تَمَدَّدَ عَلَى الأَرِيكَةِ الوَثِيرَةِ، وَفَرَكَ يَدَيْهِ فِي رِضًا صَامِتٍ، كَأَنَّهُ يَفْرُكُ بَيْنَ رَاحَتَيْهِ دِفْءَ ذَلِكَ المَسَاءِ كُلِّهِ. كَانَ المَوْقِدُ المُقَابِلُ يَبْسُطُ لَهَبَهُ الوَادِعَ عَلَى الخَشَبِ المُتَكَسِّرِ، وَيُرْسِلُ فِي الغُرْفَةِ حَرَارَةً نَاعِمَةً تَتَسَلَّلُ إِلَى عِظَامِهِ، فَتَزِيدُ جَسَدَهُ اسْتِرْخَاءً، وَنَفْسَهُ سَكِينَةً، وَتَجْعَلُ الوَحْدَةَ الَّتِي حَوْلَهُ أَقَلَّ وَحْشَةً وَأَكْثَرَ أُلْفَةً. مِنْ خَلْفِ النَّافِذَةِ الكَبِيرَةِ كَانَ الثَّلْجُ يَهْطِلُ فِي دَعَةٍ، لا يَسْقُطُ كَمَا تَسْقُطُ الأَشْيَاءُ الثَّقِيلَةُ، بَلْ يَنْزِلُ كَأَنَّهُ قُطْنٌ نَدِيفٌ تُرْسِلُهُ يَدٌ خَفِيَّةٌ عَلَى مَهَلٍ. وَكَانَ البَيْتُ الخَشَبِيُّ الصَّغِيرُ، المُحَاطُ بِأَشْجَارٍ بَاسِقَةٍ أَصَرَّتْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ خُضْرَتِهَا رَغْمَ البَيَاضِ المُتَرَاكِمِ عَلَى أَكْتَافِهَا، يَبْدُو كَجَزِيرَةٍ دَافِئَةٍ فِي بَحْرٍ بَارِدٍ مِنَ الصَّمْتِ.
كَانَ ذَلِكَ البَيْتُ عَالَمَهُ كُلَّهُ؛ يَكْفِيهِ فِي أَكْثَرِ أَيَّامِهِ، وَيَضِيقُ بِهِ فِي بَعْضِ لَيَالِيهِ حِينَ يُفَاجِئُهُ حَنِينٌ غَامِضٌ إِلَى صَوْتٍ آخَرَ، أَوْ خُطْوَةٍ عَابِرَةٍ، أَوْ بَابٍ يُفْتَحُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الفَاتِحَ وَالوَاقِفَ وَالمُنْتَظِرَ. كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ شَيْخُوخَتَهُ سَتَأْتِي وَحِيدَةً، وَكَانَ يُدَارِي هَذِهِ المَعْرِفَةَ بِرِضًا مَهَذَّبٍ، كَمَنْ يُغَطِّي مِرْآةً قَدِيمَةً بِقِطْعَةِ قُمَاشٍ حَتَّى لا تُفَاجِئَهُ صُورَتُهُ فِيهَا كُلَّ صَبَاحٍ.
عَادَ إِلَى الكَامِيرَا المَوْضُوعَةِ إِلَى جَانِبِهِ. تَنَاوَلَهَا بِرِفْقٍ، وَقَلَّبَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَنْ يَتَفَحَّصُ جَوْهَرَةً لَمْ تَأْلَفْ بَعْدُ حَرَارَةَ الأَصَابِعِ. كَانَ قَدِ ابْتَاعَهَا مُنْذُ يَوْمَيْنِ بَعْدَ تَرَدُّدٍ طَوِيلٍ، ثُمَّ بَعْدَ هَزِيمَةٍ سَعِيدَةٍ أَمَامَ رَغْبَةٍ قَدِيمَةٍ ظَلَّتْ تَنْقُرُ بَابَ خَيَالِهِ سِنِينَ. تَأَمَّلَ شَكْلَهَا الأَنِيقَ، وَمَسَّ أَزْرَارَهَا وَعَدَسَتَهَا، وَتَنَقَّلَ فِي قَوَائِمِهَا كَطِفْلٍ يَتَعَلَّمُ أَبْجَدِيَّةَ لُعْبَتِهِ الأُولَى.
لَمْ يَكُنْ ثَمَنُهَا هَيِّنًا، وَلَمْ يَكُنْ هُوَ رَجُلًا يُفَرِّطُ فِي مَالِهِ بِخِفَّةٍ. غَيْرَ أَنَّهُ أَقْنَعَ نَفْسَهُ أَنَّ مَا دُفِعَ فِيهَا لَيْسَ ثَمَنَ آلَةٍ، بَلْ ثَمَنُ لَحَظَاتٍ سَتَنْجُو مِنَ النِّسْيَانِ. سَيُصَوِّرُ مَوْقِدَهُ حِينَ يَشْتَعِلُ، وَالثَّلْجَ حِينَ يَنْزِلُ، وَالأَشْجَارَ حِينَ تَخْرُجُ مِنَ البَيَاضِ كَأَصَابِعَ خَضْرَاءَ، وَوَجْهَهُ حِينَ يَكُونُ فَرِحًا بِلا شَاهِدٍ. سَيَحْفَظُ ذَلِكَ كُلَّهُ لِزَمَنٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى مَا يُؤَانِسُهُ مِنْهُ، حِينَ تَخِفُّ الخُطَى، وَيَثْقُلُ الصَّمْتُ، وَيُصْبِحُ المَاضِي أَكْثَرَ سُكَّانِ البَيْتِ حُضُورًا.
رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى النَّافِذَةِ. كَانَتِ السَّمَاءُ تَحِيكُ لِلأَرْضِ ثَوْبًا أَبْيَضَ، وَكَانَتِ الأَرْضُ تَتَلَقَّاهُ فِي خُشُوعٍ كَأَنَّهَا تَرْضَى، لِسَاعَةٍ أَوْ سَاعَتَيْنِ، أَنْ تَنْسَى كُلَّ مَا تَحْتَ هَذَا البَيَاضِ مِنْ وَحَلٍ وَحَجَرٍ وَخُدُوشٍ قَدِيمَةٍ. وَمَعَ كُلِّ رَقَاقَةِ ثَلْجٍ كَانَتْ تَتَّسِعُ فِي دَاخِلِهِ رَغْبَةٌ فِي الخُرُوجِ، وَفِي اخْتِبَارِ الكَامِيرَا، وَفِي أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الجَمَالَ لَقْطَةً لا تَذُوبُ. تَوَقَّفَتْ عَيْنُهُ عِنْدَ عِبَارَةٍ صَغِيرَةٍ عَلَى صُنْدُوقِهَا: ثَبَاتُ الصُّورَةِ فِي أَقْسَى الظُّرُوفِ. ابْتَسَمَ. كَأَنَّ العِبَارَةَ كُتِبَتْ لِهَذِهِ اللَّحْظَةِ وَحْدَهَا. نَهَضَ مِنْ فَوْرِهِ، وَارْتَدَى مِعْطَفَهُ السَّمِيكَ، وَأَحْكَمَ اللِّثَامَ الصُّوفِيَّ حَوْلَ وَجْهِهِ، وَتَفَقَّدَ بَطَّارِيَّةَ الكَامِيرَا مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى البَيَاضِ.
كَانَ الهَوَاءُ نَقِيًّا حَادًّا، يَلْفَحُ الجَبِينِ ثُمَّ يَتْرُكُ فِيهِ صَحْوًا لَذِيذًا. انْسَابَ عَلَى زَلَّاجَتَيْهِ بِتُؤَدَةٍ أَوَّلَ الأَمْرِ، ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ أَطْلَقَ لِسَاقَيْهِ العِنَانَ. مَضَى نَحْوَ المَسَاحَاتِ البَيْضَاءِ، حَيْثُ لا شَجَرَ يُضَيِّقُ الطَّرِيقَ، وَلا حَجَرَ يُقَاطِعُ الاِنْحِدَارَ، وَلا عَيْنَ تُرَاقِبُ فَرَحَهُ فَتُفْسِدُ عَلَيْهِ عُذُوبَةَ الاِنْفِرَادِ. هُنَاكَ، عَلَى السُّفُوحِ الهَادِئَةِ، رَاحَ يُسَابِقُ الرِّيحَ تَارَةً، وَيُسَابِقُ ظِلَّهُ تَارَةً أُخْرَى. كَانَتْ مَهَارَتُهُ القَدِيمَةُ تَعُودُ إِلَى عَضَلَاتِهِ، وَكَانَتِ النَّشْوَةُ تَسْبِقُ خَوْفَهُ وَتَمْحُوهُ. أَدَارَ الكَامِيرَا إِلَى وَجْهِهِ المُتَهَلِّلِ، ثُمَّ إِلَى الأُفُقِ المَفْتُوحِ أَمَامَهُ، ثُمَّ إِلَى آثَارِ زَلَّاجَتَيْهِ وَهِيَ تَشُقُّ البَيَاضَ خَطَّيْنِ رَفِيعَيْنِ كَتَوْقِيعَيْنِ عَلَى صَفْحَةٍ لَمْ تُكْتَبْ بَعْدُ.
كَانَ يَضْحَكُ وَهُوَ يَتَمَايَلُ، وَيَرْفَعُ الكَامِيرَا، وَيُبْعِدُهَا، وَيُقَرِّبُهَا، وَيُجَرِّبُ ثَبَاتَ الصُّورَةِ فِي السُّرْعَةِ وَالرِّيحِ وَالرَّجْفَةِ. لَحْظَةً كَانَ يَرَى نَفْسَهُ عَلَى الشَّاشَةِ، وَلَحْظَةً يَرَى السَّمَاءَ تَمِيلُ، وَالأَرْضَ تَنْهَضُ، وَالثَّلْجَ يَتَطَايَرُ حَوْلَهُ كَمَسَرَّةٍ بَيْضَاءَ لا تُحْسِنُ الجُلُوسَ فِي مَكَانِهَا.
ثُمَّ حَدَثَ مَا لَمْ تَكُنْ لَهُ صُورَةٌ فِي خَيَالِهِ.
لَمْ يَسْمَعْ فِي البِدَايَةِ إِلَّا صَوْتًا مَكْتُومًا، كَتَنَهُّدٍ عَمِيقٍ خَرَجَ مِنْ صَدْرِ الأَرْضِ. تَحْتَ الزَّلَّاجَتَيْنِ تَشَقَّقَ البَيَاضُ فِي خَطٍّ خَاطِفٍ، ثُمَّ اتَّسَعَ الخَطُّ، وَانْفَتَحَ الجَلِيدُ تَحْتَهُ كَفَمٍ بَارِدٍ. لَمْ يَجِدْ وَقْتًا لِلفَهْمِ. مَالَ جَسَدُهُ، وَانْفَلَتَتْ صَيْحَةٌ غَرِيبَةٌ مِنْ حَلْقِهِ، وَهَوَى.
ضَرَبَهُ المَاءُ المُتَجَمِّدُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، فَانْقَطَعَ نَفَسُهُ كَأَنَّ صَدْرَهُ أُغْلِقَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّاخِلِ. تَشَبَّثَ بِحَافَّةِ الجَلِيدِ بِيَدٍ، وَفِي اليَدِ الأُخْرَى بَقِيَتِ الكَامِيرَا. كَانَتْ غَرِيزَةُ الجَسَدِ تَطْلُبُ يَدَيْهِ مَعًا، وَكَانَتْ أَصَابِعُهُ تَضُمُّ الآلَةَ بِحِرْصٍ مُذْعِنٍ، كَأَنَّهَا صَارَتْ جُزْءًا مِنْهُ لا يَقْدِرُ عَلَى إِفْلَاتِهِ.
غَاصَ إِلَى خَصْرِهِ، ثُمَّ إِلَى صَدْرِهِ. صَارَ الأَلَمُ كَائِنًا حَيًّا يَعَضُّ أَطْرَافَهُ بِأَسْنَانٍ كَثِيرَةٍ. رَفَعَ الكَامِيرَا فَوْقَ رَأْسِهِ، وَشَدَّ عَلَيْهَا بِقَبْضَةٍ مُرْتَجِفَةٍ. كَانَ المَاءُ يَصْعَدُ إِلَيْهِ، وَكَانَتْ يَدُهُ تَصْعَدُ بِهَا وَكُلَّمَا هَبَطَ جَسَدُهُ أَكْثَرَ رَفَعَهَا أَكْثَرَ مُشْفِقَاً عَلَيهَا يَنْظُرُ إِلَيهَا بِحِرْصٍ وَانْتِبَاهٍ. لَمْ يَعُدْ يَرَى الوَجْهَ الَّذِي كَانَ يُصَوِّرُهُ قَبْلَ لَحَظَاتٍ، وَلا الأُفُقَ، وَلا الخَطَّيْنِ الرَّفِيعَيْنِ عَلَى الثَّلْجِ. كَانَ كُلُّ هَمِّهِ وَقْتَئِذٍ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى الكَامِيرَا أَلَّا تَبْتَلَّ فَتَتَعَطَّلَ، أَوِ أَنْ تَسْقُطَ مِنْ يَدِهِ فَتَنْكَسِرَ.
حَاوَلَ أَنْ يَسْحَبَ نَفْسَهُ، فَانْكَسَرَ طَرَفُ الجَلِيدِ تَحْتَ مِرْفَقِهِ. حَاوَلَ مَرَّةً أُخْرَى، فَانْزَلَقَتْ يَدُهُ العَارِيَةُ عَلَى البَيَاضِ المَبْلُولِ. كَانَتِ الزَّلَّاجَتَانِ تَشُدَّانِ قَدَمَيْهِ إِلَى أَسْفَلَ، وَكَانَ الثَّوْبُ يَثْقُلُ، وَكَانَتِ الكَامِيرَا، المَرْفُوعَةُ فَوْقَ الرَّأْسِ، تَمْنَحُهُ وَهْمًا صَغِيرًا بِأَنَّ شَيْئًا مَا لا يَزَالُ نَاجِيًا.
لَمْ يَدْرِ كَمْ مَضَى مِنَ الوَقْتِ. تَفَتَّتَ الصُّرَاخُ فِي حَلْقِهِ، وَصَارَ الصَّوْتُ بُخَارًا يَخْرُجُ ثُمَّ يَضِيعُ. آخِرُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الكَامِيرَا، لا إِلَى السَّمَاءِ، وَأَنَّ إِصْبَعَهُ كَانَ لا يَزَالُ عَلَى زِرِّ التَّصْوِيرِ، وَأَنَّ الشَّاشَةَ الصَّغِيرَةَ اهْتَزَّتْ، ثُمَّ اسْوَدَّتْ. حِينَ فَتَحَ عَيْنَيْهِ، كَانَ البَيَاضُ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الثَّلْجِ إِلَى السَّرِيرِ، وَمِنَ الأُفُقِ إِلَى جُدْرَانِ الغُرْفَةِ. رَائِحَةُ المُطَهِّرَاتِ حَلَّتْ مَكَانَ رَائِحَةِ الخَشَبِ المُحْتَرِقِ، وَالصَّمْتُ الَّذِي حَوْلَهُ لَمْ يَعُدْ صَمْتَ البَيْتِ، بَلْ صَمْتًا تَقْطَعُهُ أَصْوَاتُ أَجْهِزَةٍ تَعْرِفُ عَنْ أَجْسَادِ النَّاسِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْرِفُونَ.
حَرَّكَ عَيْنَيْهِ بِبُطْءٍ. عِنْدَ طَرَفِ السَّرِيرِ كَانَتْ قَدَمَاهُ مُثْقَلَتَيْنِ بِضَمَادٍ وَبَيَاضٍ آخَرَ. لَمْ يَشْعُرْ بِهِمَا كَمَا يَنْبَغِي. بَقِيَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمَا طَوِيلًا، ثُمَّ أَدَارَ رَأْسَهُ إِلَى الطَّاوِلَةِ الصَّغِيرَةِ بِجَانِبِهِ. هُنَاكَ كَانَتِ الكَامِيرَا مَوْضُوعَةً فِي كِيسٍ شَفَّافٍ، وَعَدَسَتُهَا مَشْقُوقَةٌ بِخَطٍّ رَفِيعٍ، كَأَنَّ الثَّلْجَ تَرَكَ عَلَيْهَا أَثَرَ إِصْبَعِهِ الأَخِيرِ. إِلَى جَانِبِهَا اسْتَقَرَّ كَشْفُ الحِسَابِ. قَرَّبَهُ إِلَيْهِ بِيَدٍ مُتْعَبَةٍ، وَتَأَمَّلَ الرَّقْمَ فِي أَسْفَلِ الصَّفْحَةِ. كَانَ يَزِيدُ عَلَى ثَمَنِ الكَامِيرَا بِعَشْرَةِ أَضْعَافٍ.
ظَلَّتْ عَيْنَاهُ تَتَنَقَّلَانِ بَيْنَ القَدَمَيْنِ المَشْلُولَتَينِ، وَالعَدَسَةِ المَكْسُورَةِ، وَالرَّقْمِ المُسْتَقِرِّ فِي آخِرِ الوَرَقَةِ. ثُمَّ تَذَكَّرَ تِلْكَ العِبَارَةَ الصَّغِيرَةَ عَلَى الصُّنْدُوقِ؛ ثَبَاتُ الصُّورَةِ فِي أَقْسَى الظُّرُوفِ.
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ.
وَلأَوَّلِ مَرَّةٍ، بَدَتْ لَهُ الصُّورَةُ ثَابِتَةً تَمَامًا بِدُونِ أَيِّ اهْتِزَازٍ.
