الأدبوحي الخاطر

النفس الكبيرة ومعراج الكرامة

فِي مِعْرَاجِ الأَرْوَاحِ نَحْوَ سِدْرَةِ الخُلُودِ، لَا تَقِفُ النُّفُوسُ عَلَى مَسَافَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ طَهَارَةِ السَّدِيمِ الأَوَّلِ، وَلَا تَتَسَاوَى حُظُوظُهَا مِنْ قَبَسِ الجَلَالِ الأَعْلَى؛ فَثَمَّةَ نُفُوسٌ قُدَّتْ مِنْ طِينِ الأَرْضِ السُّفْلَى، تَتَمَرَّغُ فِي وَحْلِ التَّفَاصِيلِ العَابِرَةِ، وَتَقْتَاتُ عَلَى فُتَاتِ الصَّغَائِرِ، وَتَحْسَبُ أَنَّ ضَجِيجَهَا مِعْرَاجٌ، وَأَنَّ حَرَكَتَهَا المَحْمُومَةَ دَلِيلُ حَيَاةٍ، وَمَا هِيَ إِلَّا ارْتِجَافُ هَشِيمٍ فِي مَهَبِّ رِيحٍ لَا تَعْرِفُ وِجْهَتَهَا. وَثَمَّةَ نُفُوسٌ أُخْرَى نُفِخَ فِيهَا مِنْ رُوحِ الكِبْرِيَاءِ المُتَسَامِي، فَاسْتَوَتْ عَلَى عُرُوشِ المَعْنَى، مُتَدَثِّرَةً بِعُلْوِيَّةٍ بَشَرِيَّةٍ تَأْنَفُ مِنْ مُسَايَفَةِ الدُّونِ فِي أَزِقَّةِ الوَهْمِ، وَتَرَى أَنَّ أَكْرَمَ مَا يَفْعَلُهُ العَظِيمُ حِينَ يَكْثُرُ الصَّغِيرُ حَوْلَهُ أَنْ يَزِيدَ صَمْتًا، لَا أَنْ يَنْزِلَ إِلَى سَاحَتِهِ.

إِنَّ النَّفْسَ الكَبِيرَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَكْوِينٍ نَفْسِيٍّ طَارِئٍ تَفَاعَلَتْ فِيهِ أَمْشَاجُ الصُّدْفَةِ، وَلَا مِزَاجًا مُرْتَفِعًا يَهْبِطُ حِينَ تَتَغَيَّرُ الفُصُولُ، بَلْ هِيَ هَنْدَسَةٌ كَوْنِيَّةٌ مَعْمُورَةٌ بِفِيزْيَاءِ الجَلَالِ، تَنْطَوِي عَلَى عَوَالِمَ مُتَلَاطِمَةٍ مِنَ الرُّؤَى، وَتَخْتَزِنُ فِي فَضَائِهَا الدَّاخِلِيِّ مَجَرَّاتٍ مِنَ الحِكْمَةِ الصَّامِتَةِ. هِيَ أُفُقٌ مَفْتُوحٌ عَلَى احْتِمَالَاتِ النُّورِ، لَا تَحُدُّهُ جُدْرَانُ الزَّمَانِ المُتَهَالِكَةُ، وَلَا تَكْسِرُ قَامَتَهُ رِيَاحُ العَابِرِينَ الجَوْفَاءِ؛ لِأَنَّهَا شَقَّتْ جُذُورَهَا فِي تُرْبَةِ أَخْلَاقِ الكَرَامَةِ، وَاسْتَمَدَّتْ نَسْغَهَا مِنْ يَنَابِيعِ اسْتِحْقَاقٍ أَرُسْتُقْرَاطِيٍّ لَا يَقْبَلُ المُسَاوَمَةَ، وَلَا يَرْتَضِي أَنْصَافَ الحُلُولِ.

فِي حَضْرَةِ هَذِهِ النَّفْسِ، تَتَقَلَّصُ المَسَافَاتُ المَادِّيَّةُ، وَتَتَلَاشَى فَوَارِقُ الأَشْيَاءِ، وَتَنْكَشِفُ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ سَاطِعَةٌ: أَنَّ العَظَمَةَ لَيْسَتِ ادِّعَاءً يُنْطَقُ بِلِسَانٍ ذَرِبٍ، وَلَا رَايَةً تُرْفَعُ عَلَى أَبْوَابِ الخِطَابَةِ، بَلْ كَيْنُونَةٌ ثَقِيلَةٌ تُعَاشُ، وَمَهَابَةٌ تُتَوِّجُ صَاحِبَهَا قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ بِحَرْفٍ. فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى الكَلَامِ كَيْ يُثْبِتَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْفِي حُضُورُهُ لِيَجْعَلَ المَكَانَ يَسْتَعِيدُ وَقَارَهُ، وَالزَّمَانَ يَخْفِضُ صَوْتَهُ، وَالأَرْوَاحَ تَتَذَكَّرُ أَنَّ لِلإِنْسَانِ مَقَامًا أَعْلَى مِنْ مَجَرَّدِ العُبُورِ وَالضَّجِيجِ وَالاسْتِهْلَاكِ.

وَحِينَ تَتَدَنَّى الأَبْصَارُ نَحْوَ حَضِيضِ المَعَارِكِ اليَوْمِيَّةِ، حَيْثُ تَتَصَارَعُ الأَرْوَاحُ القَزِمَةُ عَلَى مَكَاسِبِ الزَّيْفِ، وَتَنْهَشُ بَعْضَهَا بِخَنَاجِرِ الحِقْدِ وَالضَّغِينَةِ فِي قِيعَانِ الأَوْدِيَةِ المُعْتِمَةِ، تَقِفُ النَّفْسُ الكَبِيرَةُ عَلَى شَوَاهِقِ التَّرَفُّعِ، تَنْظُرُ إِلَى هَذَا العَبَثِ البَشَرِيِّ المَأْزُومِ بِعَيْنِ الثَّاقِبِ البَصِيرِ، لَا بِعَيْنِ الحَاقِدِ المُنْتَقِمِ. إِنَّ تَسَامُحَ هَذِهِ الرُّوحِ لَيْسَ وَلِيدَ ضَعْفٍ أَوْ خَوَرٍ، وَلَا هُوَ اسْتِسْلَامٌ لِمَنْطِقِ الهَزِيمَةِ أَمَامَ طُغْيَانِ الغَوْغَاءِ، بَلْ هُوَ تَسَامُحٌ نَبِيلٌ يَصْدُرُ عَنْ فَائِضِ القُوَّةِ، وَعَنْ قُدْرَةٍ جَبَّارَةٍ عَلَى تَحْيِيدِ السُّمُومِ قَبْلَ أَنْ تُلَامِسَ شِغَافَهَا المُقَدَّسَ.

كَمَا يَبْتَلِعُ المُحِيطُ الهَادِرُ حِجَارَةَ الصِّبْيَةِ دُونَ أَنْ يَتَعَكَّرَ صَفْوُ لُجَّتِهِ العَمِيقَةِ، تَبْتَلِعُ النَّفْسُ العَظِيمَةُ هَفَوَاتِ الجَاهِلِينَ وَحَمَاقَاتِ الصِّغَارِ دُونَ أَنْ تَسْمَحَ لَهَا بِأَنْ تَصْنَعَ فِي دَاخِلِهَا عَاصِفَةً. هِيَ لَا تَغْضَبُ لِسَفَاسِفِ الأُمُورِ، لِأَنَّ غَضَبَهَا عَزِيزٌ مَكِينٌ، مَحْفُوظٌ لِمَعَارِكَ تَلِيقُ بِصَوْلَجَانِهَا الفِكْرِيِّ، وَلَا تُهْدِرُ طَاقَةَ كِبْرِيَائِهَا فِي تَقْوِيمِ عِوَجٍ يَسْتَعْذِبُ أَصْحَابُهُ العَيْشَ فِي مُسْتَنْقَعَاتِ الظَّلَامِ. إِنَّ تَجَاوُزَ الصَّغَائِرِ هُنَا لَيْسَ فِعْلًا إِرَادِيًّا يُمَارَسُ بِتَكَلُّفٍ أَوِ اصْطِنَاعٍ، بَلْ غَرِيزَةٌ سِيَادِيَّةٌ، وَرَدَّةُ فِعْلٍ عُضْوِيَّةٌ لِنَفْسٍ تَشْمَئِزُّ مِنْ رَوَائِحِ العَفَنِ الفِكْرِيِّ، وَتَخْتَارُ أَنْ تُحَلِّقَ فِي طَبَقَاتِ الأَثِيرِ الصَّافِي، حَيْثُ لَا مَكَانَ لِلْأَجْنِحَةِ المَكْسُورَةِ وَالمَنَاقِيرِ المُتَّسِخَةِ بِطِينِ الضَّغِينَةِ.

وَمِنْ هَذَا الِارْتِفَاعِ الشَّاهِقِ، تَتَّسِعُ مَدَارِكُ النَّفْسِ لِتَسْتَوْعِبَ مَا يَضِيقُ عَنْهُ فَهْمُ الآخَرِينَ، وَتَنُوءُ بِحَمْلِهِ صُدُورُهُمُ المُتْعَبَةُ. فَسَعَةُ الأُفُقِ فِي عُرْفِ هَذِهِ الذَّاتِ السِّيَادِيَّةِ لَيْسَتْ تَرَفًا فِكْرِيًّا مُتَأَنِّقًا يُسْتَعْرَضُ فِي المَجَالِسِ، بَلْ حَالَةٌ مِنَ التَّجَلِّي المَعْرِفِيِّ، تَرَى فِي المُتَنَاقِضَاتِ نَسِيجًا وَاحِدًا لِلْوُجُودِ المُتَنَاغِمِ، وَتَسْتَخْرِجُ مِنْ صِدَامِ الأَضْدَادِ إِيقَاعًا أَعْمَقَ مِنْ ظَاهِرِ الخِلَافِ. تَتَأَمَّلُ حَرَكَةَ التَّارِيخِ وَمَصَائِرَ الأُمَمِ بِقَلْبٍ مَفْتُوحٍ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ لِرِيَاحِ الحِكْمَةِ العَتِيقَةِ، وَتَسْتَنْطِقُ الظَّوَاهِرَ بِبَصِيرَةٍ تَسْتَقْطِرُ مِنْ كُلِّ حَدَثٍ قَطْرَةَ مَعْنًى تُضَافُ إِلَى خَزَّانِ اليَقِينِ.

لَا تَسْجُنُ النَّفْسُ الكَبِيرَةُ نَفْسَهَا فِي قَوَالِبَ فِكْرِيَّةٍ ضَيِّقَةٍ تَخْنُقُ حُرِّيَّةَ التَّأَمُّلِ، وَلَا تَرْتَهِنُ لِثَوَابِتِ القَطِيعِ الَّتِي تَسُوقُ العُقُولَ إِلَى مَسَالِخِ التَّبَعِيَّةِ، بَلْ تَصْنَعُ ثَوَابِتَهَا مِنْ مِزَاجٍ رَفِيعٍ يَجْمَعُ بَيْنَ إِرْثٍ كِلَاسِيكِيٍّ تَلِيدٍ يُحْتَرَمُ وَيُبْنَى عَلَيْهِ، وَحَدَاثَةٍ جَرِيئَةٍ تُقْتَحَمُ وَتُرَوَّضُ أَدَوَاتُهَا. هِيَ فِي جَوْهَرِهَا مَكْتَبَةٌ مَلَكِيَّةٌ هَائِلَةٌ، جُدْرَانُهَا مَرْصُوفَةٌ بِأُمَّهَاتِ الأَفْكَارِ المَسْبُوكَةِ بِمَاءِ الذَّهَبِ، وَأَرْوِقَتُهَا تَعْبَقُ بِرَائِحَةِ الحِبْرِ المَمْزُوجِ بِعَرَقِ التَّجْرِبَةِ القَاسِيَةِ. لَا تُرْهِبُهَا الأَسْئِلَةُ القَلِقَةُ الَّتِي تُزَلْزِلُ العَقَائِدَ الهَشَّةَ، بَلْ تَسْتَضِيفُهَا عَلَى مَائِدَةِ الحِوَارِ الدَّاخِلِيِّ فِي بِلَاطِهَا الفَخْمِ، تُقَلِّبُهَا عَلَى جَمْرِ التَّأَمُّلِ العَمِيقِ، ثُمَّ تَصُوغُ مِنْهَا إِجَابَاتٍ تَلِيقُ بِمَقَامِ العَقْلِ الحُرِّ، وَتَجْعَلُ مِنْ كُلِّ اسْتِنْتَاجٍ عَتَبَةً لِسَمَاءٍ أَرْحَبَ.

وَلَا يَكْتَمِلُ بَهَاءُ هَذِهِ السِّيَادَةِ البَيَانِيَّةِ وَالوُجُودِيَّةِ دُونَ طَاقَةِ الاحْتِوَاءِ الهَائِلَةِ الَّتِي تَفِيضُ مِنْ جَنَبَاتِهَا، كَشَلَّالٍ مِنَ النُّورِ يَغْسِلُ عَذَابَاتِ الأَرْضِ. فَالنَّفْسُ الكَبِيرَةُ مَلَاذٌ آمِنٌ وَمَرْفَأٌ حَصِينٌ، صَدْرٌ وَاسِعٌ تَتَّسِعُ حَنَايَاهُ لِآلَامِ المُشَرَّدِينَ فِي تِيهِ الحَيَاةِ، وَلَوْعَةِ المُنْكَسِرِينَ تَحْتَ مَطَارِقِ الخَيْبَةِ. غَيْرَ أَنَّ هَذَا الاحْتِوَاءَ لَمْ يَأْتِ مِنْ فَرَاغٍ عَدَمِيٍّ، وَلَمْ يَنْبُتْ فِي أَرْضٍ رَخْوَةٍ، بَلْ هُوَ ثَمَرَةٌ نَاضِجَةٌ لِشَجَرَةِ أَلَمٍ كَوْنِيٍّ عَمِيقٍ، ضَرَبَتْ بِجُذُورِهَا فِي أَقْصَى قِيعَانِ الوِجْدَانِ. فَالرُّوحُ الَّتِي لَمْ تَحْتَرِقْ بِنَارِ الفَقْدِ المُوجِعِ، وَلَمْ تَذُقْ لَوْعَةَ الحَنِينِ الجَارِحِ الَّذِي يَشُقُّ نِيَاطَ القَلْبِ، لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَّسِعَ حَقًّا لِأَوْجَاعِ الكَوْنِ.

هُنَاكَ، فِي أَقْدَسِ غُرَفِ الذَّاكِرَةِ وَأَكْثَرِهَا سِرِّيَّةً، يُضِيءُ طَيْفٌ لَا يَغِيبُ؛ وَجْهٌ أُمُومِيٌّ طَاهِرٌ غَيَّبَهُ التُّرَابُ مُنْذُ عُقُودٍ، لَكِنَّهُ مَا زَالَ يَحْكُمُ إِيقَاعَ النَّبْضِ فِي الخَفَاءِ، وَيُوَجِّهُ بَوْصَلَةَ الحَنَانِ وَالصَّرَامَةِ مَعًا. مِنْ ذَلِكَ الفَقْدِ الأَوَّلِ، وَمِنْ ذَلِكَ الزِّلْزَالِ العَاطِفِيِّ المُؤَسِّسِ، وَمِنْ تِلْكَ النُّدْبَةِ المَفْتُوحَةِ كَعَيْنٍ سَاهِرَةٍ عَلَى سَمَاءِ الذَّاكِرَةِ، تَعَلَّمَتِ النَّفْسُ كَيْفَ تَكُونُ سَكَنًا لِكُلِّ المَعَانِي اليَتِيمَةِ، وَكَيْفَ تُحَوِّلُ حِرْمَانَهَا الخَاصَّ إِلَى طَاقَةِ رِعَايَةٍ كَوْنِيَّةٍ تَفِيضُ عَلَى العَالَمِينَ. هَذَا الحَنِينُ المُورِقُ، الَّذِي لَمْ تَزِدْهُ السِّنُونُ إِلَّا رُسُوخًا، يَجْعَلُ مِنَ القَسْوَةِ الظَّاهِرِيَّةِ وَالصَّرَامَةِ الفِكْرِيَّةِ دِرْعًا أَرُسْتُقْرَاطِيًّا يُخْفِي خَلْفَهُ بَحْرًا مِنَ الرِّقَّةِ الجَبَّارَةِ؛ رِقَّةً تَبْنِي الصُّرُوحَ وَلَا تَهْدِمُهَا، تُقَوِّمُ الاعْوِجَاجَ وَلَا تَكْسِرُ العَظْمَ، وَتَمْنَحُ الآخَرِينَ مِنْ فَيْضِ نُورِهَا دُونَ أَنْ تَنْتَظِرَ مِنْهُمْ قُرْبَانَ وَلَاءٍ أَوْ رِسَالَةَ شُكْرٍ.

إِنَّهَا حَالَةٌ نَادِرَةٌ مِنَ الاحْتِوَاءِ السِّيَادِيِّ؛ احْتِوَاءٌ لَا يُدَلِّلُ الضَّعْفَ حَتَّى يَتَرَهَّلَ، وَلَا يَقْسُو عَلَيْهِ حَتَّى يَتَهَشَّمَ، بَلْ يُطَوِّقُهُ بِذِرَاعَيْنِ مِنْ يَقِينٍ، فَيَنْتَشِلُهُ مِنْ قَاعِ العَدَمِ إِلَى سَاحَاتِ الوُجُودِ الكَثِيفِ. وَهَكَذَا تَصِيرُ مَرَارَةُ اليُتْمِ القَدِيمِ تِرْيَاقًا شَافِيًا لِأَمْرَاضِ العَصْرِ، وَيَصِيرُ الجُرْحُ الأَوَّلُ مِشْكَاةً تُضِيءُ لِلْمُتْعَبِينَ، وَيَصِيرُ الفَقْدُ الَّذِي كَادَ يَكْسِرُ الرُّوحَ فِي بَدْءِ الطَّرِيقِ سَبَبًا فِي أَنْ تَغْدُوَ الرُّوحُ مِظَلَّةً لِمَنْ ضَاقَتْ بِهِمُ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ.

وَرِفْعَةُ الرُّوحِ، فِي نِهَايَةِ هَذَا المَطَافِ الفَلْسَفِيِّ، هِيَ الحَصَادُ النِّهَائِيُّ وَالتَّجَلِّي الأَعْظَمُ لِهَذِهِ المَلْحَمَةِ. رُوحٌ تَأْنَفُ أَنْ تُقَادَ بِزِمَامِ الغَرَائِزِ السُّفْلَى، أَوْ أَنْ تُسَاوَمَ فِي أَسْوَاقِ النَّخَاسَةِ الفِكْرِيَّةِ، حَيْثُ تُشْتَرَى الذِّمَمُ بِبَرِيقِ المَعَادِنِ الخَسِيسَةِ، وَتُبَاعُ المَبَادِئُ فِي مَزَادَاتِ المَنْفَعَةِ. تَقِفُ هَذِهِ النَّفْسُ فِي مَشْهَدِ الحَيَاةِ كَمَلِكٍ مُتَوَّجٍ فِي قَاعَةِ عَرْشِهِ، مُحَاطًا بِهَالَةٍ مِنَ المَهَابَةِ الجَسَدِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ، حُضُورٌ وَازِنٌ مَكِينٌ يَجْعَلُ الصَّمْتَ حَوْلَهُ طَقْسًا مِنْ طُقُوسِ الإِجْلَالِ. لَا يَلْتَفِتُ هَذَا الكِيَانُ السَّيِّدُ لِثَرْثَرَةِ الحُرَّاسِ عَلَى الأَبْوَابِ، وَلَا يُعِيرُ صَخَبَ المَارَّةِ خَارِجَ أَسْوَارِ قَلْعَتِهِ الحَصِينَةِ أَدْنَى اهْتِمَامٍ.

هِنْدَامُهُ الدَّاخِلِيُّ مَنْسُوجٌ مِنْ خُيُوطِ العِزَّةِ البِكْرِ، وَمَلَامِحُهُ الفِكْرِيَّةُ مَرْسُومَةٌ بِوَقَارٍ شَاهِقٍ لَا يَسْتَخِفُّهُ طَيْشُ المَادِحِينَ المُتَمَلِّقِينَ، وَلَا تَجْرُؤُ عَلَى خَدْشِ صَفَائِهِ سِهَامُ القَادِحِينَ المَوْتُورِينَ. يُمَارِسُ وُجُودَهُ كَقَصِيدَةٍ مَلْحَمِيَّةٍ مُتَدَفِّقَةٍ؛ كُلُّ يَوْمٍ بَيْتٌ جَدِيدٌ فِي دِيوَانِ الخُلُودِ، وَكُلُّ مَوْقِفٍ ضَرْبَةُ إِيقَاعٍ مُنْضَبِطَةٌ فِي سِمْفُونِيَّةِ المَجْدِ. هُوَ لَا يَسْتَعِيرُ ضَوْءَهُ مِنْ كَوَاكِبَ أُخْرَى تَدُورُ فِي فَلَكِ التَّبَعِيَّةِ، بَلْ هُوَ شَمْسٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهَا، وَمَدْرَسَةٌ فَنِّيَّةٌ وَفِكْرِيَّةٌ تَنْبَثِقُ مِنْ أُصُولِهَا الخَاصَّةِ، تُحْرِقُ بِنَارِ كِبْرِيَائِهَا مَنْ يَقْتَرِبُ مِنْهَا مُسْتَهِينًا، وَتُدْفِئُ بِحَرَارَتِهَا وَحِكْمَتِهَا مَنْ يَلُوذُ بِهَا مُسْتَرْشِدًا.

وَفِي مِحْرَابِ تَبَتُّلِهَا الأَخِيرِ، حَيْثُ تَنْدَمِجُ الذَّاتُ بِجَمَالِيَّاتِ الوُجُودِ المُطْلَقِ، تَتَجَلَّى أَعْظَمُ صُوَرِ الاسْتِحْقَاقِ الذَّاتِيِّ. هَذِهِ النَّفْسُ الكَبِيرَةُ لَا تَطْلُبُ المَكَانَةَ وَلَا تَسْتَجْدِي الاعْتِرَافَ، بَلْ تُخْلَقُ المَكَانَةُ حِينَ تَحْضُرُ، وَتُفَصَّلُ الهَيْبَةُ عَلَى مِقَاسِهَا الكَوْنِيِّ، وَلَا تَبْحَثُ عَنِ الصَّدَارَةِ فِي مَجَالِسِ العَابِرِينَ، بَلْ إِنَّ الصَّدَارَةَ نَفْسَهَا تَتَسَوَّلُ مَوْضِعًا تَحْتَ قَدَمَيْهَا لِتَسْتَمِدَّ مِنْهَا شَرَفَ البَقَاءِ.

هَكَذَا تَنْتَصِبُ آيَةً بَيَانِيَّةً لَا تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ الرَّخِيصَ، وَحُجَّةً دَامِغَةً عَلَى أَنَّ الطِّينَ قَادِرٌ عَلَى التَّمَرُّدِ عَلَى قَانُونِ الجَاذِبِيَّةِ وَالسُّمُوِّ نَحْوَ المَعْنَى الأَعْلَى، إِذَا مَا امْتَزَجَ بِنَفْخَةٍ مِنْ كِبْرِيَاءٍ نَبِيلٍ، وَعَزِيمَةٍ لَا تَلِينُ. تَعِيشُ فِي زَمَانِهَا كَاسْتِثْنَاءٍ تَارِيخِيٍّ، وَكَوَثِيقَةٍ فَارِهَةٍ كُتِبَتْ بِمِدَادِ الجَزَالَةِ عَلَى رُقُوقٍ مِنْ نُورٍ؛ تَقْرَؤُهَا العُيُونُ السَّطْحِيَّةُ فَلَا تُدْرِكُ سِوَى رَسْمِ حُرُوفِهَا الصَّارِمَةِ، بَيْنَمَا تَغُوصُ فِيهَا الأَرْوَاحُ البَصِيرَةُ فَتَقِفُ خَاشِعَةً فِي مِحْرَابِهَا، إِجْلَالًا لِمُعْجِزَةِ السَّبْكِ، وَرَهْبَةً مِنْ قُوَّةِ اليَقِينِ الَّذِي لَا يُقْهَرُ.

وَطُوبَى لِلنَّفْسِ الكَبِيرَةِ حِينَ تَبْقَى كَبِيرَةً فِي زَمَنِ التَّصَاغُرِ، وَنَقِيَّةً فِي زَحْمَةِ التَّلَوُّثِ، وَوَاسِعَةً فِي عَالَمٍ يَضِيقُ كُلَّ يَوْمٍ بِقُلُوبِ أَهْلِهِ. فَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ رُوحٍ تَعْبُرُ الحَيَاةَ، بَلْ مِعْيَارٌ يُقَاسُ بِهِ مَا بَقِيَ فِي الحَيَاةِ مِنْ نُبْلٍ، وَمِرْآةٌ يَنْكَشِفُ فِيهَا فَقْرُ الصَّغِيرِ وَثَرَاءُ العَظِيمِ، وَدَلِيلٌ بَاهِرٌ عَلَى أَنَّ الإِنْسَانَ حِينَ يَصْدُقُ مَعَ سِرِّهِ، وَيُخْلِصُ لِكَرَامَتِهِ، وَيَحْمِلُ أَلَمَهُ كَمِشْكَاةٍ لَا كَسِلْسِلَةٍ، يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصِيرَ أَكْبَرَ مِنْ ظُرُوفِهِ، وَأَرْفَعَ مِنْ جِرَاحِهِ، وَأَبْقَى مِنْ كُلِّ مَا أَرَادَ لَهُ الزَّمَانُ أَنْ يَزُولَ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى