الشعر

طوفان وجرحان

مَا فِي الدِّيَارِ مِنَ العُرُوبَةِ مَظْهَرُ = عَجُمَ الجَنَانُ بِهَا وَعَجَّ الجَوْهَرُ
جَرَتِ الخُطُوبُ عَلَى القُلُوبِ فَضَجَّرَتْ = أَمَلَ الدُّرُوبِ وَضَرَّجَتْ مَنْ يَجْأَرُ
وَهَفَتْ نُفُوسُ الأُمَّتَيْنِ إِلَى هَوًى = فِيهِ الرُّبَى عَنْ ورْدِهَا تَتَنكَّرُ
فَإِذَا التَّدَابُرُ فِي المَوَاقِفِ مُقْبِلٌ = بِبَنِي العُرُوبَةِ وَالتَّقَابُلُ مُدْبِرُ
وَا حَسْرَتَاه عَلَى الدِّيَارِ وَقَدْ خَلَتْ = مِنْ صِيدِ قَـــدْرٍ بِالمُرُوءَةِ تَزْخَرُ
حَيثُ الرَّخَاءُ وَشَمْلُهَا مُتَآلِفٌ = وَالصَّدْرُ مِنْ أَرَجِ الوَفَاءِ مُعَطَّرُ
إِذْ كَانَ طَرْفُ المَجْدِ يَرْنُو نَحْوَهَا = وَالعِزُّ فِي سَاحَاتِهَا يَتَبَخْتَرُ
وَعُهُودُ أَمْنٍ ثُبِّتَتْ أَرْكَانُهَا = بِبَشَائِرِ السِّلْمِ المُنِيفِ تُؤَزَّرُ
مَاذَا دَهَى أَبْنَاءَ يَعْرُبَ كُلَّمَا = غَارَ الأُبَاةُ عَلَى الحِيَاضِ تَغَيَّرُوا
أَلَسَتْ بِهِمْ لُغَةُ الجِدَالِ وَأَبْلَسَتْ = شَفَةُ الضَّمَائِرِ حِينَ يَتْلُو المُنْكَرُ
عَقُمَتْ عَنِ الشَّرَفِ السُّرَاةُ فَلَمْ يَثُرْ = غَضَبُ الشُّعُوبِ وَلَا تَحَرَّكَ عَسْكَرُ
عَبَدُوا المُلُوكَ وَحَرَّفُوا شَرْعَ الهُدَى = وَأَضَلَّهُمُ إِبْلِيسُ حَتَّى كَفَّرُوا
قَدْ أَتْخَمُوا بَطْنَ التَّنَاجُشِ بِالقَذَى = وَالمَوْتُ فِيهِم جَائِعٌ يَتَضَوَّرُ
وَتَنَازَعُوا كَأْسَ التَّفَاخُرِ بِالأَنَا = حَتَّى افْتَرَى كِسْرَى البِلَادِ وَقَيْصَرُ
يَشْكُو الفُرَاتُ أَذَى الطُّغَاةِ لِدِجْلَةٍ = وَالنِّيلُ مِنْ شَكْوَاهُ لَا يَتَكَدَّرُ
وَتُطِلُّ فَوْقَ الشَّامِ ظُلَّةُ غُرْبَةٍ = عَنْ ذَاتِهَا وَيَدُ التَّوَاطُؤِ تُمْهَرُ
وَالقَتْلُ فِي السُّودَانِ يَحْدُو رَكْبَهُ = بِقَوَافِلِ الذَّهَبِ الَّتِي لَا تَحْذَرُ
وَالجُوعُ فِي اليَمَنَيْنِ يَلْعَقُ جُرْحَهُ = فَالصَّحْنُ غَدْرٌ وَالمَلَاعِقُ خِنْجَرُ
وَالقُدْسُ يُفْتِي بِالمَصِيرِ جُنَاتُهَا = وَالمَسْجِدُ الأَقْصَى يُدَاسُ وَيُؤْسَرُ
يَا ابْنَ الَّذِينَ مَضَوْا يُهَابُ زَئِيرُهُمْ = وَابْنَ الَّذِينَ أَتَوْا وَلَمَّا يَزْأَرُوا
مَا كُلُّ دَاعٍ لِلْفَضِيلَةِ مُدَّعٍ = أَوْ كُلُّ حَادٍ لِلْقَبِيلَةِ حَيْدَرُ
لَا تَحْسَبَنَّ النَّدْبَ يَكْفِي ثَاكِلًا = إِلَّا كَمَا يَكْفِي الكَفِيفَ الأَعْوَرُ
لَا يَسْتَوِي الجُرْحَانِ فِي كَأْسِ الأَسَى = جُرْحِي أَنَا مِلْحٌ وَجُرْحُكَ سُكَّرُ
حَتَّامَ تَشْكُلُكَ النُّدُوبُ فَلَا تَرَى = وَإِلَامَ تَرْكُلُكَ الكُرُوبُ وَتُنْكَرُ
وَلَعَلَّ مَنْ يُخْفِي الأَسَى مُتَجَلِّدًا = وَلَعَلَّ مَنْ يُبْدِي الأَسَى وَيُصَوّرُ
وَلَقَدْ تَضِجُّ الرُّوحُ مِنْ نَهْزِ الَّذِي = يُذْكِي لِيُذْكَرَ أَوْ يُشِيرُ لِيَشْكَرُوا
يَا مَنْ رَكَنْتَ إِلَى النَّمَارِقِ مُتْرَفًا = مِثْلَ النِّسَاءِ تَقُولُ فِيمَ تَهَوَّرُوا؟
لَوْ كُنْتَ تَدْرِي مَا الحَقِيقَةُ لَاسْتَحَى = مِنْكَ الإِبَاءُ وَلَازْدَرَاكَ المَأْثَرُ
لَيْسَ التَّهَوُّرُ مَنْ يُقَاوِمُ ظَالِمًا = بَلْ مَنْ يُوَالِي الظَّالِمِينَ وَيَسْخَرُ
لَمْ يَفْضَحِ الطُّوفَانُ نَقْمَةَ مُعْتَدٍ = بَلْ كُلَّ مَنْ أَغْضَوْا إِلَيْهِ وَأَضْمَرُوا
لَوْلَا أَبُو لَهَبٍ وَ”بَيْتٌ أَسْوَدٌ” = وَخَنَا الوُلَاةِ لَمَا طَغَوْا وَاسْتَكْبَرُوا
لَوْ أَنَّ خِنْزِيرًا تَعَثَّرَ أَوْ قَضَى = لَقَضَوْا إِلَى دَنَسِ الضَّنَى وَتَعَثَّرُوا
أَوْ أَنَّ كَلْبًا قَدْ تَأَثَّرَ بِالطُّوَى = فِي رِجْسِهِ، لَبَكَوْا لَهُ وَتَأَثَّرُوا
أَمَّا اغْتِيَالُ الصَّامِدِينَ بِنَارِهِمْ = فَبِشَرْعِ عَالَمِنَا الخَؤُونِ يُبَرَّرُ
جَارَ اليَهُودُ عَلَى فِلَسْطِينَ الَّتِي = فِيهَا الطُّفُولَةُ بِالقَنَابِلِ تُمْطَرُ
حَرَقُوا تُرَابَ الأَرْضِ حِقْدَ عَدَاوَةٍ = لَمْ يَتْرُكُوا شِبْرًا يُدَاسُ وَيُبْذَرُ
قَدْ حَاصَرُوا فَالمَاءُ وَالزَّادُ الَّذِي = يُبْقِي الحَيَاةَ غَدَا نَعِيمًا يُحْبَرُ
تِسْعُونَ أَلْفًا أَوْ يَزِيدُ اسْتُشْهِدُوا = لَمْ يَنْعَهُمْ فِي الأُمَّتَيْنِ الأَكْثَرُ
لَمْ يَرْحَمُوا طِفْلًا وَلَا شَيْخًا وَلَا = رَجُلًا وَلَا امْرَأَةً، وَكُلًّا حَسَّرُوا
لَمْ يَبْقَ بَعْدَ شُرُورِهِمْ مِنْ مَوْرِدٍ = لَمْ يَبْقَ إِكْسِيرٌ يُرَامُ وَدَفْتَرُ
وَتَغَوَّلُوا حَتَّى تَأَفَّفَ غُولُهُمْ = مِنْهُمْ، وَدَارُوا الكَأْسَ حَتَّى أَسْكَرُوا
لَمْ يَكْفِ رَهْطًا أَنْ تَخَاذَلَ أَزْرُهُمْ = حَتَّى تَآَمَرَ جُلُّهُمْ وَتَأَمَّرُوا
وَلأَنَّ غَزَّةَ أَرْضُ عِزَّةِ مَنْ أَبَى = قَالُوا اقْتُلُوهَا إِنَّهَا تَتَطَهَّرُ
فَكَأَنَّمَا الطُّوفَانُ سَوْأَةُ مَنْ رَأَوْا = أَنَّ الإِرَادَةَ قُوَّةٌ لَا تُقْهَرُ
وَكَأَنَّ أَشْطَانَ البُطُولَةِ سُبَّةٌ = فِي عَيْنِ مَنْ رَهِبُوا الوَغَى وَتَعَذَّرُوا
عُذْرًا إِذَا نَزَفَ الأَسَى مِنْ أَحْرُفِي = فَالرُّوحُ مِنْ هَوْلِ الرَّزِيَّةِ تُسْجَرُ
فِي مُهْجَتِي حِمَمٌ يَشِبُّ أُوَارُهَا = وَالحُزْنُ فِي صَدْرٍي يَجِيشُ وَيَهْدُرُ
فَكَأَنَّنِي صَخْرٌ يَذُوبُ وَفِي المَدَى = عَيْنٌ تَجُوبُ وَعَبْرَةٌ تَتَسَتَّرُ
وَكَأَنَّ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ رَزَانَتِي = قَابُ احْتِمَالٍ مِنْ رُؤًى تَتَهَوَّرُ
عَزَفَتْ يَرَاعِي عَنْ شِرَاعِي كُلَّمَا = هَبَّتْ رِيَاحُ قَصَائِدِي لَا تَمْخَرُ
مُزَمِّلًا حُزْنِي النَّبِيلَ مُعَزِّياً = ذِكْرَى سِنِينٍ دَمَّرَتْهَا الأَشْهُرُ
أَيَّامَ لَا أُمٌّ تُضَامُ وَلَا أَبٌ = يَخْشَى الهَوَانَ وَلَا وَلِيدٌ يُنْهَرُ
أَيَّامَ أَنْبَتَتِ الكَرَامَةُ دَوْلَةً = لَا فَرْعَ فِيهَا امْتَدَّ إِلَّا يُثْمِرُ
أَيَّامَ كَانَ هَوَى الأَحِبَّةِ حَوْلَنَا = لَا يُضْمِرُ الشَّكْوَى وَلَا يَتَذَمَّرُ
أَيَّامَ شَيَّدْنَا البُيُوتَ بِغُرْبَةٍ = نَهَبَتْ خُطَى العُمْرِ الَّذِي يَتَحَسَّرُ
يَا قَوْمُ، لِمَ آيُ الهُدَى مَهْجُورَةٌ؟ = أَوَلَيْسَ فِيكُمْ ذُو نُهًى يَتَبَصَّرُ؟
هُوَ نَهْجُكُمْ، هُوَ عَهْدُكُمْ مَعَ رَبِّكُمْ = مِنْهُ الحَيَاةُ مَسَارُهَا يَتَبَلْوَرُ
مَا بَالُنَا وَالمُجْرِمُونَ تَوَاطَؤُوا = أَنْ نُسْتَبَاحَ بِدِينِنَا وَنُحَقَّرُ؟
سَادُوا بِمَا اقْتَرَفُوا وَدَاسُوا قَدْرَنَا = وَلَنَحْنُ أَجْدَرُ أَنْ نُرَى وَنُؤَمَّرُ
نَسَبُوا إِلَى الإِرْهَابِ أَكْرَمَ أُمَّةٍ = تَاللَّهِ كَمْ ظَلَمُوا الهُدَى وَاسْتَهْتَرُوا
كُنَّا حُمَاةَ الحَقِّ حَيْثُ سَرَى بِنَا = مَا كَانَ فِينَا جَائِرٌ مُتَجَبِّرُ
هُوَ ثَعْلَبُ الصَّحْرَاءِ عَادَ بِمَكْرِهِ = وَبِهِ الضَّغَائِنُ وَالمَطَامِعُ تَجْهَرُ
سَبَكُوا مِنَ الكَذِبِ الصُّرَاحِ أَسِنَّةً = فَالحَقُّ يُبْقَرُ وَالحَقِيقَةُ تُقْبَرُ
وَعَلَى ضَرِيحِ الوَعْيِ يَصْرُخُ زَيْفُهُمْ = أَنَّ الَّذِي يُكْسَى الكَرَامَةَ يُكْسَرُ
زَعَمُوا الحَضَارَةَ إِرْثَهُمْ، لَكِنَّمَا = لَهُمُ الدَّعَارَةُ وَالخَنَا وَالمَيْسِرُ
رَغَمُوا السَّلَامَ عَلَى الأَنَامِ، وَلَمْ يَرَوْا = فِي كُلِّ نَاصِيَةٍ دِمَاءً تُهْدَرُ
أَمِنَ الحَضَارَةِ وَالسَّلَامِ مَجَازِرٌ = غَصَّتْ بِهَا الدُّنْيَا وَغَضَّتْ تَجْأَرُ؟
مَا شِيدَ لِلْعُمْرَانِ صَرْحٌ لَمْ يَكُنْ = جَشَعٌ بِهِمْ؛ إِمَّا لَهُمْ أَوْ يُبْتَرُ
الحَرْبُ سُوقٌ وَالغِلَالُ غَنِيمَةٌ = وَالعَيْشُ يُنْهَكُ وَالخُدُودُ تُصَعَّرُ
هَا قَدْ حَطَمْتُمْ كُلَّ غَزَّةَ بِاللَّظَى = فَهَلِ اسْتَقَرَّ العَالَمُ المُتَحَضِّرُ؟
يَا أَيُّهَا اللَّزِجُ الزَّنِيمُ وَفِي الثَّرَى = تَخْتَالُ فِي صَلَفٍ وَقَدْرُكَ أَحْقَرُ
يَا مَنْ إِذَا ذُكِرَ الخَبَالُ تَخَيَّلُوكَ = وَمَنْ إِذَا ذُكِرَ الهُرَاءُ تَصَوَّرُوا
إِنْ كَانَ سَرَّكَ أَنْ تَفَرَّقَ شَمْلُنَا = فَلَعَلَّ يَجْمَعُنَا المُصَابُ فَنَظْفَرُ
أَوْ كَانَ غَرَّكَ مَا تَرَى مِنْ حَوْلِنَا = فَاللهُ مِنْكَ وَمِنْ جُيُوشِكَ أَكْبَرُ
الجُرْحُ يَنْزِفُ وَالرُّؤَى نَضَّاحَةٌ = مِمَّا مَضَى وَالثَّأْرُ يَهْتِفُ: خَيْبَرُ
كَمْ ثُلَّةٍ عِنْدَ الوَغَى قُمْنَا لَهُمْ = يَوْمَ اسْتَبَدُّوا بِالوَرَى وَتَكَبَّرُوا
فَوَحَقِّ مَنْ فَرَضَ الجِهَادَ بِعِزَّةٍ = وَقَضَى لَنَا بِالحُسْنَيَيْنِ سَنَنْفِرُ
وَلَنَأْتِيَنَّ لَكُمْ بِأَعْظَمِ مَا أَتَى = قَوْمٌ مِنَ العَزْمِ الَّذِي لَا يُعْقَرُ
مِنْ كُلِّ فَارِسِ عِزَّةٍ يَجِدُ الرَّدَى = عَيْشًا وَيَسْعَى بِالشُّمُوخِ فَيُذْكَرُ
وَكَتَائِبٍ خُضْرٍ تَظَلُّ أُسُودُهَا = مِمَّا يَهَابُ الصَّائِلُ المُتَنَمِّرُ
يَا قَوْمِ مَا لِلنَّوْمِ عِنْدَ مَذَلَّةٍ = مِنْ بَعْدِ أَنْ كُنَّا نَهُبُّ وَنَسْهَرُ
مَنْ ذَا يَفُلُّ صُمُودَ مِثْلِكَ فِي الكُدَى = إِنْ نَادَتِ الأُخْرَى وَجَادَ الكَوْثَرُ
تَصْطَفُّ بَيْنَ المُكْرَمِينَ فَمَا يُرَى = مُتَقَدِّمٌ عَنْكُمْ وَلَا مُتَأَخِّرُ
إِنْ نَرْتَضِ العَيْشَ الهَوَانَ فَإِنَّهُ = عَيْشٌ نَمُوتُ بِهِ وَرَأْيٌ أَخْسَرُ
لَا يَقْبَلُ اللهُ الدُّعَاءَ تَوَاكُلًا = بَلْ بِالفِعَالِ وَبِالتَّوَكُّلِ نُنْصَرُ
يَا قَوْمِ فَاسْتَبِقُوا الصِّرَاطَ وَقَدِّمُوا = مِنْ قُوَّةٍ تُخْزِي العَدُوَّ وَتَزْجُرُ
هِيَ قُوَّةُ الإِيمَانِ، مَا مِنْ قُوَّةٍ = قُصِفَتْ بِهَا إِلَّا تُصَدُّ وَتُدْحَرُ
يَا غَزَّةَ الأَحْرَارِ يَا أَرَجَ الفِدَا = يَا كُلَّ مَعْنًى لِلْمَآثِرِ يُؤْثَرُ
يَا رَمْزَ عِزَّتِنَا وَطَوْدَ شُمُوخِنَا = يَا صَرْخَةَ الإِقْدَامِ حِينَ تَقَهْقَرُوا
هَذِي دِمَاؤُكِ تُرْسِلُ الغَضَبَ الَّذِي = يَرْجُو لِأَهْلِ الأَرْضِ أَنْ يَتَحَرَّرُوا
سَيَظَلُّ يَصْعَدُ مِنْ رَمَادِكِ لِلْعُلَا = عَنْقَاءُ تَارِيخٍ بِصَبْرِكِ تَفْخَرُ
وَتَفُوقُ هَامَتُكِ الجِبَالَ كَأَنَّهَا = لُغَةٌ تُبَشِّرُ أَنَّ مَهْدَكِ مِنْبَرُ
آوَيْتَ فِي الإِنْسَانِ رُوحَ تَحَرُّرِ = وَرَوَيْتَ فِي الوِجْدَانِ مَا لَا يُحْصَرُ
سَرَّحْتَ كُلَّ مُكَبَّلٍ فِي وَهْمِهِ = وَنَصَحْتَ كُلَّ مُضَلَّلٍ مَا يَحْذَرُ
وَأَضَأْتَ قِنْدِيلَ الحَقِيقَةِ فِي دُجَى = مِنْ جَوْرِ مَنْ يَقْضِي لِمَنْ يَتَعَثَّرُ
فَلَكَ الثَّنَاءُ عَلَى الإِبَاءِ وَلِلْوَرَى = أَنْ يَقْبِسُوا مِنْكَ الَّذِي يُتَدَبَّرُ
إِنْ طَابَ فِي دَمِهِ الشَّهِيدُ مُلَثَّمٌ = فَهُنَاكَ أَلْفُ مُلَثَّمٍ يَتَصَدَّرُ
أَوْ غَابَ فِي يَحْيَى الرُّجُولَةِ قَائِدٌ = فَالقَادَةُ العُظَمَاءُ جُنْدٌ مُحْضَرُ
مَا أَسْلَمُوكِ سِوَى لِيَرْكَعَ ظِلُّهُمْ = لِضِيَاءِ مَجْدِكِ فِي الخُلُودِ وَيُثْبَرُوا
خَذَلُوكِ يَا بُشْرَى السَّمَاءِ وَخُذِّلُوا = كُثرٌ عِدَاكِ، وَأَنْتِ وَحْدَكِ أَكْثَرُ
ما في الديار من العروبة مظهر = عجم الجنان بها وعج الجوهر
جرت الخطوب على القلوب فضجرت = أمل الدروب وضرجت من يجأر
وهفت نفوس الأمتين إلى هوى = فيه الربى عن وردها تتنكر
فإذا التدابر في المواقف مقبل = ببني العروبة والتقابل مدبر
وا حسرتاه على الديار وقد خلت = من صيد قدر بالمروءة تزخر
حيث الرخاء وشملها متآلف = والصدر من أرج الوفاء معطر
إذ كان طرف المجد يرنو نحوها = والعز في ساحاتها يتبختر
وعهود أمن ثبتت أركانها = ببشائر السلم المنيف تؤزر
ماذا دهى أبناء يعرب كلما = غار الأباة على الحياض تغيروا
ألست بهم لغة الجدال وأبلست = شفة الضمائر حين يتلو المنكر
عقمت عن الشرف السراة فلم يثر = غضب الشعوب ولا تحرك عسكر
عبدوا الملوك وحرفوا شرع الهدى = وأضلهم إبليس حتى كفروا
قد أتخموا بطن التناجش بالقذى = والموت فيهم جائع يتضور
وتنازعوا كأس التفاخر بالأنا = حتى افترى كسرى البلاد وقيصر
يشكو الفرات أذى الطغاة لدجلة = والنيل من شكواه لا يتكدر
وتطل فوق الشام ظلة غربة = عن ذاتها ويد التواطؤ تمهر
والقتل في السودان يحدو ركبه = بقوافل الذهب التي لا تحذر
والجوع في اليمنين يلعق جرحه = فالصحن غدر والملاعق خنجر
والقدس يفتي بالمصير جناتها = والمسجد الأقصى يداس ويؤسر
يا ابن الذين مضوا يهاب زئيرهم = وابن الذين أتوا ولما يزأروا
ما كل داع للفضيلة مدع = أو كل حاد للقبيلة حيدر
لا تحسبن الندب يكفي ثاكلا = إلا كما يكفي الكفيف الأعور
لا يستوي الجرحان في كأس الأسى = جرحي أنا ملح وجرحك سكر
حتام تشكلك الندوب فلا ترى = وإلام تركلك الكروب وتنكر
ولعل من يخفي الأسى متجلدا = ولعل من يبدي الأسى ويصور
ولقد تضج الروح من نهز الذي = يذكي ليذكر أو يشير ليشكروا
يا من ركنت إلى النمارق مترفا = مثل النساء تقول فيم تهوروا؟
لو كنت تدري ما الحقيقة لاستحى = منك الإباء ولازدراك المأثر
ليس التهور من يقاوم ظالما = بل من يوالي الظالمين ويسخر
لم يفضح الطوفان نقمة معتد = بل كل من أغضوا إليه وأضمروا
لولا أبو لهب و”بيت أسود” = وخنا الولاة لما طغوا واستكبروا
لو أن خنزيرا تعثر أو قضى = لقضوا إلى دنس الضنى وتعثروا
أو أن كلبا قد تأثر بالطوى = في رجسه، لبكوا له وتأثروا
أما اغتيال الصامدين بنارهم = فبشرع عالمنا الخؤون يبرر
جار اليهود على فلسطين التي = فيها الطفولة بالقنابل تمطر
حرقوا تراب الأرض حقد عداوة = لم يتركوا شبرا يداس ويبذر
قد حاصروا فالماء والزاد الذي = يبقي الحياة غدا نعيما يحبر
تسعون ألفا أو يزيد استشهدوا = لم ينعهم في الأمتين الأكثر
لم يرحموا طفلا ولا شيخا ولا = رجلا ولا امرأة، وكلا حسروا
لم يبق بعد شرورهم من مورد = لم يبق إكسير يرام ودفتر
وتغولوا حتى تأفف غولهم = منهم، وداروا الكأس حتى أسكروا
لم يكف رهطا أن تخاذل أزرهم = حتى تآمر جلهم وتأمروا
ولأن غزة أرض عزة من أبى = قالوا اقتلوها إنها تتطهر
فكأنما الطوفان سوأة من رأوا = أن الإرادة قوة لا تقهر
وكأن أشطان البطولة سبة = في عين من رهبوا الوغى وتعذروا
عذرا إذا نزف الأسى من أحرفي = فالروح من هول الرزية تسجر
في مهجتي حمم يشب أوارها = والحزن في صدري يجيش ويهدر
فكأنني صخر يذوب وفي المدى = عين تجوب وعبرة تتستر
وكأن ما بيني وبين رزانتي = قاب احتمال من رؤى تتهور
عزفت يراعي عن شراعي كلما = هبت رياح قصائدي لا تمخر
مزملا حزني النبيل معزيا = ذكرى سنين دمرتها الأشهر
أيام لا أم تضام ولا أب = يخشى الهوان ولا وليد ينهر
أيام أنبتت الكرامة دولة = لا فرع فيها امتد إلا يثمر
أيام كان هوى الأحبة حولنا = لا يضمر الشكوى ولا يتذمر
أيام شيدنا البيوت بغربة = نهبت خطى العمر الذي يتحسر
يا قوم، لم آي الهدى مهجورة؟ = أوليس فيكم ذو نهى يتبصر؟
هو نهجكم، هو عهدكم مع ربكم = منه الحياة مسارها يتبلور
ما بالنا والمجرمون تواطؤوا = أن نستباح بديننا ونحقر؟
سادوا بما اقترفوا وداسوا قدرنا = ولنحن أجدر أن نرى ونؤمر
نسبوا إلى الإرهاب أكرم أمة = تالله كم ظلموا الهدى واستهتروا
كنا حماة الحق حيث سرى بنا = ما كان فينا جائر متجبر
هو ثعلب الصحراء عاد بمكره = وبه الضغائن والمطامع تجهر
سبكوا من الكذب الصراح أسنة = فالحق يبقر والحقيقة تقبر
وعلى ضريح الوعي يصرخ زيفهم = أن الذي يكسى الكرامة يكسر
زعموا الحضارة إرثهم، لكنما = لهم الدعارة والخنا والميسر
رغموا السلام على الأنام، ولم يروا = في كل ناصية دماء تهدر
أمن الحضارة والسلام مجازر = غصت بها الدنيا وغضت تجأر؟
ما شيد للعمران صرح لم يكن = جشع بهم؛ إما لهم أو يبتر
الحرب سوق والغلال غنيمة = والعيش ينهك والخدود تصعر
ها قد حطمتم كل غزة باللظى = فهل استقر العالم المتحضر؟
يا أيها اللزج الزنيم وفي الثرى = تختال في صلف وقدرك أحقر
يا من إذا ذكر الخبال تخيلوك = ومن إذا ذكر الهراء تصوروا
إن كان سرك أن تفرق شملنا = فلعل يجمعنا المصاب فنظفر
أو كان غرك ما ترى من حولنا = فالله منك ومن جيوشك أكبر
الجرح ينزف والرؤى نضاحة = مما مضى والثأر يهتف: خيبر
كم ثلة عند الوغى قمنا لهم = يوم استبدوا بالورى وتكبروا
فوحق من فرض الجهاد بعزة = وقضى لنا بالحسنيين سننفر
ولنأتين لكم بأعظم ما أتى = قوم من العزم الذي لا يعقر
من كل فارس عزة يجد الردى = عيشا ويسعى بالشموخ فيذكر
وكتائب خضر تظل أسودها = مما يهاب الصائل المتنمر
يا قوم ما للنوم عند مذلة = من بعد أن كنا نهب ونسهر
من ذا يفل صمود مثلك في الكدى = إن نادت الأخرى وجاد الكوثر
تصطف بين المكرمين فما يرى = متقدم عنكم ولا متأخر
إن نرتض العيش الهوان فإنه = عيش نموت به ورأي أخسر
لا يقبل الله الدعاء تواكلا = بل بالفعال وبالتوكل ننصر
يا قوم فاستبقوا الصراط وقدموا = من قوة تخزي العدو وتزجر
هي قوة الإيمان، ما من قوة = قصفت بها إلا تصد وتدحر
يا غزة الأحرار يا أرج الفدا = يا كل معنى للمآثر يؤثر
يا رمز عزتنا وطود شموخنا = يا صرخة الإقدام حين تقهقروا
هذي دماؤك ترسل الغضب الذي = يرجو لأهل الأرض أن يتحرروا
سيظل يصعد من رمادك للعلا = عنقاء تاريخ بصبرك تفخر
وتفوق هامتك الجبال كأنها = لغة تبشر أن مهدك منبر
آويت في الإنسان روح تحرر = ورويت في الوجدان ما لا يحصر
سرحت كل مكبل في وهمه = ونصحت كل مضلل ما يحذر
وأضأت قنديل الحقيقة في دجى = من جور من يقضي لمن يتعثر
فلك الثناء على الإباء وللورى = أن يقبسوا منك الذي يتدبر
إن طاب في دمه الشهيد ملثم = فهناك ألف ملثم يتصدر
أو غاب في يحيى الرجولة قائد = فالقادة العظماء جند محضر
ما أسلموك سوى ليركع ظلهم = لضياء مجدك في الخلود ويثبروا
خذلوك يا بشرى السماء وخذلوا = كثر عداك، وأنت وحدك أكثر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى