الفكرتربية واجتماعمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

كيف تبدو الإمبراطورية الأمريكية في مرآة الأفول

من سلسلة دراسة في عوامل وظواهر أفول الامبراطورية الأمريكية المعاصرة

لا تسقط الإمبراطوريات في اللحظة التي يخلو فيها البحر من سفنها، ولا حين تُغلق آخر قواعدها، ولا حين تُنزَع راياتها عن القصور البعيدة. تلك هي المشاهد الأخيرة التي يراها المؤرخ بعدما تكون النهاية قد قطعت طريقًا طويلًا في الخفاء. أما السقوط الحقيقي فيبدأ قبل ذلك؛ حين يبقى السلاح في يد القوة، لكن العالم يكفُّ عن الاعتقاد بأن اليد التي تحمله مؤهلةٌ لقيادته؛ وحين تظل الأوامر نافذةً، لكنها لا تعود مقبولةً إلا بمقدار ما يسندها الخوف؛ وحين تتحول الإمبراطورية من نظامٍ يرى الآخرون بعض مصالحهم داخله إلى عبءٍ يتعلمون كيف يبنون حياتهم خارجه.

فالإمبراطورية ليست مساحةً ملونةً على الخريطة، ولا عددًا من القواعد العسكرية، ولا تفوقًا في الناتج أو السلاح. إنها علاقةٌ معقدةٌ بين مركزٍ يمتلك فائضًا من القوة وأطرافٍ تقبل، طوعًا أو اضطرارًا، أن ترتب جانبًا من مستقبلها داخل النظام الذي يصوغه ذلك المركز. وقد تقوم هَذِه العلاقة على الخوف، لكنها لا تعيش طويلًا بالخوف وحده؛ إذ تحتاج إلى منفعةٍ مشتركة، وإلى قدرٍ من الشرعية، وإلى ثقةٍ بأن القوة لا تستعمل تفوقها لإلغاء كل إرادةٍ سواها. ولهذا كان صعود الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية أكثر تعقيدًا من قصة جيشٍ انتصر واقتصادٍ اغتنى. لم تخرج أمريكا من الحرب حاملةً السلاح وحده، بل حاملةً مشروعًا استطاعت دولٌ كثيرة أن ترى أمنها ونموها داخله. قدمت مظلاتٍ عسكرية، وأسواقًا، ومؤسساتٍ مالية، ومساعداتٍ لإعادة البناء، وجامعاتٍ ومختبرات، ونموذجًا اجتماعيًّا وسياسيًّا بدا، على تناقضاته العميقة، قادرًا على اجتذاب العقول وتقديم وعدٍ بالمستقبل.

“فالإمبراطورية ليست مساحة ملونة على الخريطة، بل علاقة معقدة بين مركز يمتلك فائض القوة وأطراف ترتب مستقبلها داخله.”

لم تكن تلك القيادة بريئةً من المصلحة أو القهر، ولم يكن النظام الذي بنته مساويًا بين جميع أطرافه. لقد دعمت واشنطن استبدادًا حين خدمها، وتدخلت في مجتمعاتٍ لم تكن تملك حق تقرير مصيرها في الحسابات الأمريكية، ورفعت الحرية في موضعٍ وساومت عليها في موضعٍ آخر. غير أن هَذِه التناقضات كانت محاطةً بفائضٍ من المنافع العامة، وبخصمٍ سوفيتي جعل البديل أكثر قسوةً في نظر كثيرٍ من الحلفاء، وبقدرةٍ أمريكية على جعل ازدهار أطرافٍ واسعة جزءًا من صلابة النظام لا تهديدًا مباشرًا له. كان ثمة عقدٌ ضمني لم يُكتب في وثيقةٍ واحدة؛ تتولى الولايات المتحدة جانبًا كبيرًا من حماية النظام، وتفتح أسواقها ومؤسساتها، وتوفر قدرًا من الاستقرار النقدي والأمني، ويقبل الحلفاء في المقابل تفوقها ونفوذها وامتيازاتها. لم يكن العقد عادلًا تمامًا، لكنه كان قادرًا على إنتاج قبولٍ يكفي لاستمرار القيادة. فالأطراف لم تكن حرةً بالكامل، لكنها لم تكن ترى نفسها سجينةً بالكامل أيضًا.

غير أن كل إمبراطوريةٍ تحمل في ذروتها خطر التحول من خدمة النظام إلى امتلاكه. فما كان في مرحلة الصعود مسؤوليةً يصبح في مرحلة الغرور حقًّا مكتسبًا، وما كان امتيازًا يحتاج إلى تجديد القبول يتحول إلى جزءٍ مزعوم من طبيعة العالم. وتتوقف القوة تدريجيًّا عن سؤال نفسها عما تقدمه للآخرين مقابل قيادتها، وتبدأ بسؤالهم عما يدينون به لها لقاء ما قدمته في الماضي. هنا تنقلب الرسالة إلى استثناء؛ تعلن الإمبراطورية مبادئ عامة، ثم تقدم نفسها حارسًا أوحد لها، ثم ترى أن وظيفة الحراسة تقتضي إعفاءها من القيود التي تفرضها على الجميع. يصبح القانون صالحًا ما دام لا يحدُّ من إرادتها، وتصبح المؤسسة الدولية محترمةً ما دامت تمنح قرارها غطاءً، ويصبح استقلال الحليف مقبولًا ما دام لا يقوده إلى اختيارٍ يخالف مصلحة المركز.

وحين تتماهى القوة مع النظام، تتحول كل مقاومةٍ لها إلى مقاومةٍ للنظام نفسه. لا يعود الخلاف مع واشنطن خلافًا مع دولةٍ لها مصالح، بل خروجًا على «المجتمع الدولي» أو تهديدًا لـ«العالم القائم على القواعد». ومع الزمن تنكمش المسافة بين المصلحة الأمريكية والمصلحة الإنسانية، حتى يبدو كأن أمن الولايات المتحدة هو أمن الأرض، وأن ما يضر امتيازها يهدد الحضارة، وأن من يطلب توزيعًا أعدل للقوة إنما يدعو إلى الفوضى. غير أن النظام الذي يحتاج إلى استثناءٍ دائم كي يعمل لا يكون قائمًا على القواعد، بل على حق المركز في تفسيرها وإيقافها. والقانون الذي يشتد على الخصم ويلين للحليف لا يفقد عدالته وحدها؛ يفقد قدرته على إنتاج الثقة. فالدول لا تراقب ما تقوله القوة عن ذاتها فقط، بل تراقب ماذا تفعل حين تكون القاعدة عائقًا أمام رغبتها، وماذا تفعل حين يكون المنتهك حليفًا تحتاج إليه، وماذا تفعل حين تقترب المحاسبة من مؤسساتها ورجالها.

“القانون الذي يشتد على الخصم ويلين للحليف لا يفقد عدالته وحدها، بل يفقد قدرته على إنتاج الثقة.”

من هنا لا يكون الانهيار الأخلاقي شأنًا منفصلًا عن ميزان القوة. الأخلاق ليست زينةً توضع فوق السياسة بعد اكتمالها، بل رأس مالٍ يخفض كلفة القيادة. حين يثق الحليف بأن القائد يفي بالتزامه لا يحتاج إلى ضماناتٍ مضاعفة. وحين تعرف الدولة الصغيرة أن القاعدة تحميها من خصم المركز ومن المركز نفسه، ترى منفعتها في النظام. وحين يؤمن الناس أن الحرب تخضع لقيدٍ أخلاقي وقانوني، لا يتحول كل خطأٍ عسكري إلى برهانٍ على أن القوة لا ترى فيهم بشرًا. أما حين تتسع الفجوة بين الخطاب والفعل، يبدأ رأس المال الأخلاقي بالنفاد. لا تختفي التحالفات فورًا، ولا تسقط المؤسسات، لكن الثقة التي جعلتها تعمل بأقل مقدارٍ من الإكراه تبدأ بالتراجع. ويكتشف الحليف أنه يحتاج إلى الحماية الأمريكية، لكنه يحتاج كذلك إلى الحماية من تقلب القرار الأمريكي؛ فيزيد تسلحه، وينوع علاقاته، ويبني قنواتٍ مالية وتقنية مستقلة، ويحافظ على صلاتٍ بالمنافسين، لا لأنه انتقل إلى معسكرٍ آخر بالضرورة، بل لأنه لم يعد مستعدًا لوضع مصيره كله في يد مركزٍ واحد.

وهنا يبدأ انسحاب الرضا من الأطراف. لا يحدث الانسحاب دائمًا في صورة تمردٍ صاخب؛ قد يبقى الجندي الأمريكي في القاعدة، وتستمر المناورات، وترتفع موازنات الحلفاء، بينما تكون العواصم قد بدأت كتابة خططها لليوم الذي تتراجع فيه المظلة أو تتحول إلى أداة مساومة. لا تغلق الدول الباب الأمريكي، لكنها تفتح إلى جانبه أبوابًا أخرى؛ بابًا إلى الصين في التجارة، وإلى أوروبا في التقنية والتنظيم، وإلى قوى إقليمية في الأمن والطاقة، وإلى مؤسساتٍ مالية جديدة تقلل اعتمادها على البوابة الواحدة. إنها لا تغادر البيت دفعةً واحدة؛ تضع مفاتيح احتياطية في جيوبها. وهذا التحول هو المعنى الأعمق لنهاية الأحادية القطبية. فالأحادية لا تنتهي حين تتفوق دولةٌ واحدة على أمريكا في كل شيء، ولا حين ينتقل تاج العالم كاملًا من واشنطن إلى بكين. إنها تنتهي حين تتوزع وظائف القوة على مراكز متعددة، وحين لا يعود الأمن والمال والتقنية والصناعة والمؤسسات والشرعية قابلًا للجمع الكامل في يدٍ واحدة.

“الأحادية لا تنتهي حين تتفوق دولة على أمريكا، بل حين تتوزع وظائف القوة على مراكز متعددة.”

قد تبقى الولايات المتحدة المركز العسكري والمالي الأثقل، بينما تكون الصين مركزًا صناعيًّا وتجاريًّا لا يمكن تجاوزها، وتملك أوروبا قوةً تنظيمية وسوقية، وتنهض الهند بثقلها السكاني والتقني، وتستعمل دول الخليج مواردها ورأس مالها لإنتاج استقلالٍ أوسع، وتتحول القوى الوسطى من أطرافٍ تختار بين معسكرين إلى مراكز تفاوضٍ تسعى إلى توسيع هامشها. وليس صعود هَذِه القوى دليلًا على ولادة سيدٍ جديد بقدر ما هو علامةٌ على موت فكرة السيد الواحد. فدولٌ كثيرة لا تريد استبدال التبعية الأمريكية بتبعيةٍ صينية، ولا الخروج من مظلةٍ غربية لتدخل في مجالٍ شرقي مغلق. ما تريده هو أن تستطيع التعاون مع واشنطن من غير أن تصبح العلاقة حصرية، وأن تتاجر مع بكين من غير أن تتحول إلى تابع، وأن تدخل مؤسسةً غربيةً وأخرى غير غربية من غير أن يُطلب منها إعلان الولاء المطلق.

والعالم المتعدد ليس عالمًا عادلًا بالضرورة، كما أن تراجع أمريكا ليس في ذاته خلاصًا للبشرية. قد يولد من التعدد توازنٌ أكثر إنصافًا، وقد يولد سباق إمبراطورياتٍ إقليمية لا تقل قسوةً. لكن الحقيقة التي يصعب ردها أن العالم أصبح أكثر قدرةً على العمل والتفاوض والمقاومة من غير المرور الدائم عبر البوابة الأمريكية، وأن كل إفراطٍ أمريكي في استعمال العقوبات أو التقنية أو الدولار أو التحالفات بوصفها أدوات إخضاع يسرع البحث عن الممرات البديلة.

وهنا تدخل الإمبراطورية دائرة الاستنزاف التي تجمع حلقات أفولها كلها. تبدأ الدائرة بتناقضٍ بين الخطاب والفعل؛ بين القانون المعلن والاستثناء الممارس، وبين الحرية التي تُرفع للخصوم والاستبداد الذي يُحمى عند الحلفاء، وبين السيادة التي تُقدَّس حين تمنع المنافس ويُتجاوز معناها حين تعيق المركز. ومن هَذَا التناقض تتراجع الثقة الأخلاقية والسياسية. وحين تتراجع الثقة يقل استعداد الحلفاء والأطراف لتحمل قرارات المركز، فلا يعود ما تقوله واشنطن كافيًا لتشكيل الإجماع، ولا يعود الخلاف معها استثناءً نادرًا.

وحين ينخفض القبول، تحتاج الإمبراطورية إلى مزيدٍ من الضغط؛ عقوباتٍ أوسع، وتهديداتٍ أشد، وربط الأمن بالشراء والطاعة، وتحويل التجارة والتقنية إلى ساحاتٍ للعقاب. وحين يزداد الإكراه ترتفع الكلفة المادية والسياسية، وتتعلم الدول بناء البدائل، ويصبح النفوذ الذي كان يعمل بالثقة محتاجًا إلى سلاحٍ ومالٍ في كل خطوة. وحين ترتفع كلفة المجال الخارجي يعود العبء إلى الداخل؛ دَينٌ أكبر، وإنفاقٌ عسكري متسع، وتنافسٌ أشد على الموارد، وإحساسٌ لدى المواطن بأن عظمة الدولة لا تنعكس في المدرسة والطريق والسكن والصحة والأمان الاجتماعي. وحين يشعر المجتمع بأن الإمبراطورية تأكل الدولة، تتراجع الثقة بالمؤسسات التي تديرها، ويتسع الاستقطاب، ويصبح الالتزام الخارجي موضوعًا حزبيًّا يتغير مع تغير الحكومات. وحين يضعف الداخل، تصبح السياسة الخارجية أقل استقرارًا، ويشك الحليف في استمرارية الضمان، ويختبر الخصم صلابة القرار، فتشعر الإمبراطورية بالحاجة إلى استعراضٍ أكبر للقوة كي تخفي تراجع اليقين.

ثم تعود إلى بداية الدائرة؛ مزيدٌ من الاستثناء والإكراه لتغطية المعنى الذي فُقد. هذه هي الحلقة التي تفسر كيف يمكن لقوةٍ أن تمتلك جيشًا هائلًا وتواجه مع ذلك أفولًا في قدرتها على القيادة. فالأفول ليس غياب الأدوات، بل تراجع العائد السياسي منها؛ أن تنفق الدولة أكثر لتحصل على طاعةٍ أقل، وأن تحتاج إلى تهديد الحليف بعدما كان يتحرك معها اقتناعًا، وأن تضرب الخصم مرارًا من غير أن تنتج نظامًا قادرًا على البقاء بعد الضربة. وقد كشفت الحروب الأمريكية الحديثة حدود السلاح بأقسى صورة. استطاعت الولايات المتحدة إسقاط حكومات وتدمير جيوش واحتلال عواصَمَ، لكنها عجزت عن تحويل التفوق العسكري إلى شرعيةٍ اجتماعية مستقرة. لم تكن المشكلة نقصًا في الصواريخ أو الجنود، بل أن القوة العسكرية تستطيع إزالة سلطةٍ ولا تستطيع وحدها إنشاء عقدٍ اجتماعي، وتستطيع حلَّ مؤسسةٍ ولا تستطيع أن تستورد الثقة التي كانت ــ رغم فسادها ــ تجعل المجتمع يعمل من خلالها.

“الأفول ليس غياب الأدوات، بل تراجع العائد السياسي منها؛ أن تنفق الدولة أكثر لتحصل على طاعة أقل.”

فالدولة ليست آلةً إذا نُزعت أجزاؤها أُعيد تركيبها وفق مخططٍ أجنبي. هي تاريخٌ من الروابط والمخاوف والمصالح والذاكرة والتوازنات. وحين يتعامل المحتل معها بوصفها جهازًا ميكانيكيًّا، يكتشف أن الأجزاء التي ظنها قابلةً للاستبدال كانت تحمل السقف كله. يسقط النظام المعادي، لكن الفراغ يطلق قوىً أشد خطرًا، ويُهزم الجيش النظامي، لكن السلاح ينتشر في مجتمعٍ يعرف الأرض واللغة والزمن أكثر مما يعرفه القادم من وراء البحر. وهنا تنكشف المفارقة غير المتكافئة؛ القوة الكبرى تحتاج إلى نصرٍ واضح، أما الطرف الأضعف فيكفيه منع الحسم. يحتاج المركز إلى أن يقنع شعبه بأن الحرب حققت غايتها، بينما يستطيع المقاتل المحلي أن ينتظر حتى تتعب القوة الأجنبية من حربٍ لا تمس وجودها المباشر. الزمن حليف من لا يملك مكانًا آخر يذهب إليه، وعدوٌّ لمن يستطيع الانسحاب لكنه يخشى أن يسمي الانسحاب هزيمة.

ولهذا لا تعوض القوة العسكرية فقدان الشرعية؛ قد تزيده. فحين تعجز الإمبراطورية عن جعل المجتمع يقبل النظام الذي تدعمه، تميل إلى تعويض النقص بمزيدٍ من العنف. وكلما ازداد العنف تراجعت شرعية النظام، وكلما تراجعت الشرعية احتاج إلى عنفٍ أكبر. ويصبح السلاح الذي جاء لحماية النظام هو الدليل اليومي على أنه لا يستطيع الحياة من دونه. لكن السلاح لا يلتهم شرعية الخارج وحدها؛ يلتهم يد الداخل التي تحمله. تحتاج الحرب الدائمة إلى أجهزةٍ دائمة، وسريةٍ دائمة، وعدوٍّ دائم، وموازناتٍ لا ينتهي طلبها. وما يبدأ استثناءً لمواجهة خطرٍ محدد يجد طريقه إلى بنية الحكم؛ تتوسع المراقبة، ويضيق مجال المحاسبة، ويصبح الخوف موردًا سياسيًّا واقتصاديًّا تنتفع به صناعات ومؤسسات ونخبٌ صار وجودها متصلًا باستمرار التهديد.

عندئذٍ لا تعود الإمبراطورية مجرد مشروعٍ خارجي، بل تتحول إلى تركيبٍ داخلي من المجمعات العسكرية والتقنية والمالية والاستخباراتية. تصبح الحرب سوقًا، والعقوبة اختصاصًا مؤسسيًّا، والخطر برنامجًا انتخابيًّا، ويغدو تقليص المجال الإمبراطوري تهديدًا لمصالح داخلية تملك المال والإعلام والنفوذ. وهكذا قد تعرف الدولة أن بعض التزاماتها تستنزفها، لكنها تعجز عن التخلي عنها؛ لأن الإمبراطورية بنت داخل الدولة من يدافع عن بقائها لا بوصفها مصلحةً وطنيةً فقط، بل بوصفها مصدرًا للوظائف والعقود والسلطة والمكانة.

ومع اتساع هَذَا التركيب تظهر المفارقة الداخلية الكبرى؛ المواطن مطالبٌ بتمويل نظامٍ عالمي، لكنه لا يرى عظمة هَذَا النظام في حياته اليومية. يسمع أن بلاده تقود الأرض، بينما تتراجع ثقته بالقضاء والكونغرس والإدارة والإعلام. يرى الشركات والأسواق والتقنيات تحقق ثرواتٍ هائلة، لكنه يشعر أن السكن والتعليم والصحة والاستقرار تبتعد عنه. ويُطلب منه أن يقبل الدَّين والإنفاق والاستثناء باسم أمنٍ يتسع تعريفه حتى يشمل كل ممرٍّ وسوقٍ وتقنيةٍ وحكومةٍ بعيدة.

ولا تنهار الإمبراطوريات لأن المواطنين يكرهون القوة بالضرورة، بل لأنهم يتوقفون عن رؤية قوتها قوةً لهم. يصبح التاج أكثر لمعانًا، لكن الرأس الذي يحمله أكثر إنهاكًا. وتتسع الفجوة بين لغة العظمة وتجربة الحياة، فيتحول الغضب إلى شعبوية، والشعبوية إلى عداءٍ للمؤسسات، والانقسام إلى عجزٍ عن بناء سياسةٍ تمتد أكثر من دورة انتخابية. عندئذٍ لا يعود السؤال الخارجي منفصلًا عن الداخل؛ فالحليف الذي يبني أمنه على التزامٍ أمريكي يسأل أيُّ أمريكا ستفي به بعد أربع سنوات، والخصم يختبر الانقسامات، والمؤسسة الدولية لا تعرف هل تتعامل مع استراتيجية دولةٍ أم مع سياسة إدارةٍ مؤقتة. وتفقد القوة إحدى أهم شروطها؛ قابلية التوقع.

وإذا أُسقط هَذَا المسار النظري على الحالة الأمريكية، بدا أن معظم شروط الأفول الإمبراطوري المتقدم قد اجتمعت بالفعل، وإن لم تبلغ بعدُ طور النهاية الحاسمة. فقد انكسرت الأحادية التي أتاحت لواشنطن عقدًا من التصرف من غير موازنٍ مكافئ، وانتشرت مراكز الإنتاج والتقنية والتمويل والتفاوض خارج المجال الغربي، واتسعت المؤسسات والتكتلات التي تطالب بإصلاح الحوكمة العالمية وتقليص احتكار المركز الأمريكي للقرار. وفي الوقت نفسه تراجع الرصيد الأخلاقي للقيادة؛ إذ لم يعد يرى في الولايات المتحدة شريكًا يراعي مصالح الآخرين أو قوةً منتجةً للسلام إلا أقلياتٌ محدودة في كثير من الدول، بما فيها دولٌ حليفة، بينما باتت صورة التدخل الأمريكي وازدواجية معاييره أكثر رسوخًا من صورته بوصفه حارسًا محايدًا للنظام.

ولقد بدأ الحلفاء يزيدون قدراتهم الدفاعية ويبحثون عن هوامش أوسع للاستقلال، في حين توسعت القوى الصاعدة في بناء أطرٍ مؤسسية وتفاوضية لا تمر بالضرورة عبر البوابة الأمريكية. وفي الداخل انخفض متوسط الثقة بالمؤسسات الأمريكية الكبرى إلى أقل من ثلاثين في المئة للعام الخامس على التوالي، فيما يتجه الدَّين العام وتكاليف فائدته إلى فرض قيودٍ متزايدة على قدرة الدولة على الجمع بين أعباء الهيمنة والاستثمار الاجتماعي والإنتاجي. ومع ذلك لا تزال الولايات المتحدة أكبر قوةٍ عسكرية منفردة، ولا يزال الدولار يحتفظ بمركزيته الواسعة، وتبقى شبكتها التحالفية والاقتصادية والتقنية أعمق من أن تُستبدل سريعًا؛ وهو ما يمنع وصفها بأنها دخلت المرحلة الأخيرة من السقوط.

إنَّ أمريكا، وفق السلم التحليلي لهذه السلسلة، في المستوى القبلِ الأخير للنهاية الإمبراطورية؛ مرحلة الإمبراطورية الحصينة المستنزَفة التي ما تزال تملك أدوات الهيمنة، لكنها تحتاج إلى استعمالها بوتيرةٍ أشد لتحصيل نتائج أقل، وتدافع عن امتيازاتها بالعقوبات والضغط والعسكرة بعدما أخذت تفقد القدرة على تجديدها بالرضا والجاذبية. والمرحلة التالية ليست بالضرورة انهيار الولايات المتحدة أو تفككها، بل لحظة الاختيار بين انكماشٍ منظم يحفظ الدولة وقوتها الأساسية، وتراجعٍ قسري تفرضه الكلفة والمقاومة وتآكل الحلفاء. وولهذا فإن القول إنها في المستوى القبلِ الأخير لا يعني تحديد موعدٍ محتوم للسقوط، بل يعني أن مرحلة الصعود والقيادة المقبولة والذروة الأحادية قد انقضت، وأن ما بقي قبل نهاية الإمبراطورية هو حسم السؤال الذي تهربت منه طويلًا؛ هل تقبل التخلي عن بعض السيطرة لتحفظ قوتها، أم تستهلك قوتها كلها في محاولة منع عالمٍ لم يعد مستعدًّا للعيش تحت سيادتها المنفردة؟

غير أن هَذَا كله لا يعني أن الولايات المتحدة على حافة الزوال، ولا أن الإمبراطورية إذا تراجعت ستسقط الدولة معها. هنا يجب أن يبقى التمييز حاسمًا؛ فما قد يتآكل هو القدرة على احتكار النظام، لا وجود أمريكا ذاته. قد تتراجع حرية فرض العقوبات من دون كلفةٍ مرتدة، وتضعف الطاعة التلقائية للحلفاء، وتتوزع القواعد التقنية والمالية، وتصبح التدخلات أكثر مقاومةً وأعلى ثمنًا. لكن الولايات المتحدة يمكن أن تبقى قوةً عسكرية ونووية أولى، واقتصادًا وتقنيةً ومركزًا ماليًّا بالغ التأثير، ودولةً غنيةً بالموارد والطاقة والزراعة، وصاحبة جامعاتٍ ومختبراتٍ وثقافة ابتكار، وسوقًا هائلة، ومركز جذبٍ للعقول ورأس المال. وقد تبقى شبكتها التحالفية، وإن أصبحت أكثر تفاوضًا وأقل خضوعًا.

“ليس أفول الإمبراطورية حكمًا بموت أمريكا، بل اختبارًا لقدرتها على التفريق بين الأمة العظيمة والإمبراطورية المتسلطة.”

ليس أفول الإمبراطورية إذن حكمًا بموت أمريكا، بل اختبارًا لقدرتها على التفريق بين ما يجعلها أمةً عظيمة وما يجعلها إمبراطوريةً متسلطة. عظمتها الحقيقية لا تكمن في قدرتها على معاقبة دولةٍ بعيدة، بل في علمها ومؤسساتها وقدرتها على التجدد، وفي أن يرى الإنسان فيها مكانًا يستطيع أن يبني داخله مستقبلًا. أما الامتياز الإمبراطوري فيقوم على احتكار القرار، وإعفاء الذات من القيود، وتحويل احتياج الآخرين إلى فرصةٍ لإخضاعهم. وإذا استطاعت أمريكا أن تتخلى عن الامتياز لتحفظ القوة، فقد يكون أفول الإمبراطورية بدايةً لتجدد الدولة. تستطيع أن تنتقل من إصدار الأوامر إلى بناء التوافق، ومن حماية النظام لأنها تملكه إلى حمايته لأنها أحد أعمدته، ومن رؤية القوى الصاعدة خصومًا وجوديين إلى قبولها شركاء ومنافسين داخل قواعدٍ مشتركة.

لكن هَذَا التحول يتطلب شجاعةً ليست أقل من شجاعة الحرب؛ شجاعة الاعتراف بأن لحظة الأحادية لم تكن نهاية التاريخ، وأن التفوق لم يمنح أحدًا وصايةً أبدية، وأن صعود الآخرين لا يعني اختفاء أمريكا، وأن التراجع عن التزامٍ مرهق قد يكون حكمةً لا إذلالًا. ويتطلب كذلك إعادة تعريف الأمن. ليس أمن الدولة قدرتها على التحكم في كل إقليم، بل قدرتها على حماية شعبها ومصالحها الحيوية من غير أن تستهلك مواردها في حراسة امتيازاتٍ موروثة. وليس الحليف من يطيع في كل مسألة، بل من يشترك في المصالح ويحتفظ بكرامته وقراره. وليس القانون أداةً لإدارة الخصوم، بل قيدٌ يقبل القوي الخضوع له حين يستطيع تجاوزه. أما إذا أصرت واشنطن على مساواة القوة بالسيطرة، فسوف تتحول كل قوةٍ أخرى إلى تهديدٍ في وعيها. ستقاوم صعود الصين لا حين يهدد أمنها فقط، بل حين يثبت أن الصناعة والمال والتقنية يمكن أن توجد خارج مركزها. وستقلق من استقلال أوروبا، ومن حياد الهند، ومن تنويع الخليج، ومن مؤسسات الجنوب، ومن كل عملةٍ أو منصةٍ أو ممرٍّ يقلل الحاجة إلى بوابتها.

وحين ترى الإمبراطورية كل استقلالٍ عدوانًا، يصبح العالم كله جبهة. وتتسع العقوبات، وتتعسكر التجارة، وتغلق التقنية، ويتحول الحليف إلى زبونٍ مطالب بالدفع، والمنافس إلى عدوٍّ لا تجوز معه التسوية، ويصبح الاعتراف بالتعدد خيانةً للعظمة. قد تحقق هَذِه السياسة مكاسب قصيرة؛ تؤخر منافسًا، وتفرض صفقةً، وتستعيد مصنعًا، وتجبر حليفًا على زيادة الإنفاق. لكنها تسرع في الوقت نفسه بناء العالم الذي تريد منعه؛ عالمٍ يحتاط من الدولار، ويصنع الرقائق بعيدًا عن الإذن الأمريكي، وينشئ مسارات دفعٍ بديلة، ويمنح الحلفاء قدرةً أوسع على العمل من دون المركز. فالإفراط في استعمال الامتياز هو أسرع الطرق إلى إضعافه. العملة التي تتحول إلى سوط تعلم الناس بناء طريقٍ خارجها، والتقنية التي تُمنع لأغراض الهيمنة تصبح مشروعًا قوميًّا لدى الخصم، والمظلة التي تتحول إلى إتاوة تدفع الحليف إلى شراء مظلةٍ أخرى. وليس في صعود الصين أو غيرها خلاصٌ أخلاقي تلقائي. فالصين قد تحول ثقلها الاقتصادي إلى ضغط، وروسيا قد تربط أمنها بالسيطرة على جوارها، والقوى الإقليمية قد تعيد إنتاج الاستثناء داخل أقاليمها. لذلك لا ينبغي أن تكون خاتمة نقد الإمبراطورية الأمريكية دعوةً إلى تتويج إمبراطورٍ آخر.

الدرس الأعمق ليس أن أمريكا لا تستحق العرش وأن الصين أو غيرها أحق به؛ بل أن العرش نفسه هو المشكلة حين يجعل مركزًا واحدًا مالكًا للشرعية والقانون والقرار، وحين يحول العالم إلى أطرافٍ تنتظر ما يراه المركز صالحًا لها. إن تعدد الأقطاب لا يكون تقدمًا إذا صار لكل إقليم سيدٌ صغير، ولا تصبح مقاومة الهيمنة عادلةً إذا بررت هيمنة المنافس. فالقاعدة التي نطالب أمريكا بالخضوع لها يجب أن تقيد الصين وروسيا وأوروبا والقوى الإقليمية أيضًا؛ وإلا لم نغادر شريعة الغاب، بل وزعنا الغابة بين وحوشٍ أكثر عددًا.

ومن هنا يبلغ المشروع كله سؤاله الأخير؛ هل الغاية أن تبقى أمريكا قوية، أم أن تبقى مسيطرة؟ القوة تستطيع أن تتعايش مع قوة الآخرين، أما السيطرة فترى في قوتهم إهانةً لها. القوة تبحث عن التوازن، والسيطرة تبحث عن الطاعة. القوة تستطيع أن تقبل القانون لأنه يحمي الجميع، أما السيطرة فتريد قانونًا يعمل في اتجاهٍ واحد. القوة تستطيع أن تنسحب من التزامٍ صار عبئًا، أما السيطرة فتظل فيه لأن حماية الهيبة أصبحت أهم من حماية المصلحة. والدولة تحتاج إلى مواطنين يثقون بأن الدولة تعود إليهم، وأن ثروتها وقوتها تحمي حياتهم وحقوقهم. أما الإمبراطورية فتحتاج إلى أعداء دائمين، لأن قواعدها وأجهزتها واستثناءاتها لا تعيش بلا خطرٍ لا ينتهي. فإذا اختفى عدوٌّ، اتسع تعريف العدو حتى يشمل المنافس المستقل والحليف المتردد والسوق التي لا تخضع. وحين تبتلع الإمبراطورية الدولة يصبح المواطن ممولًا لمجدٍ لا يملكه، ويصبح الدستور غطاءً لأجهزةٍ توسع الاستثناء، ويصبح الأمن مبررًا دائمًا لتأجيل العدالة والإصلاح. عندئذٍ لا يكون أكبر أعداء الدولة خارج حدودها، بل شهوة الامتداد التي جعلتها تنسى أن السلاح وُجد لحماية المجتمع، لا ليصبح المجتمع وقودًا لحماية السلاح.

لا تسقط الإمبراطوريات عندما تفقد القدرة على إخافة العالم فحسب؛ بل حين تصبح حاجتها المتزايدة إلى إخافته دليلًا على أنها لم تعد قادرةً على قيادته. فالقوة الواثقة لا تحتاج إلى تهديد الحليف كل يوم، ولا إلى خنق الخصم في كل سوق، ولا إلى تفسير كل استقلالٍ بوصفه تمردًا. أما الإمبراطورية القلقة فكلما تراجع رضا العالم عنها شددت قبضتها عليه، حتى تنفق في منع الخروج من نظامها أكثر مما أنفقته يومًا في بنائه.

وقد تنتهي الإمبراطورية الأمريكية من غير أن تنتهي الولايات المتحدة. بل قد تكون نهاية الإمبراطورية شرطًا لبقاء الدولة قويةً؛ لأنها تحررها من أعباء الوصاية، وتعيد السلاح إلى وظيفته، والقانون إلى مكانه، والتحالف إلى معناه، والاقتصاد إلى خدمة المجتمع، والمواطن إلى مركز الدولة. لكن ذلك يقتضي أن تعرف القوة متى تنزل عن عرش الهيمنة قبل أن يتحول العرش إلى حملٍ يسحقها؛ وأن تدرك أن العالم الذي لا يدور حولها ليس بالضرورة عالمًا معاديًا لها، وأن الشراكة لا تنتقص من العظمة، وأن القانون الذي يقيدها لا يهينها، وأن الأمة تستطيع أن تكون كبيرةً من غير أن تجعل الآخرين أصغر.

أما إذا تشبثت بالتاج حتى النهاية، فقد يبقى السلاح في يدها زمنًا طويلًا، وتظل القواعد منتشرةً والدولار قويًّا والأساطيل حاضرة؛ لكن العرش يكون قد سقط في وعي العالم، وتكون القيادة قد تحولت إلى إخضاع، والحلفاء إلى متحوطين، والقانون إلى ذريعة، والقوة إلى سيفٍ لا يجد شيئًا يقطعه سوى اليد التي حملته. وعندئذٍ لا يكون السؤال مَن هزم أمريكا؛ بل لماذا عجزت أمريكا عن النجاة من الوهم الذي أقنعها بأن بقاءها يقتضي بقاء العالم تحتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى