الفكرتربية واجتماعمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

أمريكا بعد الإمبراطورية؛ أيُّ دولةٍ ستكون حين ينكسر احتكار العالم؟

من سلسلة دراسة في عوامل وظواهر أفول الامبراطورية الأمريكية المعاصرة

ليست نهاية الإمبراطورية موتًا للدولة بالضرورة، كما أن تراجع الهيمنة لا يعني أن تستيقظ الأمة ذات صباحٍ فلا تجد جيشًا يحميها، ولا مالًا يدور في أسواقها، ولا علمًا مرفوعًا فوق مؤسساتها. قد ينكسر التاج ويبقى الرأس، وقد تضيق دائرة الأمر من غير أن تضيق حدود الوطن، وقد تفقد القوة حقَّها المتوهم في تعريف مصائر الآخرين بينما تحتفظ بكل ما يجعلها أمةً كبرى قادرةً على الدفاع والإنتاج والابتكار والتأثير. ولهذا فإن السؤال الجاد عن مستقبل الولايات المتحدة ليس: متى تختفي أمريكا؟ فهذا سؤالٌ أقرب إلى الأساطير الانتقامية منه إلى التحليل. السؤال الأعمق هو: أيُّ أمريكا ستبقى إذا انتهى الزمن الذي استطاعت فيه أن تجمع المال والسلاح والتقنية والتحالفات والشرعية الدولية في مركزٍ واحد، ثم تتعامل مع ذلك الاجتماع بوصفه حقًّا دائمًا لا لحظةً تاريخية؟

الاستشراف ليس نبوءة، والمستقبل ليس طريقًا مستقيمًا يخرج من الحاضر كما يخرج النهر من منبعه. كل اتجاهٍ قائم يمكن أن يتباطأ أو ينعكس أو يتداخل مع اتجاهٍ مضاد، وكل أزمةٍ قد تفتح باب الانهيار أو تدفع إلى الإصلاح. الدولة ليست حجرًا يتدحرج نحو وادٍ محتوم، بل مجتمعٌ ومؤسساتٌ ونخبٌ وقراراتٌ ومصادفات؛ بعضها قادرٌ على تغيير المسار وبعضها عاجزٌ عن ذلك. ومن هنا ينبغي التمييز بين الاتجاه والنتيجة. اتساع الدَّين اتجاه، لكنه لا يثبت الإفلاس. وتراجع الثقة اتجاه، لكنه لا يثبت انهيار النظام. وصعود المنافسين اتجاه، لكنه لا يعني انتقال القيادة كاملةً إليهم. وتنامي العقوبات والحمائية اتجاه، لكنه قد يكون بداية انغلاقٍ طويل، كما قد يكون مرحلةً يعقبها تصحيحٌ بعد ظهور كلفتها.

والتحليل الرصين لا يقول إن الولايات المتحدة ستسير في مسارٍ واحد، بل يبني سيناريوهات، ويحدد لكل سيناريو شروط تحققه. فلا يكفي أن وصف التجدد أو الانهيار، بل يجب أن نسأل ما القرارات والبنى والأزمات التي تجعل أحدهما أرجح. كما لا يجوز مساواة التراجع النسبي بالانهيار الشامل؛ فقد تخسر الدولة جزءًا من نصيبها في القوة العالمية لأن الآخرين صعدوا، لا لأنها أصبحت أفقر أو أضعف مما كانت عليه في المطلق. وحتى إذا انكمشت الإمبراطورية الأمريكية، ستبقى الولايات المتحدة مالكةً لعناصر قوةٍ يصعب اجتماعها في دولةٍ واحدة. ستظل دولةً نوويةً ذات قدرة ردعٍ هائلة، وصاحبة جيشٍ وانتشارٍ وصناعةٍ دفاعية لا يمكن تجاوزها. وقد بلغ إنفاقها العسكري نحو 954 مليار دولار عام 2025، فظلت أكبر منفقٍ عسكري في العالم بفارقٍ واسع؛ ولذلك فإن الأزمة الأمريكية ليست اختفاء القوة العسكرية، بل التناقص النسبي في قدرتها على تحويل هَذِه القوة إلى نتائج سياسية مستقرة. وستبقى اقتصادًا ضخمًا وسوقًا واسعةً ومركزًا ماليًّا لا يستطيع العالم الاستغناء عنه فجأة. فما يزال الدولار يمثل 57.13 في المئة من الاحتياطيات الرسمية العالمية في الربع الأول من عام 2026، بينما لم تتجاوز حصة الرنمينبي الصيني 1.99 في المئة. ولا تعني هَذِه الأرقام أن التفوق النقدي خالد، لكنها تكشف المسافة الهائلة بين تنويع الاحتياطيات وظهور بديلٍ يملك وظائف الدولار وسيولته وعمق أسواقه جميعًا.

“السؤال الأعمق هو: أيُّ أمريكا ستبقى إذا انتهى الزمن الذي استطاعت فيه أن تجمع القوة والشرعية في مركز واحد؟”

ستحتفظ أمريكا بجامعاتٍ ومختبراتٍ وشركاتٍ وقدرةٍ على جذب العقول، حتى إذا اشتدت المنافسة. فما تزال أبحاثها العلمية وبراءات مخترعيها بين الأعلى عالميًّا من حيث التأثير، وتتمتع بميزاتٍ قوية في الابتكار المدعوم برأس المال المغامر والخدمات التقنية والمعرفية، وإن كانت الصين قد تجاوزتها في بعض مقاييس البحث والتطوير والتصنيع عالي التقنية. وهذه المفارقة تكشف أن المستقبل لن يكون عالم تفوقٍ أمريكي مطلق، ولا عالم انطفاءٍ أمريكي، بل منافسةً بين منظوماتٍ قوية لكل منها مواطن تفوقٍ وحدود. وستظل الولايات المتحدة غنيةً بالطاقة والزراعة والموارد، محميةً نسبيًّا بمحيطين، وقادرةً على اجتذاب المال والإنسان، وصاحبة شبكة تحالفاتٍ لا يمكن استبدالها بقرارٍ واحد. يمثل الناتو وحده اثنتين وثلاثين دولةً تتخذ قراراتها بالتوافق، فضلًا عن شراكاتٍ أمنية أمريكية في آسيا ومناطق أخرى. كما ظلت النظرة إلى الناتو إيجابيةً في معظم الدول الأعضاء التي شملتها استطلاعات عام 2026، رغم التراجع الحاد في الثقة بالقيادة والسياسة الأمريكية نفسيهما.

لكن بقاء هَذِه العناصر لا يعني بقاء الامتيازات التي أحاطت بها في العصر الأحادي. قد تظل أمريكا قويةً من غير أن تستطيع فرض العقوبات على كل مخالفٍ من دون أن تدفع كلفةً مرتدة. وقد يبقى الدولار مركزيًّا، لكن الدول قد توسع الذهب والعملات المحلية وقنوات التسوية البديلة كي تقلل انكشافها أمام القرار الأمريكي. وقد تستمر التحالفات، لكن الحلفاء لا يتبعون واشنطن تلقائيًّا في كل حربٍ وعقوبة وصراعٍ تقني. وقد تفقد الولايات المتحدة احتكار تعريف الشرعية؛ فلا تعود قدرتها على وصف حربٍ بأنها عادلة، أو دولةٍ بأنها مارقة، كافيةً وحدها لتشكيل الموقف الدولي. وقد تخسر حرية التدخل بأقل قدرٍ من الممانعة، ويصبح تجاوز القانون أو السيادة سببًا في عزلةٍ أو مقاومةٍ أوسع. وقد تضطر إلى التفاوض على القواعد التقنية والمالية بدل كتابتها ثم مطالبة الجميع بالتوافق معها.

والامتياز الأكثر عرضةً للتراجع هو التصور الذي يساوي بين الأمن الأمريكي وأمن العالم. فليس كل صعودٍ اقتصادي في آسيا تهديدًا وجوديًّا للولايات المتحدة، وليس كل استقلالٍ إقليمي مؤامرةً عليها، وليس كل نظامٍ لا يدور في فلكها خطرًا على الحضارة. قد يضر بعض التحولات مصالحها فعلًا، لكن الإمبراطورية القلقة توسع تعريف المصلحة حتى تصبح كل حركةٍ خارجة عن إرادتها عدوانًا.

ومن هنا تتشكل أمام أمريكا عدة مسارات، لا بوصفها مراحل حتمية، بل إمكاناتٍ تتنازع الحاضر وتنتظر القرارات التي ترجح أحدها. المسار الأول هو التجدد الأمريكي؛ أن تدرك الدولة أن أعظم مصادر ضعفها ليست الصين وروسيا وحدهما، بل اهتزاز عقدها الداخلي، وانقسام مؤسساتها، واتساع التفاوت، وتراكم الدَّين، وانفصال القوة الخارجية عن الرضا الداخلي. يبدأ التجدد بإصلاحٍ مؤسسي يعيد قدرًا من الثقة بالانتخابات والقضاء والإدارة، ويمنع الخلاف السياسي من التحول إلى نزاعٍ على شرعية الدولة نفسها. ويحتاج هَذَا المسار إلى خفض الاستقطاب لا بإلغاء الخلاف، بل بإعادة بناء القواعد التي تسمح للأطراف بالخسارة والعودة إلى المنافسة. ويحتاج إلى ضبط المال السياسي وتوسيع الحراك الاجتماعي، وإلى استثمارٍ كبير في التعليم والبنية التحتية والصناعة والبحث المدني، بحيث يرى المواطن أن تفوق بلاده ينعكس في حياته، لا في رسملة الشركات والقدرة على قصف المناطق البعيدة وحدهما. كما يحتاج إلى معالجةٍ جدية للدَّين والعجز. فقد قدّر مكتب الميزانية في الكونغرس أن يرتفع الدَّين الفدرالي الذي يحمله الجمهور من 101 في المئة من الناتج عام 2026 إلى 120 في المئة عام 2036، مع ارتفاع صافي مدفوعات الفائدة من 3.3 إلى 4.6 في المئة من الناتج. ليست هَذِه نبوءة إفلاس، لكنها تحذيرٌ من أن كلفة الماضي ستنافس الاستثمار والدفاع والسياسة الاجتماعية على موارد المستقبل.

“التجدد الحقيقي يبدأ بإصلاح مؤسسي يعيد الثقة بالانتخابات والقضاء ويمنع تحول الخلاف إلى نزاع على شرعية الدولة.”

أما خارجيًّا، فيقتضي التجدد أن تعود الولايات المتحدة إلى القيادة عبر المؤسسات، لا إلى استعمال المؤسسات واجهاتٍ لإرادتها. وأن تقبل تمثيلًا أكبر للقوى الصاعدة، وتخضع للقانون الذي تطلب من غيرها احترامه، وتتوقف عن حماية الحليف من المحاسبة لمجرد أنه حليف. فالقوة لا تستعيد شرعيتها بحملة علاقاتٍ عامة، بل حين يصبح سلوكها أكثر اتساقًا مع اللغة التي ترفعها. لن يعيد هَذَا السيناريو أحادية تسعينيات القرن العشرين؛ فالتحولات الاقتصادية والتقنية والديمغرافية تجاوزت إمكان استعادة ذلك العالم. لكنه يمكن أن يجعل الولايات المتحدة المركز الأثقل داخل نظامٍ تشاركي، لا السيد المنفرد فوقه. وتصبح ميزتها الكبرى قدرتها على جمع الآخرين وتنسيقهم، لا إجبارهم؛ وعلى تحويل شبكة التحالفات إلى مجتمع قرار، لا جمهورٍ يصفق للقرار الأمريكي.

أما المسار الثاني فهو الانسحاب المنظم؛ أن تقبل واشنطن بأن بعض الالتزامات لم تعد حيوية، وأن وجودها العسكري والسياسي في كل إقليم ليس شرطًا لبقاء أمنها. فتقلص القواعد والانتشارات الأقل ضرورة، وتعتمد أكثر على قدرات الحلفاء الإقليميين، وتحتفظ بتفوقها النووي والمالي والتقني، وتوجه موارد أكبر إلى الداخل. لا يعني الانسحاب المنظم العزلة، ولا التخلي عن الشركاء، بل التمييز بين ما يجب على الولايات المتحدة الدفاع عنه وما تعودت الدفاع عنه. فالإمبراطورية تجعل كل موقعٍ سابق مصلحةً أبدية، وكل قاعدةٍ حجةً لبقاء قاعدة أخرى، أما الدولة العظمى المنضبطة فتسأل عن العائد والكلفة والبدائل.

وقد يشبه هَذَا المسار، في بعض وجوهه، التجربة البريطانية؛ لم تختفِ بريطانيا حين تقلصت إمبراطوريتها، بل احتفظت بقوتها النووية وعضويتها الدائمة في مجلس الأمن ومركزها المالي وشبكاتها الدبلوماسية، وانتقلت من الحكم المباشر إلى نفوذٍ أكثر مرونة. وكانت أزمة السويس عام 1956 من اللحظات التي كشفت حدود قدرتها على التصرف الإمبراطوري المستقل، فيما استمرت الدولة بعد ذلك فاعلةً ومؤثرة. لكن الانسحاب المنظم يحتاج إلى اعترافٍ مبكر بالتحول. فإذا تأخر حتى تُهزم القوة في عدة جبهات، أو ينهار الحليف فجأة، أو تنقطع الموارد من غير خطة، انقلب التنظيم إلى فوضى. فليس كل انسحابٍ حكمة؛ قد يكون التخلي المتعجل عن الشركاء سببًا في انهيار الثقة، وقد يجعل الدولة تدفع لاحقًا كلفةً أعلى لاحتواء الفوضى التي تركتها.

المسار الثالث هو الإمبراطورية الحصينة؛ أن تفسر واشنطن تراجعها النسبي لا بوصفه تحولًا يحتاج إلى إدارة، بل عدوانًا عالميًّا يستدعي إغلاق الأسوار. ترفع التعريفات، وتوسع العقوبات، وتحول التجارة والتقنية والطاقة والعملة إلى أسلحة، وتضغط على الحلفاء كي يختاروا بينها وبين خصومها، وتغلق الأسواق والمعايير أمام المنافسين. في هَذَا المسار يتسع مفهوم الأمن القومي حتى يبتلع الاقتصاد والعلم والهجرة والثقافة. تصبح الرقاقة سلاحًا، والمنصة حدودًا، والجامعة ساحة تجسس، والاستثمار الأجنبي تهديدًا محتملًا. وقد تكون بعض هَذِه المخاوف حقيقيةً، لكن المشكلة أن الاستثناء يتحول إلى قاعدة، وأن حماية القطاعات الحيوية تنقلب إلى عسكرةٍ دائمة للعلاقات الاقتصادية.

وقد تحقق الإمبراطورية الحصينة مكاسب قصيرة الأجل؛ تعيد بعض المصانع، وتؤخر وصول الخصم إلى تقنية، وتجبر حليفًا على شراء السلاح أو تعديل موقفه. لكنها تدفع الدول في الوقت نفسه إلى بناء البدائل، وتزيد تكلفة السلع، وتقلل الثقة بالأسواق الأمريكية، وتحول الحلفاء إلى أطرافٍ تبحث عن مخارج من الاعتماد المفرط. كل أداةٍ تستعملها واشنطن بلا ضبط تُعلّم الآخرين كيف يقللون حاجتهم إليها. العقوبات تدفع إلى تنويع المدفوعات، وضوابط التقنية تحفز الصناعة المحلية، والضغط على الحليف يشجعه على الاستقلال، والحصار الاقتصادي يجمع قوىً لم تكن مصالحها كافيةً لجمعها من قبل. وهكذا قد تربح الإمبراطورية جولةً وتسرع تشكل العالم الذي تخشاه.

“كل أداة تستعملها القوة العظمى بلا ضبط تُعلّم الآخرين كيف يقللون حاجتهم إليها.”

كما تتحول السياسة الداخلية في هَذَا السيناريو إلى قوميةٍ قلقة ترى التسوية إذلالًا، وتفسر الاعتراف بحدود القوة بوصفه خيانة. وتصبح القيادة مطالبةً بإظهار الصلابة باستمرار، لأن كل تراجعٍ يمكن أن يستخدمه الخصم الداخلي دليل ضعف. عندئذٍ لا تعود الدولة حرةً في مراجعة سياساتها؛ تصبح أسيرة الصورة التي رسمتها عن قوتها. وقد ينتهي هَذَا المسار بعزلةٍ استراتيجية لا لأن أمريكا تنغلق تمامًا عن العالم، بل لأن حلفاءها يتعاونون معها بقدر الضرورة ويحتاطون منها بقدر الخوف. تظل قويةً، لكنها محاطةٌ بعلاقاتٍ أقل دفئًا، وأسواقٍ أكثر تسييسًا، ومؤسساتٍ بديلة، وعالمٍ يتعلم العمل حولها بدل العمل معها.

أما المسار الرابع، وهو الأكثر اتصالًا بالوقائع الجارية، فهو أن تصبح الولايات المتحدة قوةً كبرى بين قوى كبرى؛ تظل مركزًا عسكريًّا وتقنيًّا وماليًّا أساسيًّا، بينما تصبح الصين مركزًا صناعيًّا وتجاريًّا، وأوروبا مركزًا تنظيميًّا واقتصاديًّا، والهند قوةً ديمغرافيةً وتقنيةً صاعدة، وتحتفظ القوى الإقليمية بمساحات قرارٍ لا تخضع فيها لمركزٍ واحد. في هَذَا العالم لا تكون التحالفات متطابقةً في جميع الملفات. قد تتعاون الدولة مع واشنطن أمنيًّا، ومع الصين تجاريًّا، ومع أوروبا تنظيميًّا، ومع دول الخليج في الطاقة والاستثمار. وتصبح المؤسسات متداخلة، لا نظامًا واحدًا له بابٌ وحارس؛ ويختلف مركز القوة باختلاف المجال.

هَذَا المسار لا يعني توازنًا هادئًا بالضرورة. قد ينقلب إلى كتلٍ مغلقة، أو سباقات تسلح، أو حروب وكالة، أو أزماتٍ تتعطل فيها المؤسسات لأن أحدًا لا يملك سلطة الحسم. لكنه يمكن كذلك أن ينتج تعدديةً أكثر عدلًا إذا وُضعت قواعدٌ تمنع القطب من تحويل مجاله إلى إمبراطورية، وتمنع القوى الكبرى من تقسيم الصغار غنائم فيما بينها. ولكي يعمل هَذَا النظام تحتاج الولايات المتحدة إلى التخلي عن عادة إصدار الأوامر، والصين إلى كبح نزعة تحويل الثقل الاقتصادي إلى إخضاع، وروسيا إلى الفصل بين الأمن والسيطرة على الجوار، وأوروبا إلى تحمل مسؤولية أكبر، والقوى الوسطى إلى عدم استبدال مقاومة الهيمنة بإنشاء هيمناتٍ إقليمية أصغر.

أما المسار الخامس فهو أزمة الدولة الأمريكية نفسها؛ وهو المسار الأشد خطرًا، لكنه ليس نتيجةً تلقائيةً لانتهاء الإمبراطورية. فلا يكفي تراجع الدولار نسبيًّا أو صعود الصين أو خسارة حرب لكي تتفكك الولايات المتحدة. يحتاج الأمر إلى اجتماع عوامل استثنائية؛ انهيار دستوري، وفقدان واسع لشرعية الانتخابات، وعنفٍ سياسي ممتد، وانقسام الأجهزة والجيش، وأزمة مالية حادة، وعجز مؤسسي طويل، وربما نزاعاتٍ انفصالية تفقد معها الدولة القدرة على فرض القانون وجمع الموارد.

ولا تتوافر هَذِه العناصر مجتمعةً في الولايات المتحدة اليوم. مؤسساتها تعاني تراجعًا في الثقة واستقطابًا عميقًا، لكنها ما تزال تعمل، والانتخابات والإدارة والقضاء والجيش والاقتصاد لم تتحول إلى هياكل فارغة. ولهذا يجب التعامل مع خطر أزمة الدولة بجديةٍ من غير التلذذ بنبوءات التفكك؛ فالفرق شاسع بين قوةٍ تفقد امتيازاتها الخارجية ودولةٍ تفقد قدرتها الداخلية على الوجود. وقد يكون الخلط بين الأمرين جزءًا من العطب الإمبراطوري نفسه؛ إذ تقنع النخبةُ المجتمعَ بأن أي تراجعٍ في النفوذ بدايةٌ لانهيار الوطن، كي يصبح الدفاع عن القواعد والعقوبات والحروب دفاعًا عن بقاء الأمة. بينما قد يكون تقليص الإمبراطورية، في بعض الظروف، هو ما يحمي الدولة من الأزمة؛ إذ يحرر الموارد، ويخفض الاستثناء، ويعيد السياسة إلى المواطن.

“تقليص الإمبراطورية قد يكون ما يحمي الدولة من الأزمة؛ إذ يحرر الموارد ويستعيد السياسة للمواطن.”

لا نعرف أي المسارات سيغلب؛ لأنها لا تنتظر في غرفٍ منفصلة، بل تتحرك معًا داخل الحاضر الأمريكي. هناك قوى تدفع نحو التجدد، وأخرى نحو الحصن، ومؤسساتٌ تريد الشراكة، ونخبٌ ترى كل تنازلٍ موتًا، ومجتمعٌ يتأرجح بين إرهاق الإمبراطورية والخوف من فقدان مكانتها. وقد تحمل السنوات المقبلة مزيجًا منها؛ إصلاحٌ داخلي في قطاع، وحمائيةٌ في آخر، انسحابٌ من منطقة، وتصعيدٌ في أخرى، شراكةٌ مع حليف، وابتزازٌ لحليف آخر. فالتاريخ لا يقدم عادةً السيناريو الخالص، بل يصنع النتيجة من صراع السيناريوهات داخل الدولة نفسها.

والسؤال الذي سيحسم الطريق ليس مقدار القوة التي ستبقى لأمريكا؛ فسيبقى لها كثير. إنما هو مقدار الحكمة التي ستملكها في تعريف الغاية من هَذِه القوة؛ أهي وسيلةٌ لحماية دولةٍ عظيمة بين دولٍ أخرى، أم سلاحٌ لحراسة حقٍّ متوهم في الوقوف فوقها؟ فقد تنتهي الإمبراطورية الأمريكية من غير أن تنتهي الولايات المتحدة، وقد تصبح نهاية الاحتكار الشرط الذي يسمح للقوة الأمريكية أن تتجدد. لكن التجدد لا يبدأ من إنكار الأفول، بل من فهمه؛ أن تعرف الدولة أي أجزاء عظمتها تنبع من العلم والحرية والإنتاج، وأيها لم يكن إلا ظلًّا كثيفًا صنعته طاعة الآخرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى