الأدبسرديات

نكهة

أَعَادَ رَاشِدٌ النَّظَرَ إِلَى سَاعَتِهِ بِشَيْءٍ مِنَ السَّأَمِ المُبَطَّنِ، كَأَنَّهُ يُرَاقِبُ خَصْمًا صَغِيرًا يُجِيدُ إِثَارَةَ الضِّيقِ دُونَ أَنْ يَرْتَكِبَ جَرِيمَةً كَامِلَةً. لَمْ تَكُنِ السَّاعَةُ تَسِيرُ ذَلِكَ اليَوْمَ عَلَى طَبْعِهَا المَعْهُودِ؛ فَقَدْ تَخَلَّتْ عَنْ قَفَزَاتِ أَرْنَبِهَا النَّشِيطِ الَّذِي عَوَّدَتْهُ أَنْ يَخْتَصِرَ لَهُ سَاعَاتِ الدَّوَامِ، وَمَضَتْ تَتَثَاءَبُ فَوْقَ مِعْصَمِهِ خُطْوَةً خُطْوَةً، كَسَلْحَفَاةٍ تَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِهَا ثِقَلَ نِصْفِ نَهَارٍ طَوِيلٍ. كَانَ بَاقِيًا عَلَى انْتِهَاءِ الدَّوَامِ نِصْفُ سَاعَةٍ، تَتَمَدَّدُ كَأَنَّهَا نِصْفُ عُمْرٍ. أَعَادَ عَيْنَيْهِ إِلَى الأَوْرَاقِ المَنْثُورَةِ أَمَامَهُ، وَحَاوَلَ أَنْ يَسْتَنْقِذَ مِنْ حُرُوفِهَا شَيْئًا يُشْغِلُهُ، غَيْرَ أَنَّ الحُرُوفَ كَانَتْ تَمُرُّ عَلَى بَصَرِهِ بِلَا مَعْنًى، كَمَا تَمُرُّ ظِلَالُ العَابِرِينَ عَلَى زُجَاجِ مَتْجَرٍ مُغْلَقٍ. لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَا يُغْرِي بِالقِرَاءَةِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ هُوَ مَا يُطَاوِعُ العَقْلَ عَلَى الإِقَامَةِ فِي مَكَاتِبِ الأَرْقَامِ وَالتَّوَاقِيعِ.

نَهَضَ إِلَى النَّافِذَةِ. مِنَ الدَّوْرِ التَّاسِعِ بَدَتِ المَدِينَةُ مُنْشَغِلَةً بِضَجِيجِهَا اليَوْمِيِّ؛ مَرْكَبَاتٌ تَتَدَافَعُ، وَأَضْوَاءٌ تَتَبَدَّلُ، وَوُجُوهٌ تَسْعَى كَأَنَّهَا تُطَارِدُ مَا لا يُدْرَكُ. أَمَّا هُوَ فَكَانَ يَرَى مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ طَرِيقًا وَاحِدًا، طَرِيقًا يَبْدَأُ مِنْ هُنَا، وَيَنْتَهِي عِنْدَ عَيْنَيْهَا. ابْتَسَمَ فِي سُكُونٍ، وَبَقِيَتِ الاِبْتِسَامَةُ عَلَى شَفَتَيْهِ كَنَافِذَةٍ صَغِيرَةٍ فُتِحَتْ فِي جِدَارِ التَّعَبِ. رَاحَ يَنْظُرُ إِلَى الأُفُقِ سَاهِمًا، وَعَلَى شَفَتَيْهِ ابْتِسَامَةٌ خَفِيَّةٌ تَتَرَاقَصُ فِي هُدُوءٍ. لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الاِبْتِسَامَةُ ابْتِسَامَةَ رَجُلٍ يَفْرَحُ بِانْتِهَاءِ يَوْمٍ عَادِيٍّ، بَلْ ابْتِسَامَةَ مَنْ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ عِيدًا لا يَرَاهُ أَحَدٌ، وَيُخْفِي فِي جَيْبِ رُوحِهِ مَوْعِدًا يَتَجَدَّدُ كُلَّ عَامٍ، حَتَّى بَعْدَ أَنْ تَهْرَمَ الأَيَّامُ وَتَشِيبَ التَّفَاصِيلُ. لَمْ يَدْرِ كَمْ طَالَ وُقُوفُهُ، وَلا مَتَى خَرَجَ الوَقْتُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ. لَمْ يُفِقْ إِلَّا عَلَى صَوْتِ الفَرَّاشِ وَهُوَ يَقِفُ عِنْدَ البَابِ، يَمْزِجُ الحَيَاءَ بِالدَّهْشَةِ:

– هَلْ مِنْ أَمْرٍ، أُسْتَاذَ رَاشِد؟ لَقَدِ انْتَهَى الدَّوَامُ مُنْذُ رُبْعِ سَاعَةٍ.

انْتَفَضَ رَاشِدٌ انْتِفَاضَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى سَاعَتِهِ بَيْنَ السُّخْطِ وَالرِّضَا. عَجِبَ مِنْهَا، كَمَا لَوْ أَنَّهَا كَائِنٌ مَاكِرٌ يُعَانِدُهُ فِي كُلِّ حَالٍ. الْتَفَتَ إِلَى الفَرَّاشِ بِبَسْمَةِ اعْتِذَارٍ، وَجَمَعَ أَوْرَاقَهُ جَمْعَ مَنْ لا يَرَاهَا حَقًّا، ثُمَّ خَرَجَ مُسْرِعًا، يَنْهَبُ الدَّرَجَاتِ نَهْبًا، كَأَنَّهُ يَسْتَرِدُّ مِنَ السَّاعَةِ مَا سَرَقَتْهُ مِنْ لَهْفَتِهِ.

مَرَّ بِمَتْجَرِ الزَُهُورِ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ كَثِيرًا. كَانَ يَزُورُهُ فِي مِثْلِ هَذَا اليَوْمِ مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا، حَتَّى صَارَتِ الزُّهُورُ نَفْسُهَا، فِي مُخَيِّلَتِهِ، تَعْرِفُ مَوْعِدَهُ وَتَتَهَيَّأُ لَهُ. اخْتَارَ طَاقَةً مِنَ الوَرْدِ الأَبْيَضِ، نَقِيَّةً كَذِكْرَى البَدَايَةِ، ثُمَّ دَسَّ فِي وَسَطِهَا وَرْدَةً حَمْرَاءَ، كَأَنَّهُ يَضَعُ قَلْبًا نَابِضًا فِي صَدْرِ بَيَاضٍ طَوِيلٍ. كَانَ يَعْرِفُ أَنَّهَا تُحِبُّ الوَرْدَ الأَبْيَضَ؛ لا لِأَنَّهُ أَجْمَلُ الأَلْوَانِ، بَلْ لِأَنَّهُ، كَمَا قَالَتْ لَهُ فِي أَوَّلِ عَامٍ، يُشْبِهُ الحُبَّ حِينَ يَبْلُغُ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ مَا يَجْعَلُهُ يَسْتَغْنِي عَنِ الصُّرَاخِ. أَمَّا الوَرْدَةُ الحَمْرَاءُ فَكَانَتْ مِنْهُ هُوَ، مِنْ عَادَتِهِ، مِنْ ذَلِكَ الطِّفْلِ الَّذِي ظَلَّ فِي قَلْبِهِ يَظُنُّ أَنَّ قَلِيلًا مِنَ الحُمْرَةِ يَكْفِي لِكَيْ يَعْتَرِفَ البَيَاضُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بَارِدًا.

تَوَقَّفَ أَمَامَ مَخْبَزِ الحَاجِّ عَبْدِ المَوْلَى، ذَلِكَ المَخْبَزِ القَدِيمِ الَّذِي كَانَتْ رَائِحَتُهُ تُوقِظُ فِي الحَيِّ شَهِيَّةَ الصِّبَاءِ وَذِكْرَيَاتِ الأُمَّهَاتِ. رَفَعَ الحَاجُّ عَبْدُ المَوْلَى رَأْسَهُ، وَابْتَسَمَ كَمَنْ رَأَى مَوْسِمًا يَعُودُ فِي مَوْعِدِهِ.

– تِلْكَ الكَعْكَةُ بِالكِرِيمَةِ وَالكَرَزِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

هَزَّ رَاشِدٌ رَأْسَهُ مُوَافِقًا، وَابْتِسَامَتُهُ تَتَّسِعُ بِدِفْءٍ هَادِئٍ. كَانَ فِي صَوْتِ الحَاجِّ شَيْءٌ مِنَ الوَقَارِ الَّذِي يُطَمْئِنُ الزَّبُونَ قَبْلَ أَنْ يَتَذَوَّقَ، وَفِي يَدَيْهِ خِبْرَةُ رَجُلٍ لا يَتَعَامَلُ مَعَ العَجِينِ كَصَنْعَةٍ، بَلْ كَمِزَاجٍ وَأَمَانَةٍ.
أَخْرَجَ الحَاجُّ الكَعْكَةَ مِنْ بَيْنِ أَخَوَاتِهَا كَأَنَّهُ يَسْتَخْرِجُ عَرُوسًا صَغِيرَةً مِنْ مَخْدَعِهَا؛ ثَوْبٌ أَبْيَضُ مِنَ الكِرِيمَةِ، وَقِطَعُ كَرَزٍ حَمْرَاءُ تَتَوَزَّعُ عَلَيْهَا كَنُقَطِ فَرَحٍ مُضِيئَةٍ. نَقَدَهُ رَاشِدٌ ثَمَنَهَا، ثُمَّ، وَرَغْمَ ثِقَتِهِ الكَبِيرَةِ بِالحَاجِّ، مَدَّ إِصْبَعَهُ فِي حَذَرٍ طِفُولِيٍّ، وَجَرَفَ مَسْحَةً يَسِيرَةً مِنَ الكِرِيمَةِ، ثُمَّ تَذَوَّقَهَا. أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ لَحْظَةً، وَكَأَنَّهُ يَسْتَحْضِرُ ذَوْقَهَا هِيَ، لا ذَوْقَهُ.

أَخْرَجَ المِفْتَاحَ، ثُمَّ تَرَدَّدَ، وَأَعَادَهُ إِلَى جَيْبِهِ. أَحَبَّ أَنْ يَطْرُقَ كُلَّ عَامٍ، كَأَنَّ البَيْتَ لَا يَفْتَحُ لِلذِّكْرَى بِالمَفَاتِيحِ، بَلْ بِانْتِظَارِ اللَّحْظَةِ الأُولَى. طَرَقَ بِرِفْقٍ، وَوَقَفَ وَعَلَى وَجْهِهِ ابْتِسَامَةٌ وَاسِعَةٌ. كَانَ يُحِبُّ أَنْ تَفْتَحَ لَهُ هِيَ، أَنْ يَرَاهَا فِي اللَّحْظَةِ الأُولَى وَهُوَ يَحْمِلُ الوَرْدَ وَالكَعْكَةَ، وَأَنْ تَتَجَدَّدَ أَمَامَ البَابِ حِكَايَةٌ صَغِيرَةٌ لا يَمَلُّ مِنْ تَكْرَارِهَا. وَجَدَهَا أَمَامَهُ كَمَا كَانَ يَرَاهَا مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً؛ حَالِمَةً، وَادِعَةً، بَاسِمَةً، تَسْتَقْبِلُهُ بِحَفَاوَةٍ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ شَوْقِ العَرَائِسِ الأُولَى. لَمْ تَكُنِ السَّنَوَاتُ قَدْ سَرَقَتْ مِنْهَا ذَلِكَ البَرِيقَ الخَفِيَّ الَّذِي أَحَبَّهُ، وَلَا أَطْفَأَتْ فِي عَيْنَيْهَا تِلْكَ القُدْرَةَ العَجِيبَةَ عَلَى أَنْ تَجْعَلَ البَيْتَ يَبْدَأُ مِنْ وَجْهِهَا.
قَالَتْ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى الوَرْدِ وَالكَعْكَةِ:

– لَمْ تَنْسَ إِذًا.

قَالَ، وَفِي صَوْتِهِ حُنُوُّ مَنْ يَرَى السُّؤَالَ جَمِيلًا رَغْمَ أَنَّ الجَوَابَ مَعْرُوفٌ:

– وَكَيْفَ أَنْسَى ذِكْرَى أَجْمَلِ أَيَّامِ العُمْرِ؟ كُلُّ عَامٍ وَأَنْتِ الجَمَالُ وَالوَفَاءُ.

ابْتَسَمَتْ، وَكَانَتِ الاِبْتِسَامَةُ فِي فَمِهَا أَقْرَبَ إِلَى دُعَاءٍ مِنْهَا إِلَى رَدٍّ:

– كُلُّ عَامٍ وَأَنْتَ أَنْتَ؛ القَلْبُ الَّذِي يَحْتَوِي، وَالرُّوحُ الَّتِي تَسْتَوِي.

أَمْسَكَ بِيَدِهَا لِيَدْخُلَا إِلَى المَكَانِ الَّذِي كَانَا يَحْتَفِلَانِ فِيهِ كُلَّ عَامٍ، غَيْرَ أَنَّهَا مَالَتْ عَلَيْهِ بِهَمْسٍ لا يَخْلُو مِنْ دَلَالٍ وَحَرَجٍ:

– انْتَبِهْ، شَقِيقَتِي نَهْرَوَانُ فِي الدَّاخِلِ.

تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، وَكَأَنَّهَا تُرَتِّبُ عُذْرَهَا فِي عَيْنَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَقُولَهُ:

– تَعْلَمُ أَنَّهَا وَحِيدَةٌ مُنْذُ طَلَاقِهَا، وَحِينَ أَصَرَّتْ عَلَى زِيَارَتِي اليَوْمَ لَمْ أَجِدْ فِي قَلْبِي قُدْرَةً عَلَى رَدِّهَا. فَاغْفِرْ لِي.

شَعَرَ رَاشِدٌ بِأَنَّ شَيْئًا صَغِيرًا قَدِ انْكَسَرَ فِي صَفْوِ اللَّحْظَةِ، لا انْكِسَارًا يُسْمَعُ، بَلْ ذَلِكَ النَّوْعَ الخَفِيَّ مِنَ الاِنْكِسَارِ الَّذِي تَعْرِفُهُ النُّفُوسُ الحَسَّاسَةُ حِينَ يَدْخُلُ عَلَى طَقْسِهَا الخَاصِّ شَاهِدٌ لَمْ تَدْعُهُ. غَيْرَ أَنَّهُ اسْتَجْمَعَ فُلُولَ بَسْمَتِهِ الهَارِبَةِ، وَهَمَسَ فِي حُنُوٍّ:

– لِأَجْلِكِ يَهُونُ كُلُّ شَيْءٍ. لا بَأْسَ أَنْ تُشَارِكَنَا هَذِهِ المَرَّةَ بَعْضَ فَرَحِنَا.

قَالَهَا وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّ بَعْضَ اللَّحَظَاتِ لا تَتَّسِعُ لِثَالِثٍ، مَهْمَا كَانَ قَرِيبًا، لَكِنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ أَيْضًا أَنَّ الحُبَّ لا يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى قَسْوَةٍ عَلَى وَحْدَةِ امْرَأَةٍ أُخْرَى، وَلا أَنْ يَصِيرَ الفَرَحُ سِتَارًا يُغْلَقُ فِي وَجْهِ مَنْ لا فَرَحَ لَهُ.

كَانَتْ نَهْرَوَانُ جَالِسَةً فِي الصَّالُونِ، مُتَأَنِّقَةً كَمَنْ يَعْرِفُ أَنَّ حُضُورَهُ سَيُغَيِّرُ شَيْئًا فِي تَرْتِيبِ اللَّحْظَةِ. رَحَّبَتْ بِهِ بِكَلِمَاتٍ لَطِيفَةٍ، وَابْتِسَامَةٍ لا تَدَعُ مَأْخَذًا صَرِيحًا، غَيْرَ أَنَّ عَيْنَيْهَا كَانَتَا تَجُولَانِ فِي التَّفَاصِيلِ جَوْلَةَ مَنْ يَبْحَثُ عَنْ خَيْطٍ رَفِيعٍ يَشُدُّهُ.

أُضِيئَتِ الشُّمُوعُ، وَاسْتَقَرَّ الوَرْدُ فِي إِنَاءٍ بِلَّوْرِيٍّ تَوَسَّطَ المَائِدَةَ. بَدَا البَيَاضُ، فِي ضَوْءِ الشُّمُوعِ، أَلْيَنَ وَأَصْفَى، وَبَدَتِ الوَرْدَةُ الحَمْرَاءُ فِي وَسَطِهِ كَنَبْضٍ وَاحِدٍ يَحْرُسُ الذِّكْرَى. إِلَى جِوَارِهِ اسْتَقَرَّتِ الكَعْكَةُ، وَقَدْ لَبِسَتْ ثَوْبَهَا الأَبْيَضَ وَتَزَيَّنَتْ بِالكَرَزِ الأَحْمَرِ.

أَمْسَكَ رَاشِدٌ السِّكِّينَ، وَاقْتَطَعَ مِنْهَا أَجْمَلَ قِطْعَةٍ. كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّ عَامٍ بِالعِنَايَةِ نَفْسِهَا، وَبِاللَّمْسَةِ نَفْسِهَا، كَأَنَّ تَكْرَارَ الحَرَكَةِ لا يُفْقِدُهَا مَعْنَاهَا، بَلْ يَزِيدُهَا رُسُوخًا. قَدَّمَ القِطْعَةَ إِلَى زَوْجَتِهِ، فَمَالَتْ نَحْوَهَا، ثُمَّ تَوَقَّفَتْ عَيْنَاهَا عِنْدَ أَثَرٍ صَغِيرٍ عَلَى طَرَفِ الكَعْكَةِ.

– مَا هَذَا الأَثَرُ؟

قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ، سَبَقَتْهُ نَهْرَوَانُ، وَقَالَتْ بِضِحْكَةٍ خَفِيفَةٍ:

– لَعَلَّ ذُبَابَةً سَقَطَتْ فِيهَا، فَأَزَاحَهَا بِإِصْبَعِهِ.

لَمْ تَكُنِ الجُمْلَةُ طَوِيلَةً، وَلَمْ تَأْتِ بِصَوْتٍ عَالٍ. مَرَّتْ كَأَنَّهَا مُزَاحٌ عَابِرٌ، لَكِنَّ ضَوْءَ الشُّمُوعِ اضْطَرَبَ فِي عَيْنَي الزَّوْجَةِ، وَتَرَاجَعَتِ الاِبْتِسَامَةُ عَنْ شَفَتَيْهَا تَرَاجُعَ مَنْ لَمْ يُرِدِ الهَرَبَ وَلَكِنَّهُ دُفِعَ إِلَيْهِ. أَحْيَانًا تَكُونُ الدُّعَابَةُ، فِي أَفْوَاهِ بَعْضِ النَّاسِ، سِكِّينٌ يَلْبَسُ ثَوْبَ رِيشَةٍ؛ لا يَتَّسِخُ بِالدَّمِ، وَلَكِنَّهُ يَتْرُكُ فِي الدَّاخِلِ خَدْشًا لا يَرَاهُ أَحَدٌ.

هَرَبَتِ الاِبْتِسَامَةُ مِنْ وَجْهِ الزَّوْجَةِ وَالْتَفَتَتْ إِلَى رَاشِدٍ فِي تِلْكَ المَنْزِلَةِ الخَطِرَةِ الَّتِي يَقِفُ فِيهَا القَلْبُ بَيْنَ مَا يَعْرِفُهُ مِنْ حَبِيبِهِ وَمَا سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِ. كَانَ فِي عَيْنَيْهَا سُؤَالٌ حَزِينٌ، أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ فِيهِ شَكٌّ، لَكِنَّهُ كَانَ كَافِيًا لِيَفْتَحَ بَابًا صَغِيرًا تَدْخُلُ مِنْهُ الظُّنُونُ. أَوْضَحَ لَهَا الأَمْرَ بِرِقَّةٍ، وَلَكِنَّ الرِّقَّةَ كَانَتْ تَحْمِلُ فِي دَاخِلِهَا وَجَعًا صَغِيرًا. لَمْ يُؤْلِمْهُ السُّؤَالُ، فَالسُّؤَالُ حَقٌّ، وَلَكِنْ آلَمَهُ أَنْ تَحْتَاجَ عِشْرُونَ سَنَةً مِنَ المَعْرِفَةِ إِلَى جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ كَيْ تَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهَا ظِلَّ ذُبَابَةٍ لَمْ تَسْقُطْ.

كَادَتْ أَنْ تَعْتَذِرَ، وَكَادَتِ الاِبْتِسَامَةُ أَنْ تَعُودَ إِلَى وَجْهِهَا، غَيْرَ أَنَّ نَهْرَوَانَ أَسْرَعَتْ تَسْتَدْرِكُ، وَهِيَ تَغْتَصِبُ ضَحْكَةً مُفْتَعَلَةً:

– كُنْتُ أُمَازِحُكُمَا فَقَطْ. لا أَحْسَبُ رَاشِدًا يَفْعَلُهَا، وَهُوَ الكَرِيمُ الرَّقِيقُ.

كَانَتْ قَوْلَتُهَا هَذِهِ أَخْطَرَ مِنَ الأُولَى؛ فَالأُولَى رَمَتِ السُّمَّ، وَالثَّانِيَةُ غَطَّتْهُ بِالسُّكَّرِ. وَكَثِيرًا مَا تَكُونُ الكَلِمَةُ الحَاسِدَةُ أَذْكَى مِنْ أَنْ تَطْعَنَ طَعْنًا ظَاهِرًا؛ إِنَّهَا تَكْتَفِي بِأَنْ تُلْقِي فِي المَاءِ قَطْرَةً لا لَوْنَ لَهَا، ثُمَّ تَتْرُكُ النَّهْرَ كُلَّهُ يَدَّعِي أَنَّهُ مَا زَالَ صَافِيًا.

قَدَّمَ رَاشِدٌ القِطْعَةَ إِلَى زَوْجَتِهِ بِابْتِسَامَةٍ حَانِيَةٍ، يُرِيدُ بِهَا أَنْ يَقُولَ مَا لا تُحْسِنُهُ الجُمَلُ فِي الحَرَجِ. اجْتَهَدَتْ أَنْ تَبْحَثَ عَنْ بَقَايَا ابْتِسَامَتِهَا، فَخَرَجَتْ صَفْرَاءَ بَاهِتَةً، كَوَرْدَةٍ مَرَّ عَلَيْهَا بَرْدٌ مُفَاجِئٌ.

رَفَعَتِ القِطْعَةَ إِلَى فَمِهَا، وَنَهَشَتْ مِنْهَا قَضْمَةً صَغِيرَةً وَلَاكَتْهَا بِبُطْءٍ. وَجَدَتْ فِيهَا مَا تَعْرِفُ مِنْ كُنْهٍ، وَلَمْ تَجِدْ فِيهَا مَا تَعْرِفُ مِنْ نَكْهَةٍ. كَانَتْ لَذِيذَةً كَمَا يَنْبَغِي، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَعُدْ صَافِيَةً كَمَا كَانَتْ. بَقِيَتِ الكِرِيمَةُ بَيْضَاءَ، وَبَقِيَ الكَرَزُ أَحْمَرَ، وَبَقِيَ الوَرْدُ عَلَى المَائِدَةِ يَشْهَدُ لِلْحُبِّ بِعُمْرٍ طَوِيلٍ، غَيْرَ أَنَّ شَيْئًا دَقِيقًا، لا يُرَى، كَانَ قَدْ جَلَسَ بَيْنَهُمَا. لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ ذُبَابَةٌ فِي الكَعْكَةِ، كَانَتِ الذُّبَابَةُ فِي الكَلِمَةِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى