كَانَ المَوْتُ فِي حَارَتِنَا عَادِيًّـا إِلَى حَدٍّ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ أَحَدٌ؛ أَمَّا البُكَاءُ، فَكَانَ يُكَلِّفُ الكَثِيرَ. فِي مَسَاءِ كُلِّ خَمِيسٍ، وَقَبْلَ الخَامِسَةِ بِدَقَائِقَ، كَانَتِ العَجُوزُ تَسْحَبُ كَرَاسِيَهَا الخَشَبِيَّةَ الخَمْسَةَ إِلَى العَتَبَةِ، كُرْسِيًّـا بَعْدَ كُرْسِيٍّ، كَمَنْ يُهَيِّئُ مَسْرَحًـا صَغِيرًا لِفَاجِعَةٍ تَعْرِفُ مَوْعِدَهَا. تَضَعُ دَلَّةَ القَهْوَةِ المُرَّةَ إِلَى يَمِينِهَا، وَتَصُفُّ عَلَى طَرَفِ ثَوْبِهَا خَمْسَ قِطَعٍ نُحَاسِيَّةٍ، ثُمَّ تَجْلِسُ مُنْتَظِرَةً، بِعَيْنَيْنِ لَا تَنْتَظِرَانِ أَحَدًا بِقَدْرِ مَا تَنْتَظِرَانِ الصَّوْتَ.
عِنْدَ الخَامِسَةِ تَمَامًـا، لَا تُخْطِئُ النِّسَاءُ الطَّرِيقَ. يَأْتِينَ مُتَشِحَاتٍ بِالسَّوَادِ، لَا فُرَادَى تَمَامًـا وَلَا جَمَاعَةً كَامِلَةً؛ بَلْ كَمَا تَأْتِي عَادَةٌ قَدِيمَةٌ نَسِيَتْ سَبَبَهَا، وَبَقِيَتْ تَحْفَظُ خُطَاهَا. تَمُدُّ كُلُّ وَاحِدَةٍ يَدَهَا أَوَّلًـا، تَقْبِضُ قِطْعَتَهَا المَعْدَنِيَّةَ، وَحِينَ يَسْتَقِرُّ النُّحَاسُ فِي بَاطِنِ الكَفِّ، يَنْهَضُ النُّوَاحُ مِنَ الحَنَاجِرِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، كَأَنَّمَا كَانَ مَحْبُوسًـا خَلْفَ الأَسْنَانِ، لَا يَنْتَظِرُ غَيْرَ إِذْنٍ صَغِيرٍ مِنَ المَعْدَنِ. يَبْكِينَ بِحُرْقَةٍ مَأْجُورَةٍ. يَنْدُبْنَ ابْنًـا لَمْ تَلِدْهُ العَجُوزُ، وَحَبِيبًـا لَمْ يَعْرِفْ بَابَهَا، وَشَبَابًـا لَمْ يَمُتْ فِي حَرْبٍ وَلَا غُرْبَةٍ، بَلْ تَآكَلَ فِي رُطُوبَةِ الجُدْرَانِ وَانْتِظَارٍ طَوِيلٍ لَا تُعَلَّقُ عَلَيْهِ النَّعْوَاتُ. يَخْتَرِعْنَ لَهَا مَآسِيَ كَامِلَةً، وَيُوَسِّعْنَ سِيرَةَ اِمْرَأَةٍ لَمْ يَكُنْ فِي الحَيِّ مَنْ يَعْرِفُ عَنْهَا أَكْثَرَ مِنْ كُرْسِيِّهَا، وَقَهْوَتِهَا، وَذَلِكَ الحُزْنِ الَّذِي تَسْتَأْجِرُهُ كُلَّ خَمِيسٍ.
وَفِي مَرْكَزِ الجَوْقَةِ، كَانَتِ العَجُوزُ تَجْلِسُ صَامِتَةً. تَرْتَشِفُ قَهْوَتَهَا بِبُطْءٍ، وَتُرَاقِبُ الدُّمُوعَ السَّاخِنَةَ بِمُتْعَةٍ بَارِدَةٍ، كَمَنْ يَتَدَفَّأُ عَلَى حَطَبٍ مُسْتَعَارٍ. لَا تَبْكِي، لَا تَتَنَهَّدُ، لَا تُشَارِكُ فِي مَأْتَمِهَا الصَّغِيرِ إِلَّا بِتِلْكَ الاِبْتِسَامَةِ الشَّحِيحَةِ الَّتِي تَرْتَفِعُ عَلَى شَفَتَيْهَا كُلَّمَا عَلَا العَوِيلُ؛ اِبْتِسَامَةُ اِمْرَأَةٍ تَبْحَثُ عَنْ صَدَى وُجُودِهَا فِي حَنْجَرَةِ غَيْرِهَا. وَحِينَ يُشِيرُ عَقْرَبُ السَّاعَةِ المُعَلَّقَةِ عَلَى الجِدَارِ إِلَى السَّادِسَةِ، يَنْقَطِعُ النَّشِيجُ فَجْأَةً كَمَا بَدَأَ. تَسْحَبُ النِّسَاءُ أَطْرَافَ عَبَاءَاتِهِنَّ، يَمْسَحْنَ مَا تَبَقَّى مِنَ الدُّمُوعِ، يَتَجَرَّعْنَ القَهْوَةَ عَلَى عَجَلٍ، ثُمَّ يَنْصَرِفْنَ وَفِي وُجُوهِهِنَّ خِفَّةُ مَنْ أَدَّى عَمَلًـا لَا عَاطِفَةَ.
مَعَ الوَقْتِ، لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ فِي الحَيِّ يَرَى فِي الأَمْرِ غَرَابَةً. تَصَلَّبَ العَبَثُ حَتَّى صَارَ طَقْسًـا تُضْبَطُ عَلَيْهِ اليَوْمِيَّاتُ. كَانَ الخَبَّازُ، إِذَا ارْتَفَعَ النُّوَاحُ، يَقُولُ لِصَبِيِّهِ دُونَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ عَنِ العَجِينِ: “العَجُوزُ تَمُوتُ الآنَ… أَخْرِجِ الخُبْزَ”. وَكَانَ الصَّبِيُّ يَعْرِفُ أَنَّ الخَامِسَةَ قَدْ حَلَّتْ. وَحْدَهُ طِفْلُ الجِيرَانِ الصَّامِتُ كَانَ يُرَاقِبُ المَشْهَدَ مِنْ شَقِّ نَافِذَتِهِ العُلْوِيَّةِ. لَمْ تَكُنْ تَجْذِبُهُ بَرَاعَةُ النَّدَّابَاتِ، وَلَا اخْتِلَافُ طَبَقَاتِ النُّوَاحِ، وَلَا انْتِظَامُ الكَرَاسِي كَأَنَّهَا شُهُودٌ خَشَبِيَّةٌ عَلَى جَرِيمَةٍ مُؤَجَّلَةٍ. كَانَ يُرَاقِبُ العَجُوزَ نَفْسَهَا؛ تِلْكَ المَرْأَةَ الَّتِي لَا تَطْلُبُ الحَيَاةَ مِنْ أَحَدٍ، لَكِنَّهَا تَدْفَعُ ثَمَنَ الاِعْتِرَافِ بِمَوْتِهَا سَلَفًـا. كَانَ فِي ابْتِسَامَتِهَا شَيْءٌ لَا يَفْهَمُهُ، لَكِنَّهُ يَخَافُهُ.
وَفِي الخَمِيسِ الأَخِيرِ، انْكَسَرَ الإِيقَاعُ. كَانَتِ الكَرَاسِي الخَمْسَةُ مَصْفُوفَةً فِي أَمَاكِنِهَا، وَالعَتَبَةُ مَكْنُوسَةً كَعَادَتِهَا، غَيْرَ أَنَّ دَلَّةَ القَهْوَةِ بَقِيَتْ بَارِدَةً وَفَارِغَةً. جَاءَتِ النِّسَاءُ فِي الخَامِسَةِ. تَوَقَّفْنَ أَمَامَ البَابِ لَحْظَةً، ثُمَّ نَظَرَتْ كَبِيرَتُهُنَّ عَبْرَ النَّافِذَةِ المُوَارَبَةِ. كَانَتِ العَجُوزُ مَمْدُودَةً عَلَى بِسَاطِ الغُرْفَةِ، لَا تَتَحَرَّكُ. عَيْنَاهَا مَفْتُوحَتَانِ عَلَى السَّقْفِ، وَوَجْهُهَا خَالٍ مِنْ تِلْكَ الاِبْتِسَامَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي كَانَتْ تَجْعَلُ مَوْتَهَا الأُسْبُوعِيَّ أَقَلَّ صِدْقًـا وَأَكْثَرَ إِيلَامًـا. تَأَمَّلَتْهَا كَبِيرَةُ النَّدَّابَاتِ قَلِيلًـا، ثُمَّ الْتَفَتَتْ إِلَى رَفِيقَاتِهَا سَاخِرَةً: “لَقَدْ أَتْقَنَتِ الدَّوْرَ هَذِهِ المَرَّةَ. تُرِيدُ أَنْ تَمُوتَ كَامِلًـا كَيْ نَبْكِيَهَا بِلَا أَجْرٍ”. ضَحِكَتْ إِحْدَاهُنَّ، وَقَالَتْ أُخْرَى وَهِيَ تُصْلِحُ سَوَادَ عَبَاءَتِهَا: “لَا دُمُوعَ مَجَّانِيَّةً هُنَا”. ثُمَّ انْصَرَفْنَ، تَارِكَاتٍ البَابَ مُوَارَبًـا، وَالكَرَاسِي شَاهِدَةً عَلَى مَأْتَمٍ لَمْ يَبْدَأْ.
حَلَّ اللَّيْلُ. طَوَى الحَيُّ نَهَارَهُ كَمَا تُطْوَى وَرَقَةٌ لَا تَسْتَحِقُّ القِرَاءَةَ. أُغْلِقَتِ النَّوَافِذُ، خَمَدَتِ الأَصْوَاتُ، وَنَامَ النَّاسُ مُرْتَاحِينَ مِنْ ضَجِيجِ المَأْتَمِ الأُسْبُوعِيِّ. بَقِيَتِ الكَرَاسِي الخَمْسَةُ فَارِغَةً تَحْتَ ضَوْءِ مِصْبَاحِ الشَّارِعِ المَرِيضِ، وَبَقِيَتِ العَتَبَةُ بَارِدَةً، لَا نُوَاحَ فَوْقَهَا، وَلَا رَائِحَةَ هَيْلٍ، وَلَا نُحَاسَ يُلَامِسُ الأَكُفَّ. كَانَ الجَمِيعُ يُؤَجِّلُ تَصْدِيقَ المَشْهَدِ إِلَى خَمِيسٍ قَادِمٍ. وَحْدَهُ الطِّفْلُ الصَّامِتُ لَمْ يَنَمْ. نَزَلَ السَّلَالِمَ بِبُطْءٍ، كَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يُوقِظَ الحَيَّ مِنْ كِذْبَتِهِ. دَفَعَ البَابَ الخَشَبِيَّ المُوَارَبَ، وَتَجَاوَزَ العَتَبَةَ. وَقَفَ طَوِيلًـا أَمَامَ العَجُوزِ. لَمْ يَكُنْ وَجْهُهَا مُخِيفًـا، بَلْ كَانَ غَرِيبًـا؛ كَوَجْهِ إِنْسَانٍ انْتَظَرَ طَوِيلًـا أَنْ يُرَى، ثُمَّ غَادَرَ قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ أَحَدٌ. فِي سُكُونِ الغُرْفَةِ، لَمَحَ وَرَقَةً مَطْوِيَّةً بِعِنَايَةٍ بَيْنَ أَصَابِعِهَا المُتَصَلِّبَةِ فَوْقَ صَدْرِهَا. مَدَّ يَدَهُ وَسَحَبَهَا بِرِفْقٍ. فَتَحَهَا تَحْتَ الضَّوْءِ الشَّحِيحِ المُتَسَرِّبِ مِنْ مِصْبَاحِ الشَّارِعِ، فَقَرَأَ خَطًّـا مُرْتَجِفًـا، كُتِبَ قَبْلَ أَنْ تَبْرُدَ القَهْوَةُ إِلَى الأَبَدِ: “أَخِيرًا… هَذِهِ المَرَّةَ بَكَيْتُمْ بِصِدْقٍ، لِأَنَّكُمْ لَمْ تَبْكُوا”.
