قلب واحد لا ينصفك
أَعْتَرِفُ بِأَنَّنِي لَسْتُ نِدَّكِ فِي الغَرَامِ، وَلَا فِي الكَلَامِ، وَلَا حَتَّى فِي الخِصَامِ؛ فَأَنَا، مَهْمَا أَجَدْتُ الحُبَّ، لَا أَبْلُغُ مِنْهُ مَبْلَغَكِ، وَمَهْمَا اسْتَنْفَرْتُ جُنُودَ اللُّغَةِ، عَادَتْ حُرُوفِي مِنْ حَضْرَتِكِ أَسْرَى، وَمَهْمَا تَذَرَّعْتُ فِي العِتَابِ بِكِبْرِيَاءِ القَلْبِ، هَزَمَنِي خِصَامُكِ بِرِقَّتِهِ، وَرَدَّنِي إِلَيْكِ أَكْثَرَ شَوْقًا مِمَّا كُنْتُ، وَأَضْعَفَ عَتْبًا مِمَّا أَرَدْتُ.
أَعْتَرِفُ أَنَّ غَرَامَكِ أَرْحَبُ مِنْ خَيَالِي، وَأَعْمَقُ مِنْ مَدَى قَلْبِي، وَأَبْيَضُ مِنْ أَنْ تَلْحَقَ بِطُهْرِهِ أَلْوَانُ الوَصْفِ. يَمْتَدُّ فِي مَسَافَاتٍ لَا تَعْرِفُهَا خَرَائِطُ العَاشِقِينَ، وَيَفْتَحُ فِي الصِّدْقِ سُهُولًا لَمْ تَطَأْهَا خُطَى الظُّنُونِ، وَفِي التَّفَانِي أَرْضًا لَا يَضِيقُ فِيهَا العَطَاءُ بِمَا أَعْطَى، وَلَا يَمُنُّ القَلْبُ عَلَى مَنْ أَحَبَّ بِمَا بَذَلَ. وَكُلَّمَا حَلَّقْتُ لأَبْلُغَ ذُرَاهُ، وَجَدْتُ أَجْنِحَةَ غَرَامِي تَتَقَاصَرُ دُونَ فَضَائِكِ، وَرَأَيْتُ قَلْبِي، عَلَى سَعَتِهِ، طَائِرًا صَغِيرًا يَدُورُ فِي مَدَارٍ مِنْ مَدَارَاتِكِ، ثُمَّ يَرْفَعُ عَيْنَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي فِيكِ، فَيَعْلَمُ أَنَّ مَا سَمَّاهُ طَيَرَانًا لَمْ يَكُنْ إِلَّا رَفْرَفَةً أُولَى عَلَى عَتَبَةِ التَّحْلِيقِ.
غَرَامُكِ لَا يَزُورُ القَلْبَ زِيَارَةَ طَيْفٍ عَابِرٍ، وَلَا يَمُرُّ بِالرُّوحِ مَرُورَ نَسِيمٍ يَعْبَثُ بِالسَّتَائِرِ؛ إِنَّهُ يَدْخُلُ أَعْمَاقِي دُخُولَ الجُذُورِ فِي أُمُومَةِ التُّرَابِ، وَيَتَشَعَّبُ فِيَّ حَتَّى يَغْدُوَ لِنَبْضِي نَبْضًا، وَلِحَيَاتِي سِرًّا، وَلِلأَيَّامِ الَّتِي تَمُرُّ بِي مَعْنًى يَحْرُسُهَا مِنَ العُبُورِ الفَارِغِ. تُحِبِّينَنِي كَأَنَّكِ تَرُدِّينَ إِلَى قَلْبِي مَا سَرَقَتْهُ مِنْهُ الطُّرُقُ؛ تَلُمِّينَ شَتَاتَهُ مِنْ مَنَافِي الخَيْبَةِ، وَتَغْسِلِينَ عَنْ مَلَامِحِهِ غُبَارَ المَسَافَاتِ، وَتُعِيدِينَ إِلَى أَشْيَائِهِ أَسْمَاءَهَا. فَيَصِيرُ الخَوْفُ فِي حَضْرَتِكِ حَذَرًا نَبِيلًا، وَالوَحْشَةُ حَنِينًا، وَالتَّعَبُ سُلَّمًا يَقُودُ إِلَى رَاحَةٍ تَحْمِلُ شَيْئًا مِنْ يَدَيْكِ. وَأَنَا أُحِبُّكِ بِمَا أَمْلِكُ مِنْ قَلْبٍ، وَأَنْتِ تُحِبِّينَنِي بِمَا تَمْلِكُ القُلُوبُ كُلُّهَا مِنْ مَوَاهِبِ الحَنَانِ. أَمُدُّ إِلَيْكِ كَفًّا مِنَ الشَّوْقِ، فَتَفْتَحِينَ لِي ذِرَاعَيْنِ مِنَ الوَفَاءِ؛ أَجِيئُكِ بِزَهْرَةٍ، فَتُعِيدِينَنِي بُسْتَانًا؛ وَأَسْقِيكِ مِنْ قَطْرَةِ رُوحِي، فَتَرُدِّينَنِي نَهْرًا لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَنْضُبُ.
وَلَسْتُ نِدَّكِ فِي الكَلَامِ؛ فَكَلَامُكِ لَا أَلَذُّ مِنْهُ وَلَا أَشْهَى، كَأَنَّ الحُرُوفَ حِينَ تَمُرُّ بِشَفَتَيْكِ تُنْقَعُ فِي سُلَافَةِ الوَلَهِ، وَتُعَتَّقُ فِي قَوَارِيرِ الحَنَانِ، ثُمَّ تَصِلُ إِلَيَّ وَفِي كُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا سَكْرَةٌ وَصَحْوَةٌ، وَوَعْدٌ وَوَجْدٌ، وَمَاءٌ يَزِيدُ ظَمَأَ الرُّوحِ كُلَّمَا رَوَاهَا. كَلَامُكِ يَغْلِبُ شِعْرِي، وَيَسْبِي مَشَاعِرِي، وَيُلْجِمُ لِسَانِي الَّذِي طَالَمَا خِلْتُهُ فِي البَيَانِ فَارِسًا لَا يُشَقُّ لَهُ غُبَارٌ. فَإِذَا حَدَّثْتِنِي، تَرَجَّلَتْ قَصَائِدِي عَنْ صَهَوَاتِهَا، وَأَلْقَتْ بَيْنَ يَدَيِكِ سُيُوفَ القَوَافِي، وَاعْتَرَفَتْ أَنَّ كَلِمَةً وَاحِدَةً مِنْكِ قَدْ تَفْعَلُ فِيَّ مَا لَا تَفْعَلُهُ دَوَاوِينُ مِنَ الفَصَاحَةِ.
فِي صَوْتِكِ مَا يَجْعَلُ المَعْنَى أَلْيَنَ مِنَ الحَرِيرِ، وَأَنْفَذَ مِنَ العِطْرِ، وَأَبْقَى مِنَ النَّقْشِ فِي جَوْهَرِ الحَجَرِ. تَقُولِينَ الكَلِمَةَ فَتَدْخُلُ القَلْبَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْتَأْذِنَ، ثُمَّ تُقِيمُ فِيهِ كَأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ أَثَاثِهِ القَدِيمِ؛ وَتَسْكُتِينَ فَيَتَّسِعُ صَمْتُكِ لِمَا لَا تَسَعُهُ اللُّغَةُ، حَتَّى أَكَادُ أَسْمَعُ فِي سُكُونِكِ كَلَامًا يَرْتَبِكُ البَيَانُ إِذَا حَاوَلَ تَرْجَمَتَهُ.
يُثْمِلُنِي كَلَامُكِ، وَلَكِنَّهُ إِذَا غَابَ لَمْ يَتْرُكْ فِي الرُّوحِ صَحْوًا؛ بَلْ يَتْرُكُهَا أَشَدَّ ظَمَأً، كَأَنَّ الحُرُوفَ الَّتِي شَرِبَتْهَا لَمْ تَكُنْ مَاءً، بَلْ مِلْحًا عَذْبًا يَغْرِي العَطَشَ بِمَزِيدٍ مِنَ الشُّرْبِ. وَكُلَّمَا انْقَضَى حَدِيثُكِ، بَقِيَ صَدَاهُ يَطُوفُ فِي دَاخِلِي، يَسْتَعِيدُ نَبْرَتَكِ، وَيُقَلِّبُ حُرُوفَكِ عَلَى جَمْرِ الحَنِينِ، حَتَّى يُعِيدَهَا إِلَيَّ أَشَدَّ حَرَارَةً مِمَّا كَانَتْ.
وَلَسْتُ نِدَّكِ فِي الخِصَامِ؛ فَخِصَامُكِ عَذْبٌ كَرِضَاكِ، وَبُعْدُكِ فِيهِ لَوْنٌ آخَرُ مِنَ القُرْبِ. تَغْضَبِينَ فَلَا يَذْبُلُ فِي غَضَبِكِ الوُدُّ، وَتَعْتَبِينَ فَلَا يَتَحَوَّلُ العِتَابُ فِي فَمِكِ سِكِّينًا، وَتَبْتَعِدِينَ خُطْوَةً فَتَقْتَرِبُ مِنِّي رُوحُكِ مَسَافَاتٍ؛ كَأَنَّ الخِصَامَ عِنْدَكِ سَحَابَةٌ تَرْعَدُ لِتُمْطِرَ، لَا لِتَحْجُبَ عَنِ الحَدِيقَةِ سَمَاءَهَا.
خِصَامُكِ لَا يَزِيدُ القُلُوبَ إِلَّا قُرْبًا، وَلَا النَّزَقَ إِلَّا أَلَقًا؛ تَشْتَعِلُ فِيهِ شُعْلَةُ العَتَبِ، فَلَا تَحْرِقُ مِنَّا إِلَّا مَا عَلِقَ بِالحُبِّ مِنْ غُبَارِ السَّهْوِ. وَمَا يَنْقَضِي حَتَّى تَكُونَ الرُّوحُ قَدْ ذَابَتْ شَوْقًا، وَالشَّوْقُ قَدِ اسْتَحَالَ تَوْقًا، وَالتَّوْقُ قَدْ أَثْمَرَ سَعَادَةً تَبْقَى حَلَاوَتُهَا فِي شِغَافِ الفُؤَادِ، كَمَا يَبْقَى فِي كَأْسِ العَسَلِ عِطْرُ الزَّهْرِ بَعْدَ أَنْ تَغِيبَ الحَدَائِقُ. نَخْتَصِمُ فَتَسْقُطُ مِنَّا القُشُورُ وَيَبْقَى الجَوْهَرُ؛ وَنَعْتَبُ فَيَرْتَفِعُ مِنْ بَيْنِ كَلِمَاتِنَا جِسْرٌ كُنَّا نَظُنُّ أَنَّ العِتَابَ جَاءَ لِيَهْدِمَهُ. وَكَمْ مِنْ خِصَامٍ بَيْنَنَا كَانَ رَحْلَةً مُلْتَوِيَةً إِلَى العِنَاقِ، وَكَمْ مِنْ صَمْتٍ ظَنَنَّاهُ جَفَاءً، ثُمَّ وَجَدْنَا فِي آخِرِهِ قَلْبَيْنِ يَتَعَلَّمُ كُلٌّ مِنْهُمَا لُغَةَ الآخَرِ مِنْ جَدِيدٍ.
وَحِينَ أُقَارِنُ قَلْبِي بِقَلْبِكِ، أَجِدُنِي أَظْلِمُكِ حَتَّى وَأَنَا أُحِبُّكِ. فَلَيْسَ مِنَ الإِنْصَافِ أَنْ يَعْشَقَكِ قَلْبٌ وَاحِدٌ، مَهْمَا كَبُرَ وَاتَّسَعَ لِمَشَاعِرِ الكَوْنِ الجَمِيلَةِ؛ فَمَاذَا يَصْنَعُ قَلْبٌ وَاحِدٌ أَمَامَ امْرَأَةٍ يَحْتَاجُ كُلُّ خُلُقٍ فِيهَا إِلَى قَلْبٍ مُسْتَقِلٍّ لِيُحِبَّهُ؟ أَيَكْفِي قَلْبٌ وَاحِدٌ لِطُهْرِكِ وَحْدَهُ؟ وَأَيَكْفِي لِرِقَّتِكِ، وَلِوَفَائِكِ، وَلِذَلِكَ الحَنَانِ الَّذِي يَتَّسِعُ لِتَعَبِي حِينَ تَضِيقُ بِيَ الدُّنْيَا؟ أَيَكْفِي لِصَوْتِكِ حِينَ يَرُدُّ إِلَى فَوْضَايَ سَكِينَتَهَا، وَلِعَيْنَيْكِ حِينَ تُعِيدَانِ تَرْتِيبَ العَالَمِ فِي نَظْرَةٍ، وَلِخِصَامِكِ حِينَ يُثْمِرُ مِنَ الوُدِّ أَكْثَرَ مِمَّا تُثْمِرُهُ مُصَالَحَاتُ الآخَرِينَ؟
لَيْتَ لِي فِي صَدْرِي قُلُوبَ البَشَرِ جَمِيعًا؛ قَلْبَ أُمٍّ لِأَحْتَوِيَكِ بِرَأْفَةٍ لَا تَكِلُّ، وَقَلْبَ طِفْلٍ لِأُحِبَّكِ بِدَهْشَةٍ لَا تَشِيخُ، وَقَلْبَ شَاعِرٍ لِأَنْثُرَ عَلَى خُطَاكِ مَا يَلِيقُ بِهَا مِنْ بَيَانٍ، وَقَلْبَ حَكِيمٍ لأَصُونَ مَا بَيْنَنَا مِنْ نَزَقِ السَّاعَاتِ، وَقَلْبَ فَارِسٍ لأَحْرُسَ وُدَّكِ مِنْ رِيَاحِ الفُتُورِ، وَقَلْبَ ناسِكٍ لأَخْلُصَ لَكِ مِنْ كُلِّ شَائِبَةٍ تُنْقِصُ الحُبَّ مِنْ نُبْلِهِ. لَيْتَ لِي قَلْبًا لِكُلِّ ابْتِسَامَةٍ مِنْكِ، وَقَلْبًا لِكُلِّ دَمْعَةٍ أَخْفَيْتِهَا، وَقَلْبًا لِكُلِّ مَرَّةٍ آثَرْتِ فِيهَا الوِدَّ عَلَى الغَضَبِ، وَقَلْبًا لِكُلِّ صَمْتٍ حَمَلْتِ فِيهِ مَا كَانَ يَكْفِي لِيَضِيقَ بِهِ الكَلَامُ. لَيْتَ لِي مِنَ القُلُوبِ عَدَدُ مَا فِي السَّمَاءِ مِنْ مَدَارٍ، وَمَا فِي البَحْرِ مِنْ قَطْرَةٍ، وَمَا فِي الحَقْلِ مِنْ سُنْبُلَةٍ؛ فَلَعَلِّي أُوَزِّعُ عَلَيْهَا مَحَاسِنَكِ، فَلَا يَتْعَبُ هَذَا القَلْبُ الوَاحِدُ مِنْ مُحَاوَلَةِ احْتِوَاءِ مَا لَا يُحْتَوَى.
غَيْرَ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ قُلُوبَ البَشَرِ كُلَّهَا، لَوِ اجْتَمَعَتْ فِي صَدْرِي، لَمَا أَنْصَفَتْكِ؛ لأَنَّ الإِنْصَافَ فِي الحُبِّ لَا يُقَاسُ بِكَثْرَةِ القُلُوبِ، بَلْ بِصِدْقِ القَلْبِ حِينَ يَخْلُصُ، وَبِثَبَاتِهِ حِينَ تَضْطَرِبُ الطُّرُقُ، وَبِحِفْظِهِ مَنْ يُحِبُّ فِي حَضْرَتِهِ وَغَيْبَتِهِ، وَبِقُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ سَكَنًا لَا سِجْنًا، وَجَنَاحًا لَا قَيْدًا. لِذَلِكَ أَعْتَرِفُ، وَفِي الِاعْتِرَافِ مَا فِيهِ مِنْ هَزِيمَةٍ عَذْبَةٍ: لَسْتُ نِدَّكِ فِي الغَرَامِ، فَغَرَامُكِ أَرْحَبُ؛ وَلَا فِي الكَلَامِ، فَكَلَامُكِ أَعْذَبُ؛ وَلَا فِي الخِصَامِ، فَخِصَامُكِ أَقْرَبُ إِلَى الوِصَالِ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الرِّضَا. وَلَكِنِّي سَأَظَلُّ أَتَعَلَّمُ مِنْكِ الحُبَّ كَمَا يَتَعَلَّمُ النَّهْرُ مِنَ البَحْرِ سَعَةَ المَدَى، وَكَمَا تَتَعَلَّمُ البُذُورُ مِنَ المَطَرِ سِرَّ النَّمَاءِ. سَأَظَلُّ أُرَبِّي قَلْبِي عَلَى مَقَامِكِ، وَأُهَذِّبُ كَلَامِي لِيَلِيقَ بِسَمْعِكِ، وَأَغْسِلُ خِصَامِي مِنْ كُلِّ مَا لَا يَشْبَهُ نُبْلَ خِصَامِكِ.
وَسَأَبْقَى أَرْجُو أَنْ أُنْصِفَكِ مِنَ القَلْبِ يَوْمًا، وَإِنْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ اليَوْمَ الَّذِي يَبْلُغُ فِيهِ حُبِّي قَدْرَكِ لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ؛ فَكُلَّمَا اتَّسَعَ القَلْبُ لَكِ، اتَّسَعْتِ فِيهِ، وَكُلَّمَا ظَنَّ أَنَّهُ أَحَاطَ بِمَدَاكِ، فَتَحْتِ لَهُ مِنْكِ مَدًى آخَرَ. فَكَيْفَ يُنْصِفُكِ قَلْبٌ، وَأَنْتِ كُلَّمَا ازْدَادَ حُبًّا، ازْدَدْتِ فَوْقَ الحُبِّ اسْتِحْقَاقًا وَقُرْبًا؟
