الفكرتربية واجتماعرؤى فلسفيةمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

إشكالية التبرير

حين يتحوّل العقل إلى محامٍ عن الخطأ وعن الهزيمة

ليس العقل في الإنسان نورًا مضمون الاتّجاه، ولا سيفًا لا يعمل إلّا في خدمة الحقّ، ولا قاضيًا عادلًا بمجرّد أنّه عقلٌ. فقد يكون العقل مصباحًا يهدي صاحبه إلى موضع الخلل، وقد يتحوّل إلى يدٍ ماهرةٍ تطفئ المصباح كلّما اقترب من الجرح. وقد يكون ميزانًا يزن به الإنسان نفسه والنّاس بالعدل، وقد ينحدر حتّى يصبح محاميًا بارعًا عن الهوى، يلتقط من الوقائع ما ينفع الدّفاع، ويؤجّل ما يدين، ويعيد ترتيب الحكاية لا لتنكشف الحقيقة، بل لينجو صاحبها من ثمنها. هنا يولد التّبرير؛ لا بوصفه كذبةً عاريةً يعرف صاحبها أنّها كذبةٌ، بل بوصفه كذبًا محترمًا يلبس ثوب المنطق، ويتكلّم بلغة الأسباب، ويجلس في موضع الحكمة، ثمّ يدافع عن الهزيمة كأنّها موقفٌ ناضجٌ، وعن الجبن كأنّه واقعيّةٌ، وعن القسوة كأنّها صراحةٌ، وعن التّقصير كأنّه ضحيّة ظرفٍ أكبر من الطّاقة.

وهذه المقالة تقف عند المرحلة الثّانية من ثلاثيّة الخراب. بعد أن يفسد التّأويل فيرى الإنسان الواقع بعين ظنّه وجرحه وهواه، تأتي مرحلة التّبرير لتفسد مسؤوليّته. التّأويل يقول له: “هذا ما حدث، وهذا هو معناه”. ثمّ يأتي التّبرير فيقول له: “وبناءً على ذلك، فأنت معذورٌ، بل ربّما كنت محقًّا، وربّما كان خطؤك فضيلةً لم يفهمها الآخرون”. وهنا لا يعود الإنسان محتاجًا إلى إنكار الفعل كلّه، بل إلى إعادة تسميته وتخفيف كلفته الأخلاقيّة. فالتّبرير لا يكتفي بشرح الخطأ، بل يحاول إعفاء صاحبه من تبعته. ولا يكتفي بأن يقول إنّ للخطأ أسبابًا، بل يريد أن يجعل الأسباب صكّ براءةٍ. وبمرور الزّمن يتحوّل من حيلةٍ عابرةٍ إلى مرضٍ داخليٍّ، يجعل الإنسان عاجزًا عن رؤية نفسه في موضع الاتّهام، كأنّه خلق دائمًا في مقعد الدّفاع لا في مقعد المسؤوليّة.

“الأسباب تساعدنا على الفهم، لكنّها لا تمنح الخطأ براءةً تلقائيّةً.”

والتّمييز الأوّل الّذي لا يستقيم الكلام بدونه هو الفرق بين التّفسير والتّبرير. التّفسير عملٌ شريفٌ حين يطلب الفهم. يقول: “هذا ما حدث، وهذه بعض أسبابه، وهذه الظّروف الّتي أحاطت به”. أمّا التّبرير فيقول: “هذا ما حدث، ولأجل هذه الأسباب لا ألام، أو يحقّ لي ما فعلت، أو ليس عليّ أن أصلح شيئًا”. قد يقول الإنسان: “كنت متعبًا”. هذه جملةٌ تفسيريّةٌ تساعدنا على فهم لماذا ارتفع صوته أو قصر صبره. لكنّها تتحوّل إلى تبريرٍ حين يقول في داخله أو خارجه: “كنت متعبًا، لذلك يحقّ لي أن أقسو، وأن أجرح، وأن أطلب من الآخرين أن يتحمّلوا أذاي بلا مساءلةٍ”. وقد يقول: “نشأت في بيئةٍ صعبةٍ”. هذا تفسيرٌ مهمٌّ، وربّما يفتح باب الرّحمة والفهم. لكنّه يصبح تبريرًا حين يجعل البيئة رخصةً دائمةً للكذب أو الظّلم أو الفشل أو إيذاء من لا ذنب لهم في تلك البيئة.

الأسباب تساعدنا على الفهم، لكنّها لا تمنح الخطأ براءةً تلقائيّةً. هذه قاعدةٌ ينبغي أن تكتب على باب كلّ نفسٍ تريد أن تنجو من خداعها. فالظّروف قد تخفّف الحكم، لكنّها لا تمحو المسؤوليّة كلّها. والجرح قد يشرح الحساسيّة، لكنّه لا يبيح العدوان. والتّعب قد يفسّر الانفعال، لكنّه لا يجعل إهانة الآخرين حقًّا. والفقر قد يشرح ضيق الاختيارات، لكنّه لا يحوّل كلّ خيانةٍ للأمانة إلى ضرورةٍ. والضّغط قد يفسّر التّعثّر، لكنّه لا يجوز أن يتحوّل إلى دينٍ دائمٍ يدفعه الآخرون من كرامتهم. التّفسير يريد أن يفهم الطّريق إلى الخطأ كي يمنع تكراره، أمّا التّبرير فيريد أن يجعل الطّريق نفسه مقبولًا كي نستمرّ فيه بلا وخزٍ شديدٍ.

“التّبرير هو لحظة سقوط العقل من مقام القاضي إلى مقام المحامي.”

ولذلك يبرّر الإنسان لأنّه يخاف انهيار صورته أمام نفسه. التّبرير لا يحمي الخطأ فقط، بل يحمي “أنا” متخيّلةً صنعها الإنسان عبر السّنوات. من يرى نفسه نقيًّا يصعب عليه الاعتراف بالحسد، فيسمّيه حسًّا نقديًّا عاليًا. ومن يرى نفسه قويًّا يصعب عليه الاعتراف بالخوف، فيسمّيه حسابًا دقيقًا للعواقب. ومن يرى نفسه عادلًا يصعب عليه الاعتراف بالظّلم، فيسمّيه ردًّا على إساءةٍ. ومن يرى نفسه ضحيّةً دائمةً يصعب عليه الاعتراف بأنّه آذى غيره، فيجعل كلّ أذاه امتدادًا لجرحه القديم. هنا يصبح التّبرير حارسًا للصّورة لا للحقيقة، وحارس الصّورة مستعدٌّ أن يمنع دخول الضّوء إذا كان الضّوء سيكشف أنّ اللّوحة الّتي يفتخر بها صاحب البيت ليست كما ظنّ.

إنّ الإنسان لا يدافع دائمًا عن فعله لأنّه مقتنعٌ به، بل لأنّه يخاف أن يسقط المعنى الّذي بناه عن نفسه إن اعترف. لو قال المتكبّر: “تكبّرت”، فسيتصدّع مقامٌ داخليٌّ عاش طويلًا تحت اسم عزّة النّفس. ولو قال الجبان: “خفت”، فسيفقد ثوب الحكيم المتّزن الّذي كان يتدفّأ به. ولو قال الكسول: “قصّرت”، فسيسقط قصرٌ كاملٌ من الحكايات عن الفرص الّتي لم تأت، والظّروف الّتي لم تنضج، والنّاس الّذين لم يساعدوه. ولو قال المؤذي: “أنا آذيت”، فستضيق عليه رواية أنّه دائمًا الطّرف المتألّم. ولذلك لا يكون التّبرير دفاعًا عن لحظةٍ، بل دفاعًا عن تاريخٍ داخليٍّ كاملٍ. ومن هنا تأتي قوّته ومكره؛ لأنّه لا يقول لصاحبه إنّه يحمي الكذب، بل يوهمه أنّه يحمي كرامته.

“التّبرير الأخلاقيّ بالغ الخطر لأنّه لا يكتفي بحماية الرّذيلة، بل يسرق لباس الفضيلة لتدفئتها.”

وفي مقامه الشّريف، يسأل العقل: “ما الحقّ؟”. أمّا العقل المبرّر فيسأل: “كيف أجعل ما فعلته يبدو مقبولًا؟”. يسأل العقل العادل: “هل أنا مخطئٌ؟”. ويسأل العقل الّذي صار محاميًا: “كيف أثبت أنّني لست مخطئًا؟”. يسأل العقل الحيّ: “ما واجبي الآن؟”. ويسأل العقل الهارب: “كيف أخرج من الإدانة؟”. يسأل العقل الصّادق: “ماذا يجب أن أصلح؟”. ويسأل العقل المبرّر: “من أستطيع أن ألوم؟”. هنا تكمن المأساة؛ فالإنسان لا يتخلّى عن التّفكير، بل يستخدم التّفكير ضدّ الحقيقة. لا يغلق عقله، بل يشغله في وظيفةٍ منحرفةٍ. يجعله يبحث عن الشّواهد الانتقائيّة، ويستدعي السّوابق الّتي تخدمه، ويقارن نفسه بمن هو أسوأ، ويصنع من كلّ ظرفٍ سلّمًا ينزل به من قاعة المسؤوليّة دون أن يشعر أنّه هرب.

التّبرير هو لحظة سقوط العقل من مقام القاضي إلى مقام المحامي. والقاضي يبحث عن العدل ولو كان الحكم على صاحبه، أمّا المحامي فيبحث عن النّجاة لموكّله. فإذا صار العقل محاميًا للهوى، لم تعد المشكلة في نقص الذّكاء، بل في فساد الوجهة. قد يكون الإنسان ذكيًّا جدًّا، واسع الثّقافة، حاضر الحجّة، لكنّه يستعمل كلّ ذلك ليتجنّب جملةً واحدةً قادرةً على إنقاذه: “أنا أخطأت”. وربّما كان الجاهل البسيط أصدق منه إذا بقي قادرًا على الاعتراف. فالعقل حين يخدم الهوى لا يقلّ خطرًا عن الجهل؛ بل قد يكون أخطر، لأنّ الجهل يعجز عن بناء القصور المعقّدة للأعذار، أمّا العقل المبرّر فيبنيها بإتقانٍ، ويضع لها نوافذ من المنطق، وأعمدةً من البلاغة، وسقفًا من النّيّة الطّيّبة، حتّى يسكن الإنسان هزيمته كأنّها بيتٌ محترمٌ.

“كم من علاقةٍ لم تمت بسبب الخطأ الأوّل، بل بسبب التّبرير الّذي جاء بعده.”

وللتّبرير وجوهٌ كثيرةٌ، وكلّ وجهٍ منها يملك لغةً مقنعةً في ظاهرها. هناك التّبرير بالظّروف، وهو أكثرها شيوعًا. يقول الإنسان: “لم أفعل لأنّ الظّروف لم تسمح”. ويقول: “لم أنجح لأنّ الزّمن ضدّي”. ويقول: “لم أعتذر لأنّ الوقت لم يكن مناسبًا”. ويقول: “لم أبدأ لأنّ الإمكانات ناقصةٌ”. وقد تكون الظّروف فعلًا قاسيةً، والزّمن غير رحيمٍ، والإمكانات محدودةً، والوقت غير مثاليٍّ. لكنّ السّؤال الّذي يهرب منه التّبرير هو: ماذا فعلت بما كان ممكنًا؟ ليس المطلوب أن يحاسب الإنسان نفسه على المستحيل، لكنّ من الظّلم للحقيقة أن يحوّل المستحيل إلى ستارٍ يخفي تقصيره في الممكن. فكم من إنسانٍ لم يهزمه ما لا يملك، بل هزمه سوء استعمال ما يملك، ثمّ ظلّ يرفع راية الظّروف كي لا يرى ما فرّط فيه.

وهناك التّبرير بالنّيّة الطّيّبة. يقول الإنسان: “أنا لم أقصد”. ويقول: “نيّتي كانت صافيةً”. ويقول: “كنت أريد الخير”. وهذه الجمل قد تكون صحيحةً، وقد تستحقّ أن تسمع، فالنّيّة جزءٌ من الحكم الأخلاقيّ، ولا يجوز إلغاؤها. لكنّها ليست كلّ الحكم. النّيّة قد تخفّف، لكنّها لا تمحو الأثر. قد لا يقصد الإنسان أن يجرح، لكنّه جرح. قد يريد الخير، لكنّه اختار وسيلةً مؤذيةً. قد يقصد التّربية، لكنّه مارس الإهانة. قد يقصد النّصيحة، لكنّه صاغها كطعنةٍ. النّيّة الطّيّبة لا تكفي وحدها كي يصبح الفعل طيّبًا. والإنسان النّاضج لا يكتفي بأن يقول: “لم أقصد”، بل يضيف: “ومع ذلك، أرى الأثر الّذي وقع، وأتحمّل نصيبي منه”. أمّا من يقف عند النّيّة فقط، فإنّه يطلب من المجروح أن ينسى جرحه احترامًا لقلب من جرحه.

وهناك التّبرير بردّ الفعل. يقول الإنسان: “هم بدأوا”. ويقول: “هو دفعني”. وتقول النّفس الغاضبة: “هي استفزّتني”. نعم، قد يبدأ الآخر، وقد يستفزّ، وقد يضغط على موضعٍ حسّاسٍ، وقد يظلم أوّلًا. لكنّ استفزاز الآخر لا يمنح الإنسان ملكيّةً مطلقةً للانتقام. الرّدّ ليس منطقةً بلا أخلاقٍ. من حقّ الإنسان أن يدافع عن نفسه، لكنّ ليس من حقّه أن يتحوّل دفاعه إلى ظلمٍ جديدٍ ثمّ يسمّيه كرامةً. ومن حقّه أن يضع حدودًا، لكنّ ليس من حقّه أن يهدم إنسانيّة الآخر لأنّه أخطأ. ومن حقّه أن يغضب، لكنّ الغضب لا يصير تشريعًا مطلقًا للّسان واليد. إنّ التّبرير بردّ الفعل يحوّل الإنسان إلى كائنٍ لا مسؤوليّة له إلّا إذا بدأ هو الفعل، مع أنّ كثيرًا من الأخلاق تظهر في طريقة ردّنا لا في أصل ما تعرّضنا له.

وهناك التّبرير بالمقارنة. يقول الإنسان: “غيري أسوأ منّي”. ويقول: “كلّ النّاس تفعل ذلك”. ويقول: “لماذا أنا فقط؟”. وهذه حيلةٌ تخفّض الشّعور بالذّنب، لكنّها لا تغيّر حقيقة الخطأ. إذا كان غيرك أكثر ظلمًا، فهذا لا يجعلك عادلًا. وإذا كان كثيرون يكذبون، فهذا لا يجعل الكذب صدقًا. وإذا كان المجتمع كلّه مريضًا بعادةٍ ما، فهذا لا يحوّل المرض إلى صحّةٍ. المقارنة قد تفيد في تقدير الدّرجات، لكنّها لا تلغي أصل الحكم. والمشكلة أنّ الإنسان حين يفتّش عن الأسوأ، لا يريد العدل غالبًا، بل يريد تخفيض العقوبة النّفسيّة عن نفسه. إنّه لا يقول: “لنعالج الخطأ في الجميع”، بل يقول: “لا تنظروا إليّ وحدي”. وكأنّ وجود مجرمين كثيرين يجعل جريمته أقلّ حاجةً إلى الاعتراف.

وهناك التّبرير بالماضي المجروح. يقول الإنسان: “أنا هكذا لأنّني تأذّيت”. ويقول: “قسوت لأنّ الحياة قست عليّ”. ويقول: “لا أستطيع أن أثق لأنّني خنت”. ويقول: “أغضب لأنّني عشت طويلًا بلا احتواء”. وهذه كلّها قد تحمل وجعًا حقيقيًّا، ولا يجوز أن يعامل الجرح القديم بخفّةٍ أو ازدراءٍ. لكنّ الجرح يفسّر الألم، ولا يبرّر تحويل الألم إلى أذًى. من تأذّى يحتاج إلى رحمةٍ وعلاجٍ، لا إلى رخصةٍ دائمةٍ يجرح بها غيره. والحياة الّتي قست عليك لا تمنحك حقّ القسوة على من أحبّك. والخيانة الّتي تعرّضت لها لا تجعل كلّ غموضٍ خيانةً، ولا كلّ إنسانٍ متّهمًا حتّى يثبت العكس. الماضي يستحقّ أن يفهم، لكنّه لا يجوز أن يصير ملكًا ظالمًا يحكم الحاضر كلّه.

وأخطر صور التّبرير هي التّبرير الأخلاقيّ، حين يعطي الإنسان خطأه اسم فضيلةٍ. ينتقم ويسمّيه عدلًا. يقسو ويسمّيه صراحةً. يهرب ويسمّيه حكمةً. يتكبّر ويسمّيه عزّةً. يؤذي ويسمّيه تربيةً. يفضح ويسمّيه نصحًا. يتدخّل فيما لا يعنيه ويسمّيه غيرةً على الحقّ. يسيء الظّنّ ويسمّيه فراسةً. يتقاعس ويسمّيه انتظار الوقت المناسب. هذا النّوع بالغ الخطر لأنّه لا يكتفي بحماية الرّذيلة، بل يسرق لباس الفضيلة لتدفئتها. وعندما تلبس الرّذيلة ثوب الفضيلة، يصعب على صاحبها أن يتوب؛ لأنّه لا يرى نفسه مذنبًا، بل يرى نفسه صاحب موقفٍ. وما دام الانتقام يسمّى عدلًا، فلن يتوقّف السّيف. وما دامت القسوة تسمّى وضوحًا، فلن يسمع صاحبها أنينه في قلوب الآخرين. وما دام الهروب يسمّى حكمةً، فلن يكتشف الإنسان أنّه لم يكن حكيمًا بل خائفًا.

التّبرير الأخلاقيّ يكشف كيف يمكن للفضائل أن تتحوّل إلى أقنعةٍ للرّذائل إذا انفصلت عن الصّدق والميزان. فالعدل بلا رحمةٍ قد يصبح انتقامًا، والصّراحة بلا أدبٍ قد تصبح قسوةً، والعزّة بلا تواضعٍ قد تصبح كبرًا، والحكمة بلا شجاعةٍ قد تصبح جبنًا، والتّربية بلا رحمةٍ قد تصبح إذلالًا، والغيرة على الحقّ بلا إنصافٍ قد تصبح تسلّطًا. ليست المشكلة في أسماء الفضائل، بل في استعمالها لإخفاء ما يناقضها. لذلك يحتاج الإنسان إلى يقظةٍ لغويّةٍ وأخلاقيّةٍ؛ أن يسأل نفسه: هل أسمّي فعلي باسمه الحقيقيّ، أم أبحث له عن اسمٍ شريفٍ كي أرتاح؟

“الفهم الصّحيح يفتح باب التّحرّر، أمّا التّبرير فيجعل القيد مفهومًا ومقبولًا.”

وفي العلاقات، يفسد التّبرير كلّ إمكانٍ للاعتذار الحقيقيّ. الشّخص المبرّر لا يسمع ألم الآخر، بل يسمع اتّهامًا يجب الرّدّ عليه. فإذا عاتبه من يحبّ، لم يسأل أوّلًا عمّا وقع في قلبه، بل بدأ الدّفاع عن نفسه. يحوّل كلّ عتابٍ إلى محاكمةٍ، وكلّ طلب إصلاحٍ إلى هجومٍ، وكلّ نقدٍ إلى إهانةٍ. بدل أن يقول: “أفهم أنّي آذيتك”، يقول: “أنت أيضًا أخطأت”. بدل أن يقول: “كان ينبغي أن أتصرّف بشكلٍ أفضل”، يقول: “أنت حسّاسٌ جدًّا”. بدل أن يصلح الفعل، يطعن في مشاعر المتأذّي. وهنا لا يقتل التّبرير الاعتذار فقط، بل يقتل حقّ الآخر في أن يتألّم. يجعله مضطرًّا إلى إثبات وجعه بدل أن يجد من يعترف به.

كم من علاقةٍ لم تمت بسبب الخطأ الأوّل، بل بسبب التّبرير الّذي جاء بعده. فالخطأ قد يوجع، لكنّه إذا لقي اعترافًا صادقًا، وجد الجرح طريقًا إلى الالتئام. أمّا حين يجيء التّبرير، فإنّ الجرح يتضاعف؛ لأنّ المتأذّي لا يطلب منه فقط أن يحتمل الألم، بل أن يقتنع بأنّه لا يملك حقّ الألم. إنسانٌ قاسٍ يقول لمن جرحه: “أنا كنت صريحًا فقط”. وآخر مهملٌ يقول: “أنت تبالغ”. وثالثٌ غائبٌ يقول: “كلّ النّاس مشغولةٌ”. ورابعٌ خائنٌ للثّقة يقول: “لم أقصد أن تفهمها هكذا”. هذه الجمل لا تعالج، بل تضيف طبقةً جديدةً من الإهانة؛ لأنّها تنكر حقّ القلب في أن يقول إنّه تأذّى.

ولا يقتصر التّبرير على الأفراد. الأمم والجماعات والمؤسّسات تبرّر كما يبرّر الأشخاص. تقول الأمّة: “نحن لم نفشل، بل تآمروا علينا”. وتقول الجماعة: “نحن لا نحتاج إلى مراجعةٍ، بل العالم لا يفهمنا”. وتقول المؤسّسة: “نحن لا نخطئ، بل النّاس لا يقدّرون جهودنا”. ويقول المجتمع: “نحن متأخّرون لأنّ غيرنا منعنا، لا لأنّنا قصّرنا أيضًا”. والعدل يقتضي التّوازن هنا؛ فالعوامل الخارجيّة حقيقيّةٌ أحيانًا، والمؤامرات قد توجد، والظّلم الدّوليّ أو الاجتماعيّ أو التّاريخيّ ليس خيالًا. لكنّ وجود العامل الخارجيّ لا ينبغي أن يتحوّل إلى ستارٍ يمنعنا من رؤية العامل الدّاخليّ. المؤامرة قد تكون موجودةً، لكنّ أخطر منها أن تتحوّل إلى ستارٍ يمنعنا من رؤية تقصيرنا.

حين تجعل الجماعة كلّ فشلٍ نتيجةً للعدوّ، فإنّها تمنح نفسها راحةً نفسيّةً مؤقّتةً، لكنّها تخسر فرصة التّعلّم. وحين تجعل المؤسّسة كلّ نقدٍ سوء فهمٍ، فإنّها تحمي صورتها وتخرّب أداءها. وحين يجعل المجتمع كلّ تأخّره بسبب الخارج وحده، فإنّه يترك أمراض الدّاخل تنمو في الظّلّ؛ الفوضى، والفساد، وضعف التّعليم، وغياب المحاسبة، واحتقار الوقت، والخوف من الكفاءة، وتقديس الوجاهة على حساب العمل. الخارج قد يضغط، لكنّ الدّاخل الضّعيف هو الّذي ينكسر بسهولةٍ. ومن الصّدق أن نقول إنّ هناك من يطمع بنا، ومن الأصدق أن نسأل لماذا صرنا قابلين للطّمع. ومن العدل أن نذكر الظّلم الواقع علينا، ومن النّضج ألّا نجعله يمحو ظلمنا لأنفسنا.

“من الصّدق أن نقول إنّ هناك من يطمع بنا، ومن الأصدق أن نسأل لماذا صرنا قابلين للطّمع.”

ويبدأ التّبرير كحيلةٍ يشعر بها الإنسان أحيانًا. يعرف في داخله أنّه يتهرّب، لكنّه يجد في العذر راحةً. ثمّ يكرّر العذر. ثمّ يصدّقه. ثمّ يصبح جزءًا من شخصيّته. وفي هذه المرحلة لا يعود يشعر أنّه يهرب، بل يظنّ أنّه منطقيٌّ ومنصفٌ. وهذا أخطر ما في التّبرير؛ أنّه يتحوّل من جملةٍ تقال بعد الخطإ إلى طريقةٍ في التّفكير. يصبح الإنسان مبرّرًا قبل أن يسأل، دفاعيًّا قبل أن يتّهم، مستعدًّا لتوزيع المسؤوليّة قبل أن يجلس مع نفسه. كأنّ داخله جهازًا آليًّا يصنع الأعذار بمجرّد اقتراب الحقيقة.

ومن علامات هذا المرض: العجز عن قول: “أنا أخطأت”. ليس قولها كعبارةٍ عابرةٍ ثمّ إغراقها في الشّروط والاعتراضات، بل قولها صافيةً بما يكفي كي تحدث أثرها. ومن علاماته كثرة استعمال “لكنّ” بعد كلّ اعتذارٍ. يقول: “أنا آسفٌ، لكنّك استفززتني”. ويقول: “أخطأت، لكنّ الظّروف كانت قاسيةً”. ويقول: “ربّما جرحتك، لكنّك لا تفهم ضغطي”. ليست “لكنّ” مذمومةً دائمًا، فالسّياق مهمٌّ، لكنّ كثرتها بعد الاعتذار قد تكون سكّينًا يقطع عن الاعتراف روحه. ومن علاماته تحويل كلّ نقدٍ إلى هجومٍ، والبحث عن ذنبٍ في الطّرف الآخر لتخفيف الذّنب الذّاتيّ، وتكرار الخطأ نفسه مع اختلاف الأعذار. فإذا تغيّرت الأعذار وبقي الخطأ، فالمشكلة ليست في الظّروف بل في نمطٍ يحتاج إلى مواجهةٍ.

كيف يهزم التّبرير؟ لا يهزم بالمعلومات وحدها، لأنّ المبرّر قد يملك المعلومات ويستعملها للدّفاع عن نفسه. ولا يهزم بالفضح وحده، لأنّ الفضح قد يزيده تصلّبًا. يهزم أوّلًا بسؤالٍ أخلاقيٍّ يعيد العقل إلى مقعد القاضي. يسأل الإنسان نفسه: “هل أنا أشرح السّبب أم أهرب من المسؤوليّة؟”. هذا السّؤال يميّز بين الفهم والتّملّص. ثمّ يسأل: “هل كنت سأقبل هذا العذر من غيري لو فعل بي ما فعلت؟”. وهذا من أقوى الأسئلة، لأنّه يكشف ازدواجيّة المعايير. كثيرٌ من الأعذار تبدو مقنعةً حين نستعملها لأنفسنا، لكنّها تسقط فجأةً حين نتخيّل خصمنا يستعملها ضدّنا. ثمّ يسأل: “ما الشّيء الّذي يجب أن أصلحه بدل أن أبرّره؟”. لأنّ الهدف ليس أن ينتصر الإنسان في المرافعة، بل أن ينجو من تكرار الخطأ.

والقاعدة الحاسمة هنا ألّا تجعل فهمك لأسباب الخطأ سببًا للتّصالح معه. افهم طفولتك، لكن لا تجعلها عذرًا لإيذاء أحبّائك. افهم تعبك، لكن لا تجعله رخصةً للقسوة. افهم خوفك، لكن لا تجعله اسمًا آخر للحكمة. افهم ضغطك، لكن لا تجعله تصريحًا بإسقاط حقّ الآخرين في الاحترام. افهم بيئتك، لكن لا تجعلها قدرًا يلغي مسؤوليّتك. الفهم الصّحيح يفتح باب التّحرّر، أمّا التّبرير فيجعل القيد مفهومًا ومقبولًا. وشتّان بين أن أفهم السّلسلة لأفكّها، وأن أفهمها لأزيّنها حول عنقي.

ومن أدوات هزيمة التّبرير أن يتعلّم الإنسان الاعتذار بلا مراوغةٍ. أن يقول: “أخطأت حين فعلت كذا”، لا”أخطأت إن كنت فهمتني خطأً”. أن يقول: “آذيتك”، لا”تأذّيت من كلامي”. أن يقول: “كان ينبغي أن أتصرّف بشكلٍ أفضل”، لا”كنت مضغوطًا كما تعرف”. يمكن للسّياق أن يأتي بعد الاعتراف إذا كان يساعد على الفهم، لكن لا يجوز أن يأتي ليخنق الاعتراف. ومن أدواتها كذلك صحبةٌ صادقةٌ لا تصفّق للعذر الجميل، ومحاسبةٌ دوريّةٌ للنّفس، وتربيةٌ تجعل الاعتراف أقوى من التّجميل، وممارسةٌ عمليّةٌ لتحويل النّدم إلى فعلٍ؛ ردّ حقٍّ، أو تغيير عادةٍ، أو طلب مساعدةٍ، أو إغلاق بابٍ كان يكرّر الخطأ.

“يمكن للسّياق أن يأتي بعد الاعتراف إذا كان يساعد على الفهم، لكن لا يجوز أن يأتي ليخنق الاعتراف.”

حين يطول التّبرير، لا يعود الإنسان يكتفي بالدّفاع عن خطئه، بل يتحوّل إلى مهاجمة كلّ من يكشفه. هنا يبدأ الانتقال إلى التّطرّف. لأنّ من لا يريد الاعتراف يحتاج غالبًا إلى قسوةٍ تحمي إنكاره. النّاصح يصبح عدوًّا. والنّاقد يصبح حاسدًا. والمتألّم يصبح مبالغًا. ومن يطلب دليلًا يصبح متآمرًا. كلّ من يقترب من الوهم يصير خطرًا. وهكذا ينتقل الإنسان من الدّفاع عن نفسه إلى العدوان على الحقيقة ومن يحملها. فالتّطرّف ليس دائمًا بداية الطّريق، بل قد يكون نهايته؛ نهاية عقلٍ برّر طويلًا حتّى صار لا يحتمل من يوقظه.

ما دام العقل محاميًا عن الهزيمة، فلن يبلغ الإنسان براءة النّضج. يبدأ الشّفاء حين يكفّ العقل عن صناعة الأعذار، ويعود إلى مهمّته الأولى: أن يدلّ صاحبه على الحقّ ولو كان الحقّ ضدّه. فالعقل الّذي لا يجرؤ على إدانة صاحبه حين يخطئ ليس عقلًا حرًّا، بل موظّفٌ عند الهوى. والإنسان الّذي يريد أن ينمو لا يحتاج إلى عقلٍ يخرجه بريئًا من كلّ محاكمةٍ، بل إلى عقلٍ يعينه أن يرى نصيبه من الخطأ دون أن ينهار، وأن يفهم أسبابه دون أن يقدّسها، وأن يواجه مسؤوليّته دون أن يكره نفسه. هناك فقط يتحوّل العقل من محامٍ عن الهزيمة إلى شاهدٍ على الطّريق، ومن صانع أعذارٍ إلى صانع نجاةٍ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى