ليستِ السّيطرةُ دائمًا سوطًا يهبطُ على الظّهرِ، ولا بابًا يُغْلقُ بالمفاتيحِ، ولا أمرًا خشنًا يُقالُ للإنسانِ في صيغتهِ العاريةِ: اخضعْ. إنَّ أذكى صُورِ السّيطرةِ تلكَ الّتي لا تبدأُ منْ تقييدِ اليدِ، بلْ منْ تزويرِ الاسمِ؛ لا تُغيّرُ الفعلَ أوّلًا، بلْ تُغيّرُ اللّفظَ الّذي نصفُ بهِ الفعلَ، حتَّى إذا تبدّلَ الاسمُ لانَ الوعيُ، وإذا لانَ الوعيُ استساغَ القلبُ ما كانَ ينبغي أنْ يُنْكرهُ، وإذا استساغَ القلبُ القيدَ حملهُ الإنسانُ في عُنقهِ وهوَ يحسبهُ قلادةً. فالعبوديّةُ النّاعمةُ لا تحتاجُ دائمًا إلى أنْ تهزمَ الإنسانَ في ميدانِ القوّةِ، بلْ يكفيها أنْ تهزمهُ في مُعْجمِ المعاني؛ أنْ تُعلّمهُ أنْ يُسمّيَ الطّاعةَ واقعيّةً، والخوفَ حكمةً، والاستهلاكَ نجاحًا، والتّباهيَ ثقةً، والذّوبانَ في الجماعةِ انتماءً، وفقدانَ الصّمتِ حُضورًا، ثُمَّ تتركهُ بعدَ ذلكَ يُمارسُ عُبوديّتهُ بلغةٍ أنيقةٍ لا تخدشُ إحساسهُ بنفسهِ.
إنَّ الكلماتِ ليستْ أوعيةً بريئةً للمعاني، بلْ هيَ مفاتيحُ الوعيِ وخزائنُ الشّعورِ وحرّاسُ المواقفِ. ما إنْ يتغيّرُ اسمُ الشّيءِ حتَّى يتغيّرَ موضعهُ في النّفسِ. فالظّلمُ حينَ يُسمّى حزمًا يُصْبحُ أكثرَ احتمالًا، والجبنُ حينَ يُسمّى تعقّلًا ينجو منَ العارِ، والجشعُ حينَ يُسمّى طُموحًا يتزيّنُ بلباسِ المجدِ، والإسرافُ حينَ يُسمّى ذوقًا رفيعًا يخرجُ منْ بابِ الرّذيلةِ ليدخلَ منْ بابِ المكانةِ، والذّوبانُ حينَ يُسمّى ولاءً يصيرُ فضيلةً اجتماعيّةً، والصّراخُ حينَ يُسمّى حُضورًا يُطالبُ الصّامتَ بالاعتذارِ عنْ عُمْقهِ. ومنْ هُنا كانتِ المعركةُ على اللّغةِ معركةً على الإنسانِ نفسهِ؛ لأنَّ الّذي يملكُ حقَّ تسميةِ الأشياءِ يملكُ جُزْءًا منْ حقِّ توجيهِ الضّميرِ نحوها أوْ بعيدًا عنها.
“المعركةُ على اللّغةِ معركةٌ على الإنسانِ نفسهِ؛ لأنَّ الّذي يملكُ حقَّ تسميةِ الأشياءِ يملكُ جُزْءًا منْ حقِّ توجيهِ الضّميرِ.”
تبدأُ العبوديّةُ النّاعمةُ حينَ تُسْرقُ منَ الإنسانِ فطرتهُ اللّغويّةُ الأولى؛ تلكَ القدرةُ الصّافيةُ على أنْ يقولَ للشّيءِ: هذا خوفٌ، وهذا طمعٌ، وهذا قيدٌ، وهذا زيفٌ، وهذا احتقارٌ للكرامةِ، وهذا عبثٌ مُزيّنٌ. فإذا دخلتْ عليهِ لُغةٌ مُلوّثةٌ مُدرّبةٌ على التّجميلِ، صارَ يتردّدُ قبلَ أنْ يُسمّيَ الجرحَ جُرْحًا، والقيدَ قيدًا، والهزيمةَ هزيمةً. هُنا لا يعودُ الإنسانُ مُحْتاجًا إلى منْ يمنعهُ منَ الاعتراضِ؛ يكفي أنْ تُصْنعَ لهُ لُغةٌ تجعلهُ يخجلُ منَ الاعتراضِ. لا يُقالُ لهُ: اسكتْ. بلْ يُقالُ لهُ: كُنْ واقعيًّا. ولا يُقالُ لهُ: خفْ. بلْ يُقالُ لهُ: كُنْ حكيمًا. ولا يُقالُ لهُ: بعْ وقتكَ وروحكَ للسّوقِ. بلْ يُقالُ لهُ: اصنعْ نجاحكَ. ولا يُقالُ لهُ: تباهَ بما لا يخصُّ جوهركَ. بلْ يُقالُ لهُ: عزِّزْ ثقتكَ بنفسكَ. ولا يُقالُ لهُ: ألغِ فرديّتكَ في الجماعةِ. بلْ يُقالُ لهُ: كُنْ مُنْتميًا. إنّها ليستْ أوامرَ، بلْ استعاراتٌ مُخاتلةٌ؛ لا تسحبكَ منْ يدكَ، بلْ منْ لسانكَ، ومنْ لسانكَ إلى قلبكَ.
حينَ تُسمّى الطّاعةُ العمياءُ “واقعيّةً”، يُعادُ تعريفُ العقلِ ذاتهِ. فالواقعيّةُ في معناها الشّريفِ أنْ يرى الإنسانُ الواقعَ كما هُوَ، لا كما يشتهي، وأنْ يُقدّرَ موازينَ القوّةِ والضّعفِ، وأنْ يختارَ الفعلَ الممكنَ بدلَ الغرقِ في أُمْنيّاتٍ لا جسدَ لها. هذهِ واقعيّةٌ نبيلةٌ؛ لأنّها تمنعُ الطّيشَ ولا تقتلُ الحقَّ. لكنَّ الواقعيّةَ المزوّرةَ شيءٌ آخرُ؛ إنّها الاسمُ المهذّبُ للاستسلامِ حينَ يخجلُ منِ اسمهِ. بها يُقالُ للمصلحِ: لا تحلمْ. وللمظلومِ: لا ترفعْ صوتكَ. وللحرِّ: لا تصطدمْ. ولصاحبِ الضّميرِ: لا تكنْ مثاليًّا. وبها تتحوّلُ كثافةُ الظّلمِ إلى حُجَّةٍ لصالحِ الظّلمِ، كأنَّ استمرارَ الخطإِ دليلٌ على شرعيّتهِ، وكأنَّ قُوَّةَ الباطلِ تمنحهُ حقَّ البقاءِ. الواقعيّةُ المزوّرةُ لا تقرأُ الواقعَ لتغيّرهُ، بلْ تُقدّسهُ لأنّهُ واقعٌ. إنّها تجعلُ الممكنَ أصغرَ ممَّا هُوَ، وتجعلُ القيدَ قدرًا، وتجعلُ الخضوعَ نُضْجًا.
أمَّا الخوفُ حينَ يُسمّى “حكمةً”، فذلكَ منْ ألطفِ أنواعِ الكذبِ على النّفسِ. الحكمةُ في معناها الصّحيحِ بصيرةٌ تعرفُ متى تُقْدمُ ومتى تُحْجمُ، ومتى يكونُ الكلامُ إصلاحًا ومتى يكونُ صخبًا، ومتى يكونُ الصّبرُ قُوَّةً ومتى يكونُ ذُلًّا. الحكمةُ ليستْ تهوّرًا، ولا تُحبُّ أنْ تدفعَ النّاسَ إلى الهلاكِ باسمِ البطولةِ. لكنَّ الخوفَ حينَ يسرقُ اسمَ الحكمةِ يتحوّلُ إلى شيخٍ وقورٍ يجلسُ على بابِ الضّميرِ يمنعُ صاحبهُ منْ كُلِّ موقفٍ صادقٍ. يقولُ لهُ: لا تتكلّمْ، فالكلامُ لا ينفعُ. لا تعترضْ، فالأمورُ أعقدُ ممَّا تظنُّ. لا تكشفِ الخطأَ، فالعواقبُ وخيمةٌ. لا تُخالفِ الجماعةَ، فالنّاسُ لا يرحمونَ. وهكذا لا يعودُ الإنسانُ جبانًا في نظرِ نفسهِ، بلْ “حكيمًا”، ولا يعودُ صمتهُ هُروبًا، بلْ “اتّزانًا”، ولا يعودُ تركهُ للحقِّ ضعفًا، بلْ “فهمًا للحياةِ”. وما أشدَّ خُبْثَ الكلمةِ حينَ تمنحُ الخوفَ عمامةَ الوقارِ.
“الخوفُ حينَ يسرقُ اسمَ الحكمةِ يتحوّلُ إلى شيخٍ وقورٍ يجلسُ على بابِ الضّميرِ يمنعُ صاحبهُ منْ كُلِّ موقفٍ صادقٍ.”
والاستهلاكُ حينَ يُسمّى “نجاحًا” يفتحُ بابًا كاملًا منْ أبوابِ العبوديّةِ. النجاحُ في أصلهِ أثرٌ لنموِّ الإنسانِ وعملهِ وإتقانهِ ونفعهِ وارتقائهِ في المعنى والمسؤوليّةِ. أمَّا حينَ يُخْتزلُ النّجاحُ في القدرةِ على الشّراءِ والعرضِ والتّملّكِ، فإنَّ المجتمعَ كُلَّهُ يدخلُ سُوقًا رمزيًّا لا ينتهي. يُصْبحُ البيتُ شهادةَ نجاحٍ، والسّيّارةُ شهادةَ نجاحٍ، والملبسُ شهادةَ نجاحٍ، والسّفرُ شهادةَ نجاحٍ، والصّورةُ شهادةَ نجاحٍ، حتَّى يكادَ الإنسانُ لا يُصدّقُ أنَّهُ تقدّمَ في حياتهِ إلَّا إذا صارَ تقدّمهُ قابلًا للعرضِ أمامَ الآخرينَ. هُنا لا يعودُ الاستهلاكُ تلبيةَ حاجةٍ ولا تذوّقًا للجمالِ، بلْ لُغةً اجتماعيّةً لإثباتِ الوجودِ. ومنْ لمْ يقدرْ عليها شعرَ أنَّهُ فشلَ، ولوْ كانَ أنبلَ وأعمقَ وأكثرَ سكينةً ممَّنْ غرقوا فيها. هكذا تصيرُ السّلعةُ مرآةً زائفةً للقدرِ، ويصيرُ الإنسانُ نفسهُ إعلانًا طويلًا عنْ أشياءَ يملكها ولا تملكهُ حقيقتها.
وليسَ التّباهي حينَ يُسمّى “ثقةً بالنّفسِ” أقلَّ خطرًا. فالثّقةُ بالنّفسِ في معناها السّليمِ طُمأْنينةٌ داخليّةٌ، معرفةُ الإنسانِ بقدرهِ دُونَ خُيلاءَ، وقدرتهُ على الحضورِ دُونَ انكسارٍ، وعلى الاعترافِ بموهبتهِ دُونَ أنْ يجعلها سوطًا على غيرهِ. أمَّا التّباهي فهوَ جُوعٌ مُتنكّرٌ في ثوبِ القوّةِ. المتباهي لا يُعْلنُ ما عندهُ لأنّهُ مُسْتغْنٍ، بلْ لأنّهُ مُحْتاجٌ إلى أنْ يراهُ النّاسُ. إنَّهُ يرفعُ صوتهُ لا لأنَّ المعنى كبيرٌ، بلْ لأنَّ الدّاخلَ قلقٌ. وحينَ يُسمّي المجتمعُ هذا التّباهيَ ثقةً بالنّفسِ، فإنّهُ يُعلّمُ أبناءهُ أنَّ الضّجيجَ دليلُ امتلاءٍ، وأنَّ العرضَ دليلُ قيمةٍ، وأنَّ منْ لا يُعْلنُ كُلَّ شيءٍ لا يملكُ شيئًا. وهكذا تُقْتلُ فضيلةُ الوقارِ، ويصبحُ الإنسانُ مُطالبًا بأنْ يُبرْهنَ على ذاتهِ كُلَّ يومٍ، لا بالعملِ العميقِ بلْ بإدارةِ الانطباعِ.
والذّوبانُ في الجماعةِ حينَ يُسمّى “انتماءً” منْ أخطرِ أنواعِ التّزويرِ، لأنّهُ يختطفُ واحدةً منْ أجملِ حاجاتِ الإنسانِ. فالانتماءُ حاجةٌ إنسانيّةٌ نبيلةٌ؛ لا يعيشُ الإنسانُ كجزيرةٍ باردةٍ، ولا يُزْهرُ وجدانهُ خارجَ شبكةٍ منَ الأهلِ واللّغةِ والذّاكرةِ والجماعةِ. لكنَّ الانتماءَ الحقَّ لا يعني إلغاءَ الضّميرِ، ولا تسليمَ العقلِ، ولا ترديدَ ما لا تُؤْمنُ بهِ كيْ تبقى داخلَ الدّائرةِ. حينَ يتحوّلُ الانتماءُ إلى ذوبانٍ، تُطْلبُ منَ الإنسانِ طاعةٌ لا محبّةٌ، وتشابهٌ لا وحدةٌ، وتصفيقٌ لا وفاءٌ. يُقالُ لهُ: إنْ كُنْتَ منَّا فقلْ ما نقولُ، واغضبْ كما نغضبُ، واكرهْ منْ نكرهُ، ولا تسألْ حينَ نسكتُ، ولا تختلفْ حينَ نتّفقُ. عندها لا يكونُ مُنْتميًا، بلْ مُبْتلعًا. فالانتماءُ الّذي يطلبُ منكَ أنْ تخونَ بصيرتكَ ليسَ وطنًا، بلْ قفصٌ جماعيٌّ مُذهّبٌ؛ والانتماءُ الّذي لا يحتملُ صدقكَ لا يستحقُّ أنْ يمنحكَ اسمهُ.
“الانتماءُ الّذي يطلبُ منكَ أنْ تخونَ بصيرتكَ ليسَ وطنًا، بلْ قفصٌ جماعيٌّ مُذهّبٌ.”
أمَّا فقدانُ الصّمتِ حينَ يُسمّى “حُضورًا”، فهوَ علامةٌ دقيقةٌ على فقرِ العصرِ منَ الدّاخلِ. كانَ الصّمتُ في الأزمنةِ الأعمقِ موضعَ نُضْجٍ وتدبّرٍ وهيبةٍ، أمَّا اليومَ فقدْ صارَ كثيرٌ منَ النّاسِ يخافونهُ كأنّهُ فراغٌ مُهينٌ. يُطْلبُ منَ الإنسانِ أنْ يكونَ حاضرًا دائمًا: يُعلّقُ، وينشرُ، ويردُّ، ويظهرُ، ويعلنُ، ويشاركُ، ويضعُ أثرًا في كُلِّ موجةٍ عابرةٍ. فإنِ اختارَ الصّمتَ قيلَ غائبٌ، وإنْ تريّثَ قيلَ مُتردّدٌ، وإنِ احتفظَ ببعضِ حياتهِ بعيدًا عنِ العرضِ قيلَ غيرُ مُؤثّرٍ. وهكذا يتحوّلُ الحضورُ منْ معنًى وُجوديٍّ إلى استهلاكٍ مُتواصلٍ للذّاتِ في المجالِ العامِّ. الحاضرُ حقًّا ليسَ منْ يملأُ الضّجيجَ باسمهِ، بلْ منْ يملكُ حُضورًا صادقًا حينَ يتكلّمُ وحينَ يصمتُ. أمَّا الّذي لا يستطيعُ الصّمتَ فقدْ لا يكونُ حاضرًا، بلْ مسحوبًا منْ داخلهِ إلى خارجهِ، كبيتٍ بلا أبوابٍ يدخلُ منْهُ كُلُّ عابرٍ.
إنَّ تزويرَ الأسماءِ لا يعملُ في الأخلاقِ وحدها، بلْ في السّياسةِ والاقتصادِ والتّربيةِ والإعلامِ وسائرِ الحياتِ. في السّياسةِ قدْ يُسمّى القمعُ “حفظًا للنّظامِ”، وتكميمُ الأفواهِ “حمايةً للسّلمِ”، وملاحقةُ النّاقدِ “صيانةً للثّوابتِ”، وتضييقُ المجالِ العامِّ “تنظيمًا للمشهدِ”. وفي الاقتصادِ يُسمّى استنزافُ الإنسانِ “إنتاجيّةً”، وابتلاعُ وقتهِ “مُرونةً”، وتحميلهُ ما لا يُطيقُ “رُوحَ مُبادرةٍ”، وحرمانهُ منَ الأمانِ “سُوقًا حُرَّةً”. وفي التّربيةِ يُسمّى قتلُ السّؤالِ “انضباطًا”، وتدريبُ الطّفلِ على الخوفِ “احترامًا”، وسحقُ فرديّتهِ “تأديبًا”، ومقارنتهُ بغيرهِ “تحفيزًا”. وفي الإعلامِ تُسمّى التّفاهةُ “ترفيهًا”، والفضيحةُ “جُرْأةً”، والتّلاعبُ بالعقولِ “صناعةَ مُحْتوًى”، وتحويلُ الإنسانِ إلى سلعةٍ “انتشارًا”. وهكذا ينهارُ المعجمُ الأخلاقيُّ في حياةِ النّاسِ، لا لأنَّ الكلماتِ اختفتْ، بلْ لأنّها صارتْ تعملُ ضدَّ معانيها.
والسّيطرةُ اللّغويّةُ لا تحتاجُ دائمًا إلى كذبٍ صريحٍ، بلْ كثيرًا ما تقومُ على نصفِ حقيقةٍ. وهذا أخطرُ. فالواقعيّةُ مطلوبةٌ فعلًا، والحكمةُ مطلوبةٌ فعلًا، والنّجاحُ مطلوبٌ، والثّقةُ بالنّفسِ فضيلةٌ، والانتماءُ حاجةٌ، والحضورُ قيمةٌ. لكنَّ التّزويرَ يأخذُ هذهِ المعاني النّبيلةَ ويجعلها أقنعةً لمعانٍ مريضةٍ. إنَّهُ لا يخلقُ كلمةً قبيحةً، بلْ يسرقُ كلمةً جميلةً. لا يقولُ للنّاسِ: كُونوا عبيدًا، بلْ يقولُ: كُونوا واقعيّينَ. لا يقولُ: كُونوا جُبناءَ، بلْ يقولُ: كُونوا حُكماءَ. لا يقولُ: نافسوا بالمظاهرِ حتَّى تنكسرَ أرواحكمْ، بلْ يقولُ: انجحوا. لا يقولُ: ذُوبوا في القطيعِ، بلْ يقولُ: انتموا. ولذلكَ يصعبُ كشفهُ؛ لأنَّ منْ يعترضُ على الاستسلامِ المغلّفِ بالواقعيّةِ يُتّهمُ بأنّهُ ضدَّ الواقعيّةِ، ومنْ ينتقدُ الخوفَ المغلّفَ بالحكمةِ يُتّهمُ بأنّهُ ضدَّ الحكمةِ، ومنْ يرفضُ الاستهلاكَ المغلّفَ بالنّجاحِ يُتّهمُ بأنّهُ ضدَّ الطّموحِ.
هُنا ينبغي أنْ يتعلّمَ الإنسانُ فنَّ تحريرِ الكلماتِ. أنْ يسألَ كُلَّ لفظٍ جميلٍ يُلْقى في وجههِ: ماذا تُخْفي؟ منْ يستفيدُ منِ استعمالكَ بهذا المعنى؟ أيَّ فعلٍ تُريدُ تمريرهُ؟ أيَّ خوفٍ تُبيّضهُ؟ أيَّ قيدٍ تُزيّنهُ؟ فإذا قيلَ لهُ: كُنْ واقعيًّا، سألَ: هلِ الواقعيّةُ هُنا قراءةٌ للواقعِ أمْ تبريرٌ للانحناءِ لهُ؟ وإذا قيلَ: كُنْ حكيمًا، سألَ: هلِ الحكمةُ هُنا تقديرٌ للعواقبِ أمْ خوفٌ مُتأنّقٌ؟ وإذا قيلَ: هذا نجاحٌ، سألَ: هلْ هُوَ نجاحٌ في المعنى أمْ في الواجهةِ؟ وإذا قيلَ: هذهِ ثقةٌ، سألَ: هلْ هيَ طُمأْنينةٌ داخليّةٌ أمْ استعراضٌ مُحْتاجٌ إلى عُيونٍ؟ وإذا قيلَ: هذا انتماءٌ، سألَ: هلْ هُوَ وفاءٌ حُرٌّ أمْ ذوبانٌ قسريٌّ؟ وإذا قيلَ: كُنْ حاضرًا، سألَ: هلِ الحضورُ هُنا أثرٌ حقيقيٌّ أمْ ضجيجٌ يحمي الإنسانَ منْ صمتهِ؟
إنَّ تحريرَ الكلماتِ ليسَ تمرينًا لُغويًّا، بلْ عملٌ تحرّريٌّ منَ الدّرجةِ الأولى. فالإنسانُ لا يُقاومُ ما لا يستطيعُ تسميتهُ. إذا فقدَ اسمَ القيدِ، عجزَ عنْ رُؤْيتهِ. وإذا سُمِّيَ القيدُ حُرّيّةً، صارَ الدّفاعُ عنِ الحرّيّةِ دفاعًا عنِ القيدِ. وإذا سُمِّيَ الخوفُ حكمةً، صارَ طلبُ الشّجاعةِ تهوّرًا. وإذا سُمّيتِ التّفاهةُ ترفيهًا مُطْلقًا، صارَ نقدها عُبوسًا. وإذا سُمّيتِ الطّاعةُ العمياءُ ولاءً، صارَ استقلالُ الضّميرِ خيانةً. لذلكَ تبدأُ مُقاومةُ العبوديّةِ أحيانًا منْ إعادةِ الأشياءِ إلى أسمائها الأولى: هذا خوفٌ، لا حكمةٌ. هذا استسلامٌ، لا واقعيّةٌ. هذا إسرافٌ، لا ذوقٌ. هذا تباهٍ، لا ثقةٌ. هذا ذوبانٌ، لا انتماءٌ. هذا تشتيتٌ، لا حُضورٌ. وما إنْ يعودُ الاسمُ حتَّى يعودَ جُزْءٌ منَ البصيرةِ.
“الإنسانُ لا يُقاومُ ما لا يستطيعُ تسميتهُ. إذا فقدَ اسمَ القيدِ، عجزَ عنْ رُؤْيتهِ. وإذا سُمِّيَ القيدُ حُرّيّةً، صارَ الدّفاعُ عنِ الحرّيّةِ دفاعًا عنِ القيدِ.”
واللّغةُ المزوّرةُ لا تسكنُ القواميسَ فقطْ، بلْ تسكنُ الأمثالَ اليوميّةَ، وتعليقاتِ العائلةِ، وعباراتِ المديرِ، وخطابَ المدرسةِ، وإعلاناتِ السّوقِ، ولهجةَ الإعلامِ، ومفرداتِ السّياسةِ. حينَ يُقالُ للشّابِّ الّذي يرفضُ طريقًا مُهينًا: “لا تكنْ صعبًا”، فإنَّ الصّعوبةَ هُنا قدْ تكونُ اسمًا آخرَ للكرامةِ. وحينَ يُقالُ للمرأةِ أوِ الرّجلِ الّذي يرفضُ علاقةً تستنزفهُ: “كُنْ مرنًا”، فقدْ تكونُ المرونةُ اسمًا آخرَ لقبولِ الإهانةِ. وحينَ يُقالُ للموظّفِ الّذي يُطالبُ بحقّهِ: “كُنْ مُتعاونًا”، قدْ يكونُ التّعاونُ اسمًا آخرَ للتّنازلِ القسريِّ. وحينَ يُقالُ لصاحبِ المبدإِ: “لا تُكبّرِ الموضوعَ”، قدْ يكونُ تصغيرُ الموضوعِ مُحاولةً لتصغيرِ الضّميرِ. إنَّ الاستعبادَ النّاعمَ يعيشُ في هذهِ الجملِ الصّغيرةِ الّتي تبدو عاديّةً جدًّا، لكنّها تقصُّ شيئًا منْ جناحِ الإنسانِ كُلَّ يومٍ.
وممّا يزيدُ الأمرَ خُطورةً أنَّ اللّغةَ المزوّرةَ تنتقلُ إلى داخلِ الإنسانِ حتَّى يُصْبحَ هُوَ نفسهُ رقيبًا على مُعْجمهِ. قدْ يشعرُ بالظّلمِ ثُمَّ يقولُ لنفسهِ: لا تُبالغْ. وقدْ يشعرُ بالخوفِ ثُمَّ يُسمّيهِ عقلًا. وقدْ يشعرُ بالفراغِ وسطَ كثرةِ المظاهرِ ثُمَّ يقولُ: هذهِ حياةٌ ناجحةٌ. وقدْ ينزعجُ منْ ضياعِ انتباههِ ثُمَّ يقولُ: أنا اجتماعيٌّ وحاضرٌ. وقدْ يذوبُ في رأيِ الجماعةِ ثُمَّ يقولُ: أنا وفيٌّ لمنْ أنتمي إليهمْ. وهكذا لا يعودُ التّزويرُ صادرًا منَ الخارجِ فقطْ، بلْ يُصْبحُ صوتًا داخليًّا موروثًا منَ الخارجِ. هذهِ هيَ ذُرْوةُ السّيطرةِ: أنْ يتولّى الإنسانُ مُهمّةَ خداعِ نفسهِ بالنّيابةِ عنِ القوى الّتي قهرتهُ.
“ذُرْوةُ السّيطرةِ: أنْ يتولّى الإنسانُ مُهمّةَ خداعِ نفسهِ بالنّيابةِ عنِ القوى الّتي قهرتهُ.”
ولذلكَ يحتاجُ التّحررُ إلى شجاعةٍ لُغويّةٍ، والشّجاعةُ اللّغويّةُ ليستْ وقاحةً ولا تهوّرًا في إطلاقِ الأحكامِ، بلْ صدقٌ في التّسميةِ. أنْ يُسمّيَ الإنسانُ نقصهُ نقصًا كيْ يُعالجهُ، وخوفهُ خوفًا كيْ يُهذّبهُ، ورغبتهُ رغبةً كيْ لا يجعلها مبدأً، وخطأهُ خطأً كيْ لا يُقدّسهُ، وظلمَ غيرهِ ظُلْمًا كيْ لا يُبرّرهُ. منْ لا يملكُ شجاعةَ الاسمِ لا يملكُ شجاعةَ الفعلِ. وقديمًا كانتِ الأصنامُ تُعْبدُ بأسمائها، وحديثًا تُعْبدُ أصنامٌ كثيرةٌ بأسماءٍ جديدةٍ: الواقعيّةُ، والنّجاحُ، والمرونةُ، والانتشارُ، والقبولُ، والهيبةُ، والانتماءُ، والحضورُ. وليستِ المشكلةُ في هذهِ الأسماءِ، بلْ في تأليهها حينَ تنفصلُ عنِ الحقِّ والكرامةِ والعدلِ.
وفي التّربيةِ، يجبُ أنْ نُعلّمَ الأطفالَ والشّبابَ أنَّ الكلماتِ ليستْ دائمًا كما تبدو. أنْ يسألوا عنِ المعنى لا أنْ يبتلعوا اللّفظَ. حينَ يسمعونَ “كُنْ مثلَ النّاسِ”، يسألونَ: أيُّ ناسٍ؟ وفي ماذا؟ ولماذا؟ وحينَ يسمعونَ “هذا هُوَ النّجاحُ”، يسألونَ: نجاحٌ بأيِّ معيارٍ؟ وحينَ يسمعونَ “لا تُخالفِ الجماعةَ”، يسألونَ: هلِ الجماعةُ على حقٍّ؟ وحينَ يسمعونَ “هذا مُجرّدُ ترفيهٍ”، يسألونَ: ماذا يفعلُ هذا الترفيهُ بذوقي ووقتي وقلبي؟ هذهِ التّربيةُ ليستْ دعوةً إلى الشّكِّ المرضيِّ، بلْ إلى اليقظةِ المعنويّةِ. الطّفلُ الّذي يتعلّمُ تفكيكَ الألفاظِ أقلُّ قابليّةً لأنْ يُصْبحَ مُسْتهْلكًا مُطيعًا للشّعاراتِ، وأقدرُ على مُقاومةِ الإعلاناتِ والدّعايةِ والخطاباتِ الجماعيّةِ.
وفي الإعلامِ والثّقافةِ، لا بُدَّ منِ استعادةِ شرفِ اللّغةِ. فالمجتمعاتُ الّتي تُهانُ لُغتها الأخلاقيّةُ تُهانُ قُدْرتها على المقاومةِ. حينَ يكثرُ التّلطيفُ في موضعِ الجريمةِ، والمبالغةُ في موضعِ التّفاهةِ، والتّجميلُ في موضعِ الاستغلالِ، يفقدُ المجتمعُ جهازهُ المناعيَّ. يجبُ أنْ يبقى للنّاسِ قُدْرةٌ على النّفورِ منَ القبيحِ باسمهِ، وعلى محبّةِ الجميلِ باسمهِ، وعلى التّفريقِ بينَ الرّحمةِ والضّعفِ، وبينَ القوّةِ والقسوةِ، وبينَ الحرّيّةِ والفوضى، وبينَ النّقدِ والحقدِ، وبينَ الانتماءِ والعبوديّةِ. وكلُّ إعلامٍ يخلطُ هذهِ المعانيَ يُشاركُ في صناعةِ الإنسانِ القابلِ للقيادةِ، حتَّى لوْ كانَ يرفعُ شعاراتِ التّحرّرِ.
ولا يعني تحريرُ الكلماتِ أنْ نختارَ دائمًا الألفاظَ الأشدَّ قسوةً، أوْ أنْ نُلْغيَ التّعقيدَ، أوْ أنْ نرفضَ كُلَّ صياغةٍ هادئةٍ. فليستِ البلاغةُ في الصّراخِ، ولا الصّدقُ في الفظاظةِ. قدْ تكونُ الكلمةُ الرّحيمةُ أصدقَ منَ الكلمةِ الجارحةِ، وقدْ يكونُ التّوصيفُ الهادئُ أقوى منَ الاتّهامِ الصّاخبِ. المقصودُ ألَّا تكونَ الرّقّةُ ستارًا للكذبِ، ولا التّهذيبُ قناعًا للتّهرّبِ منَ الحقيقةِ، ولا التّعقيدُ ذريعةً لمحوِ الوضوحِ الأخلاقيِّ. تحريرُ اللّغةِ لا يعني تبسيطَ العالمِ حتَّى يُصْبحَ طُفوليًّا، بلْ يعني منعَ اللّغةِ منْ أنْ تتحوّلَ إلى دُخانٍ يحجبُ النّارَ.
ومنْ أعظمِ علاماتِ النّضجِ أنْ نُميّزَ بينَ الاسمِ حينَ يكونُ هاديًا، والاسمِ حينَ يكونُ مُخدّرًا. فكلمةُ “الصّبرِ” تهدي الإنسانَ حينَ تُعينهُ على احتمالِ طريقِ الحقِّ، لكنّها تُخدّرهُ حينَ تمنعهُ منْ مُقاومةِ الظّلمِ. وكلمةُ “المرونةِ” تهديهِ حينَ تمنعهُ منَ التّصلّبِ الأحمقِ، لكنّها تُخدّرهُ حينَ تدعوهُ إلى التّنازلِ عنْ كرامتهِ. وكلمةُ “الانتماءِ” تهديهِ حينَ تصلهُ بجماعةِ خيرٍ، لكنّها تُخدّرهُ حينَ تسلبهُ ضميرهُ. وكلمةُ “النّجاحِ” تهديهِ حينَ تُذكّرهُ بالإتقانِ والنّفعِ، لكنّها تُخدّرهُ حينَ تحصرُ قيمتهُ في المظاهرِ. هكذا لا تكونُ المعركةُ معَ الألفاظِ نفسها، بلْ معَ تهريبِ المعاني المريضةِ داخلها.
إنَّ تحريرَ الإنسانِ يبدأُ أحيانًا منْ لحظةٍ لُغويّةٍ بسيطةٍ: أنْ يتوقّفَ ويقولَ: لا، ليسَ هذا اسمهُ. ليستْ هذهِ واقعيّةً، بلْ خوفٌ. ليستْ هذهِ حكمةً، بلْ هُروبٌ. ليسَ هذا نجاحًا، بلْ عرضٌ استهلاكيٌّ. ليستْ هذهِ ثقةً، بلْ جُوعٌ إلى العينِ. ليسَ هذا انتماءً، بلْ ذوبانٌ. ليسَ هذا حُضورًا، بلْ فقدانُ القدرةِ على الصّمتِ. في تلكَ اللّحظةِ ينهارُ جُزْءٌ منَ السّحرِ. فالتّسميةُ الصّحيحةُ كفتحِ نافذةٍ في غُرْفةٍ امتلأتْ ببخورٍ مُخدّرٍ؛ لا تُغيّرُ الأثاثَ فورًا، لكنّها تُعيدُ الهواءَ، ومنْ عادَ إليهِ الهواءُ استطاعَ أنْ يرى وأنْ يتحرّكَ.
وفي النّهايةِ، فإنَّ العبوديّةَ النّاعمةَ لا تنتصرُ لأنّها أقوى دائمًا، بلْ لأنّها ألطفُ اسمًا. تدخلُ إلى الإنسانِ مُزيّنةً بالمعاني الّتي يُحبّها: الحكمةُ، الواقعيّةُ، النّجاحُ، الثّقةُ، الانتماءُ، الحضورُ، المرونةُ، السّلامةُ. فإذا لمْ يكنْ لهُ وعيٌ لُغويٌّ يحرسُ بوّابةَ المعنى، سلَّمَ لها وهوَ يظنُّ أنَّهُ يختارُ الفضائلَ. وما أكثرَ منْ يعيشونَ مُقيّدينَ لا لأنّهمْ أحبّوا القيودَ بصورتها القبيحةِ، بلْ لأنَّ القيودَ جاءتْ إليهمْ بأسماءَ جميلةٍ. لذلكَ كانتْ أوَّلُ الحرّيّةِ أنْ نغسلَ الكلماتِ منْ آثارِ الاستعمالِ الفاسدِ، وأنْ نُعيدَ للمعاني شرفها، وألّا نسمحَ للطّغيانِ والسّوقِ والجمهورِ والخوفِ أنْ يكتبوا قاموسَ أرواحنا.
إنَّ الإنسانَ الّذي يملكُ لُغتهُ يملكُ جُزْءًا منْ مصيرهِ. فإذا سمَّى الأشياءَ بأسمائها لمْ يعدْ سهلًا أنْ يُخْدعَ، وإذا عرفَ الفرقَ بينَ الاسمِ والقناعِ لمْ يعدْ سهلًا أنْ يُشْترى، وإذا حرَّرَ الكلماتِ منَ التّزويرِ بدأَ يُحرّرُ نفسهُ منَ الأفعالِ الّتي كانتْ تختبئُ وراءها. فاللّغةُ ليستْ ظلَّ الحياةِ، بلْ أحدُ مفاتيحها الكبرى؛ ومنْ حرَّرَ الكلمةَ حرَّرَ بابَ الرّؤيةِ، ومنْ حرَّرَ الرّؤيةَ اقتربَ منْ تحريرِ الإرادةِ. أمَّا منْ تُسْرقُ كلماتهُ، فإنّهُ قدْ يظلُّ يمشي ويتكلّمُ ويختارُ، لكنّهُ لا يدري أنَّ الخريطةَ الّتي يحملها في يدهِ رُسمتْ لهُ بعنايةٍ كيْ تقودهُ، باسمِ الجمالِ، إلى مواضعِ القيدِ.
