إشكالية التأويل الفاسد
حين يصير الظن والتخمين حقيقة لا تقبل المراجعة
ليس أخطر ممّا يفعله الإنسان بالحقيقة أن يكذب عليها كذبًا صريحًا، بل أن يظنّ أنّه فهمها قبل أن يصغي إليها، وأن يمنح انطباعه الأوّل مقام البرهان، وأن يجعل اضطراب قلبه شاهدًا عدلًا على نيّات النّاس ومعاني الأحداث. فالكذب المكشوف يعرف في الغالب أنّه كذبٌ، أمّا التّأويل الفاسد فيدخل إلى النّفس من باب الفهم، ويجلس على كرسيّ الحكمة، ويتكلّم بلهجة اليقين، ثمّ يطلب من صاحبه أن يثق به لأنّه “شعر” بذلك، أو لأنّه “يعرف النّاس”، أو لأنّ التّجارب السّابقة علّمته ألّا يكون ساذجًا. وهكذا يتحوّل الإنسان، من حيث لا يشعر، من شاهدٍ على الواقع إلى صانع روايةٍ مغلقةٍ، ثمّ يبدأ في محاسبة الآخرين لا على ما فعلوه فعلًا، بل على ما أضافه هو إلى أفعالهم من معانٍ لم تثبت.
والتّأويل هنا ليس المعنى العلميّ أو المعرفيّ الواسع الّذي يطلب فهم النّصوص أو الوقائع في ضوء قرائنها، بل ذلك التّأويل الظّنّيّ الفاسد، أو التّخمين المريض، الّذي يأخذ واقعةً محدودةً ثمّ يمدّها على سرير الخيال حتّى تصير قصّةً كاملةً. هو أن يرى الإنسان جزءًا صغيرًا من المشهد، ثمّ يدّعي أنّه رأى المسرحيّة كلّها. هو أن يسمع كلمةً ناقصةً، فيبني فوقها نيّةً كاملةً. هو أن يلاحظ صمتًا أو تأخّرًا أو خلافًا أو برودًا عابرًا، ثمّ يجعل منه دليلًا على احتقارٍ أو خيانةٍ أو تآمرٍ أو عداوةٍ. وهذه ليست مجرّد زلّةٍ في الفهم، بل اعتداءٌ على الحقيقة باسم الفهم؛ لأنّ الإنسان لا يكتفي فيه بأن يجهل، بل يملأ جهله بمعنًى من عنده، ثمّ يعاقب الآخرين على هذا المعنى كأنّه حقيقةٌ نزلت من السّماء.
“التّأويل الفاسد يدخل إلى النّفس من باب الفهم، ويجلس على كرسيّ الحكمة، ويتكلّم بلهجة اليقين.”
وليس كلّ تأويلٍ مذمومًا. الإنسان لا يعيش بلا تفسيرٍ، ولا يستطيع أن يمرّ على العالم كما تمرّ العين على حجرٍ صامتٍ. نحن نفسّر وجوهًا، ونقرأ نبراتٍ، ونربط أحداثًا، ونحاول فهم ما وراء الكلام. المشكلة لا تبدأ من محاولة الفهم، بل من فقدان التّمييز بين ثلاث طبقاتٍ ينبغي أن تبقى منفصلةً ما أمكن؛ الواقعة، والانطباع، والحكم. الواقعة هي ما حدث فعلًا. والانطباع هو ما شعرت به تجاه ما حدث. والحكم هو المعنى النّهائيّ الّذي منحته لما حدث. فإذا لم يردّ شخصٌ على رسالةٍ، فهذه واقعةٌ. وإذا شعرت بالتّجاهل أو الحزن أو القلق، فهذا انطباعٌ. أمّا أن تقرّر أنّه يحتقرك ويتعمّد إهانتك، فهذا حكمٌ يحتاج إلى دليلٍ لا إلى شعورٍ. الخراب يبدأ حين يعامل الإنسان انطباعه بوصفه دليلًا، وحين يلبس إحساسه ثوب الحقيقة.
كم من العلاقات انهدمت لأنّ إنسانًا عجز عن قول: “أنا شعرت بهذا”، فقال بدلًا من ذلك: “أنت قصدت هذا”. الأولى تفتح باب الحوار، والثّانية تفتح باب المحاكمة. الأولى تعترف بأنّ الشّعور وقع في داخلي ويحتاج إلى فهمٍ، والثّانية تدّعي أنّ نيّة الآخر أصبحت في حوزتي. حين يقول الإنسان: “شعرت أنّك أهملتني”، فهو يترك مساحةً للتّوضيح. أمّا حين يقول: “أنت تهملني عمدًا”، فقد نقل العلاقة من سؤالٍ قابلٍ للإجابة إلى حكمٍ جاهزٍ للإدانة. وبين العبارتين قد يضيع حبٌّ، وتنطفئ صداقةٌ، وتتحوّل عشرةٌ طويلةٌ إلى ساحة دفاعٍ عن نيّاتٍ لم تسمع من أصحابها.
“حين يقول الإنسان: شعرت أنّك أهملتني، فهو يترك مساحةً للتّوضيح. أمّا حين يقول: أنت تهملني عمدًا، فقد نقل العلاقة إلى حكمٍ جاهزٍ للإدانة.”
ويحبّ الإنسان التّأويل لأنّه يخفّف عنه قلق الغموض. الغموض ثقيلٌ على النّفس؛ ألا تعرف لماذا صمت فلانٌ، أو لماذا تغيّر وجهه، أو لماذا تأخّر، أو لماذا خالفك، أو ماذا يعني ذلك كلّه. وفي المسافة بين الواقعة ومعناها يرتبك الإنسان، فيسرع إلى اختراع قصّةٍ تغلق السّؤال. وقد يفضّل أحيانًا تفسيرًا مؤلمًا على بقاء الأمر مفتوحًا؛ لأنّ الألم المحدّد أهون عليه من الاحتمال المفتوح. أن يقول لنفسه إنّ الآخر يحتقره قد يكون مؤلمًا، لكنّه يمنحه شكلًا واضحًا للقصّة. أمّا أن يقول إنّ هناك احتمالاتٍ كثيرةً، وإنّه لا يعرف بعد، وإنّ عليه أن يسأل ويتثبّت، فهذا يتركه في مساحةٍ تحتاج إلى صبرٍ ونضجٍ. والعقل الخائف لا يبحث دائمًا عن الحقيقة، بل يبحث عن روايةٍ تريحه من قلق الاحتمال.
ومن هنا نفهم لماذا تكون القصّة الجاهزة مغريةً. إنّها تمنح الإنسان شعورًا بالسّيطرة. حين لا يعرف حقيقة ما حدث، يخترع معنًى، والمعنى المخترع يمنحه وهم الفهم، ووهم الفهم يمنحه وهم القوّة. يقول في داخله: “عرفت ما يجري”. لكنّ ما يسمّيه معرفةً قد لا يكون إلّا طريقةً نفسيّةً لإغلاق الباب على السّؤال. القصّة المريحة ليست بالضّرورة قصّةً سعيدةً؛ قد تكون قاتمةً ومؤلمةً، لكنّها تظلّ مريحةً لأنّها مكتملةٌ. النّفس أحيانًا تفضّل ظلمةً تعرف شكلها على ضوءٍ متردّدٍ لا تعرف أين يقودها. لذلك يصير بعض النّاس أسرى لرواياتٍ موجعةٍ عن العالم والنّاس، لا لأنّها ثبتت لهم، بل لأنّها تنقذهم من عناء التّثبّت.
“حين يدّعي الإنسان امتلاك نوايا الآخرين، يتحوّل من طالب حقيقةٍ إلى قاضٍ على الغيب النّفسيّ.”
وأخطر صور التّأويل الفاسد تأويل النّوايا. فالنّوايا أرضٌ دقيقةٌ شديدة الخصوصيّة، لا تنال بسهولةٍ، ولا يجوز أن تقتحم بمجرّد الانطباع. يمكن أن نستدلّ على النّيّة من قرائن متراكمةٍ، ومن أفعالٍ متكرّرةٍ، ومن سياقٍ واضحٍ، لكنّنا لا نملكها كما نملك رؤية الفعل الظّاهر. ومع ذلك يتجرّأ الإنسان على نيّات الآخرين بسهولةٍ مذهلةٍ. يقول: “هو لا يريد نصحي، بل يريد إهانتي”. ويقول: “هي لا تسأل عنّي حبًّا، بل فضولًا”. ويقول: “هم لا ينتقدون الفكرة، بل يكرهونني”. ويقول: “صمته ليس تعبًا، بل احتقارٌ”. وبهذه الجمل ينتقل من مقام المتلقّي إلى مقام القاضي على الغيب النّفسيّ. حين يدّعي الإنسان امتلاك نوايا الآخرين، يتحوّل من طالب حقيقةٍ إلى قاضٍ على الغيب النّفسيّ.
وليس المقصود أن يكون الإنسان ساذجًا لا يقرأ القرائن، ولا أن يعطّل بصيرته أمام من يتلاعب به. فهناك نوايا تتكشّف بالأفعال المتكرّرة، وهناك أنماطٌ من السّلوك تكشف شيئًا من داخل أصحابها، وهناك من يستعمل اللّطف ستارًا للأذى، أو النّصيحة قناعًا للتّسلّط، أو الصّمت وسيلةً للعقاب. لكنّ الفرق كبيرٌ بين بصيرةٍ متأنّيةٍ تجمع القرائن، وتبقي احتمال الخطأ حاضرًا، وتفتح باب السّؤال حين يمكن السّؤال، وبين تأويلٍ متعجّلٍ يحوّل جرح صاحبه إلى منظارٍ يرى به كلّ شيءٍ. البصيرة لا تحتاج إلى ادّعاء العصمة، أمّا التّأويل الفاسد فيخاف من الاعتراف بأنّه ربّما أخطأ، لأنّ خطأه يعني سقوط روايةٍ كاملةٍ بنى عليها موقفه.
ومن المساحات الّتي يكثر فيها التّأويل الفاسد مساحة الصّمت والغياب. الصّمت أرضٌ بيضاء يملؤها كلّ إنسانٍ بما يسكنه. صمت الأب قد يفسّره الابن رفضًا، مع أنّه ربّما يكون عجزًا عن التّعبير، أو تعبًا، أو إرثًا من تربيةٍ لم تعلّمه الكلام الحنون. وصمت الصّديق قد يفسّره صديقه خيانةً، مع أنّه ربّما يكون انشغالًا أو ضيقًا أو خجلًا من التّقصير. وصمت الشّريك قد يقرأ برودًا، مع أنّه قد يكون خوفًا من تفجير خلافٍ أكبر، أو ارتباكًا، أو محاولةً فاشلةً لحماية العلاقة من كلمةٍ جارحةٍ. وصمت المجتمع حول إنسانٍ ما قد يفسّره احتقارًا، مع أنّه قد يكون غفلةً، أو انشغالًا، أو عجزًا عن ملاحظة حاجته. الصّمت واقعةٌ، أمّا معناه فليس واحدًا دائمًا.
الصّمت قد يكون عجزًا، وقد يكون تعبًا، وقد يكون ارتباكًا، وقد يكون خوفًا، وقد يكون فعلًا تجاهلًا. لكنّ جعله معنًى واحدًا بلا تحقّقٍ ظلمٌ للحقيقة. والإنسان المجروح لا يحتمل الصّمت لأنّه يترك له مساحةً واسعةً ليرسم عليها أشباحه. كلّما غاب البيان، حضر الخيال. وكلّما طالت المسافة بين السّؤال والجواب، دخلت الذّاكرة القديمة لتكتب جوابها. لهذا يحتاج الإنسان في العلاقات إلى شجاعة السّؤال بدل إدمان التّخمين. أن يقول: “لم أفهم صمتك، هل هناك ما حدث؟” خيرٌ من أن يعقد محاكمةً داخليّةً كاملةً ثمّ يصدر الحكم وينفّذ العقوبة والآخر لا يعرف أنّه متّهمٌ.
“الواقعة ما حدث. الرّواية ما قلته لنفسك عمّا حدث. وكلّما استطاع الإنسان أن يفصل هذه الطّبقات، صار أعدل مع نفسه ومع غيره.”
والتّأويل الفاسد كثيرًا ما يكون إسقاطًا للجرح الدّاخليّ على الواقع، لا قراءةً للواقع نفسه. من جرح بالإهمال يفسّر كلّ تأخرٍ على أنّه إهمالٌ. ومن جرح بالخيانة يفسّر كلّ غموضٍ على أنّه خيانةٌ. ومن جرح بالاحتقار يفسّر كلّ نقدٍ على أنّه إهانةٌ. ومن جرح بالإقصاء يفسّر كلّ اختلافٍ على أنّه طردٌ. ومن عاش في بيئةٍ لا يؤمن فيها المكر، قد يرى المكر حتّى في التّصرّف العفويّ. أحيانًا لا يرى الإنسان الموقف الّذي أمامه، بل يرى ذاكرته القديمة وهي ترتدي ثوب الموقف الجديد. فيظنّ أنّه يحكم على الحاضر، وهو في الحقيقة ينتقم من ماضٍ لم يشف بعد.
وهذا الفهم لا يعني تبرئة التّأويل الفاسد، بل تعميقه. فالنّقد الأخلاقيّ وحده قد يقول للإنسان إنّه ظالمٌ في تفسيره، وهذا صحيحٌ في مواضع كثيرةٍ. لكنّ الفهم النّفسيّ يضيف أنّ هذا الظّلم قد يكون صادرًا من خوفٍ قديمٍ، أو من جرحٍ لم يجد لغةً، أو من ذاكرةٍ تعلّمت أن تتوقّع الأسوأ كي تنجو. ومع ذلك، يبقى على الإنسان مسؤوليّة ألّا يجعل جرحه قاضيًا مطلقًا على النّاس. الجرح يفسّر حساسيّة صاحبه، لكنّه لا يمنحه حقّ اتّهام الآخرين بلا بيّنةٍ. الماضي يشرح لماذا نخاف، لكنّه لا يبرّر أن نحاكم الحاضر دائمًا بملفّاتٍ قديمةٍ. ومن لم يداو ذاكرته، جعل النّاس يدفعون ثمن ما لم يفعلوه.
وفي العلاقات، يكون التّأويل الفاسد قاتلًا ناعمًا. إنّه لا يهدم العلاقة بضربةٍ واحدةٍ، بل يستبدل الحوار بالمحاكمة. بدل أن يسأل الإنسان: “ماذا قصدت؟”، يقول: “أنا أعرف ما قصدت”. وبدل أن يفتح باب البيان، يصدر الحكم. وبدل أن يمنح الآخر فرصةً للتّوضيح، يعاقبه على روايةٍ لم يسمعها منه. ثمّ يتراكم هذا كلّه حتّى لا تعود العلاقة بين شخصين حقيقيّين، بل بين شخصٍ وروايته عن الآخر. وحين تصبح الرّواية أقوى من الشّخص، لا يعود الكلام ينفع بسهولةٍ؛ لأنّ كلّ كلمةٍ جديدةٍ تفسّر داخل القصّة القديمة نفسها. حتّى الاعتذار قد يقرأ مناورةً، والصّمت قد يقرأ كبرياءً، والتّوضيح قد يقرأ تهرّبًا. عندها لا ينهار الحبّ بسبب الواقعة الأصليّة، بل بسبب السّجن التّأويليّ الّذي بني حولها.
كثيرٌ من العلاقات لا تنهار لأنّ أحد الطّرفين فعل شيئًا لا يغتفر، بل لأنّ الطّرف الآخر بنى فوق الفعل معنًى لم يراجع، ثمّ راكمَ عليه أحكامًا وانفعالاتٍ وعقوباتٍ. قد تكون الواقعة تأخرًا في الرّدّ، أو نبرةً غير موفّقةٍ، أو غيابًا عابرًا، أو اختلافًا في الرّأي، لكنّ الرّواية جعلتها دليلًا على الإهانة أو الخيانة أو عدم الحبّ. والإنسان حين يعاقب غيره على تأويله، لا يشعر أنّه ظالمٌ؛ لأنّه يعاقبه في داخله على “حقيقةٍ” لا على ظنٍّ. ولهذا يرفض أحيانًا التّوضيح، لأنّ التّوضيح يهدّد الحكاية الّتي وجد فيها راحة غضبه. ما أقسى أن يستريح الإنسان إلى غضبه أكثر ممّا يستريح إلى الحقيقة.
وعلى مستوى المجتمع والثّقافة، يتحوّل التّأويل الفاسد إلى ثقافة سوء ظنٍّ عامّةٍ. كلّ مبادرةٍ وراءها مصلحةٌ. كلّ نجاحٍ وراءه فسادٌ. كلّ اختلافٍ وراءه عداوةٌ. كلّ نقدٍ وراءه إسقاطٌ. كلّ خطأٍ وراءه مؤامرةٌ. كلّ صمتٍ وراءه خيانةٌ. كلّ دعوةٍ إلى التّثبّت وراءها تمييعٌ. وعندما تتضخّم هذه الرّوح، يفقد المجتمع قدرته على الحوار؛ لأنّه لا يسمع ما يقال، بل يسمع ما يخاف أن يكون مقصودًا. المتكلّم يقول جملةً محدّدةً، والمستمع يسمع تاريخًا كاملًا من الشّكّ. النّاقد ينبّه إلى خللٍ، والجماعة تسمع تهديدًا لهويَّتها. المصلح يقترح مراجعةً، والنّاس يسمعون طعنًا في كرامتهم. وهكذا لا يعود الكلام وسيلة فهمٍ، بل شرارة دفاعٍ دائمٍ.
المجتمع الّذي يكثر فيه التّأويل الفاسد يفقد الثّقة العامّة. وحين تموت الثّقة، يصبح كلّ تعاونٍ مشبوهًا، وكلّ نجاحٍ محلّ اتّهامٍ، وكلّ مبادرةٍ تحتاج إلى الدّفاع عن نيّتها قبل أن تعمل، وكلّ اختلافٍ بداية حربٍ. ولا يعني هذا أن يحسن النّاس الظّنّ بسذاجةٍ تلغي الحذر، فالمجتمعات تحتاج إلى رقابةٍ ومساءلةٍ ووعيٍ بالمصالح. لكنّ المساءلة شيءٌ، وتحويل الشّكّ إلى ديانةٍ اجتماعيّةٍ شيءٌ آخر. المساءلة تطلب الدّليل، أمّا سوء الظّنّ فيكتفي بالإحساس. المساءلة تفرّق بين الاحتمالات، أمّا التّأويل الفاسد فيختار أسوأها ثمّ يعامله كيقينٍ. المساءلة تحمي المجتمع، أمّا التّأويل الفاسد فيسمّمه.
ومن علامات التّأويل الفاسد أن يكون الحكم أكبر من الدّليل. واقعةٌ صغيرةٌ تنتج حكمًا هائلًا. كلمةٌ ناقصةٌ تصير دليلًا على كراهيةٍ. تأخرٌ عابرٌ يصير دليلًا على احتقارٍ. اختلافٌ محدودٌ يصير دليلًا على عداوةٍ. ومن علاماته أن يرفض الإنسان كلّ تفسيرٍ بديلٍ؛ كأنّ الواقع لا يملك إلّا بابًا واحدًا، وهو الباب الّذي فتحه خوفه أو غضبه. ومن علاماته أن يبني يقينًا على شعورٍ، فيقول: “أشعر بذلك، إذن هو صحيحٌ”. والشّعور مهمٌّ، لكنّه ليس محكمةً نهائيّةً. إنّه شاهدٌ على ما يجري في داخلك، لا دليلٌ قاطعٌ على ما يجري في داخل غيرك.
ومن علاماته كذلك أن يحاكم الإنسان النّوايا أكثر من الأفعال. لا يناقش ما قيل، بل ما “قصد” من القول. لا يقف عند ما حدث، بل عند ما “وراء” ما حدث. ولا بأس بالسّؤال عمّا وراء الفعل حين توجد قرائن، لكنّ التّأويل الفاسد يحوّل هذا السّؤال إلى يقينٍ جاهزٍ. ومن علاماته أن يكرّر الإنسان عبارة: “أنا أعرفهم”، دون برهانٍ كافٍ. وهذه العبارة قد تكون أحيانًا خلاصة تجربةٍ ناضجةٍ، وقد تكون في أحيانٍ أخرى غطاءً للكسل عن التّثبّت. ومن علاماته أن يجعل الإنسان التّجربة السّابقة دليلًا نهائيًّا على كلّ تجربةٍ جديدةٍ، فيحاكم كلّ شخصٍ جديدٍ بجريمة شخصٍ قديمٍ، وكلّ موقفٍ حاضرٍ بألم موقفٍ مضى.
والعلاج الأوّل للتّأويل الفاسد، برأيي، هو التّثبّت. لا بمعناه الشّكليّ البارد، بل بوصفه خلقًا عقليًّا وروحيًّا يحمي الحقيقة من عجلة النّفس. التّثبّت أن يسأل الإنسان نفسه قبل الحكم: “ما الّذي حدث فعلًا؟”. ثمّ يسأل: “ما الّذي أضفته أنا من عندي؟”. ثمّ يسأل: “هل عندي دليلٌ أم انطباعٌ؟”. ثمّ يسأل: “هل توجد قراءةٌ أخرى؟”. ثمّ يسأل: “هل سألت قبل أن أحكم؟”. ثمّ يسأل السّؤال الأعمق: “هل أرى هذا الموقف بعيني، أم بعين جرحٍ قديمٍ؟”. هذه الأسئلة لا تضعف الفهم، بل تطهّره. إنّها لا تطلب من الإنسان أن يلغي حدسه، بل أن يضع الحدس في مقامه الصّحيح؛ احتمالٌ يحتاج إلى اختبارٍ، لا حكمٌ نهائيٌّ يحتاج إلى تنفيذٍ.
والقاعدة الذّهبيّة هنا أن نفرّق بين الواقعة والرّواية. الواقعة ما حدث. الرّواية ما قلته لنفسك عمّا حدث. قد تكون الرّواية صحيحةً، وقد تكون ناقصةً، وقد تكون مشوّهةً، وقد تكون ابنة خوفٍ قديمٍ. لكنّ لا يجوز أن تدخل المحكمة بثوب الواقعة قبل أن تختبر. حين يقول الإنسان: “لم يردّ على رسالتي”، فهو يتحدّث عن واقعةٍ. وحين يقول: “شعرت بالحزن”، فهو يتحدّث عن أثرٍ داخليٍّ. وحين يقول: “هو يحتقرني”، فهو دخل منطقة الحكم. كلّما استطاع الإنسان أن يفصل هذه الطّبقات، صار أعدل مع نفسه ومع غيره. وكلّما خلطها، صار ظنّه سيفًا يجرح به النّاس وهو يظنّ أنّه يدافع عن الحقيقة.
“التّأويل السّليم لا يعني حسن الظّنّ الأعمى، ولا سوء الظّنّ المطلق، بل الميزان.”
ومن العلاج أيضًا أن يتعلّم الإنسان أدب السّؤال. السّؤال ليس ضعفًا، ولا تنازلًا عن الكرامة، ولا استجداءً للتّبرير من الآخرين. السّؤال أحيانًا فعل عدلٍ. أن تقول: “هل قصدت هذا؟” أرقى من أن تقول: “أنا أعرف أنّك قصدته”. وأن تقول: “تأذّيت من هذا الموقف، وأريد أن أفهم”، أعدل من أن تصدر حكمًا وتطلب من الآخر أن يعيش تحت عقوبته. السّؤال يمنح الحقيقة فرصةً لتتكلّم، ويمنح الآخر فرصةً لأن يكون أكبر من الرّواية الّتي صنعتها عنه، ويمنحك أنت فرصةً أن تخرج من سجن انطباعك. وربّما كان من علامات النّضج أن يستطيع الإنسان أن يسأل قبل أن يتّهم، وأن يتثبّت قبل أن يغضب، وأن يحتمل احتمالًا لا يريحه حتّى يصل إلى معنًى أقرب إلى العدل.
ولا يكتمل العلاج إلّا بمداواة الجرح الّذي يلوّن التّأويل. من يكتفي بتصحيح كلّ موقفٍ على حدةٍ سيبقى متعبًا إذا كانت العين الدّاخليّة نفسها مجروحةً. من جرح بالإهمال يحتاج أن يسأل عن أثر الإهمال في قراءاته. ومن جرح بالخيانة يحتاج أن يميّز بين الحذر الصّحّيّ وبين تحويل كلّ غموضٍ إلى خيانةٍ. ومن جرح بالاحتقار يحتاج أن يتعلّم أنّ النّقد ليس كلّه إهانةً. ومن جرح بالإقصاء يحتاج أن يرى أنّ الاختلاف ليس طردًا دائمًا. هذه المراجعة ليست سهلةً؛ لأنّها تطلب من الإنسان أن يفتح ملفّاتٍ قديمةً. لكنّها ضروريّةٌ؛ لأنّ من لم يداو أصل الحساسيّة سيظلّ يطلب من العالم كلّه أن يمشي على أطراف أصابعه كي لا يوقظ جرحه.
إنّ التّأويل السّليم لا يعني حسن الظّنّ الأعمى، ولا سوء الظّنّ المطلق، بل الميزان. أن لا تجعل النّيّة السّيّئة أوّل احتمالٍ دائمًا، ولا أن تلغيها إذا تراكمت قرائن. أن لا تبني على الظّنّ حكمًا نهائيًّا، ولا أن تترك الأفعال المؤذية بلا قراءةٍ. أن لا تجعل جرحك دليلًا، ولا أن تخون حدسك حين يصرخ أمام خطرٍ واضحٍ. هذا هو صعب المسألة؛ أن تكون يقظًا بلا مرضٍ، رحيمًا بلا سذاجةٍ، حذرًا بلا ظلمٍ، منصفًا بلا تعطيلٍ للبصيرة. التّأويل الفاسد يريح الإنسان لأنّه يمنحه حكمًا سريعًا، أمّا التّأويل العادل فيتعبه قليلًا لأنّه يطلب منه أن يحمل احتمالاتٍ متعدّدةً حتّى تتّضح الصّورة. لكنّ تعب العدل أكرم من راحة الظّلم.
وحين يفسد تأويل، يصبح الإنسان مستعدًّا للتّبرير؛ لأنّه سيبني دفاعه عن نفسه على روايةٍ يظنّها حقيقةً. إذا قرّر أنّ الآخر أهانه، فسيبرّر قسوته بأنّها ردٌّ مشروعٌ. وإذا قرّر أنّ النّاصح يريد إسقاطه، فسيبرّر رفض النّصيحة بأنّه حمايةٌ للكرامة. وإذا قرّر أنّ الصّمت خيانةٌ، فسيبرّر القطيعة بأنّها وفاءٌ للنّفس. وهكذا ينتقل الخلل من فساد الإدراك إلى فساد المسؤوليّة. لذلك كان إصلاح التّأويل أوّل أبواب الإصلاح؛ لأنّ من بدأ من قراءةٍ ظالمةٍ، سيصعب عليه أن يصل إلى موقفٍ عادلٍ، ولو حسنت لغته وكثرت حججه.
وعليه، فليس أخطر ما في التّأويل الفاسد أنّه يخطئ في تفسير الحياة، بل أنّه يمنح الإنسان إذنًا أخلاقيًّا ليظلم باسم فهمٍ لم يختبره. يجعله يعاقب من لم تثبت إدانته، ويقطع من لم يسمع حجّته، ويكره من لم يعرف نيّته، ويدافع عن نفسه ضدّ عدوٍّ ربّما صنعه خياله الخائف. وما دام الإنسان لا يفرّق بين الواقعة والرّواية، سيظلّ يرى في العالم ما يخشاه أكثر ممّا يرى ما يحدث. أمّا حين يتثبّت، ويسأل، ويؤخّر الحكم، ويفتح احتمالًا آخر، فإنّه لا يحمي الآخرين من ظلمه فقط، بل يحمي نفسه من أن تسكن داخل قصّةٍ ضيّقةٍ صنعتها جراحه ثمّ سمّتها حقيقةً.
