العقيدة من يقين الروح إلى سياج الهوية
مراجعات في تحولات العقيدة والهوية: كيف تحرر إيمانك من سجن الجماعة؟
مراجعات في تحولات العقيدة من يقين الروح إلى سياج الهوية
في البدء كان السمو، وكانت تلك الومضة الأزلية التي تشرق في حنايا الروح حين تلامس شغاف الحقيقة، فتستحيل العقيدة في وعي المرء معراجًا يتجاوز به طين الأرض وضرورات المادة، ليحلق في فضاءات المعنى المطلق. إنها لحظة الانكشاف الكبرى، حيث لا واسطة بين العبد وخالقه، وحيث يتجلى الإيمان كفعل اختيارٍ حر، وممارسةٍ وجوديةٍ تنشد الحق والخير والجمال.
غير أن هذا النور، وبمرور تعاقبات الزمن وتحت وطأة التدافع البشري، كثيرًا ما يرتطم بجدران الجماعة الصلبة، فينكسر ضوؤه ويتشتت، ليمسي غلافًا سميكًا يُحيط بالذات الجمعية، وتتحول العقيدة من صلةٍ عموديةٍ تربط الإنسان ببارئه، إلى خندقٍ أفقيٍ يفصل “نحن” عن “هم”. هنا تبدأ مأساة الفكر، حين تغدو الحقيقة المتعالية مجرد بطاقة انتماء، ويتحول اليقين القلبي إلى عصبيةٍ قبليَّةٍ أو طائفيةٍ تُعمي البصر والبصيرة.
“تتحول العقيدة من صلةٍ عموديةٍ تربط الإنسان ببارئه، إلى خندقٍ أفقيٍ يفصل (نحن) عن (هم).. حين تغدو الحقيقة المتعالية مجرد بطاقة انتماء.”
إن جوهر الإشكال يكمن في ذلك الانزياح النفسي والاجتماعي الذي يطرأ على مفهوم “المقدس” حين يُسجن في أقبية الهوية الضيقة. فالعقيدة في أصلها هي رحلة بحثٍ دائبة، واضطرابٌ وجدانيٌ يطلب السكينة في كنف الحق، بينما الهوية الاجتماعية هي حالةٌ من الاستقرار الرتيب والاعتزاز بالانتماء الذي يمنح الفرد شعورًا زائفًا بالأمان والتميز. حين يتماهى الدين مع الهوية، يتوقف العقل عن النقد والتحليل، لأن أي تساؤلٍ يمس المنظومة العقدية يُفهم فورًا على أنه تهديدٌ لوجود الجماعة وطعنٌ في كرامة الفرد المنتسب إليها.
هكذا يغيب الإيمان الحي الذي يثمر سلوكًا فاضلًا ورقيًا إنسانيًا، ليحل محله الإيمان “الهوياتي” الذي يقتات على الصراع، ويتغذى على إقصاء الآخر، ويستمد قوته من ضجيج الحشود لا من خشوع المحاريب. هذا التماهي يخلق حالةً من الالتباس الخطير بين الدفاع عن الحق والدفاع عن الذات. فالمدافع عن العقيدة بوصفها هويةً اجتماعية لا يبتغي وجه الحقيقة، بل يبتغي ترميم نرجسيته الجريحة وتثبيت أركان قبيلته الفكرية.
إننا نرى هذا بوضوح في تلك الصراعات التي تشتعل تحت رايات دينية، حيث تغيب أخلاقيات الدين وتُستدعى غرائز القطيع. في هذه اللحظة، يصبح الدين قناعًا يرتديه “الأنا” المتضخم ليبرر به عدوانه أو انغلاقه. إن الفرق بين العمل لله والعمل للذات المغلفة باسم الله هو الفارق بين التواضع الذي يفرضه الإيمان والكبر الذي تفرضه الهوية. فالمؤمن الحقيقي يرى في إيمانه مسؤوليةً أخلاقيةً تثقل كاهله، بينما يرى فيه “الهوياتي” امتيازًا طبقيًا أو عرقيًا يمنحه الحق في الحكم على مصائر الآخرين.
ومن هنا، يتوجب علينا رصد تلك الآثار المدمرة لتجميد الفكر الديني داخل قوالب الهويات الجامدة. إن أولى هذه الآثار هي حالة الاستلاب الفكري، حيث يُصادر وعي الفرد لصالح مشيخة الجماعة أو سلطة الموروث الاجتماعي السائد. يصبح التفكير خارج الصندوق الجماعي نوعًا من المروق، ويتحول الاجتهاد إلى مغامرةٍ غير مأمونة العواقب. وفي هذا المناخ الخانق، تفقد القيم الكبرى فاعليتها؛ فالحق يُقاس بمدى موافقته لمصالح الجماعة، والخير يُحصر في نفع الأهل والمريدين، والجمال يُحاكم بمعايير التقاليد لا بجماليات الروح.
“الإيمان الهوياتي يقتات على الصراع، ويتغذى على إقصاء الآخر، ويستمد قوته من ضجيج الحشود لا من خشوع المحاريب.”
لنتأمل مثلًا واقعيًا من حياتنا المعاصرة؛ كيف تحولت بعض الممارسات الطقسية من أفعالٍ تعبدية تهدف لتزكية النفس، إلى تظاهراتٍ اجتماعية تُستخدم لإثبات الوجود وتكريس التمايز عن الآخر. حين يصبح الحرص على المظهر الخارجي أو ترديد شعاراتٍ معينة هو المعيار الوحيد للتدين، فإننا نكون أمام تدينٍ استهلاكي يعنى بالقشور ويغفل اللباب. وفي المقابل، نجد أن الأزمات الكبرى التي تعصف بالأمة لا تُعالج بعمق الفكر الديني وقدرته على اجتراح الحلول، بل تُواجه بصرخاتٍ عاطفية تنبع من جرح الهوية لا من بصيرة العقيدة.
وحتى نحرر الإيمان من ضغط الجماعة وتغول الهوية، لا بد من العودة أولًا إلى فردانية التجربة الدينية. إن الإيمان في جوهره هو موقفٌ شخصيٌ مسؤول، لا يمكن تفويضه للآخرين ولا يمكن اختزاله في الانصياع الأعمى للمزاج الجمعي. إن تحرير الإيمان يبدأ من استعادة “لحظة السؤال” الأولى، ومن القدرة على الوقوف أمام الله عاريًا من كل الانتماءات الاجتماعية والطبقية. إن تعميق التجربة الفردية لا يعني الانعزال عن المجتمع، بل يعني المشاركة فيه بوعيٍ مستقل وضميرٍ يقظ.
إن بناء بديلٍ قيمي يتطلب تطوير خطابٍ عقلانيٍ يتسم بالأنفة السيادية والقدرة على النقد الذاتي. خطابٌ يبدأ بالفرد وآليات إصلاحه وتنقيح ذاته من الهوى والخوف والطمع. خطابٌ يحافظ على الثوابت التي تشكل جوهر الهوية العربية الإسلامية، لكنه يرفض تحويل هذه الثوابت إلى قيودٍ تمنع التطور المعرفي. السيادة الفكرية الحقة هي التي تملك الجرأة على قول “لا” لضغوط الجماعة حين تنحرف عن جادة الحق.
تخيلوا مجتمعًا فكريًا ينمو نموًا طبيعيًا بعيدًا عن صراعات المرايا، حيث يرى كل فردٍ في عقيدته قوةً دافعةً نحو الإبداع والابتكار، لا سياجًا يمنعه من النظر إلى أفق الإنسانية الرحب. إن هذا النموذج ليس مستحيلًا، بل هو الغاية التي يجب أن تنشدها كل حركة إصلاحية تسعى لترميم الإنسان من الداخل. فالعصمة من الزلل في هذا الطريق تكمن في الحفاظ على نقاء القصد، وفي إدراك أن الله لم يجعل الدين أغلالًا تقيد العقول، بل جعله نورًا يهدي القلوب في غياهب التيه.
“السيادة الفكرية الحقة هي التي تملك الجرأة على قول (لا) لضغوط الجماعة حين تنحرف عن جادة الحق.”
إن المصلح الذي يستلهم دوره من أنوار الحق، يدرك تمامًا أن مسؤوليته تقتضي منه أن يكون شاهدًا بصيرًا على تحولات مجتمعه. هو ذلك الذي لا يداهن السائد ولا ينجرف مع التيار، بل يقف كالجبل الأشم في وجه رياح العصبية، مناديًا بضرورة الفصل بين جوهر الدين وعرَض الهوية. إن هذا الصراع هو صراعٌ وجوديٌ بين ثقافة الامتلاك التي تريد الاستحواذ على المقدس لصالحها، وثقافة الائتمان التي ترى في المقدّس تكليفًا يوجب الرقي والسمو.
إننا بحاجةٍ إلى إعادة هندسة وعينا الجمعي، بحيث لا تكون الهوية مجرد جدارٍ أصم، بل نافذةً نطل منها على العالم بخصوصيتنا وغنانا الروحي. إن الهوية التي تخشى المعرفة هي هويةٌ مريضة، والعقيدة التي تخاف النقد هي عقيدةٌ لم تستقر في سويداء القلب بعد. إن القوة الحقيقية تكمن في الانفتاح الواثق الذي لا يخشى الذوبان، لأن جذوره ضاربةٌ في أعماق الحق.
وفي الختام، يظل الرهان قائمًا على قدرة العقل العربي والمسلم على اجتياز هذه العقبة الكؤود. إن الانتقال من “إنسان الهوية” إلى “إنسان العقيدة والرسالة” هو العبور الكبير نحو النهضة المنشودة. إنه العبور من ضيق الأنا إلى سعة الوجود، ومن صخب الجماعة إلى سكينة اليقين. فلتكن كلماتنا مصابيح تضيء هذا الدرب، ولتكن أفكارنا معاول تهدم أصنام الهوية التي نُصبت في محاريب الفكر، حتى يلتقي الطين بالنور في وحدةٍ وجوديةٍ سامقة، تُعيد للإنسان كرامته وللفكر سيادته وللأمة مكانتها وريادتها للمشهد الحضاري الإنساني.
