الفكرتربية واجتماعمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

حين تستبيح القوة الحق؛ انقلاب النظام من الأخلاق إلى شريعة غاب

من سلسلة دراسة في عوامل وظواهر أفول الامبراطورية الأمريكية المعاصرة

ليست الأخلاق ستارةً مخمليةً تُعلّق خلف عرش القوة لتجمّل صورته، ولا ترنيمةً مثاليةً يرددها الضعفاء لأنهم لا يملكون المدافع. إنها القيد الذي يمنع القوة من أن تتحول إلى وحشٍ لا يعرف إلا شهوته، والبنية الخفية التي تجعل قيادة الأقوياء محتملةً في أعين الآخرين، والحد الفاصل بين نظامٍ دوليٍّ ناقصٍ لكنه قابلٌ للإصلاح، وغابةٍ مسلحةٍ لا يعلو فيها صوتٌ فوق صليل الأنياب. وحين تتكلم الإمبراطوريات عن الأخلاق، يسرع الواقعيون المتعجلون إلى السخرية؛ فالدول، في نظرهم، لا تبحث إلا عن مصالحها، والحديث عن القانون والعدالة والكرامة ليس إلا لغةً لتجميل الصراع. وفي هذا القول جانبٌ من الحقيقة؛ فالدول ليست جمعياتٍ خيرية، ولا تنفق جيوشها وأموالها من أجل فضائل مجردة. لكن الخطأ يبدأ حين تتحول هذه الحقيقة الجزئية إلى عقيدةٍ تعمي صاحبها عن حقيقةٍ أخرى؛ أن المصالح نفسها لا تُحفظ بالقوة المجردة، وأن النظام الذي يقوم على الخوف وحده يحتاج إلى إنفاقٍ لا ينتهي كي يمنع الخائفين من التمرد عليه.

السياسة لا تقوم على الإكراه وحده؛ لأن الإكراه يفسر لحظة الطاعة، لكنه لا يفسر دوامها. يستطيع الجيش أن يجبر مدينةً على فتح أبوابها، لكنه لا يستطيع أن يجعل أهلها يرون في حكمه مستقبلًا لأبنائهم. وتستطيع العقوبات أن تُكره حكومةً على التراجع في ملف، لكنها قد تزرع في مجتمعها ذاكرةً من الإذلال تدوم أطول من أثر العقوبة نفسها. وتستطيع القوة أن تنتزع توقيعًا على معاهدة، لكنها لا تستطيع أن تفرض الثقة التي تجعل المعاهدة تعيش بعد تغير ميزان الخوف.

الطاعة المستمرة تحتاج إلى معنى؛ إلى اعتقادٍ بأن النظام، مع تفاوت القوة داخله، لا يحول الضعيف إلى مادةٍ خام لمصلحة القوي، وأن القاعدة التي تطبق عليه ستطبق، في جوهرها، على غيره، وأن الحليف لا يُستعمل ثم يُلقى، وأن الدولة الأقوى لا تعتبر قدرتها على تجاوز القانون دليلًا على حقها في تجاوزه. ولهذا تراقب الدول كيفية استعمال القوة، لا حجمها وحده. قد تخشى دولةً تملك سلاحًا هائلًا، لكنها تتحالف معها لأنها تعرف أنها تلتزم بعهدها وتضبط وسائلها. وقد تخشى دولةً أخرى أقل قوة، لكنها تبتعد عنها لأنها لا تعرف متى تنقلب صداقتها إلى ابتزاز. السمعة ليست غبارًا أخلاقيًّا فوق المصالح؛ إنها رأسمالٌ استراتيجي يحدد مقدار ما تحتاج إليه الدولة من تهديدٍ كي تحصل على التعاون.

“السمعة ليست غبارًا أخلاقيًّا فوق المصالح؛ إنها رأسمالٌ استراتيجي يحدد مقدار ما تحتاج إليه الدولة من تهديد كي تحصل على التعاون.”

الدولة التي يثق بها حلفاؤها لا تحتاج إلى إرغامهم في كل أزمة، ولا إلى شراء ولائهم كل صباح. أما الدولة التي فقدت الثقة، فإنها تضطر إلى استبدال الجاذبية بالضغط، والاقتناع بالخوف، والاتفاق بالعقوبة. وكلما ازداد الإكراه انخفضت الثقة، وكلما انخفضت الثقة ازدادت الحاجة إلى الإكراه؛ حتى تدخل الإمبراطورية في حلقةٍ تأكل فيها قوتها كي تعوض المعنى الذي أضاعته. ومن هنا تدخل الأخلاق في صميم تحليل الإمبراطوريات؛ لأن العنف غير المقيد لا يبقى فعلًا منفردًا، بل ينتج مقاومةً وذاكرةً وتحالفاتٍ مضادة. والظلم الذي يقع على دولةٍ صغيرة لا يظل محصورًا فيها؛ تراقبه الدول الأخرى وتسأل نفسها عن مقدار أمانها إذا اختلفت يومًا مع المركز. وقد لا تنتصر للضحية فورًا، لكنها تبدأ في تنويع تسليحها وعملتها وتحالفاتها، وتخزين أبوابٍ بديلةٍ لليوم الذي تصبح فيه هي الضحية.

ولا تعني الأخلاق السياسية أن تكون الدولة بلا مصالح، ولا أن تقف مكتوفة اليدين أمام من يهدد شعبها، ولا أن تحول السياسة الخارجية إلى مجلسٍ للوعظ. الأخلاق الواقعية هي أن تسعى الدولة إلى مصالحها ضمن حدودٍ تمنعها من تحويل الآخرين إلى أدوات، وأن تدرك أن الضرورة لا تلغي الكرامة، وأن الأمن لا يبرر كل وسيلة، وأن الانتصار الذي يهدم القاعدة الأخلاقية التي يقوم عليها النظام قد يكون هزيمةً مؤجلة. الأخلاق السياسية تبدأ بضبط القوة؛ ألَّا يُستعمل من الوسائل أكثر مما تقتضيه الغاية المشروعة، وأن يبقى التناسب حاضرًا بين الخطر والرد، وبين الضرر المراد منعه والضرر الذي يصنعه المنع. وتقوم على التمييز بين من يقاتل ومن لا يقاتل، وعلى صيانة المدني من أن يتحول إلى رسالةٍ دموية توجه إلى خصمه، وعلى تحمل المسؤولية عن النتائج المتوقعة بدل الاحتماء بنقاء النية.

وتعني كذلك الوفاء بالعهود؛ لأن المعاهدة التي تُحترم ما دامت نافعةً للأقوى ليست عهدًا، بل هدنةً تفرضها المصلحة. وتعني اتساق المعايير؛ أن يسمى الفعل باسمه بصرف النظر عن هوية فاعله، وأن لا يصير الاحتلال تحريرًا حين يمارسه الحليف، ولا يصبح قتل المدنيين دفاعًا مشروعًا لمجرد أن مرتكبه يقف في المعسكر المفضل. وتعني قبول المحاسبة؛ لأن من يزعم أن قوته خادمةٌ للحق يجب أن يقبل اختبار هذه الدعوى. لا تكفي الدولة أن تحقق في انتهاكاتها داخل غرفها المغلقة، ثم تعلن أنها برأت نفسها. المحاسبة التي يختار القوي حدودها وخصومها ونتائجها قد تتحول إلى جزءٍ من إدارة السمعة، لا إلى قيدٍ حقيقي على القوة. كما تقتضي الأخلاق عدم تحويل الضرورة إلى ذريعةٍ دائمة. فالاستثناء قد يكون مفهومًا في خطرٍ عابر، لكنه إذا امتد سنين وعقودًا صار نظامًا بديلًا عن القانون. وما يبدأ بإجراءٍ مؤقت لمواجهة عدوٍ استثنائي قد يتحول إلى لغة حكمٍ كاملة؛ اعتقالٌ بلا نهاية، ومراقبةٌ بلا حدود، وحروبٌ بلا ساحاتٍ واضحة، وقتلٌ يستند إلى قوائم سرية، وسلطاتٌ تتسع كلما اتسع تعريف الخطر.

“الاستثناء إذا امتد سنين وعقودًا صار نظامًا بديلًا عن القانون، وتحول إلى لغة حكم كاملة.”

وهنا ينبغي التمييز بين القانون والأخلاق والشرعية. فقد يكون الفعل قانونيًّا لأن الدولة نجحت في تمرير نصٍّ يسمح به، لكنه يبقى غير أخلاقي إذا انتهك الكرامة أو استغل ضعف الطرف الآخر. وقد تكون الغاية أخلاقيةً في أصلها، كحماية مدنيين من مذبحة، لكن الوسيلة غير قانونية أو غير متناسبة. وقد يحصل القرار على غطاءٍ قانونيٍّ شكلي من مؤسسةٍ خاضعةٍ لموازين القوة، لكنه يفتقد القبول السياسي والاجتماعي الذي يمنحه الشرعية الفعلية. القانون يحدد ما تسمح به النصوص والمؤسسات، والأخلاق تسأل عن عدالة الفعل وإنسانيته واتساقه، أما الشرعية فهي الثقة المتراكمة بأن السلطة تمارس قوتها وفق قواعدَ مقبولةٍ، وبقدرٍ من الاتساق والمصلحة المشتركة. وهي لا تولد من التصويت أو التوقيع وحدهما؛ فقد تمنح المؤسسة غطاءً قانونيًّا، لكنها لا تستطيع أن تعوض انهيار الثقة إذا رأى العالم أن القرار صيغ لإضفاء الشرعية على إرادةٍ سابقة.

ولا يكون القانون الدولي ذا معنى لأن الضعفاء يلتزمون به فقط؛ فالضعيف قد يلتزم خوفًا، أو لأنه عاجزٌ عن تجاوزه. الامتحان الحقيقي للقانون يقع حين تقف الدولة الأقوى أمام قاعدةٍ تعوق رغبتها، وتملك القدرة على كسرها، ثم تختار أن تقيد نفسها. عندئذٍ يتحول القانون من نصٍّ مكتوب إلى بنية ثقة، ويعرف الآخرون أن القوة ليست هي القاعدة الوحيدة. لقد قام ميثاق الأمم المتحدة على المساواة السيادية بين الدول، وعلى منع التهديد بالقوة أو استعمالها ضد سلامة أراضي الدول واستقلالها السياسي، مع الاعتراف بحق الدفاع الفردي أو الجماعي عند وقوع هجومٍ مسلح، وبسلطات مجلس الأمن في اتخاذ تدابير حفظ السلم. والمعنى الأخلاقي لهذه البنية ليس إلغاء الصراع، بل منع كل قوةٍ من أن تجعل تقديرها المنفرد للضرورة قانونًا عالميًّا.

والقوة التي تقيد نفسها ليست أضعف من القوة المنفلتة؛ بل قد تكون أقوى منها على المدى الطويل. الدولة التي تسمح لقضائها بمراجعة قرارات السلطة، ولإعلامها بكشف الانتهاكات، ولمؤسساتها التشريعية بمحاسبة الأجهزة، تعرّض نفسها للحرج الآني، لكنها تمنع الأخطاء من أن تتحول إلى سياسةٍ مزمنة. اما الدولة التي تخفي العيب حفاظًا على الهيبة فتتركه ينمو حتى يصبح كشفه لاحقًا هدمًا للثقة كلها. وإن المعاهدات في جوهرها قيودٌ طوعية؛ تقبل الدولة أن تتنازل عن جزءٍ من حرية الحركة لأنها تكسب نظامًا يستطيع الجميع توقعه. والمؤسسات الدولية، مهما كانت ناقصةً ومنحازةً أحيانًا، نشأت كي لا يتحول المنتصر في كل أزمة إلى قاضٍ وخصمٍ ومنفذٍ للحكم في الوقت نفسه. فإذا عاملتها القوة الكبرى بوصفها صالحةً حين تبارك فعلها وعديمة القيمة حين تعوقه، فإنها لا تضعف المؤسسة وحدها، بل تهدم الحجة التي ستحتاج إليها يومًا حين يخرق منافسها القواعد نفسها.

“الامتحان الحقيقي للقانون يقع حين تقف الدولة الأقوى أمام قاعدة تعوق رغبتها ثم تختار أن تقيد نفسها.”

ومن أكثر ما يبدد الشرعية ازدواجية المعايير. لا شيء يهدم الخطاب الأخلاقي أسرع من أن يرى الناس القانون يشتدُّ على الخصم ويلين للحليف، وأن تُرفع السيادة في وجه تدخلٍ معين ثم تُطوى حين تعطل مصلحة المركز، وأن يُدان احتلالٌ لأنه وقع من قوةٍ معادية ويُبرر احتلالٌ آخر أو يُدار بالصمت لأنه وقع من شريك. تظهر الازدواجية كذلك حين تُعرّف المقاومة والعنف بحسب هوية الفاعل لا طبيعة الفعل؛ فقد يصبح الهجوم على عسكريين إرهابًا إذا جاء من طرف، وعملًا دفاعيًّا إذا جاء من طرف آخر، بينما يصبح قتل المدنيين خطأً مؤسفًا عند الحليف وجريمةً تكشف طبيعة الخصم عند العدو. لا يعني الإنصاف أن تتساوى الوقائع المختلفة، بل أن يخضع الاختلاف نفسه لمعيارٍ يمكن تفسيره، لا لولاءٍ سابق للفاعل. وحين تصبح حقوق الإنسان أداةً انتقائيةً في الصراع، يخسر الضحايا قبل غيرهم. فالمنتهك يستطيع أن يرد على كل اتهامٍ بإظهار انتهاكٍ سكت عنه المتهم، وتتحول الحقيقة إلى تبادلٍ للفضائح. لا يبرئ التناقض جريمة أحد، لكنه يمنح المجرم فرصةً لتشويه المعيار كله، فيبدو خطاب الحقوق كما لو كان لغةً أخرى من لغات الهيمنة.

وفي العالم غير الغربي تراكمت ذاكرةٌ طويلة من هذا التناقض؛ الاستعمار الأوروبي أعلن أنه يحمل الحضارة إلى الشعوب التي نهب مواردها، والاتحاد السوفيتي رفع راية التحرر الأممي فيما أخضع دول أوروبا الشرقية لإرادة مركزه، والولايات المتحدة رفعت خطاب الحرية فيما دعمت انقلاباتٍ وأنظمةً استبداديةً وخاضت حروبًا تجاوزت فيها المؤسسات التي أسهمت في بنائها. لا يجعل ذلك كل دعوى أخلاقيةً كاذبة، لكنه يجعل العالم يسأل عن الفعل قبل أن يصدق العبارة. وحين يفقد الخطاب الأخلاقي صدقيته لا يصمت الناس عنه فقط، بل يستعملونه ساخرين ضد صاحبه. تصبح مفردات «الحرية» و«القانون» و«المجتمع الدولي» موضع ريبة، لا لأنها خاليةٌ من المعنى، بل لأنها استُهلكت في تبرير أفعالٍ تناقضها. وأخطر ما تصنعه ازدواجية المعايير أنها لا تسيء إلى دولةٍ بعينها فقط؛ إنها تفسد اللغة التي يحتاج إليها المظلومون للدفاع عن أنفسهم.

ومن صور فساد القوة انتقال الحماية من خدمةٍ متبادلة إلى إتاوةٍ سياسية. فالتحالف الأمني قد يكون تعاونًا مشروعًا؛ دولةٌ تقدم مظلةً عسكرية، وأخرى تمنح قواعد أو تمويلًا أو مشاركة، ويجد الطرفان مصلحةً حقيقيةً في ردع خطرٍ مشترك. لكن المظلة تتحول إلى ابتزاز حين يستعمل الحامي خوف الحليف كي يفرض عليه صفقاتٍ أو مواقف لا تتصل مباشرةً بالأمن، أو حين يقدم الحماية كأنها منّةٌ تمنحه حق التدخل في الاقتصاد والسياسة الداخلية والابتزاز المالي والاقتصادي والسياسي بل وربما العسكري. وثمة فرقٌ بين تقاسم الأعباء وفرض الجزية السياسية. تقاسم الأعباء يقوم على اتفاقٍ واضحٍ حول طبيعة الخطر والغاية والكلفة، أما الجزية فتبدأ حين يقول الأقوى لحليفه إن أمنه متوقفٌ على مقدار طاعته وشرائه للسلاح وتقديمه الامتيازات. وعندئذٍ ينقلب التحالف من مؤسسةٍ طويلة الأمد إلى صفقةٍ تجاريةٍ قصيرة؛ يدفع الحليف اليوم، ويظل غدُه معلقًا بمزاج الحامي ومصلحته.

“أخطر ما تصنعه ازدواجية المعايير أنها تفسد اللغة التي يحتاج إليها المظلومون للدفاع عن أنفسهم.”

وقد يقترب منطق الحماية من منطق العصابة أو المافيا حين يساهم الحامي نفسه في تضخيم الخطر، أو يمنع تسويةً قد تقلل حاجة الحليف إليه، ثم يطالبه بثمن الحماية من البيئة التي شارك في صناعتها. ليس كل تهديدٍ اختراعًا، ولا كل مظلةٍ ابتزازًا؛ لكن السؤال المشروع يبقى حاضرًا؛ هل يحمي المركز حلفاءه من خطرٍ مستقل، أم يحمي كذلك بنيةً تجعلهم محتاجين إليه؟ وحين تدخل اللغة التجارية الفجة إلى التحالفات تضيع السياسة التي منحتها المعنى. الحليف ليس زبونًا يشتري التأمين، والتحالف ليس متجر سلاحٍ تحميه المعاهدات. فإذا اختُزلت العلاقة في مقدار ما يدفعه الطرف الأضعف، بدأ يسأل عن قيمة البدائل، وانقلبت الرابطة الاستراتيجية إلى حسابٍ قابلٍ للنقل إلى مزودٍ آخر.

وتبلغ شريعة الغاب ذروتها حين تقول القوة، بلسانٍ صريح أو ضمني، إن الحق لا يُناقش إلا بين المتساوين، وإن من لا يملك القدرة على ردع الأقوى لا يملك إلا قبول ما يُفرض عليه. هذا هو المنطق الذي كشفه الحوار الشهير بين أثينا وجزيرة ميلوس؛ لم يحاول الأثينيون إثبات عدالة مطلبهم، بل عاملوا عدم التكافؤ بوصفه جوابًا عن سؤال العدالة نفسه. غير أن التاريخ لا يحفظ هذا المشهد بوصفه حكمةً نهائيةً عن السياسة، بل بوصفه إنذارًا عن الغرور الإمبراطوري. فحين تعتقد القوة أن قدرتها على الفعل تعفيها من الحاجة إلى تبريره، تفقد القدرة على رؤية الحدود التي تقترب منها. وقد تخضع الطرف الأضعف، لكنها تدرب الآخرين على أن أمنهم لا يكون بالقانون، بل بتكوين قوةٍ أو تحالفٍ يستطيعان ردعها.

ورَوما نفسها جمعت بين القانون والمواطنة والطرق والإدارة، وبين المذابح والقمع والعبودية. وما أطال عمرها لم يكن البطش وحده، بل قدرتها في مراحل معينة على إدماج نخبٍ وأقاليم ومنحها نصيبًا من النظام. وحين غلبت كلفة السيطرة على منفعة الانتماء، وحين أصبح الرد على الأزمات مزيدًا من العنف والجباية، تآكلت الروابط التي جعلت الإمبراطورية أكثر من معسكرٍ واسع. والاستعمار الأوروبي لم يسقط لأن الجيوش الاستعمارية فقدت قوتها دفعةً واحدة، بل لأن الرسالة الحضارية انكشفت خلفها آليات الاستغلال والتمييز، ولأن الشعوب الخاضعة أعادت تعريف وجود المستعمر من عبءٍ لا مفر منه إلى ظلمٍ قابلٍ للمقاومة. وكذلك لم يكن ضعف الاتحاد السوفيتي اقتصاديًّا وعسكريًّا فقط؛ فقدت رسالته التحررية قدرتها على الإقناع حين ظهرت الدبابات أداةً لحماية مركزٍ يطالب الآخرين بالإيمان بتحررهم تحت وصايته.

وهكذا لا تُضاف الأخلاق إلى القوة بعد اكتمالها؛ الأخلاق جزءٌ من هندسة القوة نفسها. الاتساق يوسع التحالفات، واحترام القانون يطمئن الدول الصغيرة، والمحاسبة تمنع الخطأ من التحول إلى عقيدة، وحماية المدنيين تقلل أجيالًا من العداوة، والوفاء بالعهود يجعل الضمان والتهديد أكثر صدقية. أما الدولة التي تتعامل مع الأخلاق بوصفها قناعًا فسوف تكتشف أن سقوط القناع لا يكشف وجه القوة وحده، بل يكشف عجزها عن القيادة. قد تظل قادرةً على العقاب، لكنها تفقد القدرة على جمع الآخرين طوعًا. وقد تخشاها الدول، لكنها تبني سرًّا المؤسسات والتحالفات التي تحميها منها. وقد تنتصر في معركةٍ عسكرية، لكنها تخسر اللغة التي كانت تحول حربها إلى قضية، ونفوذها إلى نظام، ومصلحتها إلى مشروعٍ تقبله الشعوب. عندئذٍ تنقلب الإمبراطورية من منتجةٍ للنظام إلى مستهلكةٍ للقوة؛ تحرق المال والسلاح والسمعة كي تحصل على نتائج كانت تحققها قديمًا بمقدارٍ أقل من الإكراه. وما يبدو في ظاهر الأمر صلابةً يكون في حقيقته إعلانًا عن نفاد الثقة.

إن الغابة لا تبدأ حين تختفي القوانين من الكتب، بل حين يعرف الجميع أن القاعدة لا تعمل إلا على من لا يستطيع كسرها. ولا يموت الحق حين يُنكر لفظًا فقط، بل حين يصبح الاعتراف به تابعًا لهوية الفاعل ومقدار قوته. فإذا أرادت قوةٌ كبرى أن تقود حقًّا، فعليها أن تثبت أن قدرتها على تقييد نفسها أعظم من قدرتها على سحق غيرها؛ لأن الوحش يستطيع أن يفترس، أما الدولة الحضارية فهي التي تملك الأنياب ثم تختار أن تخضعها لقانونٍ لا تفقده حين تجوع.

“الدولة الحضارية هي التي تملك الأنياب ثم تختار أن تخضعها لقانونٍ لا تفقده حين تجوع.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى