هل تنجو أمريكا من شهوة الهيمنة؟
من سلسلة دراسة في عوامل وظواهر أفول الامبراطورية الأمريكية المعاصرة
لا يكمن السؤال الأمريكي العميق في احتمال أن تستيقظ الولايات المتحدة ذات صباحٍ فتجد قواعدها مغلقةً ودولارها منسيًّا وجيوشها عاجزةً وحدودها تتفكك. هذه صورةٌ دراميةٌ تريح العقل لأنها تحول التاريخ إلى انهيارٍ واحدٍ ظاهر، لكنها لا تصف المعضلة الحقيقية. فالمسألة ليست انهيار أمريكا بقدر ما هي صراعٌ داخل أمريكا نفسها؛ صراعٌ بين دولةٍ تملك من عناصر البقاء ما يجعل زوالها قريبًا ضربًا من التنبؤ المتعجل، وإمبراطوريةٍ شبكيةٍ تريد أن تجعل أمن الدولة وازدهارها مرادفين لاستمرار تفوقها فوق العالم.
ينبغي التمييز بين ثلاثة مستوياتٍ لا يجوز خلطها؛ انتهاء الأحادية القطبية، وانكماش الإمبراطورية الأمريكية، وانهيار الولايات المتحدة بوصفها دولةً اتحادية. الأول لم يعد افتراضًا بعيدًا؛ فصعود الصين، وتزايد استقلال القوى الإقليمية، واتساع التكتلات البديلة، وتراجع قدرة واشنطن على تحويل كل تفوقٍ عسكري إلى نتيجةٍ سياسيةٍ مستقرة، كلها ملامح عالمٍ لا يطيع مركزًا واحدًا كما فعل في العقد الذي تلا سقوط الاتحاد السوفيتي. أما انكماش الإمبراطورية الشبكية فهو احتمالٌ تاريخيٌّ جدي؛ إذ يمكن أن تتراجع القواعد أو الامتيازات النقدية أو قدرة العقوبات أو طاعة الحلفاء. لكن انهيار الدولة الأمريكية نفسها نتيجةٌ مختلفة، لا تثبت لمجرد أن العالم صار متعددًا.
فالولايات المتحدة تملك جغرافيا محميةً نسبيًّا بين محيطين، وسوقًا داخليةً تضم نحو 342 مليون نسمة، واقتصادًا قُدّر بنحو 31 تريليون دولار في 2025، وقاعدةً علميةً وتقنية ما تزال تتمتع بمزايا بارزة في البحوث عالية الاستشهاد والابتكار الممول برأس المال المغامر والخدمات التقنية المتقدمة، كما تظل جامعاتها وجهةً رئيسيةً للطلاب الدوليين.
وهي كذلك أكبر منتجٍ للنفط والغاز الطبيعي ومصدرٌ رئيسي للغاز الطبيعي المسال، ما يمنحها درجةً كبيرةً من الأمان الطاقي والقدرة على التأثير في الأسواق العالمية.
ولا تزال القوة العسكرية الأمريكية تفوق أي منافسٍ منفرد؛ فقد بلغ إنفاقها العسكري في 2025 نحو 954 مليار دولار، أي قرابة 33 في المئة من الإنفاق العسكري العالمي. كما بقي الدولار في الربع الأول من 2026 يمثل 57.13 في المئة من الاحتياطيات الرسمية المعلنة عالميًّا.
“المسألة ليست انهيار أمريكا بقدر ما هي صراعٌ داخل أمريكا نفسها؛ صراعٌ بين الجمهورية والإمبراطورية.”
هذه ليست أوصاف دولةٍ على وشك التلاشي، بل أوصاف دولةٍ تستطيع، إذا أعادت ترتيب أولوياتها، أن تبقى قوةً كبرى بعد انتهاء احتكارها للنظام. لكن الخطورة تكمن في أن أدوات الإمبراطورية لا تقف خارج الجمهورية، بل تسكن مؤسساتها واقتصادها وخيالها السياسي. لقد صار جزءٌ من تعريف أمريكا لنفسها مرتبطًا بقدرتها على أن تكون الدولة التي لا تتلقى القواعد فقط، بل تكتبها؛ ولا تلتزم القانون الدولي بوصفها عضوًا مساويًا، بل تتعامل معه أحيانًا كما لو كان مجالًا لتقنين اختياراتها ومعاقبة اختيارات الآخرين.
لا تعلن واشنطن رسميًّا أنها القانون الكوني؛ لكنها تمارس في قطاعاتٍ واسعةٍ من نفوذها ما يقارب هذا التصور. تمتد بعض قوانينها إلى شركاتٍ وأفرادٍ وأفعالٍ خارج أراضيها، ويقر دليل وزارة العدل نفسه بوجود نطاقٍ قضائي خارجي وتعقيداتٍ تنشأ من تعارض تطبيق القانون الأمريكي مع قوانين الدول الأخرى. كما انتقد البرلمان الأوروبي الآثار التي قد يُحدثها التطبيق خارج الإقليم لقوانين دولةٍ ثالثة على النظام القانوني والسيادة والحقوق داخل الاتحاد.
ولا تكمن المشكلة في مكافحة الفساد أو الجرائم الدولية بذاتها، بل في عدم التكافؤ؛ دولةٌ واحدة تملك من مركزية عملتها وأسواقها وتقنياتها ما يسمح لها بتحويل قانونها الوطني إلى شبكةٍ تمسك بشركاتٍ وأفرادٍ حول العالم، بينما لا يستطيع هؤلاء فرض قانونهم عليها بالقوة نفسها. هنا يتحول القانون من قاعدةٍ متبادلة إلى امتيازٍ جيوسياسي، ويصبح المرور بالدولار أو المصرف أو المنصة الأمريكية أشبه بالدخول في مجال سيادةٍ أمريكيةٍ غير معلن.
ويظهر المنطق نفسه في العمل الاستخباراتي. كشفت التحقيقات الأوروبية بعد تسريبات إدوارد سنودن عن نطاقٍ واسعٍ من المراقبة الأمريكية شمل مواطنين ومؤسساتٍ وحلفاء، وأدان البرلمان الأوروبي حجم التجسس والمراقبة الجماعية وآثارها على الخصوصية والسيادة، كما أشار إلى أن غير الأمريكيين لم يتمتعوا بالحماية نفسها الممنوحة للمواطنين الأمريكيين. تكشف هذه الوقائع بنيةً أعمق من فضيحةٍ عابرة؛ الإمبراطورية لا تثق حتى بحلفائها ثقةً تلغي حاجتها إلى مراقبتهم، لأنها تنظر إلى العالم بوصفه مجال معلوماتٍ ينبغي أن يبقى مكشوفًا أمام المركز. الحليف شريكٌ في الحرب، لكنه موضوعٌ للاختراق أيضًا؛ يشارك في المظلة، ولا يملك أن يعرف دائمًا ما تجمعه المظلة عنه.
“القانون الذي يُقدَّم قاعدةً عامة يفقد معناه حين يصبح ملزمًا للآخرين وقابلًا للتحوير عند المركز.”
والمشكلة الأمريكية ليست استعمال القوة في عالمٍ عنيف؛ فكل دولةٍ كبرى تحمي مصالحها، وتجمع المعلومات، وتبني التحالفات. إنما المشكلة في تحويل التفوق إلى حقٍّ خاص في الاستثناء؛ أن تُدان دولةٌ لأنها تدخلت خارج حدودها، ثم يُقدَّم التدخل الأمريكي بوصفه مسؤوليةً عالمية؛ وأن تُرفض حربٌ لأنها خالفت الشرعية، ثم تُعاد صياغة الشرعية بما يلائم الحرب بعد وقوعها؛ وأن توصف العقوبات التي يمارسها الخصوم بالإكراه الاقتصادي، بينما تقدم العقوبات الأمريكية بوصفها إنفاذًا طبيعيًّا لقيم المجتمع الدولي.
بهذه الطريقة لا تعود أمريكا دولةً تطبق قانونًا، بل تتخيل نفسها الساحة التي يكتسب القانون فيها معناه. فهي لا تقول فقط إن لها مصالح، بل تميل في خطابها الإمبراطوري إلى تعريف مصالحها بوصفها مصالح النظام؛ ومن يعارضها لا يعارض دولةً أخرى، بل يهدد «النظام القائم على القواعد». غير أن السؤال الذي يزداد العالم إلحاحًا في طرحه هو: مَن كتب هذه القواعد، ومَن يملك تفسيرها، ولماذا يصبح الاستثناء الأمريكي جزءًا ثابتًا منها؟ وتدفع الولايات المتحدة ثمن هذا التناقض في صدقيتها. فقد انخفضت الموافقة على قيادتها بين دول حلف شمال الأطلسي في 2025 إلى وسيطٍ بلغ 21 في المئة، بتراجع 14 نقطةً مئوية، بينما حصلت قيادة الاتحاد الأوروبي وألمانيا على تقييماتٍ أعلى بكثير في الدول نفسها. وعلى المستوى العالمي تجاوزت الموافقة على القيادة الصينية نظيرتها الأمريكية في بيانات غالوب لعام 2025، وبلغ رفض القيادة الأمريكية مستوىً قياسيًّا في السلسلة المنشورة.
كما أظهرت استطلاعات بيو في 2025 انقسامًا عالميًّا حادًّا في النظرة إلى الولايات المتحدة؛ إذ تساوت تقريبًا نسب الآراء الإيجابية والسلبية عبر البلدان المشمولة، وتراجعت صورتها في عددٍ كبيرٍ منها، مع مستويات سلبية مرتفعة في دولٍ حليفة مثل السويد وكندا وأستراليا وفرنسا وألمانيا وهولندا وإسبانيا. لكن الدقة تقتضي ألا ننتقل من هذا التذمر إلى الزعم بأن معظم الحلفاء يتمنون انهيار الولايات المتحدة. فبيانات أخرى من بيو في العام نفسه أظهرت أن الولايات المتحدة ما تزال تُعد أهم حليفٍ في دولٍ آسيوية رئيسية مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، وتظل حليفًا مركزيًّا في نظر قطاعاتٍ واسعةٍ من شعوبٍ أخرى، ولكن هذا أيضا لا ينفي تنامي الشعور العام بالسخط تجاه التسلط الأمريكي وأن هناك تنامٍ أيضا في تمني انهيار الإمبراطورية الأمريكية.
هذه المفارقة أكثر كشفًا من شعار الكراهية المطلقة؛ كثيرٌ من الحلفاء لا يريدون انهيار أمريكا بقدر ما يريدون نهاية ابتزازها، ولا يتمنون فراغًا عالميًّا شاملًا بقدر ما يطلبون هامشًا أوسع من الاستقلال. إنهم يخشون القوة الأمريكية ويحتاجون إليها، يرفضون بعض سياساتها ويعتمدون على مظلتها، ويريدون تقليص هيمنتها من غير أن يجدوا أنفسهم عراةً أمام قوى أخرى قد لا تكون أرحم. وهذا التداخل بين الاعتماد والتذمر هو ما قد يمنح الإمبراطورية الأمريكية عمرًا أطول، لكنه لا يضمن لها الخلود. فالحليف الذي لا يملك بديلًا لا يصبح بالضرورة حليفًا وفيًّا؛ قد يكون تابعًا ينتظر اكتمال البديل. وكلما استعملت واشنطن حاجة الآخرين إليها لإجبارهم على تنازلاتٍ أوسع، سرعت بناء الإرادة السياسية التي تبحث عن الاستقلال منها.
“كثيرٌ من الحلفاء لا يريدون انهيار أمريكا بقدر ما يريدون نهاية ابتزازها والاستقلال بعيدًا عن سطوتها.”
لقد أتقنت الولايات المتحدة طويلًا صناعة التحالفات التي تجعل قوة الآخرين امتدادًا لقوتها، لكنها بدأت في مراحل مختلفة تتعامل مع هذه التحالفات بوصفها حسابات حمايةٍ ينبغي تحصيل رسومها. حين تصبح الشراكة فاتورة، تتغير نفسية الحليف؛ لا يعود يرى النظام بيتًا مشتركًا، بل خدمةً أمنيةً قابلةً للمساومة والابتزاز والانقطاع. ولكنَّ الولايات المتحدة لا تواجه خطرًا خارجيًّا فقط، بل خطر أن تبتلع الإمبراطورية جمهوريتها. فالقوة العسكرية الدائمة تحتاج إلى عدوٍّ دائم، والمؤسسة الاستخباراتية الواسعة تحتاج إلى مساحاتٍ متزايدة من السرية، والانتشار العالمي يحتاج إلى موازناتٍ ضخمة، والموازنات تحتاج إلى خطابٍ يقنع المواطن بأن أمن كل بقعةٍ بعيدةٍ جزءٌ مباشرٌ من أمن منزله. ومع الزمن تصبح الإمبراطورية بنيةً داخليةً لتوزيع الثروة والسلطة. تستفيد منها الصناعات العسكرية وشركات التقنية والأجهزة والبيروقراطيات ومراكز الأبحاث المتصلة بالأمن. ولا يعود النقاش حول جدوى القواعد والحروب نقاشًا خارجيًّا فقط، بل مساسًا بشبكةٍ اقتصاديةٍ وسياسية داخلية. عندها قد تكون الدولة قادرةً على تقليص الإمبراطورية، لكن الإمبراطورية تملك داخل الدولة من يستطيع منع التقليص.
وتظهر المعضلة في التناقض بين إنفاقٍ عسكري لا يزال الأكبر عالميًّا وبين أزمات الثقة والانقسام والبنية الاجتماعية في الداخل. لا يعني ذلك أن كل دولارٍ عسكري مسروقٌ مباشرةً من مدرسة، ولا أن الدولة الكبرى تستطيع ترك أمنها؛ لكنه يعني أن تعريف الأمن نفسه يحتاج إلى مراجعة. هل الأمن هو القدرة على تدمير الخصم في قارةٍ بعيدة، أم قدرة المواطن على الثقة بمؤسساته والعيش داخل مجتمعٍ لا يتفكك؟ وهل تستطيع دولةٌ أن تقود عالمًا لا نهاية لالتزاماتها فيه، بينما يتآكل العقد الذي يجمع مواطنيها؟ وتكمن المفارقة في أن الإمبراطورية تُسوَّغ دائمًا بأنها تحمي الدولة، لكنها قد تنتهي باستهلاك ما تحميه. توسع الأجهزة باسم الخطر الخارجي، ثم تنتقل أدوات المراقبة والخوف إلى الداخل. تُبنى ثقافة الاستثناء في الحرب، ثم يتعلم الحكم استعمالها في السياسة الداخلية. يُطلب من المجتمع أن يقبل السرية والكذب والتضليل لأن العالم خطير، ثم يكتشف أن الجمهورية لم تعد تعرف كيف تعيش من غير منطقةٍ مظلمة لا تصل إليها المحاسبة.
إن الإمبراطورية الأمريكية لا تقوم على الجيش وحده، بل على تزاوج القوة العسكرية بالمالية والتقنية والاستخباراتية. لذلك لن يكون انكماشها مجرد إغلاق قواعد؛ بل إعادة تعريف حدود القانون الأمريكي، ووظيفة الدولار، ونطاق العقوبات، وعلاقة الشركات التقنية بالأمن القومي، وطبيعة التحالفات، وحق الشعوب الأخرى في أن تختار من غير أن تتحول خياراتها تلقائيًّا إلى تهديدٍ لواشنطن. فهل تستطيع الجمهورية الأمريكية أن تتخلى عن بعض شهوات الإمبراطورية كي تحفظ الدولة؟ من الناحية المادية تستطيع. هي تملك سوقًا وموارد وعلمًا ومؤسساتٍ وقدرةً عسكرية تكفيها لتكون قوةً كبرى من غير إدارة العالم كله. ويمكنها أن تنتقل من امتلاك النظام إلى التأثير فيه، ومن فرض الطاعة إلى التفاوض، ومن استعمال الدولار سلاحًا متكررًا إلى حمايته بوصفه منفعةً عالمية، ومن التعامل مع الحلفاء كتابعين إلى قبول استقلالهم.
“تُسوَّغ الإمبراطورية دائمًا بأنها تحمي الدولة، لكنها قد تنتهي باستهلاك الجسد الذي تحميه.”
لكن الإمكان المادي لا يساوي الاستعداد النفسي. فأمريكا لم تبنِ قواعدها في الخارج فقط؛ بنت داخل مخيلتها صورةً عن نفسها بوصفها الأمة الاستثنائية التي لا ينبغي أن تخضع لما تخضع له بقية الأمم. والانسحاب من امتيازٍ خارجي يبدو في هذا الخيال ضعفًا، وقبول الندية يبدو تنازلًا، والاعتراف بجريمةٍ أو خطأٍ استراتيجي يبدو هدمًا للرواية الوطنية. من هنا قد تكون المعركة الكبرى معركة معنى؛ هل تستطيع الولايات المتحدة تعريف العظمة من غير احتكار؟ هل تستطيع أن ترى في القانون قيدًا عليها كما هو قيدٌ على خصومها؟ هل تستطيع أن تقبل بأن أمن الآخرين لا يُختزل في موقعهم من استراتيجيتها، وأن العالم ليس غرفة عملياتٍ أمريكيةً واسعة؟
إذا استطاعت، فقد تنتهي الإمبراطورية وتبقى أمريكا أمةً كبرى؛ قويةً بعلمها واقتصادها وجغرافيتها وثقافتها، مؤثرةً من غير أن تكون وصيةً على الأرض. وقد يكون فقدان بعض القواعد والامتيازات ثمنًا قليلًا لإنقاذ الجمهورية من دولة الأمن الدائم، وإنقاذ الاقتصاد من شهية الانتشار، وإنقاذ القانون من ازدواجيةٍ حولته إلى لغةٍ يرفعها المركز على الآخرين ثم يضع نفسه فوقها. أما إذا أصرت على مساواة العظمة بالهيمنة، فستدخل سلسلةً من الحروب والعقوبات والصراعات لمنع عالمٍ لا يمكن منعه من التعدد. وستجد نفسها تنفق أكثر لتُطاع أقل، وتراقب أكثر لتثق أقل، وتهدد الحلفاء كي يبقوا معها، ثم تفسر خوفهم منها بوصفه دليلًا على حاجتهم إليها.
عندئذٍ لا يكون الخطر أن يهزم خصمٌ أمريكا من الخارج فحسب، بل وفي أن تلتهم الإمبراطورية قلب الدولة؛ أن يصبح المواطن ممولًا لمجدٍ لا يحمي حياته، وأن يتحول الدستور إلى واجهةٍ لجهازٍ يوسع الاستثناء، وأن تنفق الجمهورية حريتها كي تحرس نظامًا عالميًّا لم يعد يرى في حراستها عدلًا. وربما لا يكون من صالح العالم في رأي العديد أن يتمنى انهيار الولايات المتحدة بوصفها دولة؛ فالانهيار الفوضوي لقوةٍ نوويةٍ واقتصادٍ مركزيٍّ سيحمل أخطارًا تتجاوز حدودها. لكن من حق العالم كله أن يتمنى انتهاء الحق الأمريكي المتوهم في الوقوف فوق القانون، وانكسار احتكارها لتعريف الشرعية، وتراجع قدرتها على جعل مصالحها أوامر كونية. ومن حق حلفائها قبل خصومها أن يطلبوا شراكةً لا تبعية، وأمنًا لا ابتزازًا، وقانونًا لا يعمل في اتجاهٍ واحد.
“هل تستطيع الولايات المتحدة تعريف العظمة من غير احتكار والتسليم بحدود القانون الدولي؟”
وقد تكون نهاية الإمبراطورية الأمريكية، إذا وقعت في صورة انتقالٍ منظمٍ نحو عالمٍ متعدد، فرصةً للولايات المتحدة نفسها؛ فرصةً لكي تعود دولةً قبل أن تصبح معسكرًا، وجمهوريةً قبل أن تصير جهازًا، وأمةً كبيرةً لا تحتاج إلى إضعاف العالم كي تطمئن إلى قوتها. فالتاج الذي يعلو الرأس طويلًا قد يغرس أطرافه في اللحم حتى يظن صاحبه أن خلعه موت. غير أن الموت الحقيقي قد يكون في الإصرار على حمله؛ إذ تظل الدولة تنزف من تحته، حتى لا يبقى من العظمة إلا معدنٌ لامعٌ فوق رأسٍ أنهكها وهم المجد.
