الفكرتربية واجتماعمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

خشية الحلفاء من تقلب أمريكا وانسحاب الثقة منها

من سلسلة دراسة في عوامل وظواهر أفول الامبراطورية الأمريكية المعاصرة

لا تفقد الإمبراطوريات حلفاءها في اليوم الذي يمزقون فيه المعاهدات، بل في اليوم الذي يضعون فيه داخل خزائنهم خططًا للعمل من دونها. وقد تستمر الاجتماعات، وترتفع الأعلام متجاورة، وتزداد المناورات والموازنات العسكرية، بينما يكون الحلفاء قد بدأوا في أعماقهم يعيدون حساب المعنى؛ أهذه المظلة سقفٌ يحميهم، أم يدٌ ثقيلةٌ قد ترفع السقف حين يريد صاحبه ثمنًا أكبر؟ وهل الحامي ضمانٌ في مواجهة الخطر، أم مصدر خطرٍ آخر ينبغي التحوط من تبدل مزاجه؟

تلك هي المعضلة التي تواجه شبكة التحالفات الأمريكية؛ فهي في الحقيقة ما تزال أوسع شبكةٍ أمنيةٍ وأكثرها تنسيقًا، ولا تزال دولٌ كثيرة تعتمد على القدرات الأمريكية النووية والاستخباراتية واللوجستية اعتمادًا يصعب تعويضه سريعًا. لكن القوة العسكرية للشبكة لا تلغي السؤال عن رأس مالها المعنوي؛ مقدار الثقة بأن واشنطن ستفي بالتزاماتها، وتستمع إلى الحلفاء، ولا تحول حاجتهم إليها إلى أداةٍ للابتزاز. ومن الخطأ إعلان موت التحالف الغربي لأن الخلافات اتسعت؛ فقد أكد قادة الناتو في قمة لاهاي عام 2025 التزامهم بالمادة الخامسة، واتفقوا على رفع الاستثمار الدفاعي إلى خمسة في المئة من الناتج بحلول عام 2035، موزعةً بين الإنفاق الدفاعي الأساسي والاستثمارات الأمنية الأوسع. كما زاد الحلفاء الأوروبيون وكندا إنفاقهم الدفاعي الحقيقي بنحو عشرين في المئة خلال عام 2025، وأعلن الناتو أن جميع أعضائه تجاوزوا أو بلغوا هدف الاثنين في المئة للم للمرة الأولى.

هذه أرقامٌ يمكن قراءتها دليلًا على حيوية الحلف؛ فالخطر الروسي والحرب في أوروبا أعادا الوعي بقيمة الردع، ودفعت الضغوط الأمريكية الدول الأوروبية إلى تحمل قدرٍ أكبر من مسؤولية أمنها. والقوة الأوروبية الأكبر لا يلزم أن تكون بديلًا عن الناتو؛ قد تجعل الحلف أكثر توازنًا وقدرةً، وتخفف الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة. لكن الأرقام نفسها تحتمل قراءةً أخرى؛ أن الحلفاء لا يزيدون قدراتهم فقط كي يخدموا الحلف، بل لأنهم لم يعودوا واثقين من ثبات الضمان الأمريكي بالدرجة القديمة. فالإنفاق الدفاعي قد يكون تعبيرًا عن الثقة بالمظلة، وقد يكون شراءً لمظلةٍ احتياطية تحسبًا لتمزق الأولى. ولا يُحسم المعنى بحجم الموازنة، بل بطبيعة الخطاب السياسي والخطط التشغيلية؛ هل تبنى القدرات الجديدة بحيث لا تعمل إلا داخل القيادة الأمريكية، أم تمنح أوروبا قدرةً فعلية على اتخاذ قرارٍ وتنفيذ عمليةٍ عند غياب واشنطن؟

“الإنفاق الدفاعي قد يكون تعبيرًا عن الثقة بالمظلة، وقد يكون شراءً لمظلة احتياطية تحسبًا لتمزق الأولى.”

وقد أعلن المجلس الأوروبي في مارس 2025 ضرورة أن تصبح أوروبا أكثر سيادةً ومسؤوليةً عن دفاعها وأقدر على التحرك الذاتي، مع الحفاظ على الاتساق مع الناتو. كما واصلت مؤسسات الاتحاد في 2026 تدريباتٍ وهياكل تهدف إلى تعزيز القدرة على إدارة عملياتٍ مستقلة للاستجابة للأزمات. وإنَّ هذه الصياغة المزدوجة – استقلالٌ أوروبي داخل تكاملٍ أطلسي – ليست تناقضًا لغويًّا، بل تعبيرٌ عن التوتر العميق في العلاقة. أوروبا لا تريد التخلي عن القوة الأمريكية في وقت تواجه فيه تهديدًا عسكريًّا مباشرًا، لكنها لا تريد كذلك أن تظل قدرتها على حماية نفسها رهينة انتخاباتٍ وإداراتٍ أمريكية قد تعيد تعريف الالتزام بين دورةٍ وأخرى. فالحلف لا يحتاج إلى القوة فقط، بل إلى الاستمرارية. قد يكون الرئيس الأمريكي في لحظةٍ شديد التمسك بالتحالف، ثم يأتي آخر يتحدث عن الحماية بوصفها فاتورةً تجارية، أو يربط الدفاع عن الحليف بمقدار ما دفعه واشترى. وحين تتغير طبيعة التعهد بتغير الإدارة، لا يستطيع المخطط العسكري الأوروبي أن يبني أمن عقودٍ كاملة على ثقةٍ تمتد أربع سنوات. والردع بطبيعته فعلٌ نفسي. لا يكفي أن تملك الولايات المتحدة الوسائل اللازمة للدفاع عن حليفها؛ يجب أن يعتقد الخصم أنها ستستعملها، وأن يعتقد الحليف أنها لن تساوم عليه عند لحظة الخطر. كل لغةٍ تجعل الالتزام مشروطًا بثمنٍ آني تفتح ثغرةً في هذا الاعتقاد، حتى لو كانت غايتها الضغط المشروع لتقاسم الأعباء.

وقد تكون مطالبة الأوروبيين بالإنفاق الأكبر عادلةً في أصلها؛ إذ أقر الناتو نفسه بأن أوروبا وكندا اعتمدتا طويلًا بدرجةٍ مفرطة على القوة العسكرية الأمريكية، وأن زيادة الاستثمار تحمل تحولًا حقيقيًّا في المسؤولية. لكن حين تتحول المطالبة من خطةٍ مؤسسية متفق عليها إلى تهديدٍ علني بالتخلي، ينتقل الخطاب من إصلاح التحالف إلى هدم الأساس النفسي الذي يقوم عليه. لذلك لا يدور الخلاف حول ما إذا كان ينبغي للحلفاء أن يدفعوا أكثر، بل حول ما الذي يدفعون من أجله؛ أيسهمون في أمنٍ مشتركٍ شاركوا في تعريفه، أم يدفعون ثمن حمايةٍ يملك مقدمها حق سحبها إذا لم تعجبه الصفقة؟ الأول يحول الحليف إلى شريكٍ مسؤول، والثاني يحوله إلى زبونٍ قلق.

والتحالف الأمريكي لا يقتصر على أوروبا. ففي اليابان وكوريا الجنوبية، يرتبط الوجود الأمريكي بردع أخطارٍ إقليميةٍ جدية، وتظل المظلة الأمريكية جزءًا مركزيًّا من الحسابات الأمنية. لكن الدولتين تملكان كذلك قواعد صناعية وتقنية متقدمة، ومع تصاعد الشكوك حول ثبات السياسة الأمريكية يبرز سؤال القدرة الذاتية بصورةٍ متكررة؛ ليس بالضرورة تمهيدًا لطرد واشنطن، بل لتقليل الكلفة الوجودية لأي تبدل في قرارها.

وفي الخليج تظهر صورةٌ أخرى. فقد اعتمدت دول المنطقة طويلًا على الشراكة الأمنية الأمريكية، لكنها وسعت في السنوات الأخيرة علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع الصين والهند وروسيا، وحافظت على قنواتٍ متعددة في الطاقة والاستثمار والتقنية. لا يعني التنويع أن العواصم الخليجية وجدت بديلًا عسكريًّا كاملًا عن الولايات المتحدة، بل إنها تعلمت أن العلاقة الحصرية تجعلها مكشوفةً أمام تغير الأولويات الأمريكية. فالدولة التي تضع أمنها واقتصادها وتقنيتها كلها في سلةٍ واحدة لا تصبح حليفًا أقرب فقط، بل تصبح أكثر عرضةً للضغط. والتنوع هنا وثيقة تأمين؛ تظل المظلة الأمريكية مهمة، لكن الصين سوقٌ وشريكٌ اقتصادي، والهند قوةٌ آسيوية صاعدة، وأوروبا مصدر تقنية واستثمار. وكل علاقةٍ إضافية تمنح الدولة مساحةً للمساومة مع العلاقة الأولى.

“التنوع وثيقة تأمين؛ تظل المظلة الأمريكية مهمة، لكن تعدد العلاقات يمنح المساومة والاستقلال.”

وتركيا تقدم نموذجًا أشد تعقيدًا؛ عضوٌ في الناتو يملك موقعًا عسكريًّا حاسمًا، لكنه يتبع سياساتٍ إقليمية قد تتعارض مع واشنطن وبعض حلفائه، ويحافظ على علاقاتٍ مع روسيا وآسيا والشرق الأوسط. ولا يمكن اختزال هذا السلوك في خيانةٍ للحلف أو استقلالٍ كامل؛ إنه محاولة دولةٍ ذات وزنٍ إقليمي أن تمنع عضويتها في المنظومة الغربية من ابتلاع جميع مصالحها.

والهند تمثل الاستقلال الاستراتيجي بصورته الأوضح؛ تتعاون مع الولايات المتحدة في موازنة القوة الصينية وفي التقنية والمحيطين الهندي والهادئ، لكنها لا تقبل التحول إلى حليفٍ تابع، وتحافظ على عضويتها في بريكس ومنظمة شنغهاي وعلاقاتها التاريخية مع روسيا. لا تريد الهند انتصار الهيمنة الصينية، لكنها لا ترى خلاصها في إحلال هيمنةٍ أمريكية دائمة محلها؛ تريد أن تصبح قطبًا يختار، لا جنديًّا في معسكر غيره.

أما دول جنوب شرق آسيا فتعيش في مساحةٍ شديدة الحساسية بين واشنطن وبكين. تعتمد اقتصاداتها بدرجاتٍ كبيرة على التجارة الآسيوية والصينية، وتحتاج في الوقت نفسه إلى توازنٍ أمني يمنع قوةً واحدة من الهيمنة على البحار والممرات. ولهذا تتمسك رابطة آسيان بمفاهيم المركزية والشمول واحترام القانون الدولي، وتسعى إلى ألا يتحول الإقليم إلى ساحةٍ تفرض عليها الاختيار الثنائي.

والبرازيل وجنوب أفريقيا وقوى الجنوب الأخرى لا تسعى غالبًا إلى تحالفٍ عسكري مضاد لأمريكا، بل إلى توسيع مجال القرار، وعدم جعل العلاقة مع واشنطن حصريةً أو مانعةً من الانضمام إلى مؤسساتٍ وتكتلاتٍ أخرى. وهذه هي السمة الأساسية للعالم الذي يغادر الأحادية؛ الحليف أو الشريك لا يريد أن تكون كل علاقاته الخارجية مشتقةً من موقعه تجاه المركز الأمريكي.

ولا يجوز النظر إلى هذا التنويع كله بوصفه تآكلًا حتميًّا للتحالف. قد يقوي الاستقلال النسبي الحلف إذا جعل الشركاء أكثر قدرةً على تحمل المسؤولية وأقل شعورًا بالإذلال. فالحليف الواثق من نفسه يستطيع أن يشارك بموارد أكبر وأن يقول رأيه بوضوح، بينما التابع الضعيف قد يبدو منضبطًا لكنه يظل عبئًا على المركز. إنما يتحول الاستقلال إلى مقدمةٍ للفكاك حين يتولد أساسًا من انعدام الثقة، وحين تُبنى القدرات لا لتكميل المنظومة، بل لتجاوزها عند الحاجة، وحين يصبح الخطاب العام للحلفاء قائمًا على سؤال كيفية الاحتماء من قرارات الحامي لا كيفية التعاون معه.

وتكشف استطلاعات الرأي لعام 2026 عمق التحدي المعنوي. ففي مسحٍ أجراه مركز بيو شمل 42,151 شخصًا في ست وثلاثين دولة، تراجعت في دول عديدة نسبة من يرون الولايات المتحدة شريكًا موثوقًا مقارنةً بعام 2022. وانخفضت النسبة في كندا مثلًا من 83 في المئة إلى 35 في المئة، كما لم تعد أغلبية الجمهور ترى الولايات المتحدة شريكًا موثوقًا في ثمانيةٍ من البلدان الأوروبية العشرة التي شملها المسح. ولم يقتصر التراجع على وصف الموثوقية؛ بلغ الوسيط عبر الدول الست والثلاثين 32 في المئة فقط لمن يرون أن الولايات المتحدة تراعي مصالح الدول الأخرى في سياستها الخارجية، و35 في المئة لمن يرون أنها تسهم بدرجةٍ معتبرة في السلام والاستقرار العالميين. وفي فرنسا والسويد لم يعتقد سوى نحو واحدٍ من كل عشرة أن واشنطن تراعي مصالح دولٍ مثل دولتهم.

“تراجع الاعتقاد بأن المركز يضع مصلحة مشتركة فوق مصلحته المنفردة هو جوهر الأزمة الشرعية للتحالف.”

كما قالت أغلبياتٌ في ست عشرة دولةً من أصل سبع عشرة دولة متوسطة الدخل شملها المسح إن الولايات المتحدة تتدخل في شؤون الدول الأخرى بدرجةٍ كبيرة أو معقولة، وشارك 83 في المئة من الأمريكيين أنفسهم هذا التتقدير. ولا تثبت هذه الأرقام أن الحكومات ستنسحب من التحالفات، ولا أن الشعوب تتمنى انهيار الولايات المتحدة، ولا أن الصين أصبحت بديلًا محبوبًا. الرأي العام يمكن أن يتغير، وتستطيع المخاطر الخارجية أن تعيد رفع قيمة الحماية الأمريكية، كما أن كثيرًا من المجتمعات يميز بين رفضه لسياسات إدارةٍ معينة وبين حاجته إلى العلاقة الأمريكية الأوسع. لكن الأرقام تكشف شيئًا لا تستطيع القواعد العسكرية تعويضه وحدها؛ تراجع الاعتقاد بأن المركز يضع مصلحةً مشتركةً فوق مصلحته المنفردة. وهذا الاعتقاد هو جوهر الشرعية التحالفية. فالدولة الصغيرة لا تتوقع من القوة الكبرى أن تضحي بنفسها من أجلها بلا حساب، لكنها تحتاج إلى أن تصدق أن أمنها ليس مجرد ورقةٍ في صفقة أكبر.

وحين تتراجع هذه الثقة تظهر المؤشرات العملية؛ تنويع مشتريات السلاح كي لا تتوقف القدرة العسكرية على قطع الغيار والتصاريح القادمة من عاصمةٍ واحدة، وإنشاء مسارات دفعٍ وتسويةٍ أكثر استقلالًا، ورفض الانضمام التلقائي إلى العقوبات، وتوقيع اتفاقاتٍ مع القوى المنافسة، وتصاعد الخطاب عن السيادة والاستقلال، وامتناع الحلفاء عن تحمل تكاليف حروبٍ أو مشروعاتٍ لا يرونها جزءًا من أمنهم.

ولا يظهر انسحاب الرضا دائمًا في صورة عصيانٍ صاخب. قد تصوت الدولة مع واشنطن في المؤسسة الدولية، ثم ترفض تطبيق العقوبة خارجها. وقد تستضيف قاعدةً أمريكية، ثم تشتري نظامًا تقنيًّا أو عسكريًّا من منافس. وقد تصف التحالف بأنه ركيزة أمنها، ثم تنشئ صندوقًا ومصنعًا وقيادةً تمنحها القدرة على التحرك إذا تخلت الولايات المتحدة عنها. إنها سياسة الأبواب المتعددة؛ لا تغلق الدولة الباب الأمريكي، لكنها ترفض أن يكون الباب الوحيد. وكلما بالغت واشنطن في مطالبة الحلفاء بإغلاق بقية الأبواب، ازداد شعورهم بأن العلاقة لم تعد شراكةً بل احتكارًا.

وقد يتآكل التحالف كذلك حين تختلف صورة الخطر. فالمركز العالمي يرى عدة أقاليم مترابطةً داخل استراتيجيته، أما الحليف الإقليمي فيرتب الأخطار بحسب قربها منه. قد تريد واشنطن من دولةٍ آسيوية الاصطفاف في صراعٍ أوروبي، أو من دولةٍ أوروبية تحمل تكلفة مواجهةٍ آسيوية، أو من حليفٍ عربي الانخراط في سياسةٍ يرى أنها تضر استقراره المحلي. فإذا فُرض تعريف المركز للخطر على الجميع، أصبح التحالف وسيلةً لتصدير أولويات القوة الكبرى. والحل ليس أن تتخلى الولايات المتحدة عن القيادة أو تتساوى أصوات جميع الدول حسابيًّا رغم تفاوت مساهماتها. إنما تحتاج إلى تحويل التشاور من طقسٍ دبلوماسي إلى مشاركةٍ حقيقية في القرار؛ أن يدخل الحلفاء مبكرًا في تعريف الغاية والوسيلة والخروج، لا أن يُستدعوا بعد اتخاذ القرار لتوفير الجنود والمال والبيان الجماعي.

وتحتاج الالتزامات إلى استقرارٍ يعبر تغير الإدارات. فالتحالف الذي يتبدل مع كل خطابٍ انتخابي يظل اتفاقًا سياسيًّا هشًّا مهما بلغت قوته العسكرية. ولا يعني ذلك منع الناخب الأمريكي من مراجعة التزاماته، بل بناء مؤسساتٍ وتشريعاتٍ ومشاوراتٍ تجعل التغيير الكبير نتيجةً لمسارٍ مفهوم، لا مفاجأةً يكتشفها الحليف عبر منصة إعلامية. كما تحتاج واشنطن إلى احترام المصالح المحلية، حتى حين لا تتطابق مع رؤيتها. لا تكون الدولة حليفةً حقًّا إذا لم يكن مسموحًا لها بعلاقاتٍ اقتصادية متنوعة، أو برفض حربٍ لا ترى مشروعيتها، أو باتباع سياسةٍ إقليمية لا تنسخ السياسة الأمريكية. الشراكة التي لا تحتمل اختلافًا ليست تحالفًا، بل طاعةً مؤجلة الانفجار.

ويقتضي الإصلاح تقليل استعمال العقوبات والتهديدات الاقتصادية ضد الحلفاء. قد تنشأ خلافات تجارية مشروعة، لكن تحويل السوق والعملة والتعرفة إلى وسائل تأديبٍ سياسي يجعل الحليف يرى الاعتماد الاقتصادي خطرًا أمنيًّا. وكل عقوبةٍ على شريكٍ اليوم تصبح حجةً لمؤسساته غدًا كي تبني استقلالًا عن المركز. كما ينبغي إعادة التمييز بين الشراكة والطاعة. لا تُقاس قيمة الحليف بعدد المرات التي يكرر فيها موقف واشنطن، بل بمقدار ما يضيفه إلى قوة النظام وقدرته على تصحيح أخطائه. وقد يكون الحليف الذي يعترض مبكرًا أنفع من التابع الذي يصفق حتى تدخل الإمبراطورية حربًا خاسرة.

“الإمبراطورية لا تفقد الحليف حين يغير علمه، بل حين يظل واقفًا إلى جانبها وجسده في الصف وعقله قد غادر.”

والقوة الأمريكية لا تضعف تلقائيًّا حين يقيم حلفاؤها علاقاتٍ مع قوى أخرى. قد يكون قبول تعدد العلاقات وسيلةً لحفظ الثقة؛ لأن الدول التي لا تشعر بأنها محاصرةٌ داخل التحالف أقل ميلًا إلى الخروج منه. أما مطالبتها بالاختيار المطلق فتدفعها إلى النظر إلى واشنطن بوصفها قيدًا على سيادتها، لا شريكًا في حمايتها. والأهم أن تعود القيادة إلى تقديم المنافع العامة بدل صفقات الولاء؛ أمنٌ يمكن توقعه، وأسواقٌ لا تتحول في كل أزمة إلى سلاح، وتقنيةٌ تقوم على الثقة، ومؤسساتٌ يستطيع الحليف أن يؤثر داخلها، وقانونٌ لا يعامل استقلاله جريمة. فالإمبراطوريات المستقرة لا تشتري الحلفاء واحدًا واحدًا، بل تبني نظامًا يجعل بقاءهم فيه أفضل من الخروج منه.

إنَّ الولايات المتحدة لا تزال قادرةً على ذلك؛ فشبكتها التحالفية لا تزال أعمق من شبكات منافسيها، والناتو لم يتحول إلى حلف وارسو، وحلفاؤها يملكون مؤسساتٍ وانتخاباتٍ وقدرةً على الاعتراض. وهذه الفروق جوهرية؛ فلا يجوز مساواة كل تفاوتٍ أطلسي بسيطرةٍ سوفيتية على دول أوروبا الشرقية. لكن الفروق التاريخية لا تحمي التحالف من التآكل إذا استُهلكت. فالتحالف الطوعي يمكن أن يفقد طوعيته تدريجيًّا، والشريك يمكن أن يشعر بالتبعية حتى إذا احتفظ بانتخاباته وعلمه. والرضا ليس رأس مالٍ ورثته واشنطن إلى الأبد من مشروع مارشال والحرب الباردة؛ إنه رصيدٌ يحتاج إلى تجديدٍ في كل أزمة.

وعندما يبدأ الحلفاء بزيادة السلاح لا ليثقوا أكثر بالحامي، بل ليكونوا مستعدين لتخليه؛ وبناء أنظمة الدفع لا لتوسيع التجارة معه، بل لتجنب عقوبته؛ وإقامة العلاقات مع خصومه لا بحثًا عن مصالحٍ إضافية فقط، بل صناعةً لمخرجٍ من احتكاره؛ تكون شبكة القوة قد دخلت مرحلةً جديدة. قد تبقى القواعد، وتظل المعاهدات، وتستمر المناورات، لكن الحصن الداخلي يكون قد تصدع. فالإمبراطورية لا تفقد الحليف حين يغير علمه أو يغلق الميناء، بل حين يظل واقفًا إلى جانبها وجسده في الصف، بينما يكون عقله قد غادر يبحث عن عالمٍ لا يتوقف أمنه على تقلّب الحامي أو الحليف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى