الفكرتربية واجتماعمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

الإرهاب بين شيطنة الإسلام وتجريم التحرر وهندسة الطاعة

قد تنفجر قنبلةٌ في سوقٍ مكتظ، فتتناثر الأجساد، وتبقى الأحذية والحقائب وألعاب الأطفال مبعثرةً في المكان، كأن أصحابها ابتعدوا لحظةً وسيعودون. لا يكون القصد في مثل هَذَا الفعل قتل من أصابتهم الشظايا وحدهم، بل إصابة من بقوا أحياءً بخوفٍ يتجاوز لحظة الانفجار؛ أن يتحول موتُ القليل إلى رسالةٍ مرعبة للجميع، وأن تصبح الحياة اليومية نفسها موضع تهديد. هنا تقترب كلمة «الإرهاب» من معناها الأخلاقي الصادق؛ عنفٌ يستهدف الإنسان أو يهدده ليصنع من الرعب قوة ضغطٍ سياسية أو عقائدية أو اجتماعية.

لكن حيًّا كاملًا قد يُقصف في مكانٍ آخر، وتُهدم البيوت على ساكنيها، وتُقطع المياه والدواء، ويُدفع الآلاف إلى النزوح، ثم تغيب الكلمة نفسها عن وصف المشهد. يحضر بدلًا منها قاموسٌ باردٌ يخفف وطأة الدم؛ عمليةٌ عسكرية، وردٌّ أمني، وضربةٌ وقائية، وأهدافٌ مشروعة، وأضرارٌ جانبية. ويُطلب من الجمهور أن ينظر إلى الجثث لا بوصفها نتيجة فعلٍ أراد نشر الخوف وإخضاع مجتمع، بل بوصفها أخطاءً تقنيةً مؤسفةً وقعت في سياق ممارسة دولةٍ لحقها في الأمن.

في المشهد الأول يسبق اسم الجريمة التحقيق، وفي الثاني يتأخر حتى يضيع بين البيانات العسكرية والتفسيرات القانونية. في الأول تُقرأ هوية الفاعل جزءًا من الجريمة، وفي الثاني تمنح هوية الفاعل حصانةً لغويةً وأخلاقية. وقد يقتل فردٌ مدنيين فيتحول دينه ونصوصه ومجتمعه وتاريخه إلى مَوَاضِعِ اتِّهَامٍ معه، بينما تقتل دولةٌ أضعافهم فلا يُستدعى إلى المحاكمة سوى الجندي الذي أخطأ، أو المعلومة التي لم تكن دقيقة، أو القذيفة التي انحرفت قليلًا عن هدفها. هنا لا يعود «الإرهاب» مجرد اسمٍ لجريمة، بل يصبح سلطةً لتوزيع التجريم والبراءة؛ سلطةً لا تسأل دائمًا عما وقع، بل عمن وقع منه، ولا تزن الدم بميزانٍ واحد، بل تحدد مسبقًا أي فاعلٍ يملك حق تفسير عنفه وأي فاعلٍ يُحرم حتى من عرض مظلمته.

“لا يعود الإرهاب مجرد اسم لجريمة، بل يصبح سلطة لتوزيع التجريم والبراءة وتحديد من يملك حق تفسير عنفه.”

ولذلك فإن أخطر ما في مصطلح الإرهاب ليس وجوده، بل امتلاك القوة السياسية حق توسيعه وتضييقه. فالعالم يحتاج إلى كلمةٍ تصف استعمال العنف المتعمد ضد المدنيين لنشر الخوف وإرغام المجتمعات، كما يحتاج إلى قوانين تحمي الناس من التفجير والخطف والاغتيال والتعذيب. غير أن الكلمة حين تفارق الفعل المحدد وتلتصق بهويةٍ أو شعبٍ أو دين، تتحول من وسيلةٍ لحماية الإنسان إلى أداةٍ لإنتاج أعداء يمكن استبعادهم من الحماية الإنسانية نفسها. الكلمات في السياسة لا تقف خارج القوة، ولا تكتفي بوصف الوقائع بعد وقوعها. إنها ترسم حدود ما يمكن رؤيته والتعاطف معه والدفاع عنه. من يُسمى «مدنيًّا» يستدعي الحماية، ومن يسمى «مشتبهًا به» يفقد شيئًا من براءته قبل التحقيق، ومن يسمى «مقاتلًا» قد يصبح موته خبرًا عسكريًّا عابرًا، ومن توصف قريته بأنها «بيئة حاضنة» يصبح العقاب الواقع عليها قابلًا للتبرير. وحين يُسمى احتلالٌ «ترتيبًا أمنيًّا»، وتسمى المقاومة «إرهابًا»، يُعاد بناء الواقع كله داخل اللغة قبل أن يبدأ النقاش في القانون والعدالة.

المصطلح هنا لا يصف العدو بعد ظهوره، بل يشارك في صناعته. يمنحه صورةً لا تاريخ لها ولا مظلمة ولا أرض محتلة ولا سجن ولا حصار، ثم يعرضه على العالم بوصفه شرًّا خالصًا لا يمكن فهمه إلا أمنيًّا. وحين يُجرّد الإنسان من سياقه، يصبح قتاله أسهل؛ لأن التفاوض يحتاج إلى الاعتراف بأن للطرف الآخر قضيةً ومصلحةً وحقوقًا، أما «الإرهابي» فلا يُفترض أن تكون له قضية، بل مرضٌ ينبغي استئصاله. من هنا كانت السيطرة على الاسم جزءًا من السيطرة على الأرض. فالاستعمار لم يكن يصف الشعوب التي تقاومه دائمًا بأنها حركات تحرير، بل كان يصفها بالعصابات والمخربين وقطاع الطرق والمتعصبين. لم تكن هَذِه الأوصاف أخطاءً لغويةً عابرة، بل كانت تؤدي وظيفةً واضحة؛ نزع السياسة عن الصراع. فالمستعمِر لا يعود محتلًّا يواجه شعبًا يطالب بحقه، بل دولةً منظمة تواجه اضطرابًا أمنيًّا. والمقاوم لا يعود صاحب قضية، بل مجرمًا يهدد النظام العام.

حين تُسلب المقاومة اسمها، يُسلب منها الحق في أن تُفهم. تصبح الأرض المختلف عليها «منطقةً مضطربة»، ويصبح الاحتلال «استقرارًا»، ويصبح السجن «إجراءً وقائيًّا»، ويصبح حصار المجتمع «تجفيفًا لمصادر التهديد». وبذلك لا تكون الغاية من الوصف إدانة الأفعال المحرمة التي قد يرتكبها بعض المقاومين، بل دمج القضية كلها في صورة الجريمة، حتى يبدو التحرر نفسه خطرًا على السلام.

لقد عرفت حركات تحررٍ كثيرة هَذَا التحول؛ كانت تُقدَّم في زمن قوتها الضعيفة بوصفها عصاباتٍ إرهابية، ثم أعاد التاريخ الاعتراف بها بعد أن تغير ميزان القوة وأصبح ممثلوها رؤساء وقادةً وشركاء تفاوض. ولم تتغير دائمًا حقيقة الاحتلال أو حق الشعب بين المرحلتين؛ الذي تغير هو قدرة الطرف المستضعف على فرض اسمه، وعلى منع خصمه من احتكار الرواية. غير أن فساد الاستعمال الاستعماري للمصطلح لا يمنح أي حركة تحريرٍ عصمةً أخلاقية. فعدالة القضية لا تجعل كل وسيلةٍ عادلة، وحق الشعب في مقاومة الاحتلال لا يبيح استهداف المدنيين، كما أن جريمةً ترتكبها جماعةٌ مقاومة لا تمنح الاحتلال براءةً ولا تسقط حق الشعب في التحرر. لا بد من فصلٍ واضح بين ثلاثة مستويات تختلط عمدًا في الخطاب السياسي؛ شرعية القضية، وصفة الفاعل، ومشروعية الفعل المحدد.

“حين تُسلب المقاومة اسمها يُسلب منها الحق في أن تُفهم، ويُعاد بناء الواقع كله داخل اللغة.”

قد تكون القضية عادلةً والوسيلة مجرمة، وقد يرتكب صاحب الحق فعلًا محرمًا من غير أن يتحول الباطل الذي يقاومه إلى حق. كما قد تستعمل دولةٌ شعار مكافحة الإرهاب بينما تمارس العقاب الجماعي والتعذيب وإرهاب السكان. والعدل لا يقتضي مساواةً زائفة بين المحتل ومن يقاومه، لكنه يقتضي ألَّا تصبح المظلومية رخصةً لإلغاء حرمة من لا يقاتل. ذلك التمييز هو ما تهدمه صناعة المصطلح في الاتجاهين؛ فالسلطة تريد أن تجعل كل مقاومةٍ إرهابًا، وبعض أنصار المقاومة يريدون أن يجعلوا كل ما يصدر عنها مشروعًا. وبين التعميمين تضيع الضحية ويضيع المعيار. المطلوب ليس قلب الانتقائية، بل إنهاؤها؛ أن يبقى احتلال الأرض ظلمًا ولو ارتكب بعض المقاومين جريمة، وأن يبقى قتل المدني جريمةً ولو ارتكبه صاحب قضيةٍ عادلة، وأن يخضع فعل الدولة والجماعة والفرد لمعيارٍ واحد.

لكن الارتباط الأشد رسوخًا في المخيلة الحديثة لم يعد بين الإرهاب والمقاومة وحدها، بل بين الإرهاب والإسلام. لم يولد هَذَا الربط في يومٍ واحد، ولم تبدأ حكايته بهجمات الحادي عشر من سبتمبر، وإن كانت تلك الهجمات قد منحته قوةً عالميةً استثنائية. فقد سبقتها قرونٌ من الصور التي قدمت المسلم بوصفه الخصم الحضاري، ثم جاءت التجربة الاستعمارية لتقرأ مقاومة المجتمعات الإسلامية بلغة التعصب الديني، كأن رفض الاحتلال لم يكن سياسةً وتحررًا، بل انفعالًا غامضًا يصدر عن عقيدةٍ عاجزة عن التعايش مع العالم الحديث.

حين قاوم المسلمُ الاستعمار لم يكن يُنظر إليه دائمًا باعتباره إنسانًا يدافع عن أرضه، بل بوصفه «متعصبًا» تحركه كراهية الحضارة. وحين تمسك بدينه في وجه محاولات التفكيك الثقافي، عُرض تدينه دليلًا على رفض التقدم. وبذلك صارت الهوية الإسلامية في الخطاب المهيمن تفسيرًا جاهزًا للعنف، بينما غابت عن التحليل أسباب الاحتلال والإذلال والاستبداد والتدخل والحروب وتدمير المجتمعات. ثم جاءت هجمات سبتمبر لتجمع هَذِه الصور القديمة في نظامٍ أمني وإعلامي وقانوني واسع. لم تعد الجريمة التي يرتكبها مسلم تُقرأ فعلًا فرديًّا أو تنظيميًّا فحسب؛ أصبحت بابًا لمحاكمة الإسلام نفسه. يُستدعى القرآن، والفقه، والتاريخ، والمساجد، والهجرة، وملابس النساء، وأحوال الأقليات المسلمة، كأن ملايين البشر شركاء في الجريمة لمجرد أن القاتل استعمل مفرداتٍ من دينهم. ولو ارتكب شخصٌ من أتباع دينٍ أو قوميةٍ أخرى جريمةً، سعى كثيرون إلى البحث عن أزمته النفسية ومساره الفردي وعزلته الاجتماعية. أما إذا كان مسلمًا، فإن اسمه ولحيته وصلاته ومسجده قد تتحول إلى تفسيرٍ كامل قبل أن تُعرف تفاصيل حياته. في الحالة الأولى يُفصل القاتل عن جماعته لحماية الجماعة من التعميم، وفي الثانية تُستدعى الجماعة كلها لتفسير القاتل.

وهكذا لا يعود المسلم مواطنًا كامل البراءة حتى يثبت عليه فعل، بل ذاتًا معلقةً بين البراءة والاشتباه، مطالبةً بإظهار “الاعتدال” باستمرار. ينشأ عن ذلك ما يمكن تسميته «عبء الإدانة الدائمة»؛ يُطلب من المسلم أن يدين كل جريمةٍ يرتكبها شخصٌ يشاركه اسم الدين، ويُختبر مقدار سرعة إدانته وصياغتها ونبرتها. فإذا أدان من دون مناقشة السياق قُبل مؤقتًا في صف «المعتدلين»، وإذا تحدث بعد الإدانة عن الاحتلال أو الحرب أو العنصرية اتُّهم بالبحث عن الأعذار. وإذا صمت أصبحت سكوته شبهة، وإذا احتج على تحميله المسؤولية قيل إن احتجاجه دليلٌ على عدم اندماجه.

“تتحول الإدانة من موقف أخلاقي يصدر بحرية عن الإنسان إلى طقس ولاء سياسي يُفرض على الذات المشتبه بها.”

بهذه الطريقة تتحول الإدانة، من موقفٍ أخلاقي يصدر بحريةٍ عن الإنسان، إلى طقس ولاءٍ سياسي. لا يكفي أن يكون المسلم غير متورط في العنف؛ عليه أن يثبت باستمرار أنه يتبنى الرواية التي تصوغها السلطة عن أسباب العنف وطرائق مواجهته. وقد يُسمح له بإدانة الجريمة، لكن لا يُسمح له بتفسير البيئة التي نشأت فيها إذا كان التفسير يحمّل السياسات الغربية أو الاحتلال أو الاستبداد الحليف جزءًا من المسؤولية. ومن خلال التناول الإعلامي المغرض والطرح القائم على التشويه والتشويش تطور لمصطلح الإرهاب في أذهان العامة خصوصاً في الغرب معنى جديد خطير يربط بين الإرهاب والإسلام وتلقفه الإعلام وبدأ في ترسيخه حتى نشأ ما سمي بعد ذلك بالإسلاموفوبيا.

وهنا بدأت تعمل الإسلاموفوبيا لا بوصفها كراهيةً وجدانيةً للمسلمين فحسب، بل بوصفها بنيةً معرفية وأمنية. إنها تحدد مسبقًا مَن يُراقَب، وأي خطابٍ يُعامل بوصفه علامة تطرف، وأي سفرٍ يثير الشبهة، وأي تبرعٍ يحتاج إلى فحصٍ استثنائي، وأي مسجدٍ يجب أن يثبت براءته، وأي قضيةٍ سياسية يُنظر إلى تأييدها بوصفه اقترابًا من الخطر. إنَّ الإسلاموفوبيا المؤسسية أخطر من الشتيمة المباشرة؛ لأن الشتيمة يمكن التعرف إليها ورفضها، أما المؤسسة فتستطيع أن تحول التحيز إلى إجراء يبدو محايدًا. تُصاغ معايير «المخاطر» بلغةٍ تقنية، ثم تقع آثارها بدرجةٍ أكبر على المسلمين أو القادمين من مناطق بعينها. قد يُغلق حسابٌ مصرفي لأن اسم صاحبه أو تحويلاته تطابق نمطًا خوارزميًّا، وقد تتعطل مؤسسةٌ خيرية لأن عملها يقع في منطقة صراع، وقد يُمنع السفر أو تتكرر الاستجوابات بلا اتهامٍ محدد، ثم يقال إن النظام لم يستهدف دينًا بل طبّق قواعد عامة.

لكن القاعدة العامة لا تكون عادلةً لمجرد أن نصها لم يذكر اسم الجماعة إذا كانت بنيتها ونتائجها تحول الجماعة إلى مخزنٍ دائمٍ للاشتباه. فالمشكلة لا تبدأ عند إعلان أن كل مسلمٍ إرهابي، بل حين يُعامل المسلم على أنه أقرب من غيره إلى احتمال الإرهاب، فيصبح مطالبًا بإثبات براءةٍ لا يُطلب من الآخرين إثباتها. وعندما يترسخ هَذَا الربط في الإعلام، تدخل الصورة الأمنية في الذاكرة الاجتماعية. تتكرر عناصر بعينها؛ وجهٌ شرقي، ولحية، ومسجد، وهتافٌ عربي، وسلاح، ونساءٌ محجبات، حتى تصبح هَذِه العلامات في الخيال العام مقدماتٍ لخطرٍ لم يقع بعد. لا يعود المسلم إنسانًا قد يرتكب مثل غيره جريمةً أو فضيلة، بل يتحول إلى «ملف احتمال»، تُقرأ هويته بحثًا عن الإشارة التي تثبت الصورة السابقة.

ويتفاوت الحداد تبعًا لذلك. إذا كان الضحايا غربيين، تُروى قصصهم وأسماؤهم ومهنهم وأحلامهم، ويعود كل واحدٍ منهم من الرقم إلى الإنسان. أما إذا كانوا مسلمين في بلدٍ تقصفه الطائرات أو تمزقه الحرب، فقد يظهرون أرقامًا ضخمةً عابرة بلا وجوه ولا قصص ولا ارتباطات، وكأن إنسانيتهم كلما كثرت تقلصت؛ آلاف الضحايا يصبحون مجرد إحصائية، بينما يستعيد الضحية القريب اسمه الكامل وصورته وكرسيه الفارغ في بيت أسرته. هَذِه اللامساواة في الرواية ليست أمرًا عاطفيًّا فقط بل هي وجه قبيح بارز من وجوه الإرهاب الحقيقي؛ إنها تؤثر في مقدار العنف الذي يستطيع المجتمع قبوله. فالذي لا يرى وجه الضحية يسهل عليه قبول موتها، والذي يُختزل في صفة «مشتبه به» أو «بيئة حاضنة» يفقد قسمًا من الحماية الأخلاقية قبل أن يصيبه السلاح. وهكذا توظف الإسلاموفوبيا تمهيدًا نفسيًّا للحرب؛ لا تأمر بقتل المسلم مباشرة، لكنها تقلل مقدار الفزع من موته.

ولذلك كان ربط الإسلام بالإرهاب مفيدًا لسياسات السيطرة الخارجية. فالحرب التي تُقدَّم بوصفها مواجهةً مع عدوٍ محدد يمكن أن تنتهي بالقضاء عليه أو التفاوض معه، أما الحرب على «تطرفٍ إسلامي» غامض فتستطيع أن تنتقل من دولةٍ إلى أخرى ومن جيلٍ إلى آخر. لا تحتاج إلى إعلان نهاية؛ لأن الهوية الدينية واسعة، والتأويلات المحتملة لا تنقضي، والخطر يمكن إعادة اكتشافه كلما احتاجت السلطة إلى توسيع صلاحياتها أو حضورها. بهذا تحولت «الحرب على الإرهاب» إلى حربٍ بلا حدودٍ واضحة. لم يكن عدوها جيشًا يوقع وثيقة استسلام، ولا دولةً تنتهي الحرب بتغير سياستها، بل مفهومًا يمكن أن يتجسد في تنظيمٍ ثم ينتقل إلى آخر، وفي بلدٍ ثم يظهر في بلدٍ بعيد. وكلما انتهت جبهة، أمكن القول إن الخطر تغير شكله، وإن الانسحاب المبكر سيسمح له بالعودة. وقد سمح هَذَا الغموض بتوسيع القواعد والعمليات الخاصة والمراقبة والطائرات المسيّرة والاعتقالات السرية والتسليم عبر الدول، كما منح التدخلات الخارجية لغةً أخلاقيةً جاهزة. فالدولة لا تقول إنها تريد السيطرة على موقعٍ أو حماية نفوذٍ أو تأمين مورد، بل تقول إنها تواجه الإرهاب، ومن يعترض قد يُتهم بأنه يتهاون مع الخطر أو لا يفهم الضرورة الأمنية.

وهنا تظهر القيمة الإمبراطورية للمصطلح؛ إنه يحول المصلحة الخاصة إلى قضيةٍ كونية. حين تخوض قوةٌ كبرى حربًا من أجل نفوذها، يمكن مناقشة شرعية مصلحتها وكلفتها. أما حين تعلن أنها تحارب الإرهاب نيابةً عن الإنسانية، تصبح حربها خدمةً عامةً يُطلب من الدول الأخرى دعمها، وتتحول السيادة الوطنية إلى عائقٍ أخلاقي أمام مطاردة الشر. والخطير في هَذَا الجانب أن الحرب على “الإرهاب” قد يكون لها بداية ولكن ليس لها نهاية، بل هي قابلة للاستمرار عقوداً أو قروناً بنفس التهمة الكاذبة السمجة دون أن تجد مساءلة أو مناهضة.

كما تتيح قوائم الإرهاب ممارسة سيطرةٍ تتجاوز الحدود من غير احتلالٍ مباشر. لا تكتفي الدولة بتصنيف جماعةٍ داخل نظامها القانوني، بل تضغط على المصارف والشركات والحكومات الأخرى كي تتبنى التصنيف نفسه. تُجمّد الأموال، وتُغلق المكاتب، ويُجرّم التواصل، ويُحرم الطرف المصنف من التمثيل السياسي، وقد تمتد العقوبة إلى الجمعيات والأسر والمناطق التي تعتمد على خدماته. والقائمة لا تكون وصفًا محايدًا؛ إنها تعيد تشكيل موازين الصراع. حين تُصنف حركةٌ ما إرهابية، لا يُدان فقط ما قد تكون ارتكبته من جرائم، بل يُغلق أمامها المجال السياسي كله، حتى إذا كانت تمثل قطاعًا اجتماعيًّا أو تواجه احتلالًا. يصبح الحديث معها «دعمًا للإرهاب»، ويصبح فهم خطابها «تطبيعًا»، ويُطلب منها أحيانًا التخلي عن أدوات قوتها قبل أن يُعترف بأصل القضية التي حملتها.

وبذلك يُستخدم المصطلح لمحاربة حركات التحرر على مستويين؛ مستوى عسكري يبرر ضربها، ومستوى سياسي يمنعها من التحول إلى طرف تفاوضي شرعي. فالاستعمار لا يريد فقط هزيمة المقاوم، بل يريد حرمانه من اسم المقاومة، لأن الاسم يمنحه سياقًا وحقًّا وجمهورًا، بينما يحوله اسم الإرهاب إلى عدوٍ منفصل عن المجتمع لا يمثل إلا العنف. لا يعني هَذَا أن كل حركةٍ تصف نفسها بالتحرر تستحق الاعتراف، ولا أن كل فعلٍ مقاوم مشروع. لكن الطريق العادل ليس تصنيف الحركة كلها انطلاقًا من هوية خصمها أو موقف الدولة منها، بل تفكيك أفعالها؛ ما الذي استهدف قواتٍ مقاتلة؟ وما الذي استهدف مدنيين؟ ما الذي يدخل في مقاومة الاحتلال؟ وما الذي يمثل جريمةً يجب أن يُحاسب مرتكبها؟ فالجماعة الواحدة قد تمارس مقاومةً مشروعة في فعل، وترتكب إرهابًا أو جريمة حرب في فعل آخر. أما الختم الشامل فيمنع هَذَا التمييز لأنه لا يريد العدالة بقدر ما يريد الإقصاء.

ولا تنحصر صناعة الإرهاب في القوى الغربية؛ فقد أدركت الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي والإسلامي القيمة السياسية للمصطلح، فاستوردت قاموسه ومؤسساته، وقدمت قمعها بوصفه مساهمةً في الأمن العالمي. صار المعارض «متطرفًا»، والصحفي «محرّضًا»، والجمعية المستقلة «واجهةً مشبوهة»، والاحتجاج «مخططًا لزعزعة الاستقرار»، والمطالبة بالحرية خطوةً أولى نحو الفوضى، وكلها تصنف عندهم تحت مسمى “قانون محاربة الإرهاب”. وتقدم هَذِه الأنظمة نفسها إلى الخارج حائطًا يحميه من الإسلاميين والمهاجرين والفوضى. وتقول لشعوبها إن البديل عنها ليس الحرية بل الحرب الأهلية والإرهاب. وبذلك يصبح الخوف من المستقبل أداةً لتجميد الحاضر، ويُخيَّر المجتمع بين استبدادٍ قائم وكارثةٍ محتملة، كأن السياسة لا تعرف طريقًا ثالثًا.

“السلطة المستبدة تحول الخوف من المستقبل إلى أداة لتجميد الحاضر، وتُخيّر المجتمع بين استبداد قائم وكارثة محتملة.”

ومن أكثر المفارقات قسوةً أن بعض هَذِه الأنظمة يسهم في إنتاج البيئة التي ينمو فيها التطرف؛ يغلق المجال السياسي، ويعذب المعارضين، ويحرم المجتمعات من التغيير السلمي، ثم يستعمل العنف الذي يخرج من بعض الهوامش دليلًا على أن القمع كان ضروريًّا منذ البداية. تدور الحلقة في نظامٍ محكم؛ يولد الظلم غضبًا، ويُحرم الغضب من وسائل التعبير السلمي، فينحرف بعضه إلى العنف، ثم يمنح العنف السلطة حجةً لمزيد من الإغلاق، فيتسع اليأس الذي يغذي العنف التالي. لا يعني تفسير هَذِه الحلقة تبرير الجريمة. الفهم ليس عفوًا، وتشخيص المرض ليس دفاعًا عنه. لكن السياسة الأمنية التي ترفض البحث في أسباب العنف تتحول إلى آلةٍ تكرر ما تزعم أنها تكافحه. فالإنسان الذي يرى أن القانون لا يحميه، والسياسة لا تسمعه، والإعلام يشوهه، قد يصبح أكثر قابليةً لخطابٍ يقول له إن العالم كله لا يفهم إلا القوة.

ويعمل مصطلح الإرهاب في الداخل الغربي وظيفةً مشابهة، وإن اختلفت المؤسسات والدرجات. إنه يوسع سلطة الدولة تحت عنوان الوقاية. تبدأ الإجراءات لمواجهة خطرٍ حقيقي، ثم تصبح دائمةً لأنها لا ترتبط بنهايةٍ واضحة. تتوسع المراقبة، ويزداد تبادل المعلومات، وتدخل المصارف والمنصات والجامعات والجمعيات في منظومة الأمن، ويتحول المجتمع المدني إلى خطوطٍ أمامية لمراقبة مؤشرات التطرف. لا يعود المطلوب إثبات أن الإنسان ارتكب جريمة، بل تقدير احتمال أن يرتكبها. تنتقل الدولة من محاسبة الفعل إلى إدارة النية المفترضة؛ ماذا يقرأ؟ مع من يتحدث؟ أي مواقفٍ سياسية يتبنى؟ هل تغير سلوكه؟ هل ازداد تدينه؟ هل يعبر عن غضبٍ من السياسة الخارجية؟ وقد تكون كل علامةٍ من هَذِه العلامات بريئةً وحدها، لكن جمعها في نموذجٍ أمني قد يحول الإنسان إلى خطرٍ محتمل لا يستطيع معرفة ما الذي جعله مشتبهًا به.

هكذا يصبح الغموض مصدر قوةٍ للمصطلح. فالتعريف الدقيق يقيد السلطة ويجبرها على إثبات عناصر الجريمة، أما الكلمات الواسعة الفضفاضة من شاكلة التطرف، التمجيد، التعاطف، البيئة الحاضنة، التهديد غير المباشر ــ فتسمح بنقل التجريم من العنف إلى التعبير، ومن التعبير إلى الاعتقاد، ومن الاعتقاد إلى الهوية. وقد يبدأ الأمر بمنع التحريض المباشر على قتل المدنيين، وهو منعٌ مشروع، ثم يمتد إلى تمجيد فعلٍ مختلفٍ على تفسيره، ثم إلى التعاطف مع قضيةٍ ترتبط بجماعةٍ محظورة، ثم إلى استضافة متحدثٍ أو نشر بحثٍ أو تقديم مساعدةٍ إنسانية في منطقةٍ تسيطر عليها جهةٌ مصنفة. ومع كل اتساعٍ جديد ينكمش المجال الذي يستطيع المواطن أن يفكر ويتكلم ويتضامن داخله من غير خوفٍ من التفسير الأمني.

“التعريف الدقيق يقيّد السلطة ويجبرها على إثبات عناصر الجريمة، أما الكلمات الواسعة الفضفاضة فتسمح بنقل التجريم من العنف إلى التعبير، ومن التعبير إلى الاعتقاد، ومن الاعتقاد إلى الهوية.”

وهنا يؤدي المصطلح وظيفةً انضباطية لا تستهدف المسلمين وحدهم، وإن كانوا أكثر المتضررين منه. فهو يعلّم المجتمع كله أن بعض القضايا خطرةٌ على الاقتراب، وأن بعض الأسئلة قد تجعل السائل موضع شبهة، وأن الاعتراض على الحرب قد يُقرأ تعاطفًا مع العدو، وأن فضح انتهاكات الدولة يضر الأمن ويمنح الخصم دعاية. حين ينجح هَذَا الخوف لا تحتاج الدولة إلى منع الكلام صراحةً؛ يبدأ الإنسان بمراقبة نفسه. يزن المفردات، ويتجنب النقاش، ويبتعد عن جمعياتٍ وقضايا، ويخشى التبرع أو التواصل أو السفر. وهذه الرقابة الذاتية هي أكثر أشكال السيطرة اقتصادًا؛ إذ يحمل المواطن الرقيب داخله، ويتولى بنفسه حذف ما قد يثير الشبهة قبل أن تتدخل السلطة.

الإرهاب بهذا المعنى لا يكون جريمةً تواجهها الدولة فقط، بل موردًا سياسيًّا تعيد من خلاله تنظيم علاقتها بالمواطنين. يبرر السرية، ويوسع صلاحيات الأجهزة، ويضعف الرقابة القضائية، ويحول الاعتراض إلى مخاطرة، ويمنح السلطة قدرةً على المطالبة بالوحدة في مواجهة عدوٍ لا ينتهي. ولأن العدو غير محدد النهاية، تصبح الطوارئ قابلةً للدوام. وما يُنشأ بوصفه استثناءً مؤقتًا يندمج في القانون والإدارة، ثم تنشأ مؤسساتٌ وموازناتٌ ووظائف ومصالح تعتمد على استمراره. لا يعود السؤال هل انتهى الخطر الذي استدعى الإجراء، بل كيف يمكن للمؤسسة التي بُنيت حول الخطر أن تبرر بقاءها إذا اعترفت بتراجعه.

ومثلما تتحول مكافحة الإرهاب إلى صناعةٍ أمنية، تتحول كذلك إلى اقتصاد؛ شركات مراقبة، وتقنيات تحليل بيانات، وعقود حماية، وأجهزة حدود، وبرامج تدريب، ومراكز بحث، وسوق أسلحة. لا يعني ذلك أن كل من يعمل في هَذِه المجالات يريد استمرار العنف، لكن تراكم المصالح يجعل تعريف الخطر أكثر عرضةً للتوسع، ويجعل تقليص الإجراءات أصعب حتى حين تثبت محدودية فاعليتها. وتشارك وسائل الإعلام في هَذِه البنية لا لأنها تتلقى الأوامر دائمًا، بل لأن منطق الخبر نفسه يميل إلى الإثارة والاختصار. كلمة «إرهابي» تمنح الحادثة تفسيرًا سريعًا، وتوفر شخصية شريرةً مكتملة الملامح، بينما يحتاج شرح الاستعمار أو الحرب أو التفاوت أو التهميش إلى وقتٍ وتعقيد. وتستفيد السياسة من هَذَا الاختصار؛ لأنها تقدم للجمهور عدوًّا مفهومًا، بدل أن تطلب منه مواجهة مسؤولية السياسات التي قد تكون أسهمت في إنتاج البيئة العنيفة.

لكن التفسير لا ينبغي أن يتحول إلى إعفاء. فالفرد الذي يقتل المدنيين مسؤولٌ عن فعله، حتى إذا كانت حياته مشبعةً بالظلم. غير أن محاسبته لا تمنع محاسبة السياسات التي صنعت الحرب أو السجن أو اليأس. العدالة الناضجة تستطيع أن تحمل حقيقتين في الوقت نفسه؛ أن تدين الجريمة بلا تردد، وأن ترفض استعمال الإدانة لإغلاق السؤال عن أسبابها. أما الخطاب الدعائي فيجبر الناس على اختيار حقيقةٍ واحدة؛ إما أن تدين القاتل وإما أن تتحدث عن الاحتلال، إما أن تحمي الضحية وإما أن تنتقد الحرب، إما أن تقف مع الأمن وإما أن تصبح متعاطفًا مع الإرهاب. وهذه الثنائيات ليست أدواتٍ للفهم، بل أدواتٌ للطاعة؛ لأنها تمنع العقل من رؤية أن مكافحة الجريمة لا تستلزم تبرئة الدولة، وأن تفسير الغضب لا يبرر قتل الأبرياء، وأن الدفاع عن حق المقاومة لا يمنح أي فاعلٍ حصانةً من القانون.

“العدالة الناضجة تستطيع أن تحمل حقيقتين في الوقت نفسه؛ أن تدين الجريمة بلا تردد، وأن ترفض استعمال الإدانة لإغلاق السؤال عن أسبابها.”

ومن هنا ينبغي إعادة تعريف الإرهاب انطلاقًا من الفعل لا من هوية صاحبه. يمكن فهمه بوصفه استعمالًا متعمدًا للعنف الجسيم، أو التهديد الجدي به، ضد المدنيين أو غير المشاركين مباشرةً في القتال، بقصد نشر خوفٍ عام يتجاوز الضحايا المباشرين أو إرغام مجتمعٍ أو سلطة على تحقيق غايةٍ سياسية أو عقائدية أو إجرامية. قوة هَذَا التعريف أنه لا يمنح الدولة براءةً مسبقة، ولا الجماعة إدانةً مسبقة. يمكن أن يرتكب الإرهاب فردٌ أو تنظيمٌ أو جهازٌ رسمي إذا توافرت عناصر الفعل. كما أنه لا يحول الرأي أو المعارضة أو التدين أو الانتماء إلى جرائم، ولا يجعل كل مقاومةٍ إرهابًا، ولا يمنح المقاومة عصمةً من أن ترتكب فعلًا إرهابيًّا. وبدل الحرب المفتوحة على اسمٍ مطاط، ينبغي تسمية الجرائم بأسمائها الدقيقة؛ قتلٌ متعمد، وتفجير، وخطف، وتعذيب، وعقابٌ جماعي، وجريمة حرب، وجريمة ضد الإنسانية، وتحريضٌ مباشر على العنف. فكل وصفٍ دقيق يلزم سلطة الاتهام بإثبات عناصر محددة، ويمنح المتهم حق الدفاع، ويمنع انتقال المسؤولية من الإنسان إلى أسرته ودينه وشعبه.

أما المصطلح الشامل فيتيح للدولة جمع أفعالٍ مختلفة وأشخاصٍ مختلفين داخل كتلةٍ واحدة، ثم اختيار ما تشاء من الاستثناءات ضدهم. وقد يُعاقب الإنسان لا على جريمةٍ ارتكبها، بل على علاقته بجهةٍ أو وجوده في مكانٍ أو دعمه لقضيةٍ أو تشابه اسمه مع اسمٍ آخر. وهنا تتحول الوقاية إلى عقوبةٍ بلا محاكمة، وتصبح الشبهة أثرًا يبقى بعد سقوط الأدلة. ولا يمكن إصلاح هَذَا الخلل من دون مساءلة سلطة الإعلام والأجهزة والدول في إنتاج المعرفة. من يضع التعريف؟ من يملك المعلومات؟ من يكتب التقارير التي تُبنى عليها القوائم؟ هل تستطيع الجماعة المصنفة الاطلاع على الأدلة والطعن فيها؟ هل يُسمح للمجتمعات التي تعيش تحت الاحتلال أو القصف أن تشارك في رواية ما يحدث، أم تبقى موضوعًا يُفسَّر من الخارج؟

إن السيادة على المصطلح جزءٌ من السيادة على الحقيقة. فإذا كانت القوة تمارس العنف، ثم تسمي فعلها أمنًا، وتسمي مقاومته إرهابًا، وتملك المنابر التي تعيد نشر الاسمين، فقد جمعت في يدها سلطة الفعل والحكم والرواية. ولا يعود المظلوم مطالبًا بمواجهة السلاح وحده، بل بمواجهة اللغة التي تفسر موته بوصفه نتيجةً ضروريةً لسلوكه. لذلك لا تستعاد العدالة بإلغاء كلمة الإرهاب، بل بتحريرها من احتكار القوة. فإلغاء المصطلح كله قد يحرمنا اسمًا ضروريًّا لوصف ترويع المدنيين، لكن تركه بلا حدود يحوله إلى محكمةٍ بلا قاض. المطلوب أن يعود الاسم تابعًا للفعل، لا أن يصبح الفعل تابعًا لهوية صاحبه. وهذا المبدأ ينبغي أن يعمل في كل اتجاه. المسلم لا يحمل جريمة مسلمٍ آخر، كما لا يحمل اليهودي سياسة دولة إسرائيل، ولا يتحول نقد الإسلام أو غيره من الأديان إلى كراهية أتباعه إلا إذا انتقل من مناقشة الفكرة إلى التحريض والتعميم ونزع الحقوق. وبالمثل لا ينبغي أن تتحول مكافحة معاداة اليهود إلى حصانةٍ تمنع نقد الصهيونية أو الاحتلال، كما لا يجوز أن يتحول نقد إسرائيل إلى تعميمٍ عدائي على اليهود.

المعيار العادل لا يخفض حماية جماعةٍ كي يرفع حماية أخرى، بل يرفض أن تصبح الهوية درعًا للسياسة أو قفصًا للاتهام. ويطالب بحساسيةٍ متساوية تجاه الإسلاموفوبيا ومعاداة اليهود والعنصرية، من غير أن يمنح دولةً أو حركةً أو عقيدةً حصانةً من النقد والمحاسبة. إن الخطر الأكبر ليس أن توجد كلمةٌ تصف ترويع الأبرياء، بل أن تصبح الكلمة نفسها أداة ترويع؛ يخشى الناس أن تقع عليهم فيصمتون، وتُحاصر بها حركات التحرر، وتُعفى بها الدول من مساءلة عنفها، وتُفتح باسمها الحروب، وتُراقب العقائد، وتُغلق الحسابات، وتُنتزع القضايا من سياقها، ويُعاد تشكيل المسلم في المخيلة العامة بوصفه تهديدًا يحتاج دائمًا إلى إثبات براءته.

الإرهاب الحقيقي يضرب الجسد، أما صناعة الإرهاب فتضرب المعنى الذي نستطيع من خلاله التمييز بين الجريمة والحق. الأول يقتل الإنسان أو يخيفه، والثانية قد تجعل الإنسان متهمًا بعد موته، وتجعل الشعب مسؤولًا عن مقاومته، وتجعل الاحتلال حارسًا للأمن، وتجعل الخضوع علامة اعتدال. وإذا استسلم العالم لهذه الصناعة، فلن تكون النتيجة أمنًا أكثر، بل عنفًا أقل قابليةً للفهم والمواجهة. فالمجتمع الذي يشعر أن القانون لا يراه إلا متهمًا يفقد الثقة فيه، والشعب الذي تُجرَّم مقاومته كلها قد لا يبقى أمام بعض أبنائه إلا الوسائل الأكثر يأسًا، والدولة التي توسع الاستثناء باسم الأمن تبني داخلها خوفًا يلتهم حريتها من غير أن يضمن سلامتها.

“الإرهاب الحقيقي يضرب الجسد، أما صناعة الإرهاب فتضرب المعنى الذي نستطيع من خلاله التمييز بين الجريمة والحق.”

لا تكون مواجهة الإرهاب عادلةً وفاعلة إلا حين تبدأ من حرمة الإنسان، لا من هوية الخصم. حين يخضع الفرد والتنظيم والدولة لمعيارٍ واحد؛ وحين لا يبرر الاحتلال قتل المدنيين، ولا تبرر المقاومة قتلهم؛ وحين يُحاسب الفاعل على فعله بدل محاكمة دينه وشعبه معه؛ وحين تُحمى المجتمعات من العنف ومن الدولة الأمنية التي تزعم حمايتها في آن. عندئذٍ فقط يعود السؤال إلى موضعه الصحيح. لا نسأل أولًا: من هو الإرهابي؟ ولا: إلى أي دينٍ أو حركةٍ ينتمي؟ بل: ما الفعل الذي وقع؟ من استهدف؟ هل كان الضحايا مشاركين في القتال؟ هل قصد الفاعل نشر الخوف خارج دائرة الضحايا؟ وما القانون الذي يخضع له، وأي ضماناتٍ تمنع السلطة من تحويل الاتهام إلى حكم؟

ذلك السؤال البسيط هو ما تخشاه صناعة العدو؛ لأنه ينزع من القوة امتياز التسمية، ويعيد الإنسان إلى مركز الميزان. فإذا كان الفعل هو الأصل، لم تعد الدولة بريئةً لأنها دولة، ولا الجماعة مدانةً لأنها جماعة، ولا المسلم مشتبهًا به لأنه مسلم، ولا المقاوم إرهابيًّا لأنه رفض الاحتلال. وعندها يمكن للكلمة أن تخرج من مطابخ السياسة إلى ساحة العدالة؛ فلا تكون سوطًا لتأديب الشعوب، ولا غطاءً للحرب، ولا قفصًا للإسلام، ولا ختمًا على حركات التحرر، بل وصفًا دقيقًا لجريمةٍ محددة يخضع مرتكبها للمحاسبة أيًّا كان اسمه ورايته وقوته.

فالمعركة الحقيقية إذًا ليست على من يملك أن يردد كلمة الإرهاب بصوتٍ أعلى، بل على من يملك أن يمنعها من ابتلاع الحقيقة. وليست الغاية أن نفوز بحق تسمية خصومنا، بل أن نبني ميزانًا لا يحتاج صاحبه إلى معرفة اسم الفاعل قبل أن يعرف إن كان الفعل جريمة. وحين يتحقق ذلك، لا يعود أمن الإنسان ذريعةً لإخضاعه، ولا يصبح دينه ملفًا أمنيًّا، ولا تتحول مقاومته إلى عارٍ لمجرد أن المحتل يملك المنبر. تعود الكلمات إلى وظيفتها الأولى؛ أن تكشف الدم لا أن تستره، وأن تحمي الضحية لا أن تتهمها، وأن تقود من الخوف إلى العدالة، لا من الخوف إلى طاعةٍ بلا نهاية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى