الأدبسرديات

الملح الرمادي

حينَ تَشَقَّقَتْ جُدْرانُ رُهاب، لم يَجْرُؤْ أحدٌ على تَسْمِيَةِ الأَمْرِ باسْمِهِ. قالَ البَنّاؤونَ: الحَجَرُ تَعِبَ. وقالَ الحُرّاسُ: بَرْدُ الشِّتاءِ قاسٍ هذا العامَ. وقالتِ النِّساءُ، وهُنَّ يُخْفينَ خَوْفَهُنَّ خَلْفَ جِرارِ الماءِ: لعلَّ الجيرَ لم يَثْبُتْ. أمّا كلمةُ الانْهِيارِ، فبَقِيَتْ مَحْبوسةً بينَ الأَسْنانِ؛ لأنَّ أهلَ المَدينةِ كانوا يُؤْمِنونَ أنَّ بعضَ الكلماتِ إذا خَرَجَتْ صارَتْ قَدَرًا.

كانتْ رُهابُ مدينةً بَيْضاءَ على كَتِفِ جَبَلٍ، عاليةً بما يَكْفي لِتَحْتَقِرَ الوادي، وقريبةً بما يَكْفي لِتَخافَهُ. بُيوتُها من حَجَرٍ أَمْلَسَ، وساحاتُها مَغْسولةٌ كلَّ صباحٍ، وأبوابُها ضَيِّقةٌ كأنَّها لا تُفْتَحُ للضَّيْفِ، بل تَسْمَحُ له بالعُبورِ مُكْرَهًا. لم تَكُنْ مدينةً فقيرةً ولا غَنِيَّةً؛ كانتْ مدينةً مُطَهَّرةً. حتّى الضَّحِكُ فيها كانَ يَخْفِضُ صَوْتَهُ، وحتّى الأطفالُ تَعَلَّموا أنْ يَرْكُضوا بلا غُبارٍ.

في أعلى رُهابَ كانَ يُقيمُ الشَّيخُ ناظِمٌ. لم يَلْبَسْ تاجًا، ولم يَحْتَجْ إلى تاجٍ. كانَ يَكْفي أنْ يَمُرَّ اسْمُهُ في مَجْلِسٍ حتّى تَسْتَقيمَ الظُّهورُ، وتَضيقَ الأصواتُ. قبلَ ثلاثينَ عامًا كانتِ المدينةُ مَفْتوحةً على الوادي؛ يَدْخُلُها الباعةُ، والمُغَنّونَ، والغُرَباءُ، والماءُ القادمُ من العُيونِ السُّفلى. كانتْ كثيرةَ الحركةِ، كثيرةَ الخِصامِ، كثيرةَ الحياةِ. ثم جاءَ ناظِمٌ بقانونِهِ الأبيضِ؛ أَغْلَقَ الأبوابَ السُّفلى، رَدَمَ مَجارِيَ الماءِ القديمةَ، مَنَعَ أهلَ الوادي من الصُّعودِ، ونَفى كلَّ مَنْ رأى في الاخْتِلاطِ رَحْمَةً لا عَيْبًا. قالَ يومَها جُمْلَتَهُ التي حَفِظَها الناسُ كما تَحْفَظُ المُدُنُ أسماءَ آبارِها: ما يَدْخُلُ من الطِّينِ يَخْرُجُ من الدَّمِ. وبعدَ أعوامٍ، سَكَنَ الصَّخَبُ، جَفَّتِ الرَّوائحُ، اسْتَقامَتِ الصُّفوفُ، وصارَتْ رُهابُ آمِنةً كَجَسَدٍ لا يَتَحَرَّكُ.

