الفكرتربية واجتماعمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

الديمقراطية حين تفقد روحها

أزمة الديمقراطية المعاصرة وكيف يزيف الاستبداد الناعم إرادة الشعوب

ليست الديمقراطية خصما للحرية، ولا ينبغي أن تكون. وليست في أصل معناها مؤامرة على الإنسان، ولا قناعا مصنوعا منذ البدء لإدامة القهر، بل هي واحدة من المحاولات البشرية الكبرى لتقييد السلطة، وكبح التفرعن، وإخراج الحكم من منطق الغلبة إلى منطق المساءلة. غير أنّ الفكرة النبيلة لا تظلّ نبيلة بمجرد عظمة اسمها، ولا تبقى طاهرة لمجرد أنّ الشعوب دفعت في سبيلها أثمانا باهظة من الدّم والألم والأمل. فكلّ معنى عظيم يمكن أن يختطف، وكلّ قيمة كبرى يمكن أن تتحول إلى قناع، وكلّ كلمة مضيئة قد تستعمل، إذا فرّغت من روحها، لتجميل أكثر صور الظلام نعومة وفتكا.

ليست المشكلة إذن في الديمقراطية بوصفها حقّ الشعوب في المشاركة والمحاسبة، بل في تزوير الديمقراطية حين تتحول من وسيلة لحماية الإنسان إلى تقنية لإدارته، ومن عهد أخلاقيّ يحدّ من سلطة الحاكم إلى مسرح سياسيّ يمنح الشرعية لمن امتلك أدوات التأثير، ومن وعد بتحرير الإرادة إلى صناعة واسعة لإنتاج هذه الإرادة قبل أن تذهب إلى الصندوق. فالخطر لا يبدأ حين تمنع الشعوب من الكلام فقط، بل حين تمنح الكلام بعد أن تكون الكلمات نفسها قد أفرغت من معناها. ولا يبدأ حين يحرم الإنسان من الاختيار وحده، بل حين يدعى إلى الاختيار بعد أن تكون رغباته قد صيغت في معامل الخوف والصورة والدعاية والحاجة والإلهاء.

“إنّ الخطر لا يبدأ حين تمنع الشعوب من الكلام فقط، بل حين تمنح الكلام بعد أن تكون الكلمات نفسها قد أفرغت من معناها.”

إنّ العالم الحديث لا يعيش أزمة أنظمة فحسب، بل أزمة معنى. وهذه هي العلّة الأعمق التي تجعل كثيرا من العلاجات السياسية قاصرة مهما حسنت نيّاتها. لقد ازدادت البشرية قدرة على بناء المؤسسات، وسرعة في تداول المعلومات، واتساعا في رفع الشعارات، لكنّها صارت، in مواضع كثيرة، أفقر إلى المعنى الذي يجعل المؤسسة ضمانة لا واجهة، والمعلومة نورا لا ضجيجا، والشعار عهدا لا زينة. إنّ الإنسان المعاصر يعرف كيف يصل إلى الأشياء بسرعة مذهلة، لكنّه كثيرا ما يجهل لماذا يريد الوصول إليها. يملك أدوات لا تحصى، لكنّه يضطرب في الغايات. يتحدث عن الحقوق، ثمّ يختلف في تعريف الإنسان الذي تنسب إليه هذه الحقوق. يرفع راية العدالة، ثمّ يسمح للقوة أن تعيد كتابة العدالة في قاموس المصالح.

وهنا تتجلّى الكارثة الكبرى؛ لا حين تختفي الكلمات العظيمة، بل حين تبقى حاضرة وتغيب حقائقها. الحرية باقية في الخطب، والديمقراطية باقية في الدّساتير، والكرامة باقية في المواثيق، وحقوق الإنسان باقية في البيانات، لكنّ الإنسان قد يشعر، في أكثر من موضع، أنّ هذه الكلمات لا تحرسه بقدر ما تستعمل أحيانا لترويضه، أو تسويغ الظّلم الواقع عليه، أو إقناعه بأنّ ما يجري له يتمّ باسم قيمة نبيلة لا يجوز أن يشكّ فيها. وحين تعتاد الأمم سماع الكلمات الكبرى وهي تستعمل في غير مواضعها، تفقد حساسيّتها تجاه الزّيف، كما تفقد العين قدرتها على تمييز الظّلال إذا طال مقامها في الضّباب.

من هنا يصبح التّلاعب بالمصطلحات واحدا من أخطر أبواب الاستبداد الحديث. فالشّعوب لا تقاد بالقرارات وحدها، بل بالكلمات أيضا. تسمّى الهيمنة حماية، والتّدخّل إنقاذا، والرّضوخ حكمة، والنّهب إصلاحا، والرّقابة حفظا للنّظام، وصناعة الرّأي احتراما لذوق الجمهور، وتضييق المجال العامّ دفاعا عن الاستقرار. وليس هذا عبثا لغويّا بريئا، بل تغيير متدرّج في بنية الوعي؛ لأنّ الكلمة حين تتبدّل يتبدّل معها موقع الفعل في الضّمير. فإذا سمّي القبح باسم جميل خفّت مقاومته، وإذا سمّي الحقّ باسم مخيف تردّد النّاس في نصرته، وإذا أعيد تعريف الحرّيّة حتّى صارت استجابة لالسّوق أو الغريزة أو الضّجيج، لم يبق منها إلّا هيكل لغويّ يرفع في المناسبات ويذبح في الواقع.

#wp-block-pullquote

“حين تعتاد الأمم سماع الكلمات الكبرى وهي تستعمل في غير مواضعها، تفقد حساسيّتها تجاه الزّيف.”

ولا تكون الديمقراطية حقيقية لأنّها تمنح الإنسان صوتا فقط، بل لأنّها تصون فيه القدرة على أن يكون لصوته معنى. وما أضيق المسافة بين الصّمت القسريّ والكلام المفرّغ إذا كان كلاهما ينتهي إلى تغييب الإرادة العاقلة. فالّذي يصوّت بعد أن خوّف، أو ضلّل، أو حصر وعيه بين روايات مصنوعة، أو دفع إلى الاختيار تحت ضغط الحاجة، أو أغرق في صور إعلاميّة لا يرى غيرها، لا يكون حرّا بمجرّد أنّه وضع ورقة في صندوق. إنّ الصّندوق قد يكون شاهدا على الحرّيّة، وقد يكون خاتمة أنيقة لمسار طويل من صناعة القبول. والفرق بين الأمرين لا تصنعه الآليّة وحدها، بل تصنعه البيئة الأخلاقيّة والمعرفيّة الّتي تسبق الآليّة وتمنحها معناها.

لقد كان الاستبداد القديم واضح الملامح؛ سجن، ورقابة، ومنع، وخوف مباشر، ويد ثقيلة على الأفواه والصّدور. وكان هذا الوضوح، على قسوته، يترك للضّمير قدرة على تسمية عدوّه. يعرف المقهور أنّه مقهور، ويعرف المسجون أنّه مسجون، وتبقى في النّفس شرارة مقاومة لأنّ القيد مرئيّ. أمّا الاستبداد الحديث فقد صار أذكى من أن يكتفي بالعنف العاري. إنّه لا يصادر الرّأي دائما، بل يصنع المناخ الّذي يولد فيه الرّأي. لا يمنع الإنسان من الكلام، بل يغرقه في الكلام حتّى يضيع المعنى. لا يحذف الحقيقة بالضّرورة، بل يدفنها تحت سيل من الصّور والرّوايات والتّعليقات حتّى تفقد قدرتها على الإضاءة.

في هذا العالم، لم يعد الإعلام مجرّد ناقل للخبر، بل صار في أحيان كثيرة صانعا للإدراك. ولم تعد الخوارزميّات أدوات تقنيّة صامتة، بل غدت بوّابات خفيّة تحدّد للإنسان ما يراه وما يتكرّر عليه وما يغضب منه وما يتجاهله وما يظنّه رأيه الخاصّ. وصار تدفّق المعلومات وسيلة لحجب الحقيقة لا لكشفها؛ لأنّ كثرة المعطيات إذا انفصلت عن البصيرة تحوّلت إلى عمى جديد. ولم يعد التّضليل محتاجا إلى كذبة كبرى واحدة، بل يكفي أن تنتج آلاف الشّظايا الصّغيرة من الشّكّ والتّشويش والإلهاء حتّى يفقد الإنسان ثقته بالمعرفة، ثمّ يستسلم لأوّل سرديّة تمنحه راحة نفسيّة أو انتماء جاهزا أو عدوّا واضحا.

“إنّ الصّندوق قد يكون شاهدا على الحرّيّة، وقد يكون خاتمة أنيقة لمسار طويل من صناعة القبول.”

وهكذا يتحوّل المواطن، في كثير من نماذج العصر، من فاعل سياسيّ إلى مستهلك سياسيّ. تعرض عليه الأحزاب كما تعرض السّلع، ويسوّق المرشّح كما تسوّق العلامات التّجاريّة، وتختصر القضايا الكبرى في عبارات صالحة لالتّداول السّريع، وتتحوّل المناظرة إلى مشهد، والبرنامج إلى شعار، والحملة إلى صناعة نفسيّة، والغضب إلى وقود انتخابيّ. ولا يعد السّؤال: ما الأصلح؟ بل: ما الأكثر تأثيرا؟ ولا: ما الأعدل… بل: ما الأقدر على الانتشار؟ ولا: أيّ مشروع يحفظ الإنسان… بل: أيّ صورة تكسب السّوق السّياسيّ؟ وحين تتزوّج السّياسة من السّوق بلا أخلاق، يصبح الشّعب جمهورا مستهدفا أكثر من كونه مصدرا للشّرعيّة.

على أنّ نقد هذا الزّيف لا ينبغي أن يقع في الثّنائيّة الكسولة الّتي تقسم العالم إلى غرب ديمقراطيّ نقيّ وشرق مستبدّ مظلم، أو إلى حداثة مخلّصة وتقاليد ميّتة، أو إلى شعوب حرّة وشعوب عاجزة. فالواقع أعقد من ذلك وأشدّ مراوغة. في الشّرق، كثيرا ما استوردت أسماء الديمقراطيّة دون شروطها المعرفيّة والأخلاقيّة والمؤسّسيّة، فظهرت دساتير بلا روح، ومجالس بلا رقابة حقيقيّة، وأحزاب بلا حياة داخليّة، وانتخابات تستعمل أحيانا لتجديد الطّاعة لا لتجديد المسؤوليّة. ترفع ألفاظ المشاركة والشّفّافيّة، بينما تضيق المساحات العامّة، وتعاد صياغة الإرادة الشّعبيّة داخل حدود مرسومة سلفا.

وفي الغرب، رغم إنجازات لا يجوز إنكارها في بناء المؤسّسات وتوسيع الحقوق وتقييد السّلطة، لم تنج الديمقراطية من ضغط المال السّياسيّ، ولا من نفوذ الشّركات الكبرى، ولا من احتكار السّرديّة الإعلاميّة، ولا من ازدواجيّة المعايير حين تصطدم المبادئ بالمصالح. قد تصان الحقوق داخل الحدود بقدر من الصّرامة، ثمّ تؤجّل أخلاقيّا خارجها حين يكون الإنسان البعيد أقلّ قيمة في ميزان القوّة. وقد يحتفى بحقوق الإنسان في موضع، ثمّ يعاد تأويلها أو تجاهلها في موضع آخر. وليست الغاية هنا إدانة جهة وتبرئة أخرى، بل كسر الوهم الّذي يجعل الاسم كافيا للبراءة، أو يجعل غياب الاسم وحده تفسيرا لكلّ شرّ.

الأزمة أعمق من الجغرافيا. إنّها أزمة إنسان حين يفقد علاقته بالحقيقة، ويستبدل المعنى بالمنفعة، وإنّما يتعامل مع القيم بوصفها أدوات قابلة للاستخدام لا عهودا أخلاقيّة ملزمة. وهي أزمة عالم يميل، في كثير من مساراته، إلى قانون غاب جديد لا يأتي عاريا كما كان في الأزمنة القديمة، بل يأتي أحيانا مزيّنا بعبارات القانون الدّوليّ، والأمن، والاستقرار، وحماية النّظام العالميّ، والدّفاع عن الديمقراطية. وحين تختلّ المعايير، يستطيع القويّ أن يجعل عنفه ضرورة، وأن يجعل مقاومة الضّعيف تهديدا، وأن يجعل ازدواجيّة موقفه حكمة، وأن يلبس المصلحة ثوب المبدأ حتّى لا يعود الظّلم فاضحا كما كان.

“إذا سمّي القبح باسم جميل خفّت مقاومته، وإذا سمّي الحقّ باسم مخيف تردّد النّاس in نصرته.”

ولذلك فإنّ السّؤال عن الديمقراطية لا يجوز أن يبقى سؤالا عن الآليّة وحدها، بل يجب أن يصير سؤالا عن الإنسان الّذي تمارس باسمه الآليّة. أيّ إنسان هذا الّذي نطلب منه أن يختار؟ هل هو إنسان حرّ الوعي، قادر على التّمييز، مالك لأدوات الفهم، متّصل بمعنى أخلاقيّ أعلى من مصلحته اللّحظيّة؟ أم هو إنسان منهك، خائف، مستهلك، محاصر بالدّعاية، تتحكّم في انتباهه شاشات لا تهدأ، وتعيد ترتيب أولويّاته قوى يعرف بعضها ويجهل أكثرها؟ هل الديمقراطية تنتج مواطنا، أم تكتفي بعدّ الأصوات؟ هل تحرّر الإرادة، أم تمنح الشّرعيّة لما صنع من إرادة داخل مختبرات المال والإعلام والخوارزميّة؟

كلّ نظام سياسيّ، مهما كان اسمه، يظلّ ناقصا إذا لم يحم الإنسان من القوى الّتي تصادر عقله، أو تشتري صوته، أو تخوّفه من حرّيّته، أو تضلّله باسم مصلحته. فلا قيمة لصندوق اقتراع يقاد إليه وعي مسلوب، ولا معنى لتعدّد أحزاب لا يملك النّاس معه تعدّدا حقيقيّا في مصادر الفهم، ولا قداسة لصوت ينتزع من صاحبه عبر الفقر أو الخوف أو العصبيّة أو الدّعاية أو صناعة الوهم. وقد توجد المؤسّسات وتغيب المحاسبة… وتكثر Mنابر ويضيق أفق الحقيقة، وترفع راية الشّعب بينما تصاغ إرادته في غرف المال والنّفوذ وشبكات المصالح غير المرئيّة.

من هنا لا يكون النّقد هدما لالدّيمقراطيّة، بل إنقاذا لها من التّحوّل إلى وثن. فالوثن السّياسيّ لا يكون دائما حجرا يعبد، بل قد يكون مصطلحا يعلو فوق السّؤال، وآليّة تمنح قداسة تمنع مراجعتها، واسما يبتلع المسمّى حتّى لا يعود النّاس يسألون: هل تحقّقت الحرّيّة؟ بل يكتفون بأن يسألوا: هل سمّيت الأشياء ديمقراطيّة؟ فإذا صار نقد الديمقراطية مساويا في الوعي العامّ لمعاداة الحرّيّة، وصارت مساءلة الصّندوق خروجا على إرادة الشّعب، وصار الاعتراض على النّموذج اتّهاما بالحنين إلى الاستبداد، فنحن لا نكون أمام قيمة حيّة قابلة لالتّطوير، بل أمام قداسة سياسيّة تستعير لغة الإنسان لتمنعه من السّؤال.

غير أنّ الخروج من هذا المأزق لا يكون بتمجيد الاستبداد، ولا بالارتماء في فوضى الغضب، ولا باستبدال صنم بصنم آخر. إنّ البديل ليس في رفض مشاركة الشّعوب، بل في ترقية هذه المشاركة من مستوى الانفعال إلى مستوى الرّشد، ومن مجرّد عدّ الأصوات إلى بناء الإنسان القادر على الاختيار، ومن التّمثيل المصنوع بالإعلام والمال إلى التّمثيل المؤسّس على الثّقة والكفاءة والنّزاهة، ومن شرعيّة العدد وحده إلى شرعيّة العدل والكفاءة والمحاسبة وصيانة الحقوق. نحتاج إلى منهجيّة سياسيّة أعدل من عبادة الآليّة، وأنزه من احتكار النّخبة، وأعمق من الحشد العاطفيّ، وأقدر على حماية الإنسان من الاستبداد الصّريح والاستبداد النّاعم معا.

إنّ المقصود ليس أن توضع الجماهير تحت وصاية متعاليّة، ولا أن تحتقر إرادة النّاس باسم الحكمة، بل أن تصان هذه الإرادة من التّزييف. فالأمّة ليست قطيعا انتخابيّا، والنّخبة ليست كهنوتا سياسيّا، والصّندوق ليس معبودا، والقوّة ليست قدرا. الجميع يجب أن يكونوا تحت سلطان الحقّ والقانون والرّقابة والضّمير. والحرّيّة لا تنفصل عن المسؤوليّة، والمشاركة لا تنفصل عن المعرفة، والاعتراض لا ينفصل عن الأخلاق، والحكم لا ينفصل عن الغاية الّتي لأجلها وجد؛ خدمة الإنسان وصيانة كرامته ومنع القوّة من أن تتحوّل إلى إله صغير.

ولهذا فإنّ المسؤوليّة الحضاريّة للشّعوب لا تعني الانفعال الفوضويّ، ولا كراهيّة المؤسّسات، ولا تمجيد الهدم، بل تبدأ من بناء الإنسان الّذي يملك القدرة على التّمييز. تبدأ من تربية الوعي القادر على مقاومة الدّعاية، ومن صناعة ثقافة سياسيّة لا تقدّس الحاكم ولا الجماهير، ولا تجعل من العدد وحده معيارا للحقّ، ولا من القوّة وحدها معيارا للواقع. تبدأ من إنسان يعرف أنّ الحرّيّة لا تنال بالصّراخ وحده، بل بالصّبر على الفهم، والشّجاعة في النّقد، والنّزاهة في الحكم، والقدرة على تسمية الأشياء بأسمائها ولو ازدحمت حولها الأقنعة…

إنّ النّقد الحقيقيّ ليس هدما للبيت، بل كشف للأساسات المريضة قبل أن ينهار السّقف على أهله. والتّشكيك في القناع ليس عداء للوجه، بل رغبة في أن يظهر الوجه كما هو، بلا طلاء يزيّف ملامحه أو يشتري صمت النّاظرين. وإذا كانت الديمقراطية قد نشأت، في أحد وجوهها، محاولة للحدّ من طغيان الحاكم، فإنّ الواجب اليوم أن نحدّ كذلك من طغيان المال، وطغيان الإعلام، وطغيان الخوارزميّة، وطغيان الجماهير حين تقاد بالغضب، وطغيان المصطلحات حين تتحوّل إلى أقفاص مذهّبة للعقول. فكلّ قوّة تستطيع أن تصادر الحقيقة أو تزيّف الإرادة ينبغي أن تخضع للمساءلة، وإلّا بقيت الديمقراطية نصف حقيقة، وربّما تحوّلت إلى ستار كثيف يحجب عن النّاس مركز السّلطة الحقيقيّ.

ليست الغاية أن نيأس من السّياسة، بل أن نحرّر السّياسة من سوق الخداع. وليست الغاية أن نكفر بالكلمات الكبرى، بل أن نمنع اغتيالها بالاستعمال الكاذب. وليس المطلوب أن نلعن الديمقراطية، بل أن نسألها عمّا بقي فيها من الإنسان حين تبتلعها الآليّة. فكلّ قيمة لا تسأل تشيخ، وكلّ آليّة لا تراجع تتصلّب، وكلّ اسم لا يردّ إلى معناه يتحوّل مع الوقت إلى قفص جميل.

في آخر الأمر، ليست الديمقراطية الّتي تستحقّ الاحترام مجرّد آليّة، بل عهد أخلاقيّ بين الإنسان وحرّيّته، وبين الشّعب ومصيره، وبين السّلطة وحدودها، وبين الحقيقة وأسمائها. فإذا صارت الآليّة غطاء للعبوديّة وجب كشف الغطاء. وإذا صار الاسم حجابا عن المسمّى وجب ردّ الاسم إلى أصله. وإذا صار الصّندوق شاهد زور على إرادة مسلوبة، وجب أن نقول إنّ المشكلة ليست في حقّ النّاس في الاختيار، بل في سرقة الشّروط الّتي تجعل اختيارهم حرّا.

وما لم تستعد الشّعوب حقّها في الوعي، وحقّها في السّؤال، وحقّها في تسمية الأشياء، فسيظلّ الاستبداد النّاعم يبتسم في وجوهها باسم الحرّيّة، ويقودها إلى مصائرها باسم الاختيار، ويبيعها قيدها في هيئة مفتاح. أمّا حين تستيقظ الكلمة في الضّمير، ويستعيد الإنسان معنى حرّيّته، وتعود الديمقراطية إلى أصلها الأخلاقيّ لا إلى زيفها المسرحيّ، فهناك فقط يبدأ الطّريق من جديد؛ طريق لا يقدّس الصّندوق ولا يهدمه، لا يعبد الجماهير ولا يحتقرها، لا يبرّر الاستبداد ولا ينخدع بزخارفه الحديثة؛ طريق يبحث عن حكم عادل يليق بكرامة الإنسان، وعن منهجيّة حضاريّة تجعل الوعي سابقا على الصّوت، والحقّ أرفع من العدد، والحرّيّة أصدق من اسمها حين يختطفها المزوّرون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى