بين غمامتين
غَيْرَ بَعِيدٍ عَنِ الجَانِبِ الأُنْسِيِّ مِنْ صَفْحَةِ الذِّكْرَى، وَعَلَى قَابِ شَهْقَتَيْنِ مِنْ حَنِينٍ، أَمْسَكَ الخَيَالُ بِرِيشَةِ الشَّوْقِ، يَرْسُمُ فِي شُجُونِ السُّهْدِ بَهْجَةَ طَيْفٍ لَطِيفٍ، وَيَنْسُجُ مِنْ شُؤُونِ الوَجْدِ عَوَالِمَ مِنْ حُلْمٍ مُسَافِرٍ إِلَى حَيْثُ لَا وَاقِعَ يُوقِظُهُ، وَلَا رَادِعَ يَعِظُهُ، وَلَا صُرُوفَ تُرْهِقُهُ بِرَسْفِ زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ. كَأَنَّمَا انْفَلَتَ الحُلْمُ مِنْ أَسْرِ السَّاعَاتِ، وَخَلَعَ عَنْ خُطَاهُ أَغْلَالَ الجِهَاتِ، فَمَا عَادَ يَعْرِفُ لِلْمَسَافَةِ حَدًّا، وَلَا لِلْمُسْتَحِيلِ سَدًّا، وَلَا لِلزَّمَنِ عَلَيْهِ يَدًا.
هِيَ صَفْحَةٌ تُزْهِرُ الدُّرُوبُ فِي رَبْوَتِهَا بَسَاتِينَ لَوْزٍ وَكَرَزٍ، وَتَعْبَقُ الغُيُوبُ فِي رَوْضَتِهَا رَيَاحِينَ نَرْجِسٍ وَيَاسَمِينٍ، وَتَتَعَانَقُ القُلُوبُ فِي صَبْوَتِهَا تَعَانُقَ نُورٍ وَنَوَّارٍ، وَتَصَافُحَ زَهْرِ تُفَّاحٍ وَجُلَّنَارٍ. وَتَتَدَلَّى مِنْ أَغْصَانِهَا أُمْنِيَاتٌ نَضِرَةٌ لَمْ تَمَسَّهَا يَدُ الخَيْبَةِ، وَلَمْ يَعْلَقْ بِأَهْدَابِهَا غُبَارُ الِانْتِظَارِ؛ كَأَنَّهَا خُلِقَتْ فِي لَحْظَةٍ سَبَقَتْ خَطِيئَةَ الفَقْدِ، وَنَجَتْ مِنْ مَكْرِ الأَيَّامِ قَبْلَ أَنْ تَتَعَلَّمَ الأَيَّامُ كَيْفَ تَسْلُبُ الحَالِمِينَ أَجْمَلَ مَا يَرَوْنَ.
وَعَلَى حِينِ بَسْمَةٍ مِنْ أَنِينٍ، تَتَسَرَّبُ فِي خَلَايَا الصَّمْتِ رَجْفَةُ تَوْقٍ وَلَهْفَةُ حَنِينٍ، تُمَسِّدُ تَجَاعِيدَ المَشَاعِرِ بِكَفِّ الهَمْسَةِ الحَانِيَةِ، وَتَنْفُضُ عَنْ كَاهِلِ الرُّوحِ رَمَادَ مَا احْتَمَلَتْهُ مِنْ خَيْبَاتٍ، ثُمَّ تَقُولُ لَكَ فِي لَهْجَةِ مَنْ أَعْيَاهُ الكِتْمَانُ فَلَمْ يَعُدْ يَمْلِكُ إِلَّا الحَقِيقَةَ: لَا حَيَاةَ لِي إِلَّا بِكَ، فَاتَّخِذْنِي؛ فَإِنَّ القَلْبَ الَّذِي أَضْنَتْهُ المَنَافِي لَا يَطْلُبُ مِنْكَ قَصْرًا، بَلْ نَافِذَةً يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا، وَلَا يَسْتَجْدِي مِنْكَ خُلُودًا، بَلْ لَحْظَةً صَادِقَةً تَعْدِلُ عُمْرًا مِنَ التِّيهِ.
إِنَّهُ الحُلْمُ، أَيَّتُهَا الحَبِيبَةُ؛ يَسْكُنُنَا حِينَ نَغْفُو، وَنَسْكُنُهُ حِينَ نَصْحُو، وَيَظَلُّ بَيْنَ اليَقَظَةِ وَالمَنَامِ بَرْزَخًا شَفِيفًا، تَعْبُرُهُ أَرْوَاحُنَا لَا تَبْغِي عَنْهُ حِوَلًا. يُغْرِينَا لِنَغْرَقَ فِي عَمِيقِ بَحْرِهِ طَلَبًا لِلنَّجَاةِ، وَيُغْوِينَا لِنَغْبِقَ مِنْ رَحِيقِ سِحْرِهِ أَمَلًا فِي الحَيَاةِ، وَيُؤْوِينَا لِنُطْرِقَ فِي جَلِيلِ صَمْتِهِ عَوْذًا مِنْ عِيِّ اللُّغَاتِ، حِينَ تَضِيقُ الحُرُوفُ عَمَّا يَفِيضُ بِهِ الجَنَانُ، وَيَغْدُو الصَّمْتُ أَبْلَغَ مِنْ بَيَانٍ أَعْيَاهُ البَيَانُ.
وَلَا يَنْفَكُّ الحُلْمُ يَحْمِلُنَا بِأَجْنِحَةٍ شَفِيفَةٍ إِلَى آفَاقٍ مُمْتَدَّةٍ مِنْ أُمْنِيَاتٍ حَائِرَةٍ، وَاحْتِدَامَاتٍ بِالعِشْقِ ثَائِرَةٍ، وَابْتِهَالَاتٍ مِنْ بَقَايَا شَفَقٍ حَزِينٍ؛ كَأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ فِي القَلْبِ فَرَاغًا لَا يَمْلَؤُهُ الوَاقِعُ، وَأَنَّ فِي الرُّوحِ نَافِذَةً لَا تُطِلُّ إِلَّا عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ بَعْدُ. وَرُبَّ حُلْمٍ كَانَ أَصْدَقَ مِنْ وَاقِعٍ مُزَيَّفٍ، وَرُبَّ وَهْمٍ نَبِيلٍ أَحْيَا فِي الإِنْسَانِ مَا أَمَاتَتْهُ حَقَائِقُ الأَيَّامِ الجَافَّةُ.
وَإِذْ سَأَلْتِنِي ذَاتَ بَوْحٍ عَنْ رَسِيسِ التَّوْقِ فِي قَلْبِ وَامِقٍ، وَحَسِيسِ الشَّوْقِ فِي صَدْرِ عَاشِقٍ، فَجَعَلْتُنِي أَعْصِرُ مِنْ شَغَافِ القَلْبِ أَعْنَابًا مِنْ غَرْسِ حَنَانِكِ، وَأَسْكُبُ فِي أُذُنَيْكِ سُلَافَ هَمْسٍ مِنْ رِقَّةِ جَنَانِكِ. فَمَا كَانَ الجَوَابُ عِنْدِي كَلِمَاتٍ تُقَالُ، بَلْ نَبْضًا يُسْتَنْزَفُ، وَرُوحًا تُعْصَرُ حَتَّى تَقْطُرَ مِنْهَا خَمْرَةُ الوَجْدِ صَافِيَةً، لَا يَشُوبُهَا زَيْفٌ وَلَا يَعْكُرُهَا تَصَنُّعٌ. حَتَّى إِذَا ادَّارَكَ فِي النَّفْسِ بَهِيُّ حُضُورِكِ، وَبَهِيجُ اقْتِبَالِكِ، تَاهَتْ بِيَ الكَلِمَاتُ تُلْهِينِي، وَهَامَتْ بِيَ النَّبَضَاتُ تُوهِينِي؛ فَأَقْبِلُ عَلَى الحَرْفِ وَاثِقًا، ثُمَّ أَرْتَدُّ عَنْهُ مُرْتَبِكًا، كَأَنَّ لِحُضُورِكِ هَيْبَةً تُسْقِطُ عَنِ اللُّغَةِ دَعْوَاهَا، وَتَجْعَلُ البَلَاغَةَ نَفْسَهَا تَقِفُ عِنْدَ أَعْتَابِكِ مُطْرِقَةً، تَخْشَى أَنْ تَقُولَ فِيكِ شَيْئًا فَتَنْقُصَكِ، أَوْ تَصِفَ مِنْكِ مَعْنًى فَتَحْبِسَهُ فِي حُدُودِ الوَصْفِ.
وَأَنَا لَا أَزَالُ عَلَى أُرْجُوحَةِ الحُلْمِ عَاكِفًا، تَهُزُّنِي بِالخصْبِ حِينًا، وَتَؤُزُّنِي بِالجَدْبِ حِينًا؛ تَرْفَعُنِي إِلَى حَيْثُ أَرَاكِ أَقْرَبَ مِنْ نَفَسِي، ثُمَّ تَهْبِطُ بِي إِلَى حَيْثُ لَا أَلْمَحُ مِنْكِ إِلَّا طَيْفًا يَمُرُّ عَلَى مَشَارِفِ الرُّوحِ وَلَا يُقِيمُ. وَأَنْهَمِرُ مِلْءَ كَفَّيْكِ اشْتِيَاقًا، وَأَنْتِ بَيْنَ يَدَيَّ فَرَاشَةٌ حَائِمَةٌ عَلَى قَنَادِيلِ الرُّوحِ؛ أَخْشَى إِنْ مَدَدْتُ يَدِي أَنْ أُفْزِعَ جَنَاحَيْكِ، وَأَخْشَى إِنْ تَرَكْتُكِ أَنْ تَحْمِلَكِ رِيحٌ لَا تَعْرِفُ قَدْرَ مَا تَحْمِلُ.
وَإِذْ سَأَلْتِنِي: مَا الحُبُّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَقَاءً وَوَفَاءً وَلِقَاءً وَعَطَاءً؟ مَا الحُبُّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَنْتَ؟
وَأَقُولُ: الحُبُّ فَوْقَ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ بَلْ هُوَ فَوْقَ الحَيَاةِ، وَدُونَكِ أَنْتِ. ذَلِكَ أَنَّ لِلحَيَاةِ أَجَلًا تَنْقَضِي بَعْدَهُ، وَلِلْحُبِّ الصَّادِقِ سِمَةَ الخُلُودِ وَمَعْنَى الوُجُودِ. وَهُوَ، عَلَى غَيْرِ سَمْتِ الحَيَاةِ، لَا تَحُدُّهُ حُدُودٌ، وَلَا تُقَيِّدُهُ قُيُودٌ، وَلَا تُبْلِيهِ السِّنُونُ إِذَا صَحَّ جَوْهَرُهُ وَطَابَ مَعْدِنُهُ؛ فَإِنَّ الأَجْسَادَ تَهْرَمُ، وَالمَوَاسِمَ تَذْبُلُ، وَالأَمَاكِنَ تَتَبَدَّلُ، أَمَّا الحُبُّ الَّذِي أَخْلَصَ لِمَعْنَاهُ فَيَبْقَى فِي الرُّوحِ كَنَقْشٍ لَا تَمْحُوهُ عَوَادِي الزَّمَنِ.
الحُبُّ، إِنْ صَحَّ، غَدَا جِرْمًا نُورَانِيًّا يَدْنُو لِيُرَبِّتَ بِرِفْقٍ عَلَى كَتِفِ الرُّوحِ، وَيَبْعَثَهَا مِنْ غَيَاهِبِ الِانْطِوَاءِ؛ يُطَهِّرُهَا وَيُحْيِيهَا مِنْ جَدِيدٍ، وَيَرُدُّ إِلَيْهَا مَا افْتَرَسَتْهُ مِنْهَا مَخَالِبُ الخَيْبَةِ. هُوَ أَنْ يَنْظُرَ الإِنْسَانُ فِي مِرْآةِ مَنْ يُحِبُّ، فَلَا يَرَى وَجْهَهُ كَمَا كَانَ، بَلْ كَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ؛ أَصْفَى نَفْسًا، وَأَرَقَّ شُعُورًا، وَأَوْفَى عَهْدًا، وَأَقْدَرَ عَلَى أَنْ يَحْمِلَ الحَيَاةَ دُونَ أَنْ تَسْحَقَهُ أَثْقَالُهَا.
الحُبُّ لَيْسَ أَنْ نَهْرُبَ مِنَ الوَاقِعِ إِلَى الحُلْمِ، بَلْ أَنْ نَعُودَ مِنَ الحُلْمِ وَفِي أَيْدِينَا مَا نُصْلِحُ بِهِ الوَاقِعَ؛ وَلَيْسَ أَنْ نَفْنَى فِي مَنْ نُحِبُّ حَتَّى نَفْقِدَ أَنْفُسَنَا، بَلْ أَنْ نَجِدَ فِيهِ أَنْفُسَنَا الَّتِي أَضَاعَتْهَا مِنَّا المَنَافِي. هُوَ أَنْ يَكُونَ القُرْبُ حُرِّيَّةً، وَالبُعْدُ وَفَاءً، وَالصَّمْتُ إِصْغَاءً، وَالكَلَامُ مِيثَاقًا، وَأَنْ يَصِيرَ قَلْبُ كُلٍّ مِنَّا لِلآخَرِ مَأْوًى لَا مَنْفًى، وَسَكِينَةً لَا مَحْكَمَةً، وَمَوْطِنًا لَا قَيْدًا.
أَتَذَكَّرُ إِذْ قُلْتُ لَكِ يَوْمًا، وَقَدْ بَلَغَ مِنِّي الشَّوْقُ مَبْلَغَهُ وَأَنْتِ أَمَامِي؛ أَمُدُّ يَدِي فَأَلْمِسُكِ، وَأُغْمِضُ عَيْنِي فَأَرَاكِ، وَأَهِمُّ بِكِ هَمَّ شَوْقٍ، فَتَهُمِّينَ بِي هَمَّ رِفْقٍ:
سَأَخْطِفُكِ إِلَى عَالَمٍ مِنْ حُلْمٍ، أَبْنِي لَكِ فِيهِ قَصْرًا مِنْ سُرُورٍ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ نُورٍ، وَأَمُدُّ لَكِ مِلْءَ خَاطِرِي غَابَاتٍ مِنْ شَجَرٍ وَزَهَرٍ، وَأَنْهَارًا مِنْ زُلَالِ مَشَاعِرَ وَسَلْسَبِيلِ خَوَاطِرَ. وَأُفَجِّرُ لَكِ مِنْ بُرُوجِ الحَرْفِ يَنْبُوعًا، وَأَغْرِسُ عَلَى ضِفَافِهِ أَشْجَارًا تُثْمِرُ مَا تَشْتَهِيهِ الرُّوحُ مِنْ مَوَدَّةٍ وَأَمَانٍ، وَأَجْعَلُ لَكِ مِنْ كُلِّ نَافِذَةٍ أُفُقًا، وَمِنْ كُلِّ شُرْفَةٍ مَوْعِدًا مَعَ البَهْجَةِ. وَأُهْدِي لَكِ بُحَيْرَةَ إِوَزٍّ وَبَجَعٍ، نَلْهُو عَلَى شُطْآنِهَا، وَنُرَاقِبُ المَاءَ وَهُوَ يَكْتُبُ عَلَى صَفْحَتِهِ حِكَايَةَ قَلْبَيْنِ نَجَوَا مِنْ يَبَاسِ الأَيَّامِ، وَنُمَارِسُ فِي دَهْشَتِهَا طُقُوسَ العِشْقِ جُنُونًا، وَطُهْرَ الحُبِّ فُنُونًا. نَفْرِشُ لِخُطَانَا مِنْ حَرِيرِ المَوْجِ طَرِيقًا، وَنَتَّخِذُ مِنْ أَجْنِحَةِ البَجَعِ أَشْرِعَةً، وَنَمْضِي حَيْثُ لَا يَسْأَلُنَا الوَقْتُ: مَتَى تَعُودَانِ؟ وَلَا يَقُولُ لَنَا العُمْرُ: كَفَاكُمَا حُلْمًا!
وَضَحِكْتُ؛ إِذْ كَيْفَ لِمَخْطُوفٍ بِلَا فِدْيَةٍ أَنْ يَخْطِفَ، وَكَيْفَ لِمَسْلُوبٍ بِلَا مُدْيَةٍ أَنْ يَسْلُبَ؟ وَكَيْفَ لِمَنْ أَخَذْتِ مِنْهُ القَلْبَ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَيْكِ مُدَّعِيًا أَنَّهُ الآخِذُ؟ مَا كَانَ ذَلِكَ إِلَّا هَذَرًا جَمِيلًا مِنْ حُمَّى الفَقْدِ النَّاظِرِ، وَفَرَقِ الأَمَلِ النَّاضِرِ، وَلَهْفَةِ الِانْتِظَارِ لِحُلْمٍ آخَرَ قَرِيبٍ؛ حُلْمٍ أَعْرِفُ أَنِّي لَا أَخْطِفُكِ فِيهِ مِنَ العَالَمِ، بَلْ أَخْطِفُ لَكِ العَالَمَ مِنْ حَوْلِنَا، لِيَبْقَى لَنَا مِنْهُ مَا يَلِيقُ بِنَا فَقَطْ.
فَيَا أَيَّتُهَا الرُّوحُ السَّاهِرَةُ فِي ضِيَاءِ لَيْلِهَا المُغْدِقِ، الزَّاهِرَةُ فِي فَضَاءِ نَجْمِهَا المُشْرِقِ؛ إِلَامَ هَذَا المَوْتُ عِشْقًا فِي سُكُونٍ؟ إِلَامَ يَظَلُّ الحُبُّ فِي صَدْرَيْنَا كَائِنًا حَيًّا يَتَنَفَّسُ، ثُمَّ نُعَامِلُهُ كَسِرٍّ يَجِبُ أَنْ يُدْفَنَ؟ وَإِلَامَ نَحْرُسُ الحُلْمَ مِنَ الحَيَاةِ، كَأَنَّ الحَيَاةَ لَمْ تُخْلَقْ إِلَّا لِتَكُونَ امْتِحَانًا لِمَا نَحْلُمُ بِهِ؟
كُلَّمَا دَنَوْتِ زَادَكِ القُرْبُ نَأْيًا، وَكُلَّمَا حَدَوْتِ سَامَكِ الدَّرْبُ لَأْيًا؛ كَأَنَّ المَسَافَةَ بَيْنَنَا لَا تُقَاسُ بِالخُطَى، بَلْ بِمَا يَتَرَدَّدُ فِي القَلْبِ مِنْ خَوْفٍ، وَبِمَا يَحُولُ بَيْنَ البَوْحِ وَالبَوْحِ مِنْ كِبْرِيَاءٍ وَاحْتِرَاسٍ. وَتَظَلُّ تَخْتَبِئُ المَلَامِحُ بَيْنَ غَمَامَتَيْنِ؛ غَمَامَةٍ تُمَطِّرُ عَلَيْنَا مِنْ سَرَابِ الرَّجَاءِ، وَغَمَامَةٍ تَحْجُبُ عَنَّا مَا نَرْجُوهُ مِنْ سَحَابِ اللِقَاءِ.
وَبَيْنَ الغَمَامَتَيْنِ يَقِفُ الحُلْمُ، لَا هُوَ هَبَطَ إِلَى الأَرْضِ فَصَارَ حَيَاةً، وَلَا هُوَ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ فَاسْتَرَاحَ مِنْ ثِقَلِ الِانْتِظَارِ. يَقِفُ كَطِفْلٍ عَلَى عَتَبَةٍ مُوصَدَةٍ، يَضَعُ أُذُنَهُ عَلَى البَابِ، وَيَسْمَعُ فِي الدَّاخِلِ خُطُوَاتِ مَنْ يُحِبُّ، ثُمَّ لَا يَدْرِي: أَيَطْرُقُ فَيُفْتَحُ لَهُ، أَمْ يَخْشَى أَنْ يَسْتَيْقِظَ مِنْ حُلْمِهِ عَلَى صَمْتٍ آخَرَ؟
فَتَعَالَيْ نُعْطِ الحُلُمَ حَقَّهُ فِي الحَيَاةِ، وَنُعْطِ الحَيَاةَ حَقَّهَا فِي الحُلُمِ. تَعَالَيْ لَا لِنَهْرُبَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، بَلْ لِنُنْقِذَ مَا فِينَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ. تَعَالَيْ نُزِيحُ الغَمَامَتَيْنِ عَنْ مَلَامِحِنَا، وَنَقِفْ أَمَامَ الحَقِيقَةِ قَلْبَيْنِ لَا يَسْتَتِرُ أَحَدُهُمَا مِنَ الآخَرِ، وَلَا يُؤَجِّلُ أَحَدُهُمَا مَا قَدْ يَصِيرُ غَدًا نَدَمًا؛ فَمَا الحُلْمُ، أَيَّتُهَا الحَبِيبَةُ، إِلَّا وَاقِعٌ لَمْ تُتَحْ لَهُ بَعْدُ شَجَاعَةُ المِيلَادِ؛ وَمَا الحُبُّ إِلَّا قَدَرٌ يَطْرُقُ أَبْوَابَنَا فِي رِفْقٍ، فَإِنْ أَطَلْنَا التَّرَدُّدَ، مَضَى وَتَرَكَ عَلَى العَتَبَةِ رَائِحَةَ حُلُمٍ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَهجَةَ مُهْجَةٍ وَرَوْنَقَ حَيَاةٍ.
