هل تنقذ أمريكا قوتها بالتخلي عن عرش السيطرة؟
من سلسلة دراسة في عوامل وظواهر أفول الامبراطورية الأمريكية المعاصرة
ليست المعضلة الأمريكية بين المجد والعدم، ولا بين حكم العالم والاختفاء منه. إنها بين صورتين من العظمة؛ عظمةٍ تعرف أن القوة تستطيع أن تتعايش مع قوة الآخرين، وعظمةٍ لا ترى نفسها عظيمةً إلا إذا ظل الآخرون أقل قدرةً على الاختيار. الأولى قوة دولةٍ واثقة، والثانية قلق إمبراطوريةٍ لا تطمئن إلى بقائها إلا إذا بقيت فوق الجميع. لهذا لا يكفي أن نسأل هل تستطيع الولايات المتحدة أن تبقى قوية؛ فالجواب، في الأفق المنظور، نعم. تملك من الأرض والموارد والسوق والعلم والسلاح والتحالفات ما يجعلها إحدى القوى المركزية مهما تراجعت الأحادية. إنما السؤال الذي يقرر مصيرها هو: هل تستطيع أن ترى بقاء القوة من غير بقاء السيطرة انتصارًا، أم ستتعامل مع كل استقلالٍ عن إرادتها بوصفه اقتطاعًا من جسدها؟
ويقف أمامها نموذجان تاريخيان، لا بوصفهما طريقين جاهزين، بل صورتين متعارضتين في التعامل مع انكسار المجال الإمبراطوري؛ النموذج البريطاني والنموذج الروسي. الصورة البريطانية قبلت، بعد مقاومةٍ وأزمات، أن الإمبراطورية المباشرة لم تعد قابلةً للحياة. احتفظت الدولة بقوتها النووية والمالية والدبلوماسية، واستثمرت في علاقاتٍ مرنة وشبكاتٍ ثقافية، ثم اندمجت في تحالفٍ تقوده قوةٌ أخرى من دون أن تختفي شخصيتها الوطنية. لم يكن الانتقال البريطاني خاليًا من الجراح والحنين والتدخلات، ولم يكن تفكيك الإمبراطورية فضلًا طوعيًّا من لندن وحدها؛ انتزعت الشعوب استقلالها، وفرض الإنهاك المالي وتغير ميزان القوة حدودهما. لكن الدولة، بعد أن قاومت التحول، استطاعت في النهاية أن تعيش خارج صورة المركز العالمي الوحيد. أما الصورة الروسية فقد خرجت من تفكك الاتحاد السوفيتي بأزمة هويةٍ ومكانة. بقيت روسيا دولةً نوويةً كبرى، وورثت مقعد الاتحاد السوفيتي في مجلس الأمن وسائر أجهزة الأمم المتحدة منذ ديسمبر 1991، لكنها حملت ذاكرة المركز الذي فقد جمهورياته ومجاله الأيديولوجي والعسكري.
ومن هنا ظهر الميل إلى ربط الأمن الوطني باستعادة السيطرة على الجوار، وإلى تفسير استقلال بعض الدول القريبة أو اقترابها من مؤسساتٍ أخرى بوصفه اعتداءً على المكانة الروسية. لم يكن الدفاع عن مصالح دولةٍ كبرى منفصلًا دائمًا عن الحنين إلى المجال الإمبراطوري، فارتفعت كلفة محاولة إعادة ترتيب الواقع بالقوة. ولا يعني هذا أن بريطانيا نموذجٌ نقي وروسيا نموذجٌ للشر الخالص، ولا أن ظروف الولايات المتحدة مطابقةٌ لأيٍّ منهما. لكن المقارنة تكشف السؤال النفسي الذي يسبق الاستراتيجية؛ هل تستطيع الأمة التمييز بين حدود الوطن وحدود النفوذ؟ وهل ترى الجار المستقل دولةً ذات إرادة، أم طرفًا ضالًّا خرج من موضعه الطبيعي حول المركز؟
إذا اختارت واشنطن المنطق البريطاني في أفضل صوره، فلن تنسحب من العالم، بل ستقبل أن القيادة لا تحتاج إلى امتلاك كل قرار. ستحتفظ بتحالفاتها وقوتها العسكرية والمالية، لكنها تسمح للحلفاء باستقلالٍ أوسع، وتستبدل بالحضور المباشر تنسيقًا إقليميًّا، وبالوصاية نفوذًا قائمًا على المعرفة والثقافة والتجارة. أما إذا اختارت منطق الاستعادة الإمبراطورية، فسوف ترى في كل صعودٍ صيني، واستقلالٍ أوروبي، وحيادٍ هندي، وتنويعٍ خليجي، وتوسعٍ لمؤسسةٍ غير غربية، حلقاتٍ في مؤامرةٍ واحدة لإسقاطها. وعندئذٍ يصبح منع التحول أهم من إدارة التحول، وتدخل في صراعاتٍ لا نهاية لها مع حركة تاريخية أوسع من قدرة دولةٍ واحدة على إيقافها. والسؤال الذي يطل من وراء ذلك كله هو ما إذا كانت الصين سترث الإمبراطورية الأمريكية. والإجابة الأكثر دقة أن الصين تستطيع أن ترث وظائف ومجالاتٍ من النفوذ، لكنها لا تبدو قادرةً في المستقبل القريب على وراثة النظام كله في صورة مركزٍ أحادي جديد.
تمتلك الصين وزنًا صناعيًّا وتجاريًّا وبحثيًّا هائلًا؛ وقد قدّر تقرير العلوم والهندسة الأمريكي لعام 2026 أنها تجاوزت الولايات المتحدة في حجم الإنفاق على البحث والتطوير بعد ضبط المقارنة الدولية، وتتصدر حجم النشر العلمي والتصنيع عالي التقنية في مقاييس مهمة. لكنها لا تملك شبكة تحالفاتٍ مؤسسية تماثل الشبكة الأمريكية، ولا تزال عملتها محدودةً جدًا في الاحتياطيات العالمية مقارنةً بالدولار. كما أن نموذجها السياسي والرقابي لا يحمل الجاذبية نفسها لدى قطاعاتٍ واسعة من المجتمعات، حتى لدى دولٍ تريد تقليص الهيمنة الأمريكية من غير أن تصبح خاضعةً لبكين.
وتواجه الصين تحدياتها الداخلية؛ تباطؤ الإنتاجية، وضعف الطلب المحلي، واختلالات نموذج النمو، وشيخوخةً سكانيةً سريعة وقوة عملٍ آخذةً في الانكماش. وقد أشار صندوق النقد في 2026 إلى أن الشيخوخة وتراجع الإنتاجية سيضغطان على نموها المتوسط الأجل، وأن التحول الديمغرافي يفرض أعباءً ماليةً واجتماعية كبيرة. ولذلك قد لا يكون المستقبل انتقالًا من سيدٍ أمريكي إلى سيدٍ صيني، بل نهاية فكرة السيد الواحد. قد تصبح بكين مركزًا لا يمكن تجاهله، لكن الهند وأوروبا واليابان وروسيا ودول الخليج والبرازيل وتركيا وغيرها لن تقبل بسهولة أن تتحول من هامشٍ أمريكي إلى هامشٍ صيني. إن رغبة الدول في التعدد ليست بحثًا دائمًا عن إمبراطورٍ أرحم، بل بحثٌ عن مساحةٍ لا يملك فيها إمبراطورٌ واحد مفاتيح الخروج والدخول.
“رغبة الدول في التعدد ليست بحثًا عن إمبراطور أرحم، بل عن مساحة لا يملك فيها إمبراطور واحد مفاتيح الخروج والدخول.”
وهنا ينبغي مراقبة المؤشرات، لا الشعارات. فالتاريخ لا يعلن اتجاهه في خطابٍ رسمي، بل يكشفه في تراكم التحولات الصغيرة. مؤشرات التجدد الأمريكي تبدأ من الداخل؛ ارتفاع الثقة بالمؤسسات، واستقرار قواعد انتقال السلطة، وقدرة القضاء والإدارة على الاحتفاظ بشرعيتهما عبر تغير الحكومات، وتراجع الاستقطاب الذي يحول الخصم إلى عدو. وتظهر كذلك في قدرة الدولة على ضبط الدَّين، وإعادة بناء القاعدة الصناعية والبنية التحتية، وتحويل الابتكار إلى رخاءٍ اجتماعي لا إلى ثروةٍ محصورة في القمة. وفي الخارج يُقاس التجدد بقدرة واشنطن على بناء تحالفاتٍ طوعية، لا بالمزيد من القواعد وحدها؛ وباستعداد الحلفاء لتحمل الأعباء لأنهم شاركوا في صنع القرار، لا لأنهم خافوا من التخلي أو العقوبة. ويظهر في اتساقٍ أكبر مع القانون الدولي، وفي قبول محاسبة الصديق كما يُحاسب الخصم، وفي القدرة على عقد تسوياتٍ مع المنافسين من غير تصوير كل تسويةٍ بوصفها استسلامًا.
أما الانكماش المنظم فتظهر علاماته في تقليص الالتزامات غير الحيوية، وتوزيع الأعباء على القوى الإقليمية، ومنح الحلفاء قدرةً أكبر على القرار، وتحديد المصالح الحيوية بدقة. وهو لا يقاس بعدد القواعد المغلقة وحده، بل بما إذا كان كل انسحابٍ يجري داخل خطةٍ تمنع الفراغ وتحفظ الثقة. وأما التراجع القسري فتظهر مؤشراته في اتساع العقوبات والحروب بدل اتساع التفاوض، وفي خسارة الحلفاء أو تحولهم إلى شركاء مترددين، وفي تسييس الدولار والتقنية إلى درجة تسرع البحث عن البدائل، وفي نمو العجز الداخلي وتآكل الشرعية. ويظهر بصورةٍ أوضح حين تستخدم الدولة القوة لمنع تحولاتٍ بنيوية لا تستطيع منعها، بدل السعي إلى ضبطها وتوجيهها.
ولا ينبغي أن يُقرأ أي مؤشرٍ منفرد بوصفه حكمًا نهائيًّا. فقد ترتفع العقوبات في أزمةٍ ثم تتراجع، وقد تقلص الدولة قاعدةً لأسبابٍ تكتيكية، وقد يزيد الحليف تسلحه لتقوية التحالف لا للاستغناء عنه. إنما تكشف الاتجاهات نفسها حين تتراكم وتنسجم؛ حين تصبح العقوبة لغةً دائمة، والحليف أكثر تحوطًا، والدَّين أثقل، والثقة أضعف، والخصوم أكثر قدرةً على العمل خارج النظام. وتكشف استطلاعات عام 2026 خطورة الرصيد المعنوي. ففي ستٍ وثلاثين دولة بلغ وسيط من يرون أن الولايات المتحدة تسهم في السلام والاستقرار العالميين 35 في المئة فقط، وبلغ وسيط من يرون أنها تراعي مصالح الدول الأخرى 32 في المئة. كما انخفضت الثقة بكونها شريكًا موثوقًا في دولٍ حليفة عديدة، بينما رأى معظم المشاركين في ست عشرة دولةً متوسطة الدخل أنها تتدخل بدرجةٍ كبيرة أو معقولة في شؤون الآخرين.
“الحليف الذي يحتاج إليك ولا يثق بك يبني بديله في صمت؛ يشاركك اليوم لأنه لا يستطيع الاستغناء، ويستثمر في الغد كي يستطيع.”
لا تعني هذه الأرقام أن العالم اتفق على كراهية أمريكا أو أنه يريد انهيارها. فما تزال الولايات المتحدة حليفًا ضروريًّا لدول كثيرة، وما يزال الناتو يحظى بتأييدٍ إيجابي في معظم المجتمعات الأعضاء التي شملتها الاستطلاعات. لكنها تعني أن الفرق اتسع بين الحاجة إلى القوة الأمريكية والرضا عن قيادتها، وبين الخوف من بدائلها والثقة بها. وقد يكون هذا أخطر على الإمبراطورية من العداء الصريح؛ لأن العدو معروف، أما الحليف الذي يحتاج إليك ولا يثق بك فيبني بديله في صمت. يشاركك اليوم لأنه لا يستطيع الاستغناء، ويستثمر في الغد كي يستطيع.
ومن هنا يبلغ المشروع كله سؤاله الأخلاقي الأخير؛ هل الغاية أن تبقى أمريكا قوية، أم أن تبقى مسيطرة؟ بين الأمرين مسافةٌ تبدو صغيرةً في اللغة، لكنها تصنع فرقًا بين الدولة والإمبراطورية. القوة تستطيع أن تتعايش مع قوة الآخرين، وأن ترى ازدهار الشريك إضافةً إلى استقرار النظام. أما السيطرة فترى في كل قوةٍ أخرى خصمًا محتملًا، لأنها لا تطمئن إلا حين يكون الآخر محتاجًا أو عاجزًا. فالدولة الواثقة تبحث عن التوازن؛ تعرف أن مصالحها لا تتحقق دائمًا بالطاعة، وأن النظام المستقر يحتاج إلى تنازلاتٍ متبادلة. أما الإمبراطورية القلقة فتبحث عن الولاء، وتتعامل مع التسوية بوصفها إقرارًا بالضعف، ومع الاستقلال بوصفه تمردًا، ومع المساواة القانونية بوصفها إنكارًا لمكانتها.
“القوة تستطيع أن تتعايش مع قوة الآخرين، أما السيطرة فترى في كل قوة أخرى خصمًا محتملًا.”
الدولة تحتاج إلى مواطنين؛ أفرادٍ يثقون بأن الدولة تمثلهم، وأن المال العام يعود إلى مصالحهم، وأن الحرب تُخاض لحمايتهم لا لحماية هيبةٍ مجردة. أما الإمبراطورية فتحتاج إلى أعداء دائمين؛ لأن الانتشار والاستثناء والسرية والإنفاق لا تستمر بلا خطرٍ لا ينتهي. وإذا اختفى العدو، اتسع تعريف التهديد حتى يدخل فيه المنافس والحليف المستقل والتقنية الأجنبية والسوق غير الخاضعة. وحين تبتلع شهوة السيطرة الدولة، يصبح المواطن جنديًّا أو ممولًا في مشروعٍ لم يعد يستطيع تحديد غايته. يُطلب منه أن يضحي بحريته للأمن، وبالاستثمار الداخلي للانتشار، وبالحقيقة للسرية، ثم يُقال له إن كل ذلك ثمنٌ لازم لبقاء العظمة. لكن العظمة التي تحتاج إلى إضعاف المواطن كي تستمر ليست قوة الدولة، بل قوة العرش فوقها.
إن الولايات المتحدة تستطيع أن تبقى أمةً كبرى من غير إمبراطورية؛ بل قد يكون انتهاء الإمبراطورية شرطًا لبقائها قوية. تستطيع أن تكون صاحبة أحد أعظم الجيوش والاقتصادات والجامعات، وأن تقود تحالفاتٍ ومؤسسات، من غير أن تعتبر نفسها القانون الكوني أو المالك الطبيعي للنظام. لكن ذلك يحتاج إلى شجاعةٍ أندر من شجاعة الحرب؛ شجاعة التنازل عن الامتياز قبل أن يُنتزع، والاعتراف بالحدود قبل أن تفرضها الهزيمة، وقبول أن العالم لا يصبح معاديًا لمجرد أنه لم يعد تابعًا. فالقوة المعتادة على العرش ترى النزول عنه سقوطًا، ولو وجدت تحت العرش أرضًا واسعة تستطيع أن تقف عليها بثبات. وتظل تتشبثخشبه وذهبه حتى يتحول التاج من زينةٍ فوق الرأس إلى حجرٍ يسحق الجسد.
وقد يكون الامتحان الأخير لأمريكا ليس هل تستطيع أن تهزم منافسيها، بل هل تستطيع أن تهزم داخلها الاعتقاد بأن قوتها لا معنى لها ما لم تمنحها حق السيطرة عليهم. فإن فعلت، خرجت من الإمبراطورية إلى دولةٍ عظمى أكثر حكمة، واستبدلت بطاعة الآخرين شراكتهم، وبوحشة الهيمنة أمن التوازن، وبالاستثناء شرعية القانون. وإن عجزت، فقد لا يسقطها خصمٌ واحد، لكنها ستستهلك ذاتها في حراسة عرشٍ يبتعد عنه العالم، حتى تنفق الدولة مستقبلها كله دفاعًا عن ماضٍ لم يعد قابلًا للحياة. وعليه؛ فليست نهاية الإمبراطورية الأمريكية نهاية أمريكا إذن؛ قد تكون اللحظة التي تسترد فيها الدولة نفسها من فم الإمبراطورية، ويعود السيف إلى غمده، والقانون إلى مكانه فوق الحاكم والمحكوم، والقوة إلى معناها الأول؛ قدرةً على حماية الحياة، لا شهوةً للسيادة عليها.