لكنَّ الحَجَرَ الذي صَمَتَ طويلًا بدأَ يَتَكَلَّمُ. ظَهَرَ أوَّلُ خَطٍّ في جِدارِ المَخْبَزِ، ثم في قَوْسِ المَسْجِدِ، ثم في سورِ الحَرَسِ الشَّرْقيِّ. كانَ الخَطُّ رَفيعًا في البَدْءِ كَخَدْشِ ظُفْرٍ، ثم صارَ يَتَّسِعُ ليلًا. وكلَّما حَشاهُ البَنّاؤونَ بالجيرِ الأبيضِ، عادَ في مَوْضِعٍ آخرَ، أعمقَ وأهدأَ، كأنَّهُ يَعْرِفُ طريقَهُ أكثرَ منهم.
في ذلكَ الصباحِ وَصَلَ رَجُلٌ إلى البابِ الشَّماليِّ. كانَ نَحيلَ الجَسَدِ، أسمرَ الوجهِ، وعلى كَتِفِهِ كيسٌ صغيرٌ من جِلْدٍ قاتِمٍ. لم يَحْمِلْ بِضاعةً تَكْفي تاجِرًا، ولا ذُلًا يَكْفي مُتَسَوِّلًا. أَوْقَفَهُ الحارِسُ وسألهُ عن اسْمِهِ. قالَ: سالِمٌ. نَظَرَ الحارِسُ إلى الطِّينِ اليابِسِ على حافَّةِ ثَوْبِهِ، فَعَرَفَ الوادي قبلَ أنْ يَذْكُرَهُ الرَّجُلُ. سألهُ عَمّا في الكيسِ. فَتَحَ سالِمٌ طَرَفَهُ، فَظَهَرَتْ حَبّاتٌ رَمادِيَّةٌ خَشِنةٌ. قالَ الحارِسُ باسْتِهانةٍ: مِلْحٌ؟ فأجابَهُ سالِمٌ: مِنْ تَحْتِكُمْ. لم يَحْتَجِ الحارِسُ إلى جُمْلَةٍ أُخْرى؛ ففي رُهابَ كانتِ الكلماتُ القليلةُ أخطرَ من الصُّراخِ.
 
وَصَلَ الخَبَرُ إلى ناظِمٍ وهو في مَجْلِسِهِ الحَجَريِّ، يُراجِعُ أسماءَ المُخالِفينَ؛ امرأةٌ تَرَكَتْ قِنديلَها مُشْتَعِلًا بعدَ ساعةِ المَنْعِ، ثلاثةُ شُبّانٍ ضُبِطوا يُدَخِّنونَ قُرْبَ السورِ الشَّرْقيِّ، فَتىً ضُبِطَ عندَ السورِ يُصْغي إلى غِناءِ الوادي، وبَنّاءٌ قالَ إنَّ الشُّقوقَ لا تأتي من المَطَرِ وحدَهُ. كانَ الشَّيخُ يَضَعُ خَطًّا أسودَ بِجانِبِ كلِّ اسْمٍ، كأنَّهُ يَضْبِطُ نَبْضَ المدينةِ بإبرةٍ. فلمّا قيلَ له إنَّ رَجُلًا من الوادي يَحْمِلُ مِلْحًا من تحتِ رُهابَ، لم يَرْفَعْ رأسَهُ أوَّلًا. ثم قالَ: أَدْخِلوهُ.
 
دَخَلَ سالِمٌ. لم يَنْحَنِ، ولم يَتَحَدَّ. وَضَعَ الكيسَ على الطاولةِ، ونَثَرَ منه قليلًا. انْتَشَرَتِ الحَبّاتُ الرَّمادِيَّةُ بينَ يَدَيْ ناظِمٍ، لا تُشْبِهُ مِلْحَ المطابخِ، ولا مِلْحَ الحِفْظِ النَّقِيَّ الذي تَفْخَرُ به المدينةُ. كانَ فيها أثرُ تُرابٍ، ورائحةُ ماءٍ راكدٍ، وشيءٌ من دِفْءِ الأرضِ حينَ تُفْتَحُ بعدَ طولِ كِتْمانٍ.
قالَ ناظِمٌ: ما هذا؟ قالَ سالِمٌ: بَقِيَّةُ ما رَدَمْتُموهُ. ثم سَكَتَ. كانَ الصمتُ أقوى من العبارةِ. مدَّ ناظِمٌ يَدَهُ إلى المِلْحِ، فلم يَلْمِسْهُ. في تلكَ اللحظةِ دَوّى طَرْقُ البَنّائينَ من جهةِ السورِ الشَّرْقيِّ. ضربةٌ، ثم أخرى، ثم تَفَتُّتٌ خفيفٌ. بدا كأنَّ المدينةَ كلَّها تَسْتَمِعُ.
لم يأتِ سالِمٌ لِيُحاوِرَ، بل لِيَضَعَ شاهِدًا. أَخْرَجَ من صَدْرِ ثَوْبِهِ خاتَمًا فِضِّيًّا قديمًا، ووَضَعَهُ فوقَ المِلْحِ. كانَ الخاتَمُ مُطْفَأَ اللَّمَعانِ، مَحْفورًا عليه حَرْفٌ صغيرٌ، يَعْرِفُهُ ناظِمٌ كما يَعْرِفُ نُدْبةً في يَدِهِ. اخْتَفى الدَّمُ من وجهِ الشَّيخِ. ذلكَ خاتَمُ يوسُفَ، ابنِهِ الوحيدِ، الذي لم يُذْكَرْ في رُهابَ منذُ خمسةَ عَشَرَ عامًا إلا هَمْسًا، كأنَّ اسْمَهُ شَقٌّ آخرُ في الجِدارِ.
 
عادَ الليلُ القديمُ دَفْعَةً واحدةً. يوسُفُ عندَ البابِ السُّفليِّ، يَداهُ مُلَطَّخَتانِ بالطينِ، وبِجانِبِهِ امرأةٌ من الوادي. لم يكنْ سَكْرانَ، كما زَعَمَ الحُرّاسُ بعدَ ذلكَ، ولم يكنْ عائدًا من لَهْوٍ. كانَ يَحْفِرُ عندَ مَجْرى الماءِ المدفونِ، يُخْرِجُ حِجارةَ الرَّدْمِ واحدةً واحدةً، ويقولُ لأبيهِ إنَّ الجبلَ ليسَ صَخْرةً صَمّاءَ، وإنَّ الماءَ المَحْبوسَ سَيَأْكُلُ القَواعِدَ من الداخلِ. رأى ناظِمٌ الطِّينَ على يَدَيْ ابنِهِ، ولم يَرَ الخطرَ تحتَ المدينةِ. رأى المرأةَ، ولم يَرَ القناةَ. رأى القانونَ يَنْكَسِرُ، ولم يَسْمَعِ الحَجَرَ وهو يَطْلُبُ مَنْفَذًا. وحينَ طَلَبَ الناسُ الصَّفْحَ، قالَ: النِّظامُ الذي يَلينُ لابني سَيَقْسو على أبنائِكُمْ. ثم نُفِيَ يوسُفُ، وأُغْلِقَتِ البوّابةُ السُّفلى بالحجرِ والجيرِ، ووُضِعَ فوقَها حارِسٌ لا يَعْرِفُ لماذا يَحْرُسُ بابًا لا يُؤَدِّي إلى مَكانٍ.
 
أَخَذَ ناظِمٌ الخاتَمَ أخيرًا. كانَ باردًا، لكنَّ يَدَهُ ارْتَجَفَتْ كأنَّها أَمْسَكَتْ جَمْرةً. قالَ بصوتٍ مَكْسورِ الحافَّةِ: ماتَ؟ أجابَ سالِمٌ: قبلَ أنْ تَموتَ المدينةُ. لم يَزِدْ. لم يَقُلْ إنَّهُ ماتَ في الوادي، ولا إنَّهُ ظلَّ يَحْفِرُ حتّى آخِرِ قوَّتِهِ، ولا إنَّهُ أَوْصى بهذا المِلْحِ. كانتِ الجملةُ وحدَها تَكْفي. في بعضِ الأخبارِ تكونُ الزِّيادةُ إهانةً للجُرْحِ.

خارجَ المجلسِ ارْتَفَعَ صوتٌ مُفاجِئٌ، لا يُشْبِهُ طَرْقَ المَطارِقِ ولا سقوطَ حَجَرٍ مُنْفَرِدٍ. كانَ صوتًا عميقًا، كأنَّ الجبلَ تَنَفَّسَ من مكانٍ مَسْدودٍ. تَبِعَهُ صُراخٌ من السورِ الشَّرْقيِّ. نَهَضَ ناظِمٌ، وسَبَقَهُ سالِمٌ إلى البابِ. لم يَرْكُضا. الرَّكْضُ يَليقُ بِمَنْ فوجِئَ؛ أمّا هما فكانا يَصِلانِ مُتَأَخِّرَيْنِ إلى مَوْعِدٍ قديمٍ.
 
عندَ السورِ الشَّرْقيِّ احْتَشَدَ الناسُ. لم يكنِ السورُ قد انْهارَ كاملًا، بل انْفَتَحَ أسفلُهُ على شَقٍّ عَريضٍ، ومن الشَّقِّ خَرَجَ ماءٌ عَكِرٌ، ثم اندَفَعَ خَلْفَهُ هواءٌ بارِدٌ يَحْمِلُ رائحةَ الطِّينِ. بدا المَشْهَدُ كَجُرْحٍ غَسَلَ نَفْسَهُ. تحتَ الحجارةِ البيضاءِ ظَهَرَتْ أقواسٌ صغيرةٌ مَطْمورةٌ، وقناةٌ قديمةٌ سَدَّها الجيرُ حتّى انْتَفَخَتْ في الظلامِ. كانَ الماءُ يَضْرِبُ الرَّدْمَ من الداخلِ منذُ أعوامٍ، وحينَ لم يَجِدْ مَجْراهُ، صَنَعَ مَجْراهُ في جَسَدِ المدينةِ.
صاحَ كبيرُ البَنّائينَ: نَرْدِمُ؟ لم يُجِبْ ناظِمٌ. كانَ يَنْظُرُ إلى القناةِ كَمَنْ يرى وجهَ ابنِهِ خارِجًا من الحجرِ. تَقَدَّمَ خطوةً، فَغاصَ حِذاؤُهُ في طينٍ أسودَ دافئٍ. حاولَ أحدُ الحُرّاسِ أنْ يُسْنِدَهُ، فأزاحَ يَدَهُ. انحنى الشَّيخُ، وغَمَسَ أصابِعَهُ في الطِّينِ. لم يَجِدْ قَذارةً. وَجَدَ أَصْلًا. رائحةُ الأرضِ التي حارَبَها عُمرَهُ صَعِدَتْ إلى صدرِهِ بلا إذنٍ، فإذا بها لا تَقْتُلُهُ.
اقْتَرَبَ سالِمٌ منه، وهَمَسَ بجملةٍ واحدةٍ: افْتَحْ ما أَغْلَقْتَهُ. لم تكنْ أمرًا، ولا رَجاءً. كانتْ حُكْمَ الماءِ.
 
نَظَرَ ناظِمٌ إلى البوّابةِ السُّفلى البعيدةِ، تلكَ التي سَدَّها بِيَدِهِ يومَ نَفْيِ يوسُفَ. رآها الآنَ لا كَحَجَرٍ في سورٍ، بل كَفَمٍ مَخيطٍ. الْتَفَتَ إلى الحُرّاسِ وقالَ: اكْسِروا الرَّدْمَ. لم يَتَحَرَّكوا. كانوا يَعْرِفونَ طاعةَ المَنْعِ، ولا يَعْرِفونَ طاعةَ الفَتْحِ. فَمَشى الشَّيخُ بنَفْسِهِ إلى البوّابةِ، ورَفَعَ أوَّلَ حَجَرٍ. كانَ الحجرُ ثقيلًا، أثقلَ من جَسَدِهِ العَجوزِ، لكنَّهُ لم يَسْتَدْعِ أحدًا. رَفَعَهُ وأسقطَهُ. ثم الثاني. عندَ الثالثِ تَقَدَّمَ سالِمٌ. عندَ الرابعِ تَقَدَّمَ البَنّاءُ. ثم اقْتَرَبَتِ امرأةٌ تَحْمِلُ جَرَّةً، ثم فَتىً كانَ يُصْغي إلى الغِناءِ، ثم شيخٌ مَنْفِيٌّ عادَ مع أهلِ الوادي حينَ سَمِعوا دَوِيَّ السورِ. لم يَعُدْ أحدٌ يَسْألُ مَنْ يَحِقُّ له أنْ يَلْمِسَ الحجرَ. أمامَ الخطرِ تَسْقُطُ أنسابُ الجُدْرانِ.
 
معَ الغُروبِ انْشَقَّ البابُ السُّفليُّ. لم يَدْخُلِ الوادي غازِيًا كما خافوا، بل دَخَلَ حامِلًا أَخْشابَهُ وحِبالَهُ ومَعارِفَهُ القديمةَ. جاءَ رجالٌ يَعْرِفونَ كيفَ تُسْنَدُ القنواتُ، ونساءٌ يَعْرِفْنَ مَجْرى الماءِ من رائحتِهِ، وأطفالٌ وَضَعوا أقدامَهُمُ العاريةَ في ساحةِ رُهابَ البيضاءِ، فتركوا عليها آثارًا بُنِّيَّةً صغيرةً. لم تَمْحُها الأُمَّهاتُ. كانتِ المدينةُ تَتَعَلَّمُ، ببطءٍ، أنَّ الوَسَخَ ليسَ كلَّ ما يَتْرُكُ أثرًا.
 
في الليلِ اجتمعَ الناسُ عندَ القناةِ المفتوحةِ. لم يَخْطُبْ ناظِمٌ. لو خَطَبَ لَكَذَبَ، ولو اعتذرَ لَصَغُرَتِ الفاجعةُ في عبارةٍ. اكتفى بأنْ حَمَلَ كُرسيَّهُ من المجلسِ العالي، ذلكَ الكرسيَّ الذي جَلَسَ عليه ثلاثينَ عامًا، وأَنْزَلَهُ إلى مَوْضِعِ الشَّقِّ. ظنَّ الناسُ أنَّهُ جاءَ لِيَجْلِسَ بينهم، لكنَّهُ وَضَعَهُ على الأرضِ، وكَسَرَ ذِراعَيْهِ بِقَدّومِ البَنّائينَ. لم يَمْنَعْهُ أحدٌ. أَخَذَ الخشبَ المصقولَ، وثَبَّتَهُ فوقَ المجرى حيثُ كانَ الماءُ يَعْبُرُ بينَ الحجرِ والطِّينِ. صارَ الكرسيُّ جِسْرًا صغيرًا، لا يَتَّسِعُ إلا لِقَدَمَيْنِ حَذِرَتَيْنِ، لكنَّهُ وَصَلَ رُهابَ بالوادي أوَّلَ مرَّةٍ بلا حارِسٍ.
 
عندَ الفجرِ، مَرَّ أوَّلُ طفلٍ فوقَ الجِسْرِ. كانَ من رُهابَ، وخَلْفَهُ طفلٌ من الوادي. لم يَعْرِفا أنَّهُما يَفْتَتِحانِ عَهْدًا؛ كانا يُريدانِ فقط أنْ يَرَيا الماءَ من الجِهَةِ الأخرى. وَقَفَ سالِمٌ عندَ الخاتَمِ الفِضِّيِّ، ثم غَرَسَهُ بينَ حَجَرَيْنِ في حافَّةِ القناةِ، لا علامةَ مُلْكٍ، بل علامةَ فَتْحٍ. أمّا ناظِمٌ فَجَلَسَ على التُّرابِ قُرْبَ المجرى، ويَداهُ مُلَوَّثَتانِ بالطِّينِ حتّى المِعْصَمَيْنِ. لم يَبْدُ مَخْلوعًا ولا تائبًا؛ بدا أخيرًا رَجُلًا لا سورًا.
 
ومنذُ ذلكَ اليومِ لم تَعُدْ رُهابُ تَسْألُ كيفَ تَحْفَظُ بَياضَها، بل كيفَ تَحْفَظُ مَجْراها. بَقِيَتْ بعضُ الجُدْرانِ مَشْقوقةً، لكنَّ الناسَ تَرَكوا في كلِّ شَقٍّ مَوْضِعًا للهواءِ. وتحتَ السورِ الشَّرْقيِّ ظلَّ كرسيُّ الشَّيخِ ممدودًا فوقَ الماءِ، يُلَمِّعُهُ العابِرونَ بأقدامِهِم، حتّى نَسِيَ الجيلُ الجديدُ أنَّهُ كانَ عَرْشًا. عندَها فقط عَرَفَتِ المدينةُ أنَّ ناظِمًا لم يَسْقُطْ حينَ نَزَلَ عن كُرسيِّهِ؛ بل كانَ قد سَقَطَ حينَ كانَ جالِسًا عليه.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى