الحب عرشا للروح
فِي أَعَالِي الـرُّوحِ، حَيْثُ يَصْفُو الوُجُودُ مِنْ عَكَرِ التَّمَلُّكِ، وَتَسْقُطُ عَنِ القُلُوبِ أَقْنِعَةُ الـرَّغْبَةِ العَجْلَى، يَنْبَثِقُ الحُبُّ النَّبِيلُ لَا كَخَفْقَةٍ عَابِرَةٍ تَسْتَبِدُّ بِالـدَّمِ، وَلَا كَنَزْوَةٍ تُوقِدُ فِي الطِّينِ حَرِيقَهُ القَدِيمَ، بَلْ كَأَنَّهُ تَتْوِيجٌ خَفِيٌّ لِمَا فِي الإِنْسَانِ مِنْ جَلَالٍ كَانَ نَائِمًا، فَأَيْقَظَتْهُ لَمْسَةُ الجَمَالِ. هُنَاكَ لَا يَعُودُ الحُبُّ قَيْدًا عَلَى الجَنَاحِ، بَلْ يَصِيرُ الجَنَاحَ نَفْسَهُ؛ لَا يَكْسِرُ الوَقَارَ، بَلْ يُضِيءُ جَبِينَهُ؛ لَا يُنْقِصُ المَهَابَةَ، بَلْ يُكْسِبُهَا ذَلِكَ اللِّينَ العَزِيزَ الَّذِي لَا يَمْلِكُهُ إِلَّا مَنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَابَةِ الجَبَلِ وَرِقَّةِ الغَمَامِ.
لَقَدْ أَخْطَأَ مَنْ ظَنَّ الهَوَى مَذَلَّةً، وَمَنْ حَسِبَ العِشْقَ اِسْتِسْلَامًا، وَمَنْ رَأَى فِي المَوَدَّةِ بَابًا يَدْخُلُ مِنْهُ الوَهَنُ عَلَى مَمْلَكَةِ النَّفْسِ. فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ رَقَّ ضَعُفَ، وَلَا كُلُّ مَنْ حَنَا اِنْحَنَى، وَلَا كُلُّ مَنْ أَحَبَّ أَسْلَمَ مِفْتَاحَ عِزَّتِهِ لِيَدٍ عَابِثَةٍ تُجَرِّبُ عَلَيْهِ سُلْطَانَهَا. إِنَّ الحُبَّ، حِينَ يَسْكُنُ قَلْبًا كَبِيرًا، لَا يَجِدُ فِيهِ رُكْنًا صَغِيرًا يَتَحَوَّلُ إِلَى ضَرَاعَةٍ، بَلْ يَجِدُ فَضَاءً وَاسِعًا يَتَحَوَّلُ فِيهِ الشَّوْقُ إِلَى نُسُكٍ، وَاللَّهْفَةُ إِلَى أَدَبٍ، وَاللَّوْعَةُ إِلَى مِشْكَاةٍ تَحْرُسُ النُّورَ مِنْ أَنْ يَخْتَلِطَ بِدُخَانِ الحَاجَةِ.
وَمَا الحُبُّ الـرَّفِيعُ إِلَّا مِصْهَرٌ سِرِّيٌّ تُلْقِي فِيهِ الـرُّوحُ مَا عَلِقَ بِهَا مِنْ كَدَرِ الأَنَانِيَّةِ وَغُبَارِ الـرَّغْبَاتِ الصَّغِيرَةِ، فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا إِبْرِيزُ المَعْنَى، مُصَفًّى مِنْ خَبَثِ الطِّينِ، مُضَاءً بِرَعْشَةِ السَّمَاءِ. وَحِينَ يُحِبُّ الإِنْسَانُ حُبًّا عَظِيمًا، فَإِنَّهُ لَا يَهْبِطُ إِلَى مَنْ يُحِبُّ، بَلْ يَرْفَعُهُ مَعَهُ إِلَى مَدَارٍ أَنْقَى؛ لَا يُحِيلُهُ شَيْئًا يُمْلَكُ، بَلْ آيَةً تُتْلَى؛ لَا يَجْعَلُهُ صَنَمًا تُسْجَنُ عِنْدَهُ الـرُّوحُ، بَلْ أُفُقًا تَتَّسِعُ بِهِ بَصِيرَتُهَا، وَتَعْرِفُ بِهِ أَنَّ الجَمَالُ لَيْسَ مَا تَقِفُ عِنْدَهُ العَيْنُ، بَلْ مَا يَعْبُرُ مِنَ العَيْنِ إِلَى السِّرِّ، ثُمَّ مِنَ السِّرِّ إِلَى تِلْكَ النُّقْطَةِ الخَفِيَّةِ الَّتِي يَتَصَالَحُ عِنْدَهَا الإِنْسَانُ مَعَ نُبْلِهِ الأَوَّلِ.
وَشَتَّانَ بَيْنَ عَاشِقٍ حُرٍّ وَمَفْتُونٍ أَسِيرٍ؛ فَالْمَفْتُونُ تَتَخَاطَفُهُ الظُّنُونُ كَأَوْرَاقٍ يَابِسَةٍ فِي مَهَبِّ الـرِّيحِ، يَحْسَبُ القُرْبَ اِمْتِلَاكًا، وَالوَصْلَ غَلَبَةً، وَالحُضُورَ شَهَادَةَ مِلْكِيَّةٍ عَلَى رُوحٍ لَا تُكْتَبُ فِي السِّجِلَّاتِ. أَمَّا العَاشِقُ الحُرُّ، فَيَعْلَمُ أَنَّ مَنْ أَحَبَّ رُوحًا فَقَدْ أَحَبَّ سِرًّا لَا يُصَادَرُ، وَأُفُقًا لَا يُسَوَّرُ، وَرِيحًا لَا تُقَادُ بِالأَصَابِعِ، وَعِطْرًا لَا يَزِيدُهُ الحَبْسُ إِلَّا مَوْتًا فِي القَارُورَةِ. إِنَّهُ يُحِبُّ لِيَتَحَرَّرَ لَا لِيَسْتَعْبِدَ، وَيُقْبِلُ لِيَزْدَادَ سَعَةً لَا لِيَضِيقَ، وَيَمْنَحُ لِأَنَّ الفَيْضَ طَبِيعَةُ النَّهْرِ، لَا لِأَنَّ العَطَشَ يُجْبِرُهُ عَلَى الاِسْتِعْطَافِ.
وَلِذَلِكَ فَالْحُبُّ فِي شَرِيعَةِ الأَرْوَاحِ الكَرِيمَةِ لَا يُقَاُس بِمِقْدَارِ مَا يَأْخُذُ، بَلْ بِمِقْدَارِ مَا يُهَذِّبُ؛ لَا بِعَدَدِ الأَيْدِي الَّتِي يَضُمُّهَا، بَلْ بِعَدَدِ الظِّلَالِ الَّتِي يُنْقِذُهَا مِنْ عَتَمَتِهَا؛ لَا بِحَرَارَةِ اللَّحْظَةِ، بَلْ بِقُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يُصَيِّرَ اللَّحْظَةَ مَعْبَرًا إِلَى الخُلُودِ. فَمَا أَفْقَرَ العَاطِفَةَ إِذَا لَمْ تُنْتِجْ حِكْمَةً، وَمَا أَبْرَدَ الشَّوْقَ إِذَا لَمْ تَتَفَتَّحْ فِيهِ حَدَائِقُ الخُلُقِ، وَمَا أَضْيَعَ الجَمَالَ إِذَا لَمْ يَكُنْ سُلَّمًا إِلَى الأَجْمَلِ مِنْهُ، وَالأَصْفَى مِنْهُ، وَالأَبْقَى بَعْدَ اِنْطِفَاءِ المَلَامِحِ وَتَغَيُّرِ الفُصُولِ.
أَنَا لَا أُحِبُّ لِأَسْتَكْمِلَ نَقْصًا غَائِرًا فِي ذَاتِي، فَالنَّفْسُ الَّتِي لَا تَقِفُ وَحْدَهَا لَا يَزِيدُهَا الاِتِّكَاءُ إِلَّا تَعَبًا، وَالقَلْبُ الَّذِي لَا يَمْلِكُ نُورَهُ لَا تُنْقِذُهُ شُمُوسُ العَالَمِينَ. إِنَّمَا أُحِبُّ لِيَتَعَانَقَ النُّورُ بِالنُّورِ، وَلِيَتَفَتَّحَ فِي المَعْنَى مَعْنًى ثَالِثٌ لَا هُوَ أَنَا وَحْدِي، وَلَا هُوَ الآخَرُ وَحْدَهُ، بَلْ كِيَانٌ مِنَ البَهَاءِ المُشْتَرَكِ، تُصْغِي إِلَيْهِ اللُّغَةُ ثُمَّ تَعْجَزُ، وَتَدْنُو مِنْهُ الصُّورَةُ ثُمَّ تَقِفُ عَلَى عَتَبَتِهِ خَاشِعَةً كَأَنَّهَا تَخَافُ أَنْ تُفْسِدَ بِالوَصْفِ مَا صَنَعَهُ السِّرُّ مِنْ كَمَالٍ.
فِي هَذَا المَقَامِ لَا تَكُونُ الـدَّمْعَةُ اِسْتِجْدَاءً، بَلْ وُضُوءَ شُعُورٍ؛ وَلَا يَكُونُ الصَّمْتُ عَجْزًا، بَلْ مِئْذَنَةً لَا يَصْعَدُ إِلَيْهَا إِلَّا المَعْنَى؛ وَلَا تَكُونُ المَسَافَةُ قَطِيعَةً، بَلْ سِتَارًا شَفِيفًا يَحْفَظُ لِلْجَمَالِ رَهْبَتَهُ، وَلِلشَّوْقِ نُبْلَهُ، وَلِلـرُّوحِ حَقَّهَا فِي أَنْ تَرَى مِنْ بَعِيدٍ مَا لَا تُبْصِرُهُ مِنْ فَرْطِ القُرْبِ. كَمْ مِنْ قُرْبٍ أَفْسَدَ المَعْنَى لِأَنَّهُ عَرَّاهُ مِنْ هَالَتِهِ، وَكَمْ مِنْ بُعْدٍ حَفِظَ لِلْمَحْبُوبِ مَقَامَهُ فِي القَلْبِ، فَصَارَ الغِيَابُ حُضُورًا مُهَذَّبًا، وَصَارَ السُّكُونُ نَغَمًا لَا تُدْرِكُهُ الآذَانُ العَجْلَى.
وَحِينَ يَبْلُغُ الحُبُّ هَذِهِ الذُّرْوَةَ، يَتَطَهَّرُ مِنْ لُغَةِ الاِنْكِسَارِ، وَيَخْرُجُ مِنْ أَسْرِ الأَنِينِ الضَّئِيلِ، وَيَتَّخِذُ لِنَفْسِهِ لَهْجَةَ المُلُوكِ الَّذِينَ لَا يَسْأَلُونَ العُرُوشَ أَنْ تَعْتَرِفَ بِجِبَاهِهِمْ. فَالْوَصْلُ عِنْدَئِذٍ شَرَفٌ لَا يُبْذَلُ فِي سُوقِ المُرَاوَغَةِ، وَالقُرْبُ بَرَكَةٌ لَا تُلْقَى فِي أَيْدِي مَنْ لَا يَعْرِفُ فِقْهَ النِّعَمِ، وَالمَوَدَّةُ تَاجٌ لَا يَحْمِلُهُ رَأْسٌ أَثْقَلَتْهُ خِفَّةُ الطِّبَاعِ. إِنَّ القَلْبُ الكَبِيرُ لَا يَضِنُّ بِالنُّورِ، وَلَكِنَّهُ يَأْبَى أَنْ يُلْقِيَهُ فِي حُفْرَةٍ تُحِبُّ الظَّلَامَ، وَلَا يَبْخَلُ بِالمَاءِ، وَلَكِنَّهُ يَصُونُهُ عَنْ تُرْبَةٍ لَا تُنْبِتُ إِلَّا شَوْكَ الجُحُودِ.
إِنَّنَا، حِينَ نُحِبُّ حُبًّا يَلِيقُ بِأَرِسْتُقْرَاطِيَّةِ الـرُّوحِ، لَا نُهْدِي مَنْ نُحِبُّ فُتَاتَ عَاطِفَةٍ تَذْرُوهَا رِيحُ المِزَاجِ، وَلَا وَعْدًا زُجَاجِيًّا يَنْكَسِرُ عَلَى أَوَّلِ حَجَرٍ مِنْ أَحْجَارِ الزَّمَنِ؛ بَلْ نُقِيمُ لَهُ فِي أَعْمَاقِنَا وَطَنًا لَا تَعْبُرُهُ جُيُوشُ الزَّوَالِ، وَقَصْرًا لَا تُبْلِي شُرُفَاتِهِ فُصُولُ الخَرِيفِ، وَحَدِيقَةً تَغْسِلُهَا الأَنْدَاءُ كُلَّ صَبَاحٍ كَأَنَّ الفَجْرَ نَذَرَ لَهَا طُهْرَهُ الأَوَّلَ. نَمْنَحُهُ مِنَ العِنَايَةِ مَا يَجْعَلُهُ يَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَمُرَّ عَلَى قَلْبٍ عَادِيٍّ، بَلْ عَلَى مَمْلَكَةٍ لَهَا أَبْوَابُهَا، وَأَجْرَاسُهَا، وَرَايَاتُهَا، وَقَوَانِينُهَا الَّتِي لَا تَسْمَحُ لِلْجَمَالِ أَنْ يَدْخُلَ إِلَّا مُعَظَّمًا، وَلَا تَسْمَحُ لِلْكَرَامَةِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا مَهِينَةً.
وَإِذَا نَأَى الـدَّرْبُ، وَاسْتَطَالَتْ مَسَافَاتُ البَيْنِ، وَأَرْخَى الغِيَابُ سِتْرَهُ عَلَى الوُجُوهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يُرَوِّعُ العَاشِقَ المُتَسَيِّدَ لِمَشَاعِرِهِ. إِنَّهُ لَا يَجْزَعُ كَمَنْ أَضَاعَ ظِلَّهُ فِي الظَّهِيرَةِ، وَلَا يَنْتَحِبُ كَمَنْ سُرِقَتْ مِنْهُ نَافِذَةٌ وَحِيدَةٌ عَلَى الحَيَاةِ؛ بَلْ يَتَأَمَّلُ المَسَافَةَ كَمَا يَتَأَمَّلُ البَحْرُ أُفُقَهُ، وَيَسْتَخْرِجُ مِنَ الحِجَابِ سِرَّ الاِنْكِشَافِ، وَمِنَ الصَّمْتِ بَيَانًا لَا تَبْلُغُهُ الخُطَبُ. فَرُبَّ غِيَابٍ صَقَلَ البَصِيرَةَ، وَرُبَّ حِرْمَانٍ حَفِظَ لِلـرُّوحِ طَهَارَتَهَا، وَرُبَّ مَسَافَةٍ كَانَتْ أَرْحَمَ بِالحُبِّ مِنْ قُرْبٍ يُفْقِدُهُ جَلَالَهُ وَيُدْخِلُهُ فِي عَادِيَّةِ الأَشْيَاءِ.
هَكَذَا يَبْقَى العَاشِقُ الفَذُّ قَائِمًا فِي مِحْرَابِهِ، لَا تُرْهِبُهُ صَرْخَةُ العَدَمِ، وَلَا تُلْوِي ذِرَاعَهُ لَوْعَةُ الغِيَابِ، وَلَا تُخْرِجُهُ الـرَّغْبَةُ مِنْ سِيَادَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ. يَنْظُرُ إِلَى فِتْنَةِ المَحْبُوبِ لَا نَظْرَةَ المُسْتَجْدِي الَّذِي يَنْتَظِرُ فُتَاتَ الإِشَارَةِ، بَلْ نَظْرَةَ الشَّاهِدِ الَّذِي يَعْرِفُ أَنَّ الجَمَالَ، حِينَ يَمُرُّ بِالْقَلْبِ الكَبِيرِ، لَا يَتْرُكُهُ أَسِيرًا، بَلْ يَتْرُكُهُ أَوْسَعَ مِمَّا كَانَ، وَأَصْفَى مِمَّا كَانَ، وَأَقْدَرَ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ مِنَ الخَفْقَةِ مِئْذَنَةً، وَمِنَ اللَّوْعَةِ قِنْدِيلًا، وَمِنَ الوَجْدِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَبْلُغُ عَظَمَتَهُ بِالْجُمُودِ، بَلْ بِأَنْ يَكُونَ رَقِيقًا وَلَا يَنْكَسِرَ، كَرِيمًا وَلَا يُبَاحَ، مُحِبًّا وَلَا يَنْزِلَ عَنْ عَرْشِهِ الدَّاخِلِيِّ.
وَتِلْكَ هِيَ خُلَاصَةُ الحُبِّ إِذَا صَفَا؛ أَنْ يَزِيدَ النَّفْسَ عُلُوًّا لَا تَعَلُّقًا، وَأَنْ يَمْنَحُ القَلْبَ رِقَّةً لَا رَخَاوَةً، وَأَنْ يَفْتَحَ فِي الصَّدْرِ حَدِيقَةً لَا سِجْنًا، وَأَنْ يَجْعَلَ مِنَ المَحْبُوبِ مَعْنًى يُهَذِّبُ الوُجُودَ لَا صَنَمًا يَسْتَنْزِفُهُ. فَالحُبُّ الَّذِي لَا يَرْفَعُ صَاحِبَهُ لَيْسَ إِلَّا رَغْبَةً غَيَّرَتْ ثَوْبَهَا، وَالمَوَدَّةُ الَّتِي لَا تَصُونُ الكَرَامَةَ لَا تَسْتَحِقُّ أَنْ تُدْعَى وَصْلًا، وَالعِشْقُ الَّذِي لَا يُنْبِتُ فِي الـرُّوحِ شَجَرَةَ النُّبْلِ لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ نَارًا عَابِرَةً تَأْكُلُ حَطَبَهَا ثُمَّ تَتْرُكُ الـرَّمَادَ يَدَّعِي أَنَّهُ كَانَ ضَوْءًا.
فَطُوبَى لِحُبٍّ يَجِيءُ كَالْفَجْرِ، لَا يَسْأَلُ اللَّيْلَ إِذْنًا بِالإِضَاءَةِ، وَطُوبَى لِقَلْبٍ يَمْنَحُ وَهُوَ مُتَوَّجٌ، وَيَشْتَاقُ وَهُوَ عَزِيزٌ، وَيَحْنُو وَهُوَ سَيِّدٌ عَلَى نَبْضِهِ، وَيَعْرِفُ، فِي أَعْمَاقِ أَعْمَاقِهِ، أَنَّ أَجْمَلَ مَا فِي الحُبِّ لَيْسَ أَنْ يُذِيبَ الإِنْسَانَ فِي غَيْرِهِ، بَلْ أَنْ يَكْشِفَ لَهُ عَنْ ذَاتِهِ فِي أَبْهَى صُوَرِهَا، حَتَّى إِذَا مَضَى أَوْ بَقِيَ، اِقْتَرَبَ أَوْ نَأَى، ظَلَّ فِي دَاخِلِهِ ذَلِكَ اليَقِينُ المُضِيءُ؛ أَنَّ بَعْضَ الحُضُورِ لَا يُقَاسُ بِالْوَصْلِ وَالفِرَاقِ، بَلْ بِمَا يَتْرُكُهُ فِي الـرُّوحِ مِنْ عُلُوِّ، وَبِمَا يَصْنَعُهُ فِي القَلْبِ مِنْ جَمَالٍ، وَبِمَا يُثْبِتُهُ فِي الإِنْسَانِ مِنْ حَقِّهِ القَدِيمِ فِي مِيرَاثِ النُّورِ.
