ثلاثية خراب الوعي
حين يخون الإنسان الحقيقة من التأويل إلى التبرير إلى التطرف
لا يخون الإنسان الحقيقة دفعةً واحدةً، ولا ينتقل من الصّفاء إلى القسوة كما ينتقل العابر من غرفةٍ إلى أخرى. الخراب في النّفس أدهى من أن يُعلن عن نفسه مبكّرًا، وأشدّ مكرًا من أن يبدأ في صورة جريمةٍ كاملة الملامح. إنّه غالبًا يبدأ همسةً صغيرةً في الإدراك، ميلاً خفيفًا في قراءة الواقع، ظنًّا يلبس ثوب الفهم، ثمّ يكبر هذا الظّنّ حتّى يصير روايةً، وتكبر الرّواية حتّى تصير دفاعًا، ويكبر الدّفاع حتّى يصير ميزانًا قاسيًا يُحاكم به الإنسان العالم كلّه. وهكذا لا يبدأ الانحراف الأخلاقيّ دائمًا من اليد الّتي تُؤذي، ولا من اللّسان الّذي يظلم، ولا من القرار الّذي يبطش؛ بل يبدأ قبل ذلك بكثيرٍ، في تلك المنطقة الخفيّة الّتي يرى فيها الإنسان ما يُريد أن يراه، ثمّ يشرح لنفسه لماذا كان محقًّا في رؤيته، ثمّ يُعاقب الآخرين لأنّهم لمْ يُصدّقوا الوهم الّذي صدّقه.
هذه المقالة ليست تفصيلًا في آفة التّأويل وحدها، ولا غوصًا كاملًا في حيل التّبرير، ولا دراسةً مستفيضةً في صور التّطرّف، وإنّما هي خريطةٌ جامعةٌ لمسارٍ داخليٍّ خطيرٍ؛ كيف يبدأ الإنسان قارئًا مشوّشًا للواقع، ثمّ يُصبح محاميًا عن خطئه، ثمّ يتحوّل إلى قاضٍ متطرّفٍ في حكمه وسلوكه. إنّها محاولةٌ لرؤية السّلسلة قبل تحليل حلقاتها، ولإدراك البنية قبل تفكيك أجزائها. فهناك لحظةٌ يُفسّر فيها الإنسان الواقع وفق ظنّه وهواه، ثمّ لحظةٌ يُدافع فيها عن موقفه كي لا يعترف، ثمّ لحظةٌ يتطرّف فيها في حكمه كي يحمي الوهم من المراجعة. ومن هذا التّتابع تُولد ثلاثيّة الخراب؛ تأويلٌ يُزوّر الحقيقة، وتبريرٌ يُزوّر المسؤوليّة، وتطرّفٌ يُزوّر الميزان.
“التّأويل الفاسد يُزوّر الحقيقة، والتّبرير يُزوّر المسؤوليّة، والتّطرّف يُزوّر الميزان.”
إنّ الإنسان لا يفسد فجأةً. لا يُصبح قاسيًا في يومٍ واحدٍ، ولا كاذبًا في لحظةٍ معزولةٍ، ولا متعصّبًا بلا مقدّماتٍ. في الغالب يسير الفساد داخل النّفس كما يسير الصّدع في الجدار؛ يبدأ خيطًا رفيعًا لا يراه إلّا المتأمّل، ثمّ يتّسع قليلًا، ثمّ يأتي يومٌ يتعجّب فيه النّاس من سقوط البناء، ولا يرون السّنوات الّتي كانت الرّطوبة تأكله فيها من الدّاخل. هكذا تنحرف النّفس؛ أوّلًا تُخطئ في قراءة الواقع، ثمّ تُدافع عن قراءتها، ثمّ تبني عليها أحكامًا، ثمّ تصنع من أحكامها موقفًا أخلاقيًّا كاملًا، ثمّ تُهاجم من يُحاول إعادتها إلى البداية الأولى. ومن هنا كان أخطر الخراب هو الخراب الّذي يبدأ في الدّاخل قبل أن يظهر في الخارج؛ لأنّ النّاس لا يرون إلّا الثّمرة، أمّا الجذر فقد كان يفسد في الظّلّ طويلًا.
إنّ كلّ فعلٍ فاسدٍ يكون قد سبقه غالبًا وعيٌ فاسدٌ، وكلّ وعيٍ فاسدٍ احتاج إلى تبريرٍ، وكلّ تبريرٍ طالبه الزّمن انتهى إلى تطرّفٍ. هذه ليست قاعدةً جامدةً تشمل كلّ حالٍ وكلّ إنسانٍ، لكنّها تكشف مسارًا يتكرّر في النّفوس والعلاقات والمجتمعات. فالّذي يظلم غيره لا يبدأ دائمًا وهو يعلم أنّه ظالمٌ. أحيانًا يبدأ بتأويلٍ فاسدٍ؛ يرى موقفًا محدودًا فيفسّره باعتداءٍ كاملٍ، يسمع كلمةً ناقصةً فيجعلها نيّةً شرّيرةً، يُواجه نصيحةً فيقرأها كمحاولة إذلالٍ، يتلقّى اختلافًا فيراه خيانةً. ثمّ حين يتصرّف بناءً على هذا الفهم المشوّه، يحتاج إلى حراسة نفسه من ألم الاعتراف، فيبرّر. يقول لنفسه: “أنا لمْ أظلم، بل دافعت عن نفسي”. ثمّ إذا طال التّبرير، صار الحكم أكثر قسوةً؛ كلّ من خالفه عدوٌّ، وكلّ من نصحه متآمرٌ، وكلّ من لمْ يُوافقه منحازٌ. هكذا تنشأ القسوة من بذرة تأويلٍ صغيرةٍ، لا من إعلانٍ مباشرٍ للحرب على الحقيقة.
“التّأويل الفاسد هو أوّل كذبةٍ يقولها الإنسان لنفسه؛ لا لأنّه اخترع واقعةً من العدم، بل لأنّه اخترع معنًى ثمّ جعله حقيقةً.”
والتّأويل في ذاته ليس شرًّا. لا يستطيع الإنسان أن يعيش بلا تأويلٍ؛ فهو دائمًا يُفسّر، ويربط، ويقرأ الإشارات، ويستنتج المعاني من الوقائع. إنّ المقصود هنا هو تقديم التّأويل والتّخمين الظّنّيّ على الحقائق أو استباقها ثمّ اعتبار هذا التّأويل الظّنّيّ حقيقةً راسخةً ينطلق منها. فالمشكلة إذًا ليست في محاولة الفهم، بل في تحوّل الظّنّ إلى عرشٍ. التّأويل الفاسد أن يرى الإنسان واقعةً محدودةً، ثمّ يبني عليها قصّةً كاملةً، ثمّ يتعامل مع القصّة كأنّها يقينٌ. يتأخّر شخصٌ في الرّدّ، فيقول له داخله: “إنّه يحتقرني”. يُخالفه أحدٌ، فيقول: “إنّه يُعاديني”. ينصحه ناصحٌ، فيقول: “يُريد إسقاطي”. يصمت عنه صديقٌ، فيقول: “يتآمر عليّ أو لمْ يعد يُحبّني”. وهكذا لا يعود الإنسان يتعامل مع الواقعة، بل مع الرّواية الّتي بناها فوقها. الواقعة صغيرةٌ، لكنّ الخيال المجروح يصنع لها قصرًا من الاتّهامات، ثمّ يسكنه ويغلق الباب.
إنّ التّأويل الفاسد هو أوّل كذبةٍ يقولها الإنسان لنفسه؛ لا لأنّه اخترع واقعةً من العدم بالضّرورة، بل لأنّه اخترع معنًى ثمّ جعله حقيقةً. قد يكون التّأخّر في الرّدّ واقعًا، لكنّ الاحتقار معنًى أضافه هو. وقد يكون الاختلاف واقعًا، لكنّ العداوة معنًى ألبسه إيّاه. وقد تكون النّصيحة واقعًا، لكنّ نيّة الإذلال حكايةٌ صنعها داخله. والكارثة أنّ الإنسان لا يشعر غالبًا أنّه يكذب؛ لأنّه يُمسك بقطعةٍ صحيحةٍ من الواقع، ثمّ يضع حولها إطارًا باطلًا. وهذه من أخطر صور الزّيف؛ أن يكون في يد صاحبه نصف دليلٍ، فيظنّ أنّه امتلك الحقيقة كلّها. كأن يرى رجلٌ ظلًّا على الجدار، فيقسم أنّه رأى الوحش كاملًا، ثمّ يُهاجم كلّ من يقول له إنّ الظّلّ لا يكفي للحكم.
“التّبرير هو الجسر الّذي يعبر عليه الخطأ من كونه ذنبًا يحتاج إلى اعترافٍ، إلى كونه موقفًا يحتاج إلى دفاعٍ.”
والتّأويل الفاسد لا ينشأ من العقل وحده، بل من الجرح والهوى والخوف والذّاكرة القديمة. من كان يحمل شعورًا عميقًا بأنّه غير مقدّرٍ، سيفسّر كثيرًا من الصّمت على أنّه احتقارٌ. ومن كان معتادًا على الخيانة، قد يرى الحذر في كلّ علاقةٍ ولو لمْ يُوجد دليلٌ. ومن كان متضخّم الأنا، سيقرأ النّقد بوصفه عدوانًا على مقامه. ومن كان شديد التّعلّق بصورة البراءة، سيفسّر مطالبة الآخرين له بالمسؤوليّة كأنّها ظلمٌ جديدٌ يقع عليه. لذلك فإنّ التّأويل لا يكشف الواقع فقط، بل يكشف القارئ. كلّ إنسانٍ يرى شيئًا من نفسه في تفسيره للعالم؛ فإذا كانت نفسه مضطربةً، خرج العالم في عينيه مضطربًا ولو كان بعضه واضحًا.
ثمّ تأتي المرحلة الثّانية؛ التّبرير. بعد أن يُؤوّل الإنسان الواقع تأويلًا فاسدًا، يحتاج إلى حماية موقفه من سؤال المسؤوليّة. فلو وقف عند التّأويل فقط لظلّ الباب مفتوحًا للمراجعة. لكنّ التّبرير يأتي كحارسٍ على الباب، يحمل سلاح اللّغة، ويمنع الحقيقة من الدّخول. هنا يقول الإنسان: “لمْ أظلم، بل رددت الإساءة”. ويقول: “لمْ أقس، بل كنت واضحًا”. ويقول: “لمْ أفشل، بل لمْ تُتح لي الفرصة”. ويقول: “لمْ أعتد، بل دافعت عن كرامتي”. ويقول: “لمْ أتهرّب، بل كنت حكيمًا”. بهذه الجمل ينتقل الخطأ من كونه شيئًا يحتاج إلى اعترافٍ، إلى موقفٍ يحتاج إلى دفاعٍ. ويصبح العقل، بدل أن يكون مصباحًا، محاميًا. والمحامي لا يبحث دائمًا عن الحقيقة؛ بل يبحث عمّا يُبرّئ موكّله.
التّبرير هو الجسر الّذي يعبر عليه الخطأ من كونه ذنبًا يحتاج إلى اعترافٍ، إلى كونه موقفًا يحتاج إلى دفاعٍ. ولذلك كان أخطر من الخطأ المجرّد. فالإنسان قد يُخطئ ثمّ ينتبه، وقد يزلّ ثمّ يعود، وقد يظلم ثمّ يعتذر. أمّا إذا برّر، فقد أعطى الخطأ بطاقة إقامةٍ في النّفس. لمْ يعد الخطأ غريبًا ينبغي إخراجه، بل صار ضيفًا محميًّا باسم الحكمة أو الكرامة أو الظّروف أو النّيّة الطّيّبة. وبهذا المعنى لا يكون التّبرير مجرّد جملةٍ بعد الفعل، بل إعادة صياغةٍ أخلاقيّةٍ للفعل نفسه. إنّه يُبدّل الثّياب على الخطيئة حتّى لا يتعرّف عليها الضّمير.
“المتطرّف لا يحتمل المنطقة الوسطى؛ لأنّها تُهدّد يقينه المصنوع. هو يُريد عالمًا حادًّا كالسّيف، لا واقعًا مركّبًا كالحياة.”
والتّأويل والتّبرير يتعاونان كما يتعاون اللّصّ والحارس. التّأويل يسرق الحقيقة أوّلًا، والتّبرير يحرس المسروق. التّأويل يقول للإنسان: “هكذا يجب أن تفهم ما حدث”. والتّبرير يقول له بعد ذلك: “وبناءً على هذا الفهم، كان ما فعلته طبيعيًّا ومشروعًا”. فإذا قال أحدٌ له إنّ فهمه ربّما كان ناقصًا، أو إنّ فعله ربّما كان قاسيًا، شعر كأنّهم لا يُناقشون موقفًا، بل يهدمون قلعةً بنى فيها أمانه الدّاخليّ. لذلك يغضب المدافع عن خطئه أكثر ممّا يغضب المخطئ العابر؛ لأنّ المخطئ العابر يحمي فعلًا، أمّا المبرّر فيحمي هويّةً صارت متشابكةً مع الفعل.
ومن التّبرير يُولد التّطرّف، لا دائمًا في صورته الصّاخبة المشهورة، بل في بنيته النّفسيّة الأعمق. التّطرّف هنا ليس حكرًا على الدّين أو السّياسة، ولا يقتصر على أصحاب الشّعارات الكبرى، بل هو فقدان القدرة على رؤية الدّرجات. هو مرض الميزان حين لا يعود يعرف إلّا طرفين؛ إمّا معي أو ضدّي، إمّا صديقٌ كاملٌ أو عدوٌّ كاملٌ، إمّا حقٌّ مطلقٌ أو باطلٌ مطلقٌ، إمّا ولاءٌ أو خيانةٌ، إمّا حبٌّ كاملٌ أو قطيعةٌ كاملةٌ، إمّا قبولٌ بلا سؤالٍ أو حربٌ بلا رحمةٍ. المتطرّف لا يحتمل المنطقة الوسطى؛ لأنّها تُهدّد يقينه المصنوع. لا يحتمل أن يكون خصمه مصيبًا في شيءٍ ومخطئًا في شيءٍ، ولا أن يكون صديقه صالحًا في بابٍ ومحتاجًا إلى مراجعةٍ في بابٍ آخر، ولا أن تكون نفسه مظلومةً في موضعٍ وظالمةً في موضعٍ آخر. هو يُريد عالمًا حادًّا كالسّيف، لا واقعًا مركّبًا كالحياة.
التّطرّف هو اللّحظة الّتي لا يكتفي فيها الإنسان بأن يُصدّق وهمه، بل يبدأ في معاقبة العالم لأنّه لا يُشاركه هذا الوهم. قبل التّطرّف كان يستطيع أن يقول في داخله إنّ فلانًا أساء فهمي، أو إنّ النّاس لمْ يُنصفوني، أو إنّني دافعت عن نفسي. أمّا بعد التّطرّف فيصبح من لمْ يُوافق روايته جزءًا من المؤامرة. من لمْ يغضب لغضبه خائنٌ. من سأله عن الدّليل عدوٌّ. من دعاه إلى التّثبّت جبانٌ أو متواطئٌ. من طلب منه الاعتدال مميّعٌ للحقّ. هنا لا يعود الوهم مجرّد عزاءٍ داخليٍّ، بل يتحوّل إلى سلطةٍ بل وتسلّطٍ على الآخرين. يبدأ الإنسان بمطالبة العالم أن يخضع لروايته، فإن لمْ يفعل، عاقبه بالقطيعة أو الاتّهام أو التّشويه أو التّكفير الأخلاقيّ والاجتماعيّ.
والتّطرّف، بهذا المعنى، نتيجةٌ طبيعيّةٌ حين يطول التّبرير. لأنّ الإنسان الّذي دافع عن خطئه طويلًا لا يستطيع أن يقبل بسهولةٍ أنّ المسألة كانت أضيق ممّا صنع. لقد أنفق من عمره ومشاعره وقراراته وعلاقاته في حماية الرّواية، فصارت المراجعة مكلفةً جدًّا. لو اعترف الآن، فسيسقط كثيرٌ ممّا بناه فوق التّأويل الأوّل. لذلك يختار التّصعيد بدل الرّجوع. يرفع الصّوت كي لا يسمع الشّكّ. يقسو في الحكم كي لا يقترب من الاعتراف. يُوسّع دائرة الاتّهام كي لا يضيق عليه السّؤال. وهذه من مآسي الإنسان؛ أنّه أحيانًا لا يتطرّف لأنّه متيقّنٌ أكثر، بل لأنّه خائفٌ من المراجعة أكثر.
“أيّ خرابٍ أوسع من هذا؟ وأيّ سجنٍ أشدّ من نفسٍ لا تملك نافذةً للحقيقة، ولا بابًا للاعتراف، ولا ميزانًا للعدل؟”
وفي العلاقات اليوميّة نرى هذه الثّلاثيّة بوضوحٍ مؤلمٍ. زوجٌ أو زوجةٌ يُفسّر الصّمت على أنّه إهمالٌ، ثمّ يُبرّر القسوة بأنّها ردٌّ على الإهمال، ثمّ يتطرّف في الحكم فيقول إنّ الطّرف الآخر لا يُحبّ أصلًا ولا يستحقّ الحوار. صديقٌ يُفسّر موقفًا عابرًا كدليل خيانةٍ، ثمّ يُبرّر القطيعة بأنّها حفظٌ للكرامة، ثمّ يتطرّف فيصنّف كلّ من لمْ ينصره ضدّ صاحبه خائنًا له. موظّفٌ يُفسّر ملاحظة مديره كاستهدافٍ، ثمّ يُبرّر إهماله بأنّه ردٌّ على بيئةٍ ظالمةٍ، ثمّ يتطرّف فيرى كلّ نقدٍ له مؤامرةً على تميّزه. ناشطٌ أو مثقّفٌ يُفسّر اختلافًا فكريًّا على أنّه عداءٌ للمبدأ، ثمّ يُبرّر التّشويه بأنّه دفاعٌ عن الحقيقة، ثمّ يتطرّف فيصير ميزانه لا يعرف إلّا أتباعًا وخصومًا. هكذا تبدأ المأساة من معنًى صغيرٍ أضيف إلى واقعةٍ، ثمّ تنتهي بخراب علاقةٍ أو جماعةٍ أو مؤسّسةٍ.
وهذه الثّلاثيّة لا تعمل في النّفس الفرديّة فقط، بل في المجتمعات أيضًا. المجتمع، مثل الفرد، يُؤوّل ويبرّر ويتطرّف. قد يُؤوّل نيّات مخالفيه فيراهم أعداءً لا شركاء في الوطن أو السّؤال. وقد يُبرّر فشله بإلقاء كلّ شيءٍ على الخارج أو الماضي أو الآخر، دون أن يسأل عن بنية ضعفه الدّاخليّة. وقد يتطرّف في تصنيف أبنائه، فيحوّل النّقد إلى خيانةٍ، والاختلاف إلى عداوةٍ، والمراجعة إلى إهانةٍ، والسّؤال إلى تمرّدٍ، والحذر العلميّ إلى ضعف انتماءٍ. وهنا يُصبح الخلل النّفسيّ ثقافةً عامّةً، لا مجرّد مشكلةٍ فرديّةٍ. وإذا كانت النّفس الواحدة تستطيع أن تصنع حول وهمها قلعةً، فإذا بالمجتمع يستطيع أن يبني حول أوهامه مدنًا كاملةً من الخطاب والتّعليم والإعلام والعرف.
وليس هذا المرض خاصًّا بمجتمعٍ دون آخر، ولا بطبيعةٍ قوميّةٍ بعينها. إنّه مرضٌ إنسانيٌّ يتضخّم حيث تغيب ثقافة التّثبّت والاعتراف والميزان. ويمكن أن يظهر في المجتمعات العربيّة كما يظهر في غيرها، لا بوصفه قدرًا أو طبيعةً ثابتةً، بل بوصفه قابليّةً تزيد حين يغيب تدريب النّاس على السّؤال الهادئ، والاعتراف الرّشيد، واحتمال النّقد، والتّمييز بين المخالف والعدوّ. حين يعجز المجتمع عن التّثبّت، يكثر سوء الظّنّ. وحين يعجز عن الاعتراف، يكثر التّبرير. وحين يعجز عن الميزان، يُولد التّطرّف. وهذه ليست مجرّد مشكلاتٍ فكريّةٍ، بل شروطٌ لصناعة الانقسام وفقدان الثّقة وتعطيل الإصلاح.
في المجتمع الّذي تضعف فيه ثقافة التّثبّت، تنتشر الأحكام السّريعة كما ينتشر الشّرر في الهشيم. خبرٌ ناقصٌ يصير يقينًا، ومقطعٌ مبتورٌ يصير دليلًا، وخلافٌ محدودٌ يصير معركة هويّةٍ. وفي المجتمع الّذي تضعف فيه ثقافة الاعتراف، يُصبح كلّ فشلٍ مؤامرةً، وكلّ خللٍ صناعة غيرنا، وكلّ نقدٍ طعنًا في الكرامة العامّة. وفي المجتمع الّذي يضعف فيه الميزان، لا يعود النّاس يُميّزون بين الخطأ والخطيئة الكبرى، بين النّقد والهدم، بين المخالف والعدوّ، بين الولاء الأعمى والانتماء الصّادق. عندها يُصبح التّطرّف نتيجةً شبه حتميّةٍ؛ لأنّ العقول الّتي لمْ تتعلّم التّدرّج في الفهم ستقسو في الحكم.
وخطورة هذه الثّلاثيّة أنّها لا تُفسد فكرةً واحدةً، بل تُفسد جهاز الإنسان كلّه. التّأويل يُفسد علاقته بالحقيقة، لأنّه يجعله يرى الواقع من خلال شقوق هواه وخوفه وجرحه. والتّبرير يُفسد علاقته بنفسه، لأنّه يمنعه من الاعتراف، ويحوّل الخطأ إلى موقفٍ مشرّفٍ يُدافع عنه بضراوةٍ حتّى الرّمق الأخير، ويجعل الضّمير تابعًا للمصلحة النّفسيّة. والتّطرّف يُفسد علاقته بالآخرين، لأنّه يسلبه القدرة على الإنصاف، وجعل النّاس وقودًا لروايته، ويحوّل الاختلاف إلى ميدان عقوبةٍ. وبذلك يُصبح الإنسان محاصرًا من ثلاث جهاتٍ؛ لا يرى الواقع كما هو، ولا يرى نفسه كما هي، ولا يرى الآخر بإنصافٍ. أيّ خرابٍ أوسع من هذا؟ وأيّ سجنٍ أشدّ من نفسٍ لا تملك نافذةً للحقيقة، ولا بابًا للاعتراف، ولا ميزانًا للعدل؟
“إنّ التّأويل الفاسد يسرق من الإنسان نقاء الرّؤية، والتّبرير يسرق منه شجاعة المسؤوليّة، والتّطرّف يسرق منه عدالة الحكم.”
إنّ التّأويل الفاسد يسرق من الإنسان نقاء الرّؤية، والتّبرير يسرق منه شجاعة المسؤوليّة، والتّطرّف يسرق منه عدالة الحكم. فإذا اجتمعت هذه الثّلاثة صار الإنسان خطرًا على نفسه وعلى من حوله، لا لأنّه بلا عقلٍ بالضّرورة، بل لأنّ عقله صار يعمل في خدمة روايةٍ مغلقةٍ. قد يكون ذكيًّا، واسع الثّقافة، فصيح اللّسان، قادرًا على الاستدلال، لكنّه يستعمل هذه الأدوات لتثبيت ما يُريد تصديقه لا لاختبار ما يجب تصديقه. وهنا لا يعود العلم وحده كافيًا، ولا الثّقافة وحدها، ولا البلاغة وحدها. فكم من مثقّفٍ كان تأويله فاسدًا، وتبريره بارعًا، وتطرّفه أنيقًا. وكم من جاهلٍ بسيطٍ كان أقرب إلى العدل لأنّه بقي قادرًا على أن يقول: “ربّما أخطأت”.
ولذلك فإنّ أوّل طريق النّجاة في هذه السّلسلة ليس أن يدّعي الإنسان امتلاك الحقيقة، بل أن يتواضع أمام احتمال الخطأ في فهمه. أن يتعلّم أنّ الواقعة ليست دائمًا هي القصّة الّتي بناها عليها. أن يسأل قبل أن يحكم: “ما الدّليل؟ وما الاحتمالات الأخرى؟ وما نصيبي من هذا الفهم؟ وهل أنا أقرأ الواقع أم أقرأ جرحي القديم فيه؟”. ثمّ أن ينتبه إلى لحظة التّبرير، تلك اللّحظة الّتي يبدأ فيها العقل بتزيين الموقف بدل فحصه. ثمّ أن يحرس الميزان، فلا يسمح لغضبه أو خوفه أو جماعته أو صورته أن تدفعه إلى حكمٍ كلّيٍّ لا يرى الدّرجات. غير أن تفصيل هذه المخارج ليس مقام هذه المقالة؛ فهذه المقالة تكتفي برسم الخريطة، أمّا السّير في طرق العلاج فله موضعه القادم.
ومن هنا ستأتي مقالاتٌ تاليةٌ مكمّلةٌ بوصفها نُزولًا من الخريطة الكبرى إلى غرفها الدّاخليّة. سنقف مع التّأويل الفاسد لنسأل كيف يبدأ الظّنّ في هيئة فهمٍ، وكيف يختلط الجرح بالدّليل، وكيف تصير القصّة الّتي نصنعها أقوى من الواقعة الّتي حدثت. ثمّ نقف مع التّبرير لنسأل كيف يتحوّل الخطأ إلى حجّةٍ، وكيف يُصبح العقل محاميًا عن الهزيمة، وكيف يحمي الإنسان صورته على حساب نجاته. ثمّ نقف مع التّطرّف لنسأل كيف يموت الميزان، وكيف يكره الإنسان الدّرجات، وكيف يتحوّل اختلافٌ محدودٌ إلى عداوةٍ مطلقةٍ. ثمّ نختم بالسّؤال الإصلاحيّ؛ كيف نستعيد التّثبّت والاعتراف والميزان، وكيف نُربّي نفسًا ومجتمعًا لا يبيع الحقيقة لهوى التّأويل، ولا يدفن المسؤوليّة تحت ركام التّبرير، ولا يُحوّل اليقين إلى سيفٍ يذبح به الإنصاف.
وليست مأساة الإنسان أنّه يُخطئ؛ فكلّ إنسانٍ يُخطئ. مأساته الكبرى أن يُؤوّل هواه حقيقةً، ويبرّر خطأه فضيلةً، ويتطرّف في حكمه حتّى لا يضطرّ إلى مراجعة نفسه. عندها لا يعود الخطأ عابرًا في الطّريق، بل يصير طريقًا. ولا تعود الزّلّة حادثةً تحتاج إلى إصلاحٍ، بل تصير رايةً تحتاج إلى جنودٍ وحدودٍ. ولا يعود الإنسان باحثًا عن الحقيقة، بل حارسًا لوهمه، يُدافع عنه كأنّ حياته كلّها ستنهار إن اقترب منه الضّوء. وما أقسى أن يخون الإنسان الحقيقة وهو يظنّ أنّه أشدّ النّاس وفاءً لها؛ لأنّه بدأ من تأويلٍ لمْ يمتحنه، ثمّ تبريرٍ لمْ يُراجعه، ثمّ تطرّفٍ منحه راحة اليقين الكاذب، حتّى صار سجنه الدّاخليّ يُشبه القصر في عينيه، وصارت مفاتيح الخروج بين يديه وهو يظنّها سهامًا موجّهةً إلى صدره.
