الفكرمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

متى يتحول اليقين الى صنم؟

إشكالية الثبات والجمود في الفكر الانساني

لَيْسَ كلُّ يَقينٍ يَكون نورًا، كما أنّه لَيْسَ كلُّ شكٍّ ظلامًا. فقد يَحمل الإنسان في قلبه حقيقةً تهديه، فيثبت بها أمام العواصف، ويعرف بها موضع قدمه حين تتكاثر الطرق؛ وقد يَحمل في قلبه يقينًا آخر يشبه حجرًا ثقيلًا، لا يُثبِّته على الأرض بل يَمنعه من الحركة، ولا يَفتح له طريقًا بل يسدُّ النوافذ التي قد يَأتي منها ضوءٌ جديد. والفرق بين اليقينين ليس دائمًا في قوة الشعور، ولا في ارتفاع الصوت، ولا في كثرة الأتباع، بل في طبيعة العلاقة بين الإنسان وما يَعتقده؛ أَيملك يقينًا يَقوده إلى الحقيقة، أم يَصنع من يقينه صنمًا يَطلب من الحقيقة أن تَدور حوله؟

لا يَكون الصنَمُ دائمًا حجرًا منصوبًا في ساحة، ولا تمثالًا تُوقد أمامه الشموع. قد يَكون فكرةً بشريةً اكتسبت في النفس حصانةً لا تَستحقّها، أو اجتهادًا وُلِد في ظرفٍ محدود ثم رُفِع فوق الزمن، أو تفسيرًا شخصيًا صار عند صاحبه أقدسَ من أن يُسأل، أو صورةً عن الذات يُمنَع الواقعُ من خدشها. وقد يَكون الصنَم رأيًا يزعم صاحبه أنه يُدافع به عن الحقّ، بينما يُدافع في العمق عن خوفه من المراجعة، وعن مكانته التي بناها حول هذا الرأي، وعن الجماعة التي منحته الانتماء، وعن التاريخ الذي سيبدو له عبثًا إن اعترف بأنه أخطأ.

لَيْسَ الخَطَرُ في أن يُوقن الإنسان، بل في أن يَخلط بين يقينه وبين عصمته. فاليَقينُ حاجةٌ إنسانيةٌ عميقة؛ بدونه يُصبح العقل كقاربٍ بلا مِرساة، تتقاذفه الاحتمالات حتى يعجز عن الاختيار والعمل. لا يَستطيع الإنسان أن يَبدأ مشروعًا وهو يشك في كلّ خطوة، ولا أن يقيم عدلًا إذا ظل مترددًا في أصل قيمة العدل، ولا أن يحمي علاقةً إذا لم يَثبُت على معنى الوفاء، ولا أن يَبني علمًا إذا أنكر إمكان المعرفة. لكن المِرساة التي تحفظ السفينة من التيه قد تَصير قيدًا إذا أصر البحار على إبقائها في القاع حين يحين وقت الإبحار. هنا يَبدأ اليقين بالتحول من قوة استقرار إلى قوة تعطيل.

والفاصلُ الأوّلُ بين اليقين الحي واليقين الصنميّ هو الفرق بين الثبات والجمود. الثباتُ أن يَبقى الإنسان وفيًّا لما ظهر له حقه بعد نظرٍ ودليل، وألا يَبيع قناعته تحت ضغط الخوف أو الإغراء أو رغبة القبول. أمّا الجُمودُ فهو أن يَبقى على ما اعتاده لأنّه اعتاده، وأن يَرفض المراجعة لا لقوة الدليل بل لأنّ التغيير يؤلمه. الثابتُ يَعرف لماذا ثبت، والجامدُ لا يَعرف إلا أنه لم يتحرك. الثابت كالشجرة؛ جذورها عميقة، لكنّها ترسل أغصانها نحو الضوء وتتفاعل مع الفصول. والجامد كجذعٍ مقطوع؛ لا تهزّه الريح، لا لقوته، بل لأنّه فقد الحياة.

” الفاصلُ الأوّلُ بين اليقين الحي واليقين الصنميّ هو الفرق بين الثبات والجمود. الثابتُ يَعرف لماذا ثَبَت، والجامدُ لا يَعرف إلّا أنّه لم يَتَحرّك.”

الثباتُ يَملك مركزًا واضحًا وهوامش قابلةً للنظر. يَعرف صاحبُه أنّ بعضَ القضايا أصولٌ، وبعضها اجتهادات، وأنّ بعضَ المعاني قطعيٌّ في دلالته أو برهانه، وبعضها ظنيٌّ يَحتمل التعدد. أمّا الجُمودُ فيسوي بين المركز والهامش، وبين الأصل والطريقة التي اعتاد بها التعبير عن الأصل، وبين الحقيقة وتفسيره الشخصي لها. ولذلك قد يُدافع الجامد عن لفظٍ أكثر مما يُدافع عن المعنى، وعن وسيلةٍ أكثر مما يُدافع عن الغاية، وعن عادةٍ موروثةٍ أكثر مما يُدافع عن الحكمة التي نشأت من أجلها.

قد يَقول أبٌ لأبنائه إنّ الاحترام واجب، وهذا أصلٌ تربويٌّ سليم. لكنّه إذا جعل صورة الاحترام الوحيدة هي الصمت المطلق أمام رأيه، فقد نقل يقينه من قيمة الاحترام إلى تقديس وسيلته في فرضه. فإذا ناقشه ابنه بأدب، عدَّ النقاش عقوقًا، وإذا سأله عن السبب، رأى السؤال تمردًا. لم يعد الأب يُدافع عن الاحترام، بل عن صورته بوصفه سلطةً لا تُراجَع. وهكذا يَتَحوَّل الأصل الصحيح إلى صنمٍ تربويّ، لا لأنّ الاحترام باطل، بل لأنّ إنسانًا احتكر تعريفه وربطه بخضوع الآخرين له.

وقد يُوقن معلّمٌ بأهمية الانضباط، فيقيم به بيئةً تحفظ الوقت والحقوق، وهذا ثباتٌ محمود. لكنّه إذا رأى كلّ حركةٍ أو سؤالٍ أو اختلافٍ تهديدًا لهيبته، تَحوَّل الانضباط عنده إلى جمودٍ يخنق المعرفة. يُريد فصلًا ساكنًا ولو مات الفضول، وطلابًا مطيعين ولو لم يتعلموا التفكير. وحين ينجح في إسكاتهم، يظن أنه أقام النظام، مع أنه ربما أقام مقبرةً نظيفةً للعقول. الأصل صحيح، لكن صورته المتحجرة صارت صنمًا يأكل المقصد الذي رُفِع باسمه.

ومن أعمقِ الفروقِ التي تَكشف هذا التَحوُّل الفرق بين اليقين العلمي واليقين النفسي. واليقين العلمي هنا لا يعني العلم التجريبي وحده، بل كلّ يقينٍ يَقوم على دليلٍ معتبر، ومنهجٍ منضبط، ووضوحٍ في المقدمات، واستعدادٍ لتحمل الاختبار. أمّا اليقينُ النفسيُّ فهو شعور الإنسان بأنه مُتأكِّد، بصرف النظر عن قوة ما يستند إليه. وقد يلتقي النوعان، فيشعر الإنسان باليقين لأنّ الدليل قوي؛ وقد يفترقان، فيكون المرء شديد الثقة بشيءٍ ضعيف البرهان، أو قليل الثقة بحقيقةٍ ثابتة بسبب خوفه أو اضطرابه.

النفوسُ لا تَقيس الحقيقة بمقياس الدليل دائمًا. قد تَكون أكثر يقينًا بما يوافق رغباتها، وأشدّ شكًّا فيما يهدّد صورتها، فتجعل الانحيازَ التأكيديَّ مرتكزَها الأوّل، وربما سبيلَها الوحيدَ إلى النظر. وقد تقول امرأةٌ إنّ زميلتَها تكرهها، لا لأنّها تملك شواهد كافية، بل لأنّها تشعر بذلك. وقد يُوقن مديرٌ بأن موظفًا ما غير مخلص، لأنّ الموظف خالفه مرةً في الرأي، ثم يُعيد تفسير كلّ تصرفٍ لاحقٍ في ضوء هذا الحكم. وقد يَقتنع إنسانٌ بأن مشروعه سينجح، لا لأنّه درس السوق والموارد والمخاطر، بل لأنّه لا يَحتمل نفسيًا الاعتراف بأن حلمه قد يَكون غير ناضج. الشعور بالقوة لا يُحوّل الظن إلى علم، كما أن حرارة الحمى لا تَجعل ما يراه المحموم حقيقةً خارجية.

ومن أخطرِ أوهامِ النفسِ أنها تَظنّ أن شدة الاطمئنان دليلٌ على صحة المعتقد. يَقول الإنسان: “أنا مُتأكِّد من داخلي”. لكن الداخل ليس محكمةً معصومة؛ فقد تسكنه ذاكرةٌ مجروحة، أو مصلحةٌ خفية، أو خوفٌ قديم، أو حاجةٌ إلى الانتماء. كم من إنسانٍ كان مُطمئنًّا إلى حكمه ثم اكتشف أن ما سماه بصيرةً كان غيرة، وأن ما سماه حذرًا كان جبنًا، وأن ما سماه فراسةً كان إسقاطًا، وأن ما سماه يقينًا كان قصةً بناها العقل ليحمي النفس من القلق.

اليقينُ العلميُّ يَطلب من الإنسان أن يَسأل نفسه: ما دليلي؟ ما درجة قوته؟ هل يُثبت النتيجة نفسها أم يَفتح احتمالًا فقط؟ ما الذي يمكن أن يُغيِّر رأيي؟ هل اختبرت رأيي أمام اعتراضٍ قوي، أم عرضته فقط على من يوافقني؟ أمّا اليقينُ النفسيُّ فيكتفي بعبارةٍ مريحة؛ “أنا أعرف”. يَعرف الناس، ويعرف نياتهم، ويعرف ما سيحدث، ويعرف من الصادق ومن الكاذب، ويعرف أن طريقته هي الوحيدة. وكلما سُئل عن الدليل، استدعى ثقته بنفسه بدل أن يقدم برهانًا.

وهنا يَتَحوَّل اليقينُ إلى صنمٍ حين يُصبح الشعور باليقين بديلًا عن حقّ الإنسان في البحث. فالمشكلة ليست أن يثق المرء بعقله، بل أن يَجعل ثقته به حجةً لا تحتاج إلى مراجعة. ولَيْسَ الخَطَرُ أن يَقول: هذا هو الصواب عندي، بل أن يضيف في أعماقه: ولا يمكن أن يَكون عند غيري ما غاب عني. اليقينُ الحيُّ يَقول: لقد نظرت، وهذا ما دل عليه البرهان، وسأبقى عليه ما دام البرهان قائمًا. أمّا اليقينُ الصنميُّ فيَقول: لقد قلت، وما قلته صار هو البرهان.

“اليقينُ الحيُّ يَقول: لقد نَظرتُ، وهذا ما دلَّ عليه البرهانُ. أمّا اليقينُ الصنميُّ فيَقول: لقد قُلتُ، وما قُلتُه صار هو البرهان.”

ومن صُوَرِ تَحجُّرِ اليقينِ تقديس الاجتهاد. والاجتهاد في أصله شرفٌ للعقل؛ لأنّه محاولةٌ لفهم النص والواقع، وتنزيل الأصول على الوقائع المتغيرة، واستخراج الحكم من أدلته. لكنّه يظل فعلًا بشريًا، مهما علا قدر صاحبه، يَحتمل الإصابة والخطأ، ويتأثر باللغة والسياق والمعرفة المتاحة وملابسات الزمن. فإذا رُفِع الاجتهادُ إلى مقام الحقيقة المطلقة، لم يعد اجتهادًا، بل صار وثنًا معرفيًا يُطلب من العقول أن تطوف حوله.

وتَقديسُ الاجتهادِ لا يَقع فقط في الدين أو الفلسفة، بل في السياسة والإدارة والتربية والعلوم الإنسانية والعلاقات اليومية. قد يَضع مؤسس شركةٍ نظامًا نجح في مرحلةٍ معينة، ثم تَتَحوَّل تجربته إلى قانونٍ لا يُراجع، مع أن السوق تغير والفريق كبر والتقنية تطورت. كلّ من يقترح تعديلًا يُتهم بأنه لا يفهم روح المؤسسة. لقد نجحت الطريقة يومًا، لكن نجاحها التاريخي تَحوَّل إلى حجابٍ يَمنع رؤية عجزها الراهن.

وقد تتبنى دولةٌ سياسةً أنقذتها في ظرفٍ استثنائي، ثم تُبقيها بعد زوال الظرف حتى تَصير عبئًا على المجتمع. وحين ينتقدها الناس، يُقال لهم إنهم يهددون الاستقرار، كأن الوسيلة التي خدمت الاستقرار في زمنٍ ما أصبحت جزءًا أبديًا من معناه. وقد تنجح أمٌّ في تربية ابنٍ بأسلوبٍ معين، فتصر على تطبيقه على بقية أبنائها مع اختلاف طباعهم وحاجاتهم. فإذا لم ينجح الأسلوب، اتهمت الطفل لا المنهج؛ لأنّ تجربتها الأولى تَحوَّلت في داخلها من اجتهادٍ ناجح إلى عقيدةٍ تربوية.

وفي المجالِ الفكريِّ، قد يَصوغ عالمٌ أو مفكرٌ تفسيرًا عميقًا لمسألة، فيأخذه تلامذته لا بوصفه مفتاحًا للفهم بل بوصفه الباب الوحيد. يشرحون كلامه بكلامه، ويدافعون عن احتمالاته كما لو كانت نصوصًا نهائية، ويصرفون أعمارهم في حل إشكالاتٍ نشأت من عباراته بدل أن يعودوا إلى أصل المسألة. وحين يَأتي سؤالٌ جديد، لا يَسألون ماذا تقتضيه الحقيقة، بل يَسألون ماذا كان سيقول صاحب المنهج. وهكذا يَموت الأستاذ مرتين؛ مرةً حين يغيب جسده، ومرةً حين يُحوّل أتباعه اجتهاده الحي إلى ضريحٍ فكري يَمنعهم من السير أبعد مما سار.

إنّ تَقديسَ الاجتهادِ يَبدأ غالبًا من خلطٍ دقيق بين الاحترام والعصمة. احترام العالم أو المفكر أو المصلح يَقتضي الإنصاف له، وفهم سياقه، والاعتراف بفضله، وعدم إسقاط تجربته بطيش. لكنّه لا يَقتضي أن نجعل فهمه حدًّا نهائيًا للفهم، ولا أن نَعتبر مراجعته انتقاصًا من قدره. بل ربما كان أعظم الوفاء للمجتهد أن نُواصل ما بدأه؛ أن نَستعمل العقل الذي استعمله، لا أن نَكتفي بترديد النتائج التي وصل إليها. من قلد المفكر في شجاعته على السؤال كان أوفى له ممن قدس أجوبته ومنع السؤال بعدها.

وقد يَتقدَّس الاجتهادُ حين يَرتبط بالهوية. فبعض الآراء لا تَبقى آراءً عند أصحابها، بل تَصير علامات انتماء. من قال بها فهو منا، ومن راجعها خرج من الصف. عندئذٍ لا تعود المراجعة رحلةً معرفية، بل تهديدًا اجتماعيًا. وقد يَرى الإنسان دليلًا جديدًا، لكنّه يَشعر أن قبوله سيكلفه جماعته ومكانته وتاريخه. فيدافع عن الرأي لا لأنّه ما يزال الأقوى، بل لأنّ حياته تشابكت معه حتى صار تغييره كخلع جلدٍ كامل.

ومن هنا نَفهم لماذا يقاوم بعض الناس الحقيقة الجديدة بعنف. ليست كلّ مقاومةٍ ناشئةً من ضعف العقل، بل قد تَكون دفاعًا عن الذات. الطبيب الذي بنى شهرته على طريقةٍ علاجية قد يصعب عليه قبول نتائج تقلل من قيمتها. والكاتب الذي أمضى أعوامًا في الدفاع عن نظرية قد يَرى نقضها هدمًا لعمره. والأب الذي ربى أبناءه بالقسوة قد يَرفض الاعتراف بأثرها، لأنّ الاعتراف لا يُغيِّر رأيًا فقط، بل يَفتح عليه باب الندم. فيأتي اليقين الصنميّ ليحميه؛ يَقول له إنّ طريقتَه كانت الصحيحة، وإنّ الأبناء هم الذين لم يقدّروا، وإنّ العصر هو الذي فسد، وإنّ كلَّ نقدٍ مؤامرةٌ على القيم.

اليقينُ حين يَتَحوَّل إلى صَنَم لا يحمي الحقيقة، بل يحمي الإنسان من ألم مواجهتها. إنه يَبني حول النفس معبدًا من التفسيرات؛ كلّ دليلٍ موافق يَدخل مكرمًا، وكل دليلٍ مُخالِف يُطرد أو يُتهم. وإذا تعذر طرد الدليل، أُعيدَ تفسيرُه حتى يخدم العقيدة السابقة. فالواقع عند صاحب اليقين الصنميّ لا يَملك حقّ التصحيح؛ وظيفته الوحيدة أن يؤكد ما تقرر سلفًا. وإذا تمرد الواقع، اتُّهم الواقع.

“اليقينُ حين يَتَحوَّل إلى صَنَمٍ لا يَحمي الحقيقةَ، بل يَحمي الإنسانَ من ألمِ مُواجهتِها.”

ومن علاماتِ هذا التَحوُّلِ أن يَرفض الإنسان تحديد ما يمكن أن يُغيِّر رأيه. فإذا سألته: ما الدليل الذي لو ظهر لك لراجعت موقفك؟ لم يَجد جوابًا. كلّ نتيجةٍ تؤيده، وكل نتيجةٍ تخالفه لها تفسيرٌ يحفظ رأيه. إذا نجحت تجربته قال إنّ المنهج صحيح، وإذا فشلت قال إنّ الناس لم يُطبِّقوه كما يَنبغي. إذا وافقه الآخرون عَدَّ ذلك اعترافًا بالحقيقة، وإذا خالفوه عَدَّ ذلك دليلًا على جهلهم أو فسادهم. هذا ليس يقينًا قابلًا للاختبار، بل حصنٌ مغلقٌ بُنِيَ كي لا تدخل إليه الحقيقة إلا بعد أن تبدل ثيابها.

ومن علاماته أيضًا أن يَتَحوَّل السؤال إلى جريمة. فاليقين الحي لا يَخاف السؤال؛ قد يَرفض بعض الأسئلة إذا كانت متلاعبةً أو عبثية، لكنّه لا يَرى السؤال في ذاته إهانة. أما الصنَم المعرفيّ فيرتجف من الاستفهام؛ لأنّ كلَّ سؤالٍ يُذكِّر أصحابه بأن ما قدسوه يَحتاج إلى دليل. ولذلك تحيط الأصنام نفسها دائمًا بحراسٍ من اللغة؛ ممنوع، لا يجوز التفكير، هذا الأمر محسوم، لا تَسأل، لقد قال الكبار، لا وقت للمراجعة. وقد تَكون بعض القضايا محسومةً حقًا، لكن كثرة استعمال لغة الحسم في كلّ جزئية علامة على أن الإنسان لا يحرس الحقيقة، بل يحرس خوفه من انكشاف هشاشته.

ومن علاماته أن يُصبح المخالف فاسد النية بالضرورة. فبدل أن يُناقش قوله، تُفتَّش دوافعُه. هو لا يَسأل لأنّه يُريد الفهم، بل لأنّه يُريد الهدم. ولا ينتقد لأنّه رأى خللًا، بل لأنّه حاقد. ولا يقترح طريقًا آخر، بل لأنّه يطمع في الزعامة. قد توجد هذه الدوافع فعلًا في بعض الناس، لكن جعلها تفسيرًا تلقائيًا لكل خلاف يريح اليقين من مواجهة الحجة. وحين يعجز الإنسان عن إسقاط الفكرة، يسقط صاحبها، ثم يتوهم أنه أجاب.

ومن علاماتِ الصنَمِ أن يَطلب من صاحبه التضحية بالعدل من أجله. يُدافع عن خطأ من يوافقه، ويضخم خطأ من يخالفه. يَقبل من جماعته ما لا يقبله من خصومها. يستعمل معيارًا حين يَكون الحكم له، ومعيارًا آخر حين يَكون عليه. وإذا قيل له إن هذا تناقض، قال إنّ الظروف مختلفة، ولو انعكست المواقع لم يَقبل العذر نفسه. هنا ينكشف أن ما يحكمه ليس يقينًا بالحقيقة، بل ولاءٌ لهويةٍ تستعمل الحقيقة أداةً.

ومن علاماتِ التَحجُّرِ كذلك أن يَفقد الإنسان القدرة على التمييز بين الأصل وتطبيقه. قد يَكون موقنًا بقيمة العدل، وهذا يقينٌ محمود، لكنّه يُقدِّس سياسةً معينةً بزعم أنها التجسيد الوحيد للعدل. وقد يُوقن بأهمية الأسرة، ثم يُقدِّس نموذجًا تاريخيًا واحدًا لكل العلاقات الأسرية. وقد يُوقن بقيمة العلم، ثم يَجعل مؤسسةً أو مدرسةً فكريةً بعينها ممثلته الوحيدة. وكل من نقد التطبيق بدا له كأنه ينكر الأصل. بذلك يُمنع الإصلاح؛ لأنّ كلّ مراجعةٍ للوسيلة تُتَّهم بأنها اعتداءٌ على الغاية.

وهنا تَأتي ضرورةُ التواضع المعرفيّ. ولَيْسَ التواضعُ المعرفيُّ أن يشك الإنسان في كلّ شيء، أو أن يَتساوى عنده العلم والجهل، أو أن يتردد أمام الحقائق الواضحة. إنه أن يَعرف مقدار ما يعلم، ومقدار ما لا يعلم، وأن يُفرِّق بين قوة الدليل وقوة شعوره، وبين الحقيقة وفهمه لها، وبين النص وتأويله، وبين الأصل واجتهاده في تنزيله. المتواضع معرفيًا قد يَكون شديد اليقين، لكنّه لا يَجعل يقينه مبررًا للغرور. يَقول: هذا ما قام عليه الدليل عندي، ولا يَقول في كلّ موضع: ولا يمكن أن يَكون عند غيري شيءٌ من الحقّ.

التواضعُ المعرفيُّ لا يُضعف العقل، بل يَحميه من أن يَتوقَّف عند أول نجاح. العالم الحقيقيّ لا يَفقد ثقته بالمنهج حين يُراجع نظرية؛ بل يُثبت وفاءه للمنهج لأنّ الحقيقة عنده أهم من النظرية. والمفكر لا يَفقد كرامته حين يُغيِّر رأيًا؛ بل يُثبت أن كرامته معلقةٌ بالصدق لا بالثبات الشكلي. والقائد لا يَنهار حين يعترف بأن قرارًا لم ينجح؛ بل يعلن أن المؤسسة أكبر من صورته الشخصية. والأب لا يَفقد هيبته حين يَقول لابنه إنه أخطأ؛ بل يُنقذ الأبوة من أن تصبح استبدادًا مقنعًا. إنّ قولَ: “لا أعلم” ليس فراغًا دائمًا، بل قد يَكون أصدق ما يملكه العقل. وقولُ: “قد أكون مُخطئًا في هذا الجزء” لا يهدم اليقين كلَّه، بل يَضع الحدود بين الثابت والمحتمل. وقولُ: “تغيّرت المعطيات” ليس خيانةً للماضي، بل اعترافٌ بأن الأحكام المتعلقة بالواقع يجب أن ترى الواقع. أما من يَخاف هذه العبارات فيملأ فراغه بادعاءاتٍ كبيرة، ثم يعيش أسيرها؛ لأنّ كلّ ادعاءٍ زائد يَحتاج إلى كذبةٍ جديدة تحميه.

“قولُ: «قد أكون مُخطئًا في هذا الجزء» لا يَهدم اليقينَ كلَّه، بل يَضع الحدودَ بين الثابتِ والمُحتمل.”

والتواضعُ المعرفيُّ يَطلب من الإنسان أن يعرض رأيه على أقوى اعتراض، لا على أضعفه. بعض الناس يختارون من كلام خصومهم أكثره سذاجةً، ثم يهزمونه ويشعرون أن رأيهم انتصر. لكن الفكرة لا تُختبر أمام خصمٍ من قش، بل أمام أفضل حجةٍ مضادة. من أراد أن يَعرف قوة يقينه، فليسأل أذكى من يخالفه، وليقرأ لمن يفهم الرأي الآخر من داخله، وليبحث عن النقطة التي لو صحّت لأوجعته. اليقين الذي يَخرج من هذا الامتحان أقوى وأصفى من يقينٍ عاش عمره في غرفةٍ لا يسمع فيها إلا صداه.

ولا يَعني ذلك أن يظل الإنسان في مراجعةٍ لا تنتهي حتى يعجز عن العمل. فالتواضع غير الشلل. قد لا نملك يقينًا مطلقًا في كلّ قرار، لكننا نملك من الأدلة ما يكفي للاختيار. الطبيب قد لا يضمن النتيجة، لكنّه يرجح علاجًا بناءً على المعرفة المتاحة. والقاضي قد لا يَرى الواقعة بعينه، لكنّه يحكم وفق الأدلة المعتبرة. والمدير قد لا يَعرف المستقبل، لكنّه يتخذ قرارًا مدروسًا. اليقين الحي يَعرف الفرق بين ما يكفي للعمل وما يدعي العصمة.

وكيف يَبقى اليقينُ حيًّا؟ يَبقى حيًّا حين يحافظ على صلته بالدليل. فالدليل ليس مرحلةً نَعبرها ثم نُغلقها، بل جذرٌ يستمد منه اليقين غذاءه. وكل يقينٍ يَقطع صلته بجذره يَتَحوَّل إلى عادةٍ نفسية. يَنبغي للإنسان أن يَعود أحيانًا إلى أسباب اقتناعه؛ هل ما تزال قائمة؟ هل تَغيّرت المعطيات؟ هل كان فهمه الأول دقيقًا؟ ليس المطلوب أن يهدم بيته كلّ صباحٍ ليتأكد من أساساته، لكن البيت الذي تظهر في جدرانه شقوقٌ يَحتاج إلى فحص، لا إلى طلاءٍ يخفيها.

ويَبقى حيًّا حين يميز بين اليقين بالأصل والاجتهاد في التفاصيل. يمكن للإنسان أن يُوقن بالعدل، ويبقى منفتحًا على مراجعة الوسائل التي تحققه. ويوقن بكرامة الإنسان، ويختلف في أفضل الأنظمة التي تحفظها. ويوقن بضرورة التربية، ويجرب أساليب مختلفةً بحسب الطفل والمرحلة. ويوقن بقيمة الحقيقة، ويعترف بأن بعض الوقائع ما تزال غير مكتملة. هذه القدرة على تثبيت الأصل وتحريك الوسيلة تمنع اليقين من أن يَتَحوَّل إلى كتلةٍ صماء.

ويَبقى حيًّا حين يتصل بالواقع. فاليقين الذي لا يَختبر أثره قد يَتَحوَّل إلى شعار. إذا كان الإنسان موقنًا بأن طريقته في التربية صحيحة، فليسأل عن الثمرة في نفوس أبنائه؛ هل صنعت صدقًا أم خوفًا؟ وإذا كان موقنًا بأن نظامه الإداري عادل، فلينظر إلى من يَقع عليهم أثره؛ هل يشعرون بالإنصاف؟ وإذا كان يُوقن بأن خطابه رحيم، فلينظر هل يصل إلى الناس بوصفه رحمةً أم بوصفه إدانة؟ ليس كلّ أثرٍ سيئٍ دليلًا على بطلان الأصل، لكن تجاهل الآثار كلّها علامة على أن اليقين انفصل عن وظيفته في هداية الحياة.

ويَبقى حيًّا حين يَحتمل الأسئلة. السؤال ليس دائمًا معولًا للهدم؛ قد يَكون نافذةً يَدخل منها الهواء إلى بناءٍ مُغلَق. بعض الأسئلة يَكشف ضعف التعبير لا ضعف الحقيقة، وبعضها يَكشف نقصًا في الدليل، وبعضها يَفتح جانبًا لم يُرَ من قبل. اليقين الذي يَمنع السؤال يشبه جسدًا يَرفض التنفس خوفًا من دخول الغبار؛ يحمي نفسه لحظةً ثم يختنق.

ويَبقى حيًّا حين يَقبل التمييز بين صاحبه وبينه. لا يَقول الإنسان: إذا كنت مُخطئًا في هذه الجزئية، فقد انهارت قيمتي. ولا يَجعل اعترافه بالخطأ سقوطًا لكرامته. فالمشكلة الكبرى أن كثيرًا من الناس لا يدافعون عن اليقين، بل عن صورتهم بوصفهم أصحاب يقين. ولو استطاع الإنسان أن يفصل بين نفسه ورأيه، لأصبح تغييره أخف. إنك لا تموت حين يسقط رأيٌ لك؛ قد يولد فيك عقلٌ أصدق.

ويَبقى حيًّا حين يَتخلّق صاحبه بالعدل والنزاهة. فالعدل امتحان اليقين. إذا جعلك ما تَعتقده منصفًا مع خصمك، متواضعًا أمام الدليل، قادرًا على الاعتراف بصواب غيرك، فقد حفظ فيك شيئًا من الحياة. أما إذا جعلك تَكره السؤال، وتظلم المخالف، وتبرر التناقض، وتقدس جماعتك، فراجع ما تسميه يقينًا؛ ربما لم يعد نورًا بل هويةً متصلبةً تستعمل النور شعارًا.

“العدلُ امتحانُ اليقين؛ فإنْ جَعلك ما تَعتقده مُنصفًا مع خَصمك، مُتواضعًا أمام الدليل، فقد حَفِظ فيك شيئًا من الحياة.”

ويبقى حيًّا حين يُولِّد العملَ لا الكِبْرَ. اليقين بأن العلم قيمة يَنبغي أن يَدفع إلى التعلم، لا إلى احتقار الجاهلين. واليقين بالعدل يَنبغي أن يَدفع إلى إنصاف الناس، لا إلى ادعاء الطهارة الأخلاقية. واليقين بالرحمة يَنبغي أن يَظهر في القدرة على الرفق، لا في ترديد اسمها. اليقين الذي لا يثمر سلوكًا يشبه شجرةً مرسومةً على جدار؛ جميلة الشكل، لكنّها لا تظلل عابرًا ولا تطعم جائعًا.

ويَبقى حيًّا حين يَعرف صاحبُه أن الحقيقة لا تحتاج إلى احتكاره. يَستطيع الإنسان أن يَكون واثقًا من فكرته، وأن يفرح في الوقت نفسه إذا خدمها غيره بطريقٍ أفضل. يَستطيع أن يَقول: أصبتُ هنا، دون أن يَقول: ولا يصيب أحدٌ إلا من خلالي. أما اليقين الصنميّ فيحتاج إلى كاهنٍ وبوابةٍ وحراس؛ لا يسمح للناس أن يصلوا إلى الحقيقة إلا بإذن أصحابه، ولا يَحتمل أن تأتي الحكمة من خارج جماعتهم.

ومن وسائلِ إبقاءِ اليقينِ حيًّا أن يحدد الإنسان دوائر معرفته. هناك ما يَعلمه علمًا قويًا، وما يُرجِّحه، وما يَظنّه، وما يَجهله. وهذه الدوائر لا يَنبغي أن تَختلط. من قال في المرجح إنه يقين، اضطر إلى الدفاع عن المبالغة. ومن جعل الظن علمًا، ظلم الناس بأوهامه. ومن اعترف بأنّ بعضَ أحكامه احتماليةٌ، لم يضعف، بل صار أدق. اللغة الأمينة تَحرس العقل؛ أن يَقول: “أرجح”، و”يبدو”، و”بحسب المعطيات”، و”لا أملك دليلًا كافيًا”، حين يَكون هذا هو مقدار معرفته.

والأُممُ، مثلُ الأفرادِ، قد تصنع من يقينها صنمًا. قد توقن بتفوقها الحضاري، فتفسر كلّ نجاحٍ دليلًا على جوهرها، وكل فشلٍ حادثًا استثنائيًا، وترفض التعلم من غيرها. وقد تقدس مرحلةً تاريخيةً من تاريخها حتى تَجعل المستقبل تكرارًا لها. وقد تَحوَّل سرديتها الوطنية أو الدينية أو السياسية إلى نصٍ مُغلَق لا يسمح برؤية الأخطاء. حينها لا يَعود التاريخ ذاكرةً نتعلم منها، بل معبدًا نخشى الاقتراب من جدرانه.

والمؤسّساتُ أيضًا تصنع أصنامها. عبارة “هكذا نفعل دائمًا” هي واحدةٌ من أكثر العبارات قدرةً على قتل الحياة. قد تبدأ القاعدة بسببٍ معقول، ثم يَنسى الناس السبب ويبقى الطقس. يَستمرّ النموذج، والاجتماع، والإجراء، والعقوبة، وطريقة التعليم، لا لأنّ أحدًا قاس فاعليتها، بل لأنّ تغييرها يَحتاج إلى شجاعة. الجمود المؤسسي يقينٌ بلا ذاكرة؛ يحتفظ بالجواب وينسى السؤال الذي وُلِد من أجله.

وكَسْرُ هذا الصنَمِ لا يَكون بتمجيد الشكّ المطلق؛ فالشك نفسه قد يصير صنمًا. بعض الناس يَظنّون أن الذكاء هو ألا يُوقن المرء بشيء، وأن كلّ ثباتٍ سذاجة، وكل أصلٍ قيد. فيذيبون المعايير حتى لا يَبقى فرقٌ بين حجةٍ ووهم، أو عدلٍ وظلم، أو علمٍ وجهل. وهذا الطرف لا يقل خطرًا؛ لأنّ الإنسان يَحتاج إلى أرضٍ يَقِف عليها. السؤال ليس كيف نَهدم اليقين، بل كيف نطهّره من الغرور، ونحفظ له جذوره مع إبقاء أغصانه حية.

اليقينُ الناضجُ ليس نقيض السؤال، بل ثمرة سؤالٍ صادقٍ لا يَتوقَّف عند العبث. وليس نقيض التواضع، بل حليف التواضع؛ لأنّ من عرف مقدار الدليل لم يحتج إلى الصراخ. وليس نقيض المراجعة، بل يقبلها في مواضعها؛ لأنّه لا يَخشى أن يَفقد ما هو حقّ. الحقيقة لا تضيق بالاختبار، وإنما تضيق الأصنام؛ فالصنم يَحتاج إلى العتمة كي تَبقى شقوقه مخفية.

“الحقيقةُ لا تَضيق بالاختبار، وإنّما تَضيق الأصنامُ؛ فالصنَمُ يَحتاج إلى العُتمة كي تَبقى شقوقُه مَخفيّةً.”

وفي النهايةِ، يَتَحوَّل اليقين إلى صنمٍ حين يَنسى الإنسان أن الحقّ أكبر من فهمه، وأنّ الدليلَ أسبقُ من شعوره، وأنّ الاجتهادَ البشريَّ مهما عظم لا يَخرج من حدود البشرية. يَتَحوَّل إلى صنمٍ حين يُصبح الاعتراف بالخطأ خيانة، والسؤال جريمة، والمخالف عدوًا، والوسيلة أصلًا، والتاريخ سجنًا، والهوية بديلًا عن البرهان. وعندها لا يَعود اليقين طاقةً على السير، بل يُصبح معبودًا يَطلب من صاحبه أن يضحي بالعقل والعدل والصدق على عتبته.

أمّا اليقينُ الحيُّ فهو يقينٌ له جذورٌ ولا يَحمل قيودًا؛ ثابتٌ في أصوله، متواضعٌ في اجتهاداته، قويٌّ أمام الإغراء، لينٌ أمام الدليل، لا يَبيع الحقيقة لإرضاء العصر، ولا يَمنع الحقيقة من أن تَكشف له خطأه. يَعرف صاحبُه أن الرجوع عن الباطل ليس خيانةً لليقين، بل عودةٌ إليه، وأن تعديل الفهم لا يعني سقوط الأصل، وأن قول: “أخطأت” قد يَكون أصدق لحظات الإيمان بالعقل.

فلا تَجعل يَقينَك بيتًا بلا نوافذ، ولا مِرساةً لا تُرفع، ولا تاجًا يمنعك من الانحناء أمام الحقيقة. اجعله مصباحًا؛ ثابت الشعلة، متجدد الزيت، لا يَخاف من ضوءٍ آخر، ولا يَطلب من الناس أن يُغمضوا أعينهم كي يَعترفوا بنوره. فاليقين الذي يَخشى السؤال لم يطمئن إلى نفسه، واليقين الذي يَظلم المخالف قد خان الحقّ الذي يرفعه، واليقين الذي لا يَتعلّم يَتَحوَّل مع الزمن من طريقٍ إلى الحقيقة إلى تمثالٍ يَقِف في منتصف الطريق ويمنع العابرين من الوصول إليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى