الفكررؤى فلسفيةمناهج وعقائد

كيفَ تضلِّلُنا عقولُنا عن الحقيقة؟

المغالطات التي لا تُرى: في هندسة الخداع الذاتي وسيادةِ الوعيِ الحقيقيِّ

في المغالطات التي لا تُرى: في هندسة الخداع الذاتي وسيادةِ الوعيِ الحقيقيِّ

في عتمةِ المحرابِ العقليِّ، حيثُ تُسرجُ الأفكارُ قناديلَها لاستكشافِ مجاهلِ الوجودِ، يقفُ الإنسانُ واثِقًا بخطواتِ منطقِهِ، ظانًّا أنَّ عقلَهُ ميزانٌ لا يحيفُ، وأنَّ بصيرتَهُ مرآةٌ صقيلةٌ تعكسُ الحقائقَ كما هي في عرصاتِ الواقعِ. غيرَ أنَّ هذه الثقةَ المطلقةَ قد تكونُ أولَ خيوطِ النسيجِ الذي تغزلهُ المغالطةُ الخفيةُ؛ تلكَ التي لا تتجلَّى في خطأٍ حسابيٍّ ظاهرٍ، ولا في عثرةٍ لغويةٍ مكشوفةٍ، بل تسكنُ في كيمياءِ التفكيرِ ذاتِها، وتتسرَّبُ إلى مساربِ الوعيِ كدخانٍ رقيقٍ يغيِّرُ ألوانَ المشهدِ دونَ أن نشعرَ بالاحتراقِ.

إنَّ أخطرَ المغالطاتِ ليستْ تلكَ التي نراها فنصححُها، بل تلكَ التي تسكنُنا حتى نظنَّها جزءًا من ضميرِنا، وتختلطُ بأمزجتِنا حتى نخلطَ بينَ صفاءِ الحقيقةِ وراحةِ الوهمِ. إنَّنا لا نخدعُ أنفسَنا لأنَّنا نجهلُ الحقيقةَ فحسب، بل لأنَّنا نملكُ قدرةً إبداعيةً فائقةً على تأليفِ حقائقَ تلائمُ أهواءَنا، ونحتِ أصنامٍ فكريةٍ نعبدُها ونحنُ نظنُّ أنَّنا سدنةُ الحقيقةِ المطلقةِ. وهنا تكمنُ المأساةُ الكبرى في الصراعِ الأزليِّ بينَ سلطةِ العقلِ وسطوةِ الهوى؛ إذ يتحولُ التفكيرُ من أداةٍ للتحررِ إلى قيدٍ ذهبيٍّ نصنعهُ بأيدينا، ثم نزخرفه بالمصطلحاتِ، ونعلِّقُهُ في أعناقِنا كوسامِ سيادةٍ، وهو في حقيقتِهِ طوقُ أسرٍ.

تبدأُ المغالطةُ التي لا تُرى من نواةٍ شعوريةٍ صغرى، تتخلقُ في رحمِ التحيزِ المسبقِ، حيثُ يميلُ الإنسانُ غريزيًا إلى البحثِ عما يؤكدُ يقينَهُ القديمَ لا عما يختبرُهُ. وليسَ العقلُ البشريُّ، في كثيرٍ من تجلياتِهِ، قاضيًا محايِدًا يستعرضُ الأدلةَ ليحكمَ، بل محامٍ بارعٌ تمَّ توكيلُهُ مسبقًا للدفاعِ عن قضيةٍ خاسرةٍ يسميها الإنسانُ: أنا. ومن هنا ينشأُ ذلكَ الانحرافُ الصامتُ في بوصلةِ الإدراكِ؛ فالدليلُ لا يُطلبُ ليكشفَ الطريقَ، بل ليبررَ المسيرَ الذي اختارهُ الهوى قبلَ أن يستأذنَ البرهانَ.

وهذه العدوى الذهنيةُ لا تنتقلُ بالصراخِ، بل بالصمتِ؛ عبرَ مسامِ التقليدِ والاجترارِ، حيثُ نتبنى مقولاتِ الآخرينَ الفكريَّةَ دونَ تمحيصٍ، ونظنُّ أنَّ تبنينا لها فعلٌ إدراكيٌّ مستقلٌّ، بينما هو في حقيقتِهِ ذوبانٌ في عقلِ القطيعِ الذي يرى في الاختلافِ تهديدًا، وفي السؤالِ خيانةً، وفي الشَّكِّ المنهجيِّ جريمةً على طمأنينةِ الجموعِ. وهكذا يصبحُ الإنسانُ وارثًا لأحكامٍ لم يصنعْها، وحارسًا لقلاعٍ لم يبنِها، ومقاتِلًا في معارك لم يفهمْ أصلَها ولا غايتَها.

إنَّ الفرقَ بينَ الاقتناعِ والحقيقةِ هو الفرقُ بينَ رنينِ النحاسِ وبريقِ الذهبِ؛ فالأولُ ضجيجٌ يصنعهُ التكرارُ والاعتيادُ، والثاني جوهرٌ لا يُنالُ إلا بالاحتراقِ في أتونِ الشَّكِّ المنهجيِّ، والرغبةِ الصادقةِ في تجاوزِ حطامِ الذاتِ المبتذلةِ. فالاقتناعُ قد يولدُ من العادةِ، أو من الخوفِ، أو من الهيبةِ، أو من ميراثِ البيئةِ، أو من حاجةِ النفسِ إلى الاتساقِ مع صورتِها عن نفسِها؛ أما الحقيقةُ فلا ترضى بهذه القرابينِ الصغيرةِ، لأنَّها لا تمنحُ نفسَها إلا لمن امتلكَ شجاعةَ الوقوفِ عارِيًا أمامَ مرآةِ الصدقِ.

ومن هنا فإنَّ هندسةَ المنطقِ الجميلِ تقتضي رصدًا دقيقًا لفيزياءِ الكرامةِ الذهنيةِ. فالإنسانُ الذي يظنُّ أنَّهُ يفكرُ بحريةٍ وهو أسيرُ جينومِهِ الثقافيِّ الموروثِ، إنَّما يمارسُ نوعًا من التهويمِ التأويليِّ الذي لا يفضي إلا إلى مزيدٍ من الاغترابِ عن الحقيقةِ. وكما أنَّ الشيمةَ تختلفُ عن القيمةِ؛ إذ تكونُ الأولى طبعًا مكتسبًا قد يخدعُ صاحبَهُ بلمعانِ السلوكِ، بينما الثانيةُ معيارًا أعلى يهدي الفعلَ إلى مقصدِهِ، فإنَّ التفكيرَ الوجدانيَّ الذي يسبقُ البرهانَ العقليَّ قد يصوغُ نتائجَنا قبلَ أن تبدأَ الحجةُ في النطقِ.

إنَّنا نرى في العلاقاتِ الإنسانيةِ، والمنظوماتِ الفلسفيةِ، والمواقفِ السياسيةِ، والخياراتِ الجماليةِ، ما نريدُ رؤيتَهُ لا ما ينبغي أن يُرَى. نبني جسورًا من الأوهامِ ونعبرُ عليها نحو خيباتِنا الكبرى، مدّعينَ أنَّ المنطقَ هو الذي قادَنا إلى هناك، بينما كانَ القائدُ الحقيقيُّ هو الهوى المتخفي في ثيابِ الوقارِ الفلسفيِّ. وهذا التقمصُ لروحِ الحقيقةِ مع الخلوِّ من جوهرِها هو الذي يصنعُ الأصنامَ البشريةَ في المشهدِ الثقافيِّ؛ أولئك الذينَ ينمقونَ الكلماتِ، ويزخرفونَ المعاني، ويعقدونَ المصطلحاتِ لإخفاءِ خواءِ المنهجِ وضحالةِ الأثرِ.

“إنَّ أخطرَ أنواع الخداعُ الذاتيُّ وأكثرِها فتكًا هو في الميدانِ الدينيِّ والفلسفيِّ، حيثُ تتحولُ النصوصُ، حينَ تُختطفُ من مقاصدِها، إلى لصوصٍ تسلبُ العقولَ بمرايا تعكسُ رغباتِ المفسرِ لا مرادَ المشرِّعِ، لا ليحررَ الإنسانَ من ظلمِهِ، بل ليشرعنَ المظالمَ، ويبررَ السقوطَ “

ويتجلَّى هذا الخداعُ الذاتيُّ بأبهى صورِهِ وأكثرِها فتكًا في الميدانِ الدينيِّ والفلسفيِّ، حيثُ تتحولُ النصوصُ، حينَ تُختطفُ من مقاصدِها، إلى لصوصٍ تسلبُ العقولَ بمرايا تعكسُ رغباتِ المفسرِ لا مرادَ المشرِّعِ. وما أكثرَ ما استُخدمَ المنطقُ، في تاريخِ الفكرِ البشريِّ، لا ليحررَ الإنسانَ من ظلمِهِ، بل ليشرعنَ المظالمَ، ويبررَ السقوطَ في دنايا المنفعةِ تحتَ مسمياتِ المصلحةِ والحكمةِ والضرورةِ. فالإنسانُ الذي يسجدُ لصنمِ فكرتِهِ لا يختلفُ في جوهرِ العبوديةِ عن الذي سجدَ لصنمِ حجرِهِ؛ كلاهما حجبَ نفسَهُ عن النورِ المطلقِ بظلامِ الأنا الطاغيةِ، وكلاهما جعلَ الوسيلةَ معبودًا، والمنهجَ قفصًا، واليقينَ ستارًا يحجبُ السؤالَ.

ولا تقفُ المغالطةُ الخفيةُ عندَ أبوابِ التنظيرِ العالي، بل تسكنُ تفاصيلَ الحياةِ اليوميةِ، وتظهرُ في صراعِنا مع الهويةِ والاغترابِ. فالمغتربُ عن ذاتِهِ قد يظنُّ أنَّهُ يحققُ الاستقلالَ الفكريَّ بتبني قشورِ الحداثةِ، بينما هو في حقيقتِهِ يهربُ من سجنٍ ليدخلَ آخرَ أكثرَ ضيقًا؛ لأنَّهُ لم يحررْ آلةَ التفكيرِ، بل استبدلَ ببرنامجِها برنامجًا آخرَ مستوردًا. وليسَ الخللُ في الانفتاحِ على الآخرِ، فالحضارةُ لا تنمو في العزلةِ، وإنَّما الخللُ في أن يتحولَ الآخرُ من شريكٍ في الحضارةِ إلى سيدٍ في الهيمنةِ، ومن أفقٍ للحوارِ إلى قبلةٍ للتبعيةِ.

إنَّ الأصالةَ الحقيقيةَ ليستْ في النكوصِ الزمانيِّ نحو الماضي، ولا في اجترارِ الأمجادِ الغابرةِ كتعويضٍ نفسيٍّ عن عجزِ الحاضرِ، بل في القدرةِ على استحضارِ القيمِ الخالدةِ وصهرِها في أتونِ الواقعِ بعقلٍ مرنٍ وقلبٍ ضنينٍ بكرامتِهِ. فالأمةُ التي لا تحسنُ تحويلَ جذورِها إلى أغصانٍ إبداعيةٍ في سماءِ الكونيةِ، تظلُّ عالقةً بينَ ماضٍ لا تعودُ إليهِ وحاضرٍ لا تملكُهُ ومستقبلٍ لا يصغي إليها. والعودةُ إلى الذاتِ، بهذا المعنى، ليستْ عودةً إلى الغبارِ، بل إلى الينبوعِ؛ ليستْ تقوقعًا على الذاكرةِ، بل ترميمًا نفسِيًا يعيدُ للاعتزازِ باللغةِ والمعتقدِ والكرامةِ مقامَها بوصفِها حصونًا منيعةً ضد الاستلابِ والتبعيةِ العمياء.

ومن أخطرِ مظاهرِ هذا التردي تسليعُ الفكرِ، حيثُ تتحولُ الأفكارُ العظيمةُ إلى بضائعَ تُعرضُ في أسواقِ النخاسةِ الرقميةِ، وتُختزلُ القضايا الكبرى في جملٍ قصيرةٍ وصورٍ براقةٍ تخاطبُ الغرائزَ أكثرَ مما تخاطبُ العقولَ. لقد صارَ الضجيجُ الثقافيُّ ينتجُ وهمَ المعرفةِ لا المعرفةَ، وصارَ الذكاءُ المعلوماتيُّ يحلُّ محلَّ الحكمةِ الإنسانيةِ؛ حتى باتَ الإنسانُ يملكُ أطنانًا من البياناتِ، لكنَّهُ يفتقرُ إلى البوصلةِ التي توجهُهُ نحو الحقِّ والخيرِ والجمالِ. وفي هذا السوقِ الصاخبِ يتحولُ المثقفُ، إن لم يحرسْ روحَهُ من الابتذالِ، إلى بهلوانٍ يتقنُ الرقصَ على حبالِ الكلماتِ المبهرةِ، دونَ أن يملك مِعيارًا يهدي، أو أثرًا يبقى، أو نارًا داخليةً تطهرُ المعنى من زيفِ الأداءِ.

فالإنسانُ الذي لا يضنُّ بنفسِهِ عن مواردِ الابتذالِ الفكريِّ يسقطُ في فخِّ القبولِ الاجتماعيِّ، حيثُ تصبحُ الفكرةُ سلعةً، والموقفُ زينةً، واللغةُ قناعًا، والحضورُ الثقافيُّ مزادًا مفتوحًا لمن يحسنُ صناعةَ الوهجِ ولو كانَ خاوِيًا من النورِ. وهنا تبلغُ المغالطةُ غيرُ المرئيةِ أقصى خبثِها؛ إذ لا يعودُ الإنسانُ مخدوعًا بفكرةٍ فاسدةٍ فقط، بل يصبحُ منتجًا دائمًا لزيفٍ جميلٍ، يدافعُ عنه لأنَّهُ صارَ جزءًا من صورتِهِ أمامَ نفسِهِ وأمامَ الناسِ.

إنَّ الركونَ إلى الخداعِ الذاتيِّ ليسَ مجردَ سقطةٍ عقليةٍ عابرةٍ، بل استراتيجيةُ هروبٍ كبرى يمارسُها الوعيُ حينَ تضيقُ به مساراتُ المواجهةِ مع الحقيقةِ الجارحةِ. فالإنسانُ في جوهرِهِ يميلُ إلى تشييدِ حصونٍ وهميةٍ من المعاني والمبرراتِ، تِقيهِ وهجَ الواقعِ ومرارةَ الاعترافِ بالقصورِ. وهذا الانكفاءُ على الذاتِ المتخيلةِ يولدُ حالةً من الانفصامِ بينَ ما نعلنهُ من قيمٍ وما نمارسهُ من سلوكٍ؛ حيثُ يتحولُ الفكرُ من كشافٍ ينيرُ الدروبَ إلى ستارٍ كثيفٍ يحجبُ الرؤيةَ، وتصبحُ المصطلحاتُ الكبرى مجردَ أقنعةٍ نرتديها لنواري خلفَها عوراتِ التردي الحضاريِّ.

ولذلك فإنَّ علاجَ هذا الداءِ العضالِ لا يتمُّ بمجردِ الوعظِ الأخلاقيِّ أو التلقينِ المعرفيِّ، لأنَّ الوعظَ قد يتحولُ هو الآخرُ إلى مخدرٍ لغويٍّ، والتلقينُ قد يضيفُ إلى السجنِ قفلًا جديدًا. إنَّ العلاجَ يستلزمُ اجتراحَ حلولٍ جذريةٍ تضعُ العقلَ في مواجهةٍ مباشرةٍ مع مرآةِ الصدقِ، وتفككُ تلكَ البنى النفسيةَ المعقدةَ التي تقتاتُ على تزييفِ الوعيِ وتدجينِ الإرادةِ. إنَّ بناءَ صروحِ السيادةِ الذهنيةِ يبدأُ حينَ يرى المرءُ الحقيقةَ بمرارةِ التجردِ لا بحلاوةِ التمني، وحينَ يقبلُ أن يُنتزعَ من براثنِ القطيعِ المعرفيِّ ليعودَ إلى مربعِ التساؤلِ الأولِ: لماذا أؤمنُ بما أؤمنُ؟ ولماذا أرفضُ ما أرفضُ؟ وهل أنا طالبُ حقيقةٍ أم حارسُ صورةٍ؟

إنَّ تدريبَ العقلِ على كشفِ خداعِ الذاتِ يتطلبُ تأمُّلًا سيادِيًا يتجاوزُ رصدَ الأفكارِ إلى رصدِ بواعثِ الأفكارِ. لا يكفي أن نسألَ: ما حجتي؟ بل يجبُ أن نسألَ قبلَ ذلكَ: ما حاجتي النفسيةُ إلى هذه الحجةِ؟ لماذا نحبُّ هذه الفكرةَ ونكرهُ تلكَ؟ هل لأنَّ الأولى أقوى برهانًا، أم لأنَّها تدغدغُ كبرياءَنا وتخدمُ مصالحَنا الخفيةَ؟ وهل نرفضُ الفكرةَ المقابلةَ لأنَّها ضعيفةٌ حقًا، أم لأنَّها تهددُ البناءَ الرمزيَّ الذي صنعناهُ لأنفسِنا في الخفاءِ؟

إنَّ التحليلَ المنطقيَّ الرصينَ لا يكتملُ إلا بتمهيدٍ وجدانيٍّ يروضُ النفسَ على قبولِ الحقيقةِ حتى لو كانت مرَّةً كالعلقمِ، جارحةً للهيبةِ المصطنعةِ، كاشفةً لما كنا نخفيه تحتَ طبقاتِ البلاغةِ والاعتدادِ. فالحقُّ محرابٌ لا يدخلهُ إلا المتطهرونَ من أدرانِ الغرضِ، والجمالُ رتبةٌ وجوديةٌ لا ينالُها إلا من صفَّى روحَهُ من كدرِ المادةِ وغلظةِ الطينِ، والخيرُ لا يثمرُ في السلوكِ إلا إذا خلعَ الإنسانُ عن نفسِهِ عباءةَ التبريرِ، ودخلَ عارِيًا إلى محكمةِ الضميرِ.

“فلا قداسةَ لفكرةٍ لا تصمدُ أمامَ مشرحةِ المنطقِ، ولا قيمةَ لمنهجٍ لا يثمرُ سلوكًا سوِيًا في واقعِ الناسِ.”

ومن هنا تبرزُ ضرورةُ النقدِ الجراحيِّ للمسلماتِ؛ ذلكَ النقدُ الذي يضعُ كلَّ فكرةٍ في مشرحةِ المنطقِ قبلَ أن يسمحَ لها بالاستقرارِ في الوعيِ أو التحولِ إلى قناعةٍ راسخةٍ. وليسَ النقدُ الجراحيُّ هدمًا عبثِيًا، ولا عدوانًا على الثوابتِ، بل هو وفاءٌ عميقٌ للحقيقةِ؛ لأنَّهُ يميزُ بينَ الثابتِ الأصيلِ والركامِ المتراكمِ حولَهُ، وبينَ القيمةِ الخالدةِ والشيمةِ الموروثةِ، وبينَ النصِّ النبيلِ وتفسيرِ النفسِ المهزومةِ لهُ. فلا قداسةَ لفكرةٍ لا تصمدُ أمامَ مشرحةِ المنطقِ، ولا قيمةَ لمنهجٍ لا يثمرُ سلوكًا سوِيًا في واقعِ الناسِ.

وفي هذا السياقِ نحتاجُ إلى صناعةِ المثقفِ العضويِّ، لا المثقفِ الزخرفيِّ. المثقفُ العضويُّ لا يكتفي بحذقِ العلومِ واستظهارِ المتونِ، بل يحذقُ القدرةَ على الربطِ بينَ العلمِ والواقعِ، وبينَ الفكرةِ والسلوكِ، وبينَ المصطلحِ ومآلِهِ. إنَّهُ يتجاوزُ خديعةَ العبارةِ التي تستخدمُ كستارٍ للخواءِ الفكريِّ، ويرفضُ تبديدَ الطاقاتِ في معارك وهميةٍ لا تنجبُ إلا مزيدًا من الضجيجِ. فالمثقفُ الحقُّ ليسَ من يملكُ قاموسًا هائِلًا من المصطلحاتِ، بل من يملكُ بوصلةً أخلاقيةً ومنهجيةً تجعلُهُ قادرًا على كشفِ الوهمِ ولو كانَ مزدانًا بتيجانِ البلاغةِ.

والحلُّ الوقائيُّ لا يكمنُ في زيادةِ المعلوماتِ وحدِها، بل في شحذِ العقليةِ النقديةِ التي لا ترحمُ حتى مسلّماتِها الخاصةَ، وتتعاملُ مع الفكرةِ كجسمٍ غريبٍ يجبُ اختبارُ مناعتِهِ الأخلاقيةِ والمنطقيةِ قبلَ السماحِ لهُ بسكنى الوجدانِ. فالتقويمُ السلوكيُّ يبدأُ من ترميمِ العقلِ أولًا، وتطهيرِ منابعِهِ من لوثةِ الاستعلاءِ الذهنيِّ الذي يمنعُ الإنسانُ من رؤيةِ تهافتِ استدلالاتِهِ. وكلُّ عقلٍ لا يملكُ شجاعةَ محاسبةِ ذاتِهِ يتحولُ، مهما اتسعت معارفُهُ، إلى خزانةٍ فاخرةٍ تحفظُ أدواتِ الخداعِ.

إنَّ الطريقَ نحو النهوضِ يبدأُ بالاعترافِ بأنَّنا نعيشُ في أسرٍ فكريٍّ غيرِ مرئيٍّ، وأنَّ أولى خطواتِ التحررِ هي الوعيُ بوجودِ الأغلالِ. والترميمُ النفسيُّ الذي ننشدهُ ليسَ مسكنًا عاطفِيًا ولا خطابًا حماسِيًا عابرًا، بل عمليةُ إحياءٍ للإرادةِ التي كبلتْها سنواتُ الهزيمةِ النفسيةِ، وتهدفُ إلى خلقِ إنسانٍ واثقٍ، مبادرٍ، قادرٍ على التفكيرِ خارجَ الصندوقِ الذي وضعهُ فيهِ الآخرونَ، لا لكي يرفضَ العالمَ، بل لكي يدخلَ إليهِ سيدًا لا تابِعًا، شريكًا لا ذيلًا، صانِعًا لا مستهلِكًا.

ومن أجلِ ذلكَ نحنُ بحاجةٍ إلى ثورةٍ في أساليبِ التربيةِ والتعليمِ، تنتقلُ بنا من التلقينِ البنكيِّ الذي يحشو الرؤوسَ بالمعلوماتِ، إلى التعليمِ التوليديِّ الذي يستخرجُ الكنوزَ الكامنةَ في العقولِ، ويعلّمُها كيفَ تصطادُ الحقيقةَ لا كيفَ تحفظُها. إنَّ التعليمَ الذي لا يدرّبُ الإنسانَ على السؤالِ يخرّجُ ذاكرةً لا عقلًا، وحاملَ معلوماتٍ لا صاحبَ رؤيةٍ. أما التعليمُ الذي يوقظُ ملكةَ الفحصِ، ويهذبُ الوجدانَ، ويصلُ المعرفةَ بالسلوكِ، فهو الذي يصنعُ إنسانًا قادرًا على مقاومةِ الخداعِ الذاتيِّ قبلَ مقاومةِ تضليلِ الآخرينَ.

إنَّ الانتصارَ للقيمِ الثلاثِ: الحقُّ في المنطقِ، والخيرُ في السلوكِ، والجمالُ في الشعورِ، هو الضمانةُ الوحيدةُ لعدمِ الانزلاقِ مجددًا في مستنقعِ الخداعِ الذاتيِّ. فالحقُّ يحمينا من الضلالِ، والخيرُ يحمينا من الأنانيةِ، والجمالُ يحمينا من الابتذالِ. وكلُّ فكرٍ لا يخدمُ هذه الأركانَ الثلاثةَ يبقى لغوًا مهما علا صوتُهُ، وكلُّ خطابٍ لا يثمرُ وضوحًا شامِلًا يجعلُهُ متاحًا للخاصةِ والعامةِ، دونَ ابتذالٍ يفقدهُ هيبتَهُ أو تعقيدٍ يحجبُ رؤيتَهُ، إنَّما هو هدمٌ للبناءِ وتضييعٌ للأمانةِ.

إنَّ السيادةَ الفكريةَ تقتضي أن نكونَ مرآةً للحقائقِ لا صدىً للأهواءِ، وأن نمارسَ الصدقَ مع النفسِ بوصفِهِ أصلَ المنهجِ لا زينةَ الخاتمةِ. وليستِ السيادةُ الفكريةُ غايةً نصلُ إليها ثم نستريحُ، بل حالةٌ مستمرةٌ من اليقظةِ والاجتهادِ، وميثاقٌ غليظٌ بينَ الإنسانِ وعقلِهِ، وبينَ الأمةِ ومصيرِها. فالقدرُ المحتومُ لكلِّ من يطلبُ العزةَ هو أن يسلكَ دربَ الآلامِ المعرفيِّ، وأن يواجهَ أشباحَ الخوفِ والكسلِ في داخلِهِ قبلَ أن يواجهَ خصومَهُ في الخارجِ.

“إنَّ السِّيادةَ الذهنيَّةَ لا تُنالُ بالانتصارِ على الآخرينَ في حلباتِ الجدل، بل بالانتصارِ على الذاتِ الخادعةِ، وتفكيكِ منظوماتِ زيفِها الصامتة.”

وفي ذروةِ هذا التحليلِ نصلُ إلى الخاتمةِ الأثريةِ التي لا تُقرأُ بالعيونِ بقدرِ ما تُستشعرُ بالقلوبِ: إنَّ المغالطةَ التي لا تُرى هي الاختبارُ الحقيقيُّ لعظمةِ الإنسانِ وقوةِ إرادتِهِ. فالسيادةُ الذهنيةُ لا تُنالُ بالانتصارِ على الآخرينَ في حلباتِ الجدلِ، بل بالانتصارِ على الذاتِ الخادعةِ، وتفكيكِ منظوماتِ زيفِها الصامتةِ. ومن ضنَّ بعقلِهِ عن السقوطِ في مهاوي التبعيةِ والانبهارِ المرضيِّ، هو الذي يستحقُّ لقبَ الآدميِّ بجدارةٍ، وهو الذي يظلُّ ذكرهُ خالِدًا في مجراتِ النورِ كشاهدٍ بصيرٍ لم يبعْ نورهُ بظلامِ الدنايا.

إنَّ إصلاحَ العالمِ يبدأُ من هندسةِ النفسِ، وحينَ يستردُّ العقلُ سيادتَهُ تنقشعُ غيومُ التبعيةِ وتشرقُ شمسُ النهضةِ الحقيقيةِ. وليسَ بزوغُ الفجرِ رهنَ انتظارِ معجزةٍ تهبطُ من السماءِ، بل بأن يتحولَ كلُّ فردٍ إلى مصلحٍ قائدٍ في مجالِهِ، يحملُ مشعلَ الحقيقةِ، ويزرعُ بذورَ الجمالِ في كلِّ أرضٍ يطؤها. وحينئذٍ لا تبقى الفكرةُ مجردَ كلماتٍ مقروءةٍ، بل تتحولُ إلى طاقةٍ دافعةٍ تحركُ الجبالَ وتغيرُ وجهَ التاريخِ؛ لأنَّالفكرةَ السياديةَ لا تكتفي بوصفِ العالمِ، بل تمتلكُ العزيمةَ لإعادةِ بناءِهِ على أسسٍ من الطهرِ والجلالِ.

فليكن الصدقُ مع النفسِ هو المنهجُ، والكرامةُ الفكريةُ هي القبلةُ، وليعلم الباحثونَ عن الرفعةِ أنَّ مكانةَ المرءِ لا تُصانُ بكثرةِ ما يقرأُ، بل بجودةِ ما يفهمُ، وبقدرتِهِ الفائقةِ على تمييزِ الخيطِ الأبيضِ من الخيطِ الأسودِ في ليلِ المغالطاتِ البهيمِ الذي يلفُّ عالمَنا المعاصرَ. فليظلَّ الحرُّ حرًّا في فكرهِ كما هو حرٌّ في قدرِهِ، شامِخًا كالطودِ العظيمِ في محرابِ الحقيقةِ الأبديةِ.

إنَّ المسافةَ بينَ ما نحنُ عليهِ وما يجبُ أن نكونَهُ ليست مسافةً زمنيةً، بل مسافةُ إرادةٍ. فمتى ما استرددنا سيادتَنا على عقولِنا، استرددنا مكانتَنا تحتَ الشمسِ، وصارَ المستقبلُ طوعَ بنانِنا، يُصاغُ بأيدينا وبمدادِ أرواحِنا الأبيةِ التي لا تقبلُ بغيرِ القمةِ مستقَرًّا، ولا بغيرِ التميزِ عنوانًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى