدْ كَانَ يَصْحُو أَمِيرَ النَّفْسِ حُرَّ حِجَا = وَاليَوْمَ بَاتَ أَسِيرَ النَّخْسِ وَالبَخْسِ
لُعَابُهُ فِي فَمِ التَّرْغِيبِ سَالَ هَوَى = وَعَيْنُهُ عَنْ غَدِ التَّرْهِيبِ لِلأَمْسِ
حُلْمٌ يَشِيخُ وَدُنْيَا أَوْغَرَتْ حَرَضًا = تَعَوَّذَ الجِنٌّ فِيهَا مِنْ أَذَى الإِنْسِ
كَفَى اِبْتِئَاسًا بِأَنْ يَخْتَانَ ذُو خَلُقٍ = وَأَنْ يُؤَوِّلَ عِنْدَ اللَّبْسِ ذُو الهَجْسِ
وَأَنْ يُنَمِّقَ فِي الأَذْهَانِ ذَا ثَقَفٍ = مَنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الذَّيْلِ وَالرَّأْسِ
مَتَى تَزَلَّفَ دِينَارٌ لِدِرْهَمِهِ = وَطَأْطَأَ الرَّأْسَ طُهْرُ الحَدْسِ لِلنَّجْسِ
وَاخْتَالَ بِالعُمْقِ ضَحْلٌ وَازْدَرَى رَذِلٌ = وَأَوْكَلَ الشَّيْخُ قَوْسَ الدِّينِ لِلْقَسِّ
فَاعْلَمْ بِأَنَّ الدَّنَايَا ادَّارَكَتْ وَرَكَتْ = وَأَنَّ وَضْءَ النَّوَايَا احْتُلَّ بِالرِّجْسِ
بَحَثْتُ عَنِّي وَعَنْهُمْ فِي دُجَى زَمَنٍ = وَجَدْتُ قَوْمُي وَلَكِنْ لَمْ أَجِدْ نَفْسِي
وَجَدْتُهُمْ أَخْلَدُوا لِلَّهْوٍ فِي صَلَفٍ = وَأَلْجَمُوا الصِّدْقَ بَعْدَ الوَلْسِ بِالأَلْسِ
يَا وَيْحَ قَوْمِي وَقَدْ سُدَّتْ بَصَائِرُهُمْ = وَصَارَ صَوْتُ الهُدَى أَخْفَى مِنَ الهَمْسِ
وَأَسْلَمُوا الرُّوحَ لِلْجَلَّادِ فِي دَعَةٍ = كَأَنَّمَا اسْتَعْذَبُوا الإِحْيَاءَ بِالطَّمْسِ
صَحَائِفُ المَجْدِ تَبْكِي مِنْ خِيَانَتِهِمْ = لَمْ يُتْرَكِ الطُّهْرُ مَكْتُوبًا عَلَى طِرْسِ
بَاعُوا الثِّمَارَ الَّتِي طَابَتْ حَلَاوَتُهَا = وَأَحْرَقُوا مَا نَمَا مِنْ طَيِّبِ الغَرْسِ
وَاسْتَبْدَلُوا الصَّقْرَ فِي العَلْيَاءِ مُنْطَلِقًا = بِبُومَةٍ تَرْتَضِي الإِذْلَالَ فِي الحَبْسِ
ضَلُّوا السَّبِيلَ بِعُجْبِ الرَّأْيِ فَافْتَرَقُوا = وَكُلُّ حِزْبٍ بِيُتْمِ الفَهْمِ فِي عُرْسِ
قَدْ أَثْمَلُوهُمْ بِإِسْفَافٍ وَهَزْلِ رُؤَى = حَتَّى تَهَافَتَ ذُو عَقْلٍ وَذُو حِسِّ
وَهَا تَكَالَبَ فِيهِمْ كُلُّ إِمَّعَةٍ = وَأَخْنَعُوا أَمْرَنَا لِلرُّومِ وَالفُرْسِ
تَنَازَعُوا الأَرْضَ بَيْنَ الطِّينِ وَالفِلْسِ = وَوَزَّعُوا العِرْضَ بَيْنَ النَّبْشِ وَالنَّبْسِ
أَحْيَاءُ لَكِنَّهُمْ مَوْتَى بِلَا كَفَنٍ = يَسْعَوْنَ كَالعُمْيِ مِنْ رَمْسٍ إِلَى رَمْسِ
لَا يَعْرِفُونَ هُدَى الإِسْلَامِ إِذْ سَطَعَتْ = أَنْوَارُهُ أَوْ يُحِسُّوا رَمْيَةَ القَوْسِ
يَسْتَعْذِبُونَ كُؤُوسَ الذُّلِّ طَافِحَةً = فَيَا لَهُ مِنْ مَآلٍ غَارِقِ التَّعْسِ
قَدْ غَادَرَ الرُّشْدُ قَوْمًا لَا حَيَاةَ لَهُمْ = وَبَدَّلُوا آيَةَ التَّكْرِيمِ بِالعَكْسِ
مَرَاتِبُ العِزِّ تَرْثِي مَنْ تَرَبَّعَهَا = مِمَّنْ يَرَى المَجْدَ فِي الإِرْكَاعِ وَالدَّعْسِ
وَتَاجَرُوا بِالقَضَايَا وَافْتَرَوا كَذِبًا = أَنَّ الَّذِي فِي شَغَافِ النَّفْسِ فِي القُدْسِ
قَالُوا الأَمِيرُ يُرِينَا مَا يَرَى وَلَهُ = تَوَاضَعَ الفَضْلُ رَغْمًا وَانْحَنَى الكُرْسِي
وَقُلْتُ أَعْشَى السَّجَايَا لَا يَكَادُ يَرَى = فَأَمَّرُوهُ وَقَالُوا العَيْبُ فِي الشَّمْسِ
لم ينس لكن سقوه الدرس بالدس = فخار يهرق كأس البأس باليأس
قد كان يصحو أمير النفس حر حجا = واليوم بات أسير النخس والبخس
لعابه في فم الترغيب سال هوى = وعينه عن غد الترهيب للأمس
حلم يشيخ ودنيا أوغرت حرضا = تعوذ الجن فيها من أذى الإنس
كفى ابتئاسا بأن يختان ذو خلق = وأن يؤول عند اللبس ذو الهجس
وأن ينمق في الأذهان ذا ثقف = من لا يفرق بين الذيل والرأس
متى تزلف دينار لدرهمه = وطأطأ الرأس طهر الحدس للنجس
واختال بالعمق ضحل وازدرى رذل = وأوكل الشيخ قوس الدين للقس
فاعلم بأن الدنايا اداركت وركت = وأن وضء النوايا احتل بالرجس
بحثت عني وعنهم في دجى زمن = وجدت قومي ولكن لم أجد نفسي
وجدتهم أخلدوا للهو في صلف = وألجموا الصدق بعد الولس بالألس
يا ويح قومي وقد سدت بصائرهم = وصار صوت الهدى أخفى من الهمس
وأسلموا الروح للجلاد في دعة = كأنما استعذبوا الإحياء بالطمس
صحائف المجد تبكي من خيانتهم = لم يترك الطهر مكتوبا على طرس
باعوا الثمار التي طابت حلاوتها = وأحرقوا ما نما من طيب الغرس
واستبدلوا الصقر في العلياء منطلقا = ببومة ترتضي الإذلال في الحبس
ضلوا السبيل بعجب الرأي فافترقوا = وكل حزب بيتم الفهم في عرس
قد أثملوهم بإسفاف وهزل رؤى = حتى تهافت ذو عقل وذو حس
وها تكالب فيهم كل إمعة = وأخنعوا أمرنا للروم والفرس
تنازعوا الأرض بين الطين والفلس = ووزعوا العرض بين النبش والنبس
أحياء لكنهم موتى بلا كفن = يسعون كالعمي من رمس إلى رمس
لا يعرفون هدى الإسلام إذ سطعت = أنواره أو يحسوا رمية القوس
يستعذبون كؤوس الذل طافحة = فيا له من مآل غارق التعس
قد غادر الرشد قوما لا حياة لهم = وبدلوا آية التكريم بالعكس
مراتب العز ترثي من تربعها = ممن يرى المجد في الإركاع والدعس
وتاجروا بالقضايا وافتروا كذبا = أن الذي في شغاف النفس في القدس
قالوا الأمير يرينا ما يرى وله = تواضع الفضل رغما وانحنى الكرسي
وقلت أعشى السجايا لا يكاد يرى = فأمروه وقالوا العيب في الشمس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى