لَمْ يَكُنِ الفَقِيرُ يَمْلِكُ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا جَسَدًا هَزِيلًا، وَثَوْبًا مُرَقَّعًا، وَظِلًّا طَوِيلًا يَتْبَعُهُ فِي الأَزِقَّةِ كَكَلْبٍ أَسْوَدَ لَا يَطْلُبُ طَعَامًا.
كَانَ يَمْشِي كُلَّ صَبَاحٍ إِلَى السُّوقِ، فَيَرَاهُ النَّاسُ وَلَا يَرَوْنَهُ؛ بَائِعُ الخُبْزِ يَدْفَعُهُ بِمِرْفَقِهِ، وَصَاحِبُ الدُّكَّانِ يُطِيلُ النَّظَرَ فِي فَرَاقٍ فَوْقَ كَتِفِهِ، وَالصِّبْيَةُ يـَرْمُونَهُ بِقُشُورِ الفَاكِهَةِ ثُمَّ يَضْحَكُونَ، لَا لِأَنَّهُمْ يَكْرَهُونَهُ، بَلْ لِأَنَّ الفَقْرَ يَجْعَلُ صَاحِبَهُ مُبَاحًا كَغُبَارِ الطَّرِيقِ.
وَفِي مَسَاءٍ شَدِيدِ الرُّطُوبَةِ، حِينَ كَانَتِ المَدِينَةُ تُطْفِئُ قَنَادِيلَهَا وَاحِدًا وَاحِدًا، خَرَجَ لَهُ رَجُلٌ غَرِيبٌ مِنَ الزُّقَاقِ الضِّيِّقِ قُرْبَ الحَمَّامِ القَدِيمِ. كَانَ يَلْبَسُ عَبَاءَةً دَاكِنَةً لَا تَبْتَلُّ بِالمَطَرِ، وَعِمَامَةً لَا يُرَى تَحْتَهَا وَجْهٌ وَاضِحٌ. لَمْ يُحَيِّهِ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنِ اسْمِهِ، بَلْ نَظَرَ إِلَى الأَرْضِ عِنْدَ كَعْبَيْهِ وَقَالَ: «أَبِيعُهُ؟»
التَفَتَ الفَقِيرُ حَوْلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يَصْلُحُ لِلْبَيْعِ غَيْرَ عِظَامِهِ. قَالَ الغَرِيبُ وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى البُقْعَةِ السَّوْدَاءِ المَمْدُودَةِ خَلْفَهُ: «ظِلُّكَ». ضَحِكَ الفَقِيرُ ضِحْكَةً قَصِيرَةً، جَافَّةً، كَأَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ حَجَرٍ: «وَمَنْ يَشْتَرِي ظِلَّ رَجُلٍ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ؟»
أَخْرَجَ الغَرِيبُ صُرَّةً صَغِيرَةً، فَتَحَهَا قَلِيلًا، فَانْدَلَقَ مِنْهَا بَرِيقُ الذَّهَبِ عَلَى الوَحْلِ. لَمْ يَكُنِ الذَّهَبُ كَثِيرًا جِدًّا، لَكِنَّهُ كَانَ فِي عَيْنِ الجَائِعِ أَكْثَرَ مِنْ مَدِينَةٍ. قَالَ بِصَوْتٍ لَا دِفْءَ فِيهِ وَلَا تَهْدِيدَ: «أَنَا لَا أَشْتَرِي مَا يَمْلِكُهُ النَّاسُ، بَلْ مَا يَظُنُّونَ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ».
لَمْ يَفْهَمِ الفَقِيرُ، وَلَمْ يُحَاوِلْ أَنْ يَفْهَمَ. كَانَ الجُوعُ أَسْرَعَ مِنَ الحِكْمَةِ، وَكَانَتِ السَّنَوَاتُ الَّتِي قَضَاهَا تَحْتَ أَقْدَامِ النَّاسِ قَدْ جَعَلَتْهُ يَكْرَهُ كُلَّ مَا يَتْبَعُهُ، حَتَّى ظِلَّهُ. أَوْمَأَ مُوَافِقًا.
عِنْدَهَا أَخْرَجَ الغَرِيبُ مِنْ كُمِّهِ مِقَصًّا صَغِيرًا مِنْ فِضَّةٍ بَارِدَةٍ. انْحَنَى إِلَى الأَرْضِ، وَوَضَعَ حَدَّيْهِ عِنْدَ كَعْبَيِ الرَّجُلِ، ثُمَّ قَصَّ الهَوَاءَ قَصَّةً وَاحِدَةً. لَمْ يُسْمَعْ صَوْتٌ. غَيْرَ أَنَّ الفَقِيرَ شَعَرَ بِبُرُودَةٍ خَاطِفَةٍ تَصْعَدُ مِنْ قَدَمَيْهِ إِلَى قَلْبِهِ، كَأَنَّ شَيْئًا رَقِيقًا كَانَ يَرْبِطُهُ بِالأَرْضِ فَانْقَطَعَ. رَأَى ظِلَّهُ يَتَقَلَّصُ، يَلْتَوِي، ثُمَّ يَنْفَصِلُ عَنْهُ مِثْلَ جِلْدٍ أَسْوَدَ سُلِخَ بِلَا دَمٍ. طَوَاهُ الغَرِيبُ بِعِنَايَةٍ، كَمَا تُطْوَى قِطْعَةُ حَرِيرٍ نَادِرَةٍ، دَسَّهُ فِي عَبَاءَتِهِ، وَرَمَى صُرَّةَ الذَّهَبِ عِنْدَ قَدَمَيْهِ. حِينَ رَفَعَ الفَقِيرُ رَأْسَهُ، كَانَ الرَّجُلُ قَدِ اخْتَفَى.
فِي اللَّيْلَةِ نَفْسِهَا، أَكَلَ حَتَّى بَكَى. وَفِي الشَّهْرِ نَفْسِهِ، اشْتَرَى بَيْتًا وَاسِعًا فِي طَرَفِ المَدِينَةِ، ثُمَّ بَيْتًا أَكْبَرَ، ثُمَّ قَصْرًا لَهُ بَابَانِ وَنَوَافِذُ عَالِيَةٌ وَنَافُورَةٌ فِي وَسَطِ الفِنَاءِ. صَارَ يَلْبَسُ الحَرِيرَ، وَيَأْكُلُ فِي صُحُونٍ مَنْقُوشَةٍ، وَيَأْمُرُ الخَدَمَ أَنْ يُبَدِّلُوا البُخُورَ قَبْلَ أَنْ تَخِفَّ رَائِحَتُهُ. كَانَ يَمُرُّ فِي السُّوقِ فَلَا يُزَاحِمُهُ أَحَدٌ، لَا لِأَنَّهُمْ احْتَرَمُوهُ، بَلْ لِأَنَّ الذَّهَبَ يَجْعَلُ لِلْمَرْءِ مَسَاحَةً حَوْلَ جَسَدِهِ تُشْبِهُ القَدَاسَةَ.
لَكِنَّ شَيْئًا صَغِيرًا ظَلَّ يُفْسِدُ عَلَيْهِ اكْتِمَالَهُ. فِي ظَهِيرَةِ اليَوْمِ الأَوَّلِ، وَقَفَ فِي سَاحَةِ القَصْرِ يَتَأَمَّلُ الرُّخَامَ الجَدِيدَ. كَانَتِ
الشَّمْسُ فَوْقَ رَأْسِهِ مِثْلَ عَيْنٍ بَيْضَاءَ لَا تَرْمُشُ. نَظَرَ إِلَى الأَرْضِ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا عِنْدَ قَدَمَيْهِ. لَا خَطًّا، لَا بُقْعَةً، لَا امْتِدَادًا أَسْوَدَ يُؤَكِّدُ أَنَّهُ وَاقِفٌ فِي العَالَمِ. مَدَّ يَدَهُ. لَمْ تَتَحَرَّكْ عَلَى البِلَاطِ إِلَّا اليَدُ نَفْسُهَا. مَشَى. لَمْ يَمْشِ خَلْفَهُ أَحَدٌ. رَكَضَ فَجْأَةً، كَمَا يَرْكُضُ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يُفَاجِئَ نَفْسَهُ، لَكِنَّ الأَرْضَ ظَلَّتْ نَظِيفَةً مِنْهُ، كَأَنَّهَا تَرْفُضُ الِاحْتِفَاظَ بِأَثَرِهِ.
ضَحِكَ فِي البِدَايَةِ. قَالَ لِنَفْسِهِ إِنَّ الظِّلَّ لَا يُطْعِمُ، وَلَا يَكْسُو، وَلَا يَفْتَحُ الأَبْوَابَ المُغْلَقَةَ. لَكِنَّهُ فِي اللَّيْلِ، حِينَ وَقَفَ أَمَامَ المِرْآةِ، رَأَى وَجْهَهُ وَاضِحًا، وَثَوْبَهُ وَاضِحًا، وَخَاتَمَهُ وَاضِحًا، غَيْرَ أَنَّ شَيْئًا فِي الصُّورَةِ كَانَ نَاقِصًا. لَمْ تَكُنِ المِرْآةُ تُكَذِّبُهُ، لَكِنَّهَا لَمْ تُصَدِّقْهُ كَامِلًا.
ثُمَّ بَدَأَ النَّاسُ يَنْتَبِهُونَ. كَانَ الخَدَمُ يَخْفِضُونَ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا مَرَّ فِي البَهْوِ المُشْمِسِ. وَكَانَتِ النِّسَاءُ يُهَمْسِنَ خَلْفَ الأَبْوَابِ. وَكَانَ الأَطْفَالُ، وَهُمْ أَصْدَقُ قَسْوَةً مِنَ الكِبَارِ، يَصْرُخُونَ إِذَا رَأَوْهُ عِنْدَ الظَّهِيرَةِ: «الرَّجُلُ الَّذِي لَا يَتْبَعُهُ أَحَدٌ!» لَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ عَلَى طَرْدِهِ مِنْ مَجْلِسٍ، وَلَمْ يَشْتُمْهُ أَحَدٌ فِي وَجْهِهِ، لَكِنَّ النَّاسُ أَخَذُوا يَبْتَعِدُونَ عَنْهُ رُوَيْدًا، كَمَا يَبْتَعِدُونَ عَنْ مَيِّتٍ لَمْ يُدْفَنْ. فَقَدَ الرَّجُلُ شَيْئًا لَا تُعَوِّضُهُ الثَّرْوَةُ: ثِقْلَهُ فِي عُيُونِ الآخَرِينَ. صَارَ حَاضِرًا بِلَا رُسُوخٍ، مَرْئِيًّا بِلَا طُمَأْنِينَةٍ، كَأَنَّ جَسَدَهُ خَبَرٌ غَيْرُ مُؤَكَّدٍ.
ثُمَّ جَاءَتِ الجَرَائِمُ. فِي الصَّبَاحِ، وَجَدَ خَنْجَرًا رَفِيعًا عَلَى وِسَادَتِهِ البَيْضَاءِ، يَقْطُرُ دَمًا لَمْ يَجَفَّ بَعْدُ. لَمْ يَعْرِفِ الخَنْجَرَ، وَلَمْ يَعْرِفِ الدَّمَ، لَكِنَّهُ عَرَفَ الرَّائِحَةَ؛ رَائِحَةَ خَوْفٍ يُشْبِهُهُ. وَفِي اليَوْمِ التَّالِي، وُجِدَ تَاجِرُ الحُبُوبِ مَقْتُولًا فِي مَخ_ْزَنِهِ، وَقَدْ كَانَ بَيْنَهُمَا خِصَامٌ قَدِيمٌ عَلَى قِطْعَةِ أَرْضٍ. أَقْسَمَ أَنَّهُ لَمْ يُغَادِرْ قَصْرَهُ. لَمْ يُصَدِّقْهُ أَحَدٌ، وَلَمْ يَتَّهِمْهُ أَحَدٌ.
بَعْدَهَا بِأَيَّامٍ، احْتَرَقَ بَيْتُ امْرَأَةٍ رَفِضَتْهُ قَبْلَ غِنَاهُ. قَالَ الحُرَّاسُ إِنَّهُمْ رَأَوْا بُقْعَةً سَوْدَاءَ تَنْزَلِقُ عَلَى الجِدَارِ، تَدْخُلُ مِنَ النَّافِذَةِ، ثُمَّ تَكْبُرُ فِي الدَّاخِلِ حَتَّى صَارَ البَيْتُ كُلُّهُ فَمًا مِنْ نَارٍ. وَفِي السُّوقِ، صَاحَ مُنَادٍ بِأَنَّ شَبَحًا بِلَا وَجْهٍ صَارَ يَطُوفُ المَدِينَةَ لَيْلًا، يَسْرَقُ، يَضْرِبُ، يَخْنُقُ، وَيَتْرُكُ خَلْفَهُ عَلَامَةً وَاحِدَةً: سَوَادًا يَأْخُذُ هَيْئَةَ رَجُلٍ ثُمَّ يَتَبَدَّدُ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، لَمْ يَنَمْ. جَلَسَ فِي غُرْفَةٍ عَالِيَةٍ، وَأَمَامَهُ مِصْبَاحٌ شَدِيدُ التَّوَهُّجِ. كُلَّمَا ازْدَادَ الضَّوْءُ حَوْلَهُ، ازْدَادَ الفَرَاغُ عِنْدَ قَدَمَيْهِ فَصَاحَةً. فَهِمَ أَخِيرًا أَنَّ ظِلَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَلَمْ يُسْجَنْ فِي عَبَاءَةِ الغَرِيبِ. لَقَدْ تَحَرَّرَ مِنْهُ. كَانَ الظِّلُّ يَفْعَلُ مَا لَمْ يَجْرُؤِ الجَسَدُ عَلَى فِعْلِهِ. يَنْتَقِمُ مِنَ الإِهَانَاتِ القَدِيمَةِ، يَطْعَنُ مَنْ خَافَ أَنْ يُوَاجِهَهُمْ، يُحْرِقُ الوُجُوهَ الَّتِي ظَلَّ يَتَخَيَّلُ انْطِفَاءَهَا فِي وَحْدَتِهِ. لَمْ يَكُنِ الظِّلُّ شَيْطَانًا غَرِيبًا، بَلْ كَانَ خَزَّانَ رَغَبَاتِهِ المَكْبُوتَةِ حِينَ وَجَدَتْ جَسَدًا مِنْ عَتَمَةٍ وَحُرِّيَّةً مِنْ حِسَابٍ.
عِنْدَ الفَجْرِ، أَخْرَجَ مِنْ صُنْدُوقِهِ نَصْلًا قَصِيرًا كَانَ قَدِ اشْتَرَاهُ مِنْ شَيْخٍ ضَرِيرٍ فِي سُوقِ العَادِيَّاتِ. قَالَ الشَّيْخُ يَوْمَئِذٍ إِنَّ Hالحَدِيدَ لَا يَجْرَحُ الظِّلَالَ إِلَّا إِذَا عُمِّدَ بِالمِلْحِ، لِأَنَّ المِلْحَ ذَاكِرَةُ الأَرْضِ، وَالظِّلَّ لَا يُقْتَلُ إِلَّا بِمَا يُذَكِّرُهُ بِمَا هَرَبَ مِنْهُ. ضَحِكَ مِنْهُ آنَذَاكَ. أَمَّا الآنَ، فَقَدْ غَمَسَ النَّصْلَ فِي صَحْنٍ مِنَ المِلْحِ الخَشِنِ، وَحَمَلَ فَانُوسًا شَدِيدَ الضَّوْءِ، وَنَزَلَ إِلَى المَدِينَةِ السُّفْلِيَّةِ.
ظَلَّ ثَلَاثَةَ لَيَالٍ يَتَتَبَّعُ الأَخْبَارَ: رَجُلٌ مَخْنُوقٌ عِنْدَ السُّورِ، بَابٌ مُوصَدٌ مِنَ الدَّاخِلِ وَلَا أَحَدَ فِي البَيْتِ، طِفْلٌ أَقْسَمَ أَنَّهُ رَأَى سَوَادًا يَضْحَكُ عَلَى الحَائِطِ. وَفِي اللَّيْلَةِ الرَّابِعَةِ، وَجَدَهُ.
كَانَ الزُّقَاقُ ضَيِّقًا، رَطْبًا، تَدَلَّى مِنْ سَقْفِهِ أَخْشَابٌ مَكْسُورَةٌ وَحِبَالُ غَسِيلٍ مَنْسِيَّةٌ. عَلَى الجِدَارِ المُقَابِلِ، تَمَدَّدَ الظِّلُّ. لَمْ يَكُنْ نُسْخَةً مُطِيعَةً مِنْهُ كَمَا كَانَ فِي المَاضِي، بَلْ كَائِنًا كَامِلًا مِنْ سَوَادٍ كَثِيفٍ، لَهُ كَتِفَاهُ، وَانْحِنَاءَةُ رَأْسِهِ، وَحَرَكَةُ يَدَيْهِ حِينَ يَغْضَبُ. كَانَ يَخْنُقُ ظِلَّ رَجُلٍ عَابِرٍ، بَيْنَمَا الجَسَدُ المِسْكِينُ فِي الطَّرِيقِ يَتَخَبَّطُ بِلَا فَهْمٍ، كَأَنَّ رُوحَهُ تُعْتَصَرُ مِنْ مَكَانٍ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ يَدُهُ.
رَفَعَ الفَانُوسَ. ارْتَجَّ الظِّلُّ عَلَى الجِدَارِ، ثُمَّ التَفَتَ إِلَيْهِ. لَمْ يَكُنْ لَهُ وَجْهٌ، وَمَعَ ذَلِكَ شَعَرَ الرَّجُلُ أَنَّهُ يَرَاهُ. بَلْ شَعَرَ، فِي رُعْبٍ أَعْمَقَ، أَنَّهُ يَرَاهُ كَمَا لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنْ قَبْلُ: بِلَا ثَوْبٍ، بِلَا ذَهَبٍ، بِلَا حُجَّةٍ. صَاحَ: «ارْجِعْ». لَمْ يَتَحَرَّكِ الظِّلُّ. قَالَ بِصَوْتٍ تَكَسَّرَ فِيهِ الأَمْرُ: «أَنْتَ لِي». عِنْدَهَا تَمَدَّدَ السَّوَادُ قَلِيلًا، حَتَّى لَامَسَ طَرَفَ الضَّوْءِ. لَمْ يَنْطِقْ، لَكِنَّ الرَّجُلُ فَهِمَ جَوَابَهُ كَمَا يَفْهَمُ المَرْءُ شَتِيمَةً قِيلَتْ فِي دَاخِلِهِ: «بَلْ أَنْتَ كُنْتَ لِي».
اسْتَبَدَّ بِهِ الغَضَبُ. غَضَبُ الأَصْلِ عَلَى صُورَتِهِ، وَالسَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ، وَالكَاذِبِ عَلَى الحَقِيقَةِ الَّتِي فَلَتَتْ مِنْ يَدِهِ. انْدَفَعَ نَحْوَ الجِدَارِ، وَرَفَعَ النَّصْلَ المُمَلَّحَ، وَغَرَسَهُ فِي صَدْرِ السَّوَادِ بِكُلِّ مَا تَبَقَّى فِيهِ مِنْ خَوْفٍ. لَمْ يَصْرُخِ الظِّلُّ. انْطَوَى عَلَى نَفْسِهِ فِي انْتِفَاضَةٍ خَرْسَاءَ، كَقُمَاشٍ احْتَرَقَ مِنَ الدَّاخِلِ. تَشَقَّقَ، انْكَمَشَ، ثُمَّ تَبَخَّرَ فِي الهَوَاءِ، تَارِكَاتٍ عَلَى الجِدَارِ فَرَاغًا أَنْظَفَ مِنَ البَيَاضِ.
وَقَفَ الرَّجُلُ لَاهِثًا. شَعَرَ لِلْمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ زَمَنٍ أَنَّهُ انْتَصَرَ. مَدَّ قَدَمَهُ قَلِيلًا فِي ضَوْءِ الفَانُوسِ، يَنْتَظِرُ أَنْ يَرَى شَيْئًا يَعُودُ خَلْفَهُ. لَمْ يَعُدْ شَيْءٌ. ابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً صَغِيرَةً. ثُمَّ سَقَطَ الفَانُوسُ مِنْ يَدِهِ. رَآهُ يَهْوِي إِلَى الأَرْضِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ صَوْتَ ارْتِطَامِهِ.
نَظَرَ إِلَى أَصَابِعِهِ. كَانَتْ تَشِفُّ. الجِلْدُ نَفْسُهُ صَارَ خَفِيفًا، كَأَنَّ الضَّوْءُ يَمُرُّ مِنْ خِلَالِهِ. حَاوَلَ أَنْ يَصْرُخَ، فَخَرَجَ صَوْتُهُ بَعِيدًا عَنْهُ، كَأَنَّهُ صَادِرٌ مِنْ بِئْرٍ. تَرَاجَعَ خُطْوَةً، فَلَمْ تَلْمَسْ قَدَمُهُ الأَرْضَ. رَأَى الذَّهَبَ فِي ذَاكِرَتِهِ، وَالقُصُورَ، وَالحَرِيرَ، وَالنَّافُورَةَ، وَرَأَى نَفْسَهُ وَهُوَ يَضْحَكُ يَوْمَ قَصَّ الغَرِيبُ ظِلَّهُ بِالمِقَصِّ الفِضِّيِّ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ فَقَطْ، فَهِمَ العَقْدَ. لَمْ يَكُنِ التَّاجِرُ قَدِ اشْتَرَى الظِّلَّ. كَانَ قَدِ اشْتَرَى الأَصْلَ، وَتَرَكَ لَهُ جَسَدًا عَابِرًا يَظُنُّ أَنَّهُ صَاحِبُهُ. كَانَ الظِّلُّ هُوَ الثِّقَلَ، هُوَ الشَّاهِدَ، هُوَ ذَلِكَ الجُزْءَ الَّذِي يَرْبِطُ الإِنْسَانَ بِالأَرْضِ وَبِذَنْبِهِ وَبِحَقِيقَتِهِ. وَمَا الجَسَدُ بِلَا ظِلٍّ إِلَّا دَعْوَى مُؤَقَّتَةٌ، مُوَقَّعَةٌ عَلَى المَاءِ.
حَاوَلَ أَنْ يُمْسِكَ بِالجِدَارِ، فَمَرَّتْ يَدُهُ فِيهِ. حَاوَلَ أَنْ يَلْتَقِطَ النَّصْلَ، فَرَأَى قَبْضَتَهُ تَتَنَاثَرُ حَوْلَهُ مِثْلَ رَمَادٍ لَا تَرْفَعُهُ رِيحٌ. لَمْ يَشْعُرْ بِأَلَمٍ. كَانَ الأَلَمُ يَحْتَاجُ إِلَى جَسَدٍ، وَالجَسَدُ يَحْتَاجُ إِلَى ظِلٍّ.
مَعَ خَيْطِ الفَجْرِ الأَوَّلِ، لَمْ يَبْقَ فِي الزُّقَاقِ أَحَدٌ. كَانَتْ هُنَاكَ صُرَّةُ ذَهَبٍ مَفْتُوحَةٌ تَلْمَعُ فِي الوَحْلِ، كَعَيْنٍ صَغِيرَةٍ لَا تَنَامُ. وَكَانَ النَّصْلُ مَغْرُوسًا فِي فَرَاغِ الجِدَارِ، حَيْثُ لَا دَمَ، وَلَا سَوَادَ، وَلَا أَثَرَ لِطَعْنَةٍ.
