حين يعيد المجتمع إنتاج نفسه
مخاطر التربية القائمة على إعادة إنتاج الماضي وآليات صناعة الجيل المؤسس
ليست كلّ تربيةٍ بناءً، وليست كل يدٍ تمتد إلى الطفل لتقوده نحو المستقبل يدًا رحيمةً أو عارفةً بالطريق. فكثيرٌ ممّا تُسمّيه المجتمعات تربيةً ليس إلا عملية نسخٍ طويلة، يُسلّم فيها جيلٌ إلى جيلٍ آخر مفاتيح العادات نفسها، والمخاوف نفسها، والأحكام نفسها، والكسل نفسه، وربما الهزائم نفسها؛ ثمّ يطمئنّ لأنه رأى صورته القديمة تمشي في أجسادٍ جديدة. كأنّ المجتمع لا يريد من أبنائه أن يولدوا حقًّا، بل أن يُعيدوا تمثيله، وأن يحملوا ملامحه، وأن يُكرّروا لغته، وأن يخافوا مما خاف منه، وأن يعادوا ما عاداه، وأن يصمتوا حيث صمت، وأن يُبرّروا حيث برّر، وأن يُسمّوا عجزه حكمة، وجموده أصالة، وخوفه أدبًا، وفوضاه خصوصية، وانغلاقه حفاظًا على الهُويّة.
وحين لا يُربّي المجتمع أبناءه، بل يُعيد إنتاج نفسه فيهم، تتحوّل الثقافة من رحمٍ حيٍّ يلد المعنى إلى آلة نسخٍ ضخمة، تُخرج كلّ يوم نسخًا متقاربةً من الإنسان القديم؛ إنسانٍ يعرف كيف ينجو أكثر مما يعرف كيف يبدع، وكيف يُرضي أكثر مما يعرف كيف يسأل، وكيف يحفظ العبارات الموروثة أكثر مما يعرف كيف يمتحن صلاحيتها، وكيف يخاف من الخطأ أكثر مما يخاف من العيش بلا اكتشاف. وما أخطر أن تظنّ الأمّة أنها تحافظ على نفسها، وهي في الحقيقة تحافظ على أعطالها. فليس كلّ انتقالٍ للقيم وفاءً، وليس كلّ اتصالٍ بالماضي أصالةً، وليس كلّ تشابهٍ بين الأجيال علامة صحة. أحيانًا يكون التشابه دليلًا على أن الزمن مرّ فوق المجتمع ولم يدخل فيه، وأن السنوات تغيّرت في التقويم ولم تتغيّر في الوعي.
إن المجتمعات لا تُعيد إنتاج أخطائها لأنها تحب الخطأ صراحةً، بل لأنها لا تراه خطأً غالبًا، أو لأنها رأته طويلًا حتّى صار مألوفًا، أو لأنها خافت من إصلاحه أكثر مما خافت من بقائه. فالخطأ إذا طال مقامه في الثقافة اكتسب هيبةً كاذبة، وصار الناس يدافعون عنه لا لأنه حق، بل لأنه قديم. كم من عادةٍ وُلدت من خوفٍ عابر ثمّ صارت عرفًا مقدسًا. وكم من أسلوبٍ في التربية نشأ من عجز الآباء عن الحوار ثمّ صار “حزمًا”. وكم من طريقةٍ في التعليم قامت على قتل السؤال ثمّ سُمّيت “انضباطًا”. وكم من خطابٍ اجتماعيٍّ يُحقّر الاختلاف ثمّ يُسمّى “حفاظًا على وحدة الجماعة”. وهكذا لا ينتقل الخلل إلى الجيل الجديد بوجهه القبيح، بل ينتقل بعد أن يلبس أسماءً محترمة، فيصعب على الأبناء أن يثوروا عليه؛ لأنهم لا يرونه مرضًا، بل يرونه جزءًا من الهواء الذي يتنفسونه.
“ما أخطر أن تظنّ الأمّة أنّها تحافظ على نفسها، وهي في الحقيقة تحافظ على أعطالها.”
الثقافة، حين تفقد شجاعتها، تصبح آلة نسخٍ لا آلة تمييز. وظيفتها الأصلية أن تمنح الإنسان جذورًا لا قيودًا، وذاكرةً لا سجنًا، ولغةً لا قوالب موتى. لكنها حين تتحوّل إلى جهازٍ لإعادة الإنتاج الأعمى، لا تسأل عن صلاحية ما تنقله، بل تكتفي بأنه منقول. تُعيد إنتاج طريقة النظر إلى المرأة والرجل، إلى الطفل والسلطة، إلى الفشل والنجاح، إلى المال والعلم، إلى الدين والدنيا، إلى الشجاعة والخوف، إلى المختلف والمخالف. وتفعل ذلك غالبًا من غير إعلانٍ ولا مؤامرة؛ عبر النكتة، والمثل الشعبي، ونظرة الاستنكار، وطريقة المدح، وطريقة العقاب، وما يقال في المجالس، وما يُترك بلا سؤال. إنّ الثقافة لا تعمل فقط في الكتب والمناهج؛ إنها تعمل في الجملة العابرة التي يسمعها الطفل، في الخوف الذي يراه في عين أبيه، في صمت أمه حين ينبغي الكلام، في ضحكة المجتمع على من يحاول أن يكون مختلفًا، وفي المكافأة التي تُمنح للمطيع ولو كان بلا وعي، وتُحجب عن السائل ولو كان أصدق الناس طلبًا للفهم.
والأسرة هي أوّل مصنعٍ لهذا النسخ أو أول ورشةٍ لكسره. فالطفل لا يتعلّم من أسرته ما تقوله له فقط، بل ما تفعله أمامه حين تغضب، وحين تختلف، وحين تخطئ، وحين تعتذر أو ترفض الاعتذار. الأسرة التي لا تسمح بالسؤال تُربّي عقلًا خائفًا ولو ملأت البيت بالمواعظ. والأسرة التي تجعل الطاعة أهم من الفهم تُربّي إنسانًا يطلب رضا السلطة أكثر مما يطلب الحقيقة. والأسرة التي تعاقب الاعتراف أكثر مما تعاقب الكذب تُربّي أبناءً يتقنون النجاة من المسؤوليّة. والأسرة التي تُربّي الطفل على المقارنة الدائمة تزرع في روحه حسدًا مبكرًا وشعورًا بأن قيمته لا تولد من ذاته، بل من تفوقه على غيره. والأسرة التي تجعل العيب الاجتماعي أكبر من الخطأ الأخلاقي تُعلّم أبناءها أن المظهر أقدس من الحقيقة، وأن الخوف من كلام الناس أعمق من الخوف من فساد النفس.
وفي كثيرٍ من البيوت، لا يُربّى الطفل ليكون إنسانًا حرًّا مسؤولًا، بل ليكون نسخةً مقبولةً اجتماعيًّا. يُقال له: لا تفعل حتّى لا يتكلّم الناس، لا تسأل حتى لا تبدو قليل الأدب، لا تخالف حتى لا تغضب الكبار، لا تفشل حتى لا نخجل منك، لا تُعبّر عن ألمك حتى لا تظهر ضعيفًا. وهكذا يتعلّم منذ الصغر أن حياته ليست مشروعًا للصدق والنمو، بل مسرحًا طويلًا لإرضاء عينٍ خارجية. ثمّ يكبر هذا الطفل، فإذا صار أبًا أو أمًا، أعاد الجملة نفسها لأولاده، لا لأنّه فكّر فيها، بل لأنها سكنت فيه قبل أن يملك القدرة على محاكمتها. وهذا هو سرّ الحلقة التاريخية؛ أنّ كثيرًا من الناس لا يُربّون أبناءهم وفق ما اختاروه بوعي، بل وفقًا لما فُعل بهم من قبل.
ولا تبدأ تربية الطفل من الطفل نفسه، بل من الوالدين قبل أن تمتد أيديهما إلى توجيهه. فالطفل لا يتشكّل بما يسمعه من المواعظ بقدر ما يتشكّل بما يراه من السلوك، ولا تحفظ ذاكرته العميقة الأوامر والنواهي كما تحفظ نبرة الغضب، وطريقة الاعتذار، وشكل الخلاف، وأدب الحوار، واحترام الوالدين بعضهما لبعض، وطريقة تعاملهم مع الخادم والضعيف والغريب، وموقفهم من المال، ومن الخطأ، ومن الصدق حين يكون مكلّفًا. إنّ الطفل كائنٌ مقلّد قبل أن يكون كائنًا منطقيًا؛ عينه تسبق أذنه، ومشاهداته اليومية تسبق نصائحنا الطويلة، وما نفعله أمامه يُصبح في داخله تعريفًا صامتًا للحياة. فإذا أمره الأب بالصدق ثم كذب أمامه في موقفٍ عابر، تعلّم أنّ الصدق خطابٌ جميل لا قاعدةٌ ملزمة. وإذا طلبت منه الأم الهدوء وهي تصرخ، تعلّم أنّ القوّة لمن يرفع صوته لا لمن يملك حجته. وإذا وعظه الوالدان في الرحمة وهما يقسوان على بعضهما أو على من تحت أيديهما، تشوّهت الرحمة في خياله وصارت كلمةً بلا جسد. لذلك فإن أعظم هديةٍ يقدّمها الأبوان لأبنائهما ليست كثرة النصائح، بل أن يُربّيا أنفسهما أمامهم؛ أن يعتذرا حين يخطئان، وأن يراجعا غضبهما، وأن يحترما الحقيقة وإن أحرجتهما، وأن يختلفا بلا إهانة، وأن يعترفا بلا انهيار، وأن يمارسا القيم التي يريدان غرسها. فالأبناء لا يرثون أقوالنا وحدها، بل يرثون طريقتنا في الحياة؛ ومن أراد أن يُربّي طفلًا أصدق، فليصنع أمامه أبًا وأمًا أكثر صدقًا، لأنّ الطفل لا يسكن في النصيحة التي يسمعها، بل في النموذج الذي يتكرّر أمام عينيه كل يوم.
“الأبناء لا يرثون أقوالنا وحدها، بل يرثون طريقتنا في الحياة؛ ومن أراد أن يُربّي طفلًا أصدق، فليصنع أمامه أبًا وأمًّا أكثر صدقًا.”
أما المدرسة، التي يُفترض أن تكون المكان الذي يتعلّم فيه الطفل مغادرة النسخة الضيقة من بيته إلى أفق العقل الأوسع، فإنّها تتحوّل في مجتمعاتٍ كثيرة إلى آلة نسخٍ ثانية. تُحفّظ ولا تُفهّم، تكرّر ولا تفكّر، تمتحن الذاكرة ولا تمتحن البصيرة، تكافئ الإجابة النموذجية وتخاف من السؤال غير المتوقع. فإذا دخل الطفل المدرسة وهو يحمل خوف البيت، خرج منها وهو يحمل خوف المؤسّسة أيضًا. يتعلّم أنّ المعرفة ليست مغامرة، بل قائمةٌ من الإجابات المطلوبة. وأنّ الخطأ ليس فرصةً للتعلّم، بل فضيحةٌ ينبغي تجنبها. وأنّ المعلّم ليس رفيق إيقاظ، بل سلطةٌ ينبغي توقع مزاجها. وأنّ النجاح ليس أن يفهم العالم، بل أن يعرف ما الذي يريد المصحّح سماعه. ثمّ نتعجّب بعد ذلك من أجيالٍ لا تبدع، كأنّ الإبداع ينبت في أرضٍ عوقب فيها السؤال، وكأنّ العقل النقدي يمكن أن يولد من رحم التلقين.
والمدرسة التي لا تربّي على التفكير لا تُخرّج متعلّمين، بل تُخرج موظفين في الذاكرة. قد يملكون شهادات، لكنهم لا يملكون منهجًا في النظر. قد يعرفون الأجوبة، لكنّهم لا يعرفون كيف تُصنع الأسئلة. قد يحفظون تعريف الحريّة، لكنهم يرتجفون أمام رأيٍ مختلف. قد يُردّدون معنى المسؤوليّة، لكنهم يُبرّرون الخطأ كما يُبرّره المجتمع كله. التعليم الحقيقي لا يُضيف معلوماتٍ إلى الرأس فحسب، بل يغيّر علاقة الإنسان بالحقيقة. يُعلّمه أن يتثبّت، وأن يسأل، وأن يُميّز بين الدليل والانطباع، وبين الحفظ والفهم، وبين احترام التراث وعبادته، وبين الطاعة الأخلاقية والاستسلام العقلي. فإذا عجزت المدرسة عن ذلك، صارت ذراعًا من أذرع إعادة إنتاج الماضي، لا جسرًا نحو المستقبل.
ثمّ يأتي الإعلام، وهو اليوم من أخطر آلات النسخ وأكثرها نعومةً. لم يعد الإعلام مجرّد صحيفةٍ أو شاشةٍ أو نشرة أخبار، بل صار بيئةً كاملةً تصنع الذوق، وتحدّد ما يستحقّ الانتباه، وتلقّن الناس ما يخافون منه وما يرغبون فيه، ومن يحبون ومن يكرهون، وما يَعُدّونه نجاحًا أو فشلًا. فإذا كان الإعلام سطحيًا، أنتج خيالًا سطحيًا. وإذا كان صاخبًا، أنتج وعيًا لا يحتمل الهدوء. وإذا كان قائمًا على الإثارة، جعل المجتمع مدمنًا على الانفعال. وإذا كان يكرّر الصور النمطية، جعلها طبيعةً في عيون الناس. وإذا كان يبيع التفاهة بوصفها متعةً يومية، صار الجيل الجديد يتنفس الرداءة كما يتنفس الهواء.
والإعلام، حين يفقد مسؤوليّته، لا ينقل الواقع فقط، بل يصنع نسخةً منه تدخل بيوت الناس وتُعيد تشكيلهم. يجعل النجاح في صورة الشهرة السريعة، والقوة في صورة الصراخ، والجمال في صورة الاستهلاك، والمعرفة في صورة الرأي العاجل، والحرية في صورة التفلت من كل معنى، والانتماء في صورة هتافٍ لا نقد فيه. وعندما يجتمع بيتٌ يخاف السؤال، ومدرسةٌ تكافئ التلقين، وإعلامٌ يُربّي على الانفعال، يصبح المجتمع كأنه أقام حول الطفل ثلاثة جدران؛ جدار الخوف، وجدار الحفظ، وجدار الضجيج. ثمّ يطلب منه بعد ذلك أن يكون مبدعًا، حرًا، مسؤولًا، متزنًا، قادرًا على تأسيس مستقبلٍ جديد. أيّ ظلمٍ أكبر من أن نزرع في الإنسان أدوات التكرار ثمّ نطالبه بنتائج الإبداع؟
“أيّ ظلمٍ أكبر من أن نزرع في الإنسان أدوات التكرار، ثمّ نطالبه بنتائج الإبداع؟”
ولإعادة إنتاج الأخطاء أسبابٌ عميقة لا بدّ من كشفها. أوّلها الخوف من التغيّر. فالتغيّر يهدّد من اعتادوا امتلاك المعنى، ويكشف عجز من بنوا هيبتهم على إرثٍ قديمٍ، ويطلب من المجتمع أن يعترف بأنّ بعض ما ورثه يحتاج إلى مراجعة. وكثيرٌ من المجتمعات لا تخاف الخطأ بقدر ما تخاف الاعتراف به؛ لأنّها تظنّ أنّ المراجعة إهانة للماضي، مع أنّ أعظم وفاءٍ للماضي أن نحرّره من أخطائه ونحمل أجمل ما فيه إلى شروط زمننا. ومن أسباب إعادة الإنتاج تقديس التجربة السابقة لمجرّد أنّها سابقة. يقول الجيل القديم: لقد ربّونا هكذا ولم يحدث لنا شيء. مع أنّ ما حدث لهم قد يظهر في عجزهم عن الحوار، وخوفهم من الاعتذار، وقسوتهم عند الاختلاف، وحاجتهم المستمرة إلى السيطرة. ليست كل ندبةٍ ظاهرة، وليست كل إصابةٍ تصرخ.
ومن الأسباب أيضًا هشاشة الهُويّة. فالمجتمع الواثق من نفسه لا يخاف من مراجعة عاداته، لأنّه يعرف أن هويته أعمق من طريقةٍ قديمةٍ في التفكير أو التربية أو الإدارة. أمّا المجتمع الهشّ فيظنّ أنّ كلّ سؤالٍ تهديد، وكلّ نقدٍ هدم، وكلّ تغييرٍ خيانة. لذلك يتمسّك بأخطائه كأنّها آخر قلاع وجوده. ومن الأسباب غياب المؤسّسات القادرة على التصحيح. حين لا توجد مدرسةٌ ناقدة، وإعلامٌ مسؤول، وأسرةٌ واعية، وخطابٌ ديني وفكري يُميّز بين الثابت والمتغيّر، ومؤسساتٌ تقيس النتائج لا النيات، فإنّ الأخطاء لا تجد ما يوقفها. تتدحرج من جيلٍ إلى آخر كصخرةٍ قديمة، وكلّ جيلٍ يُضيف إليها طبقةً من التبرير.
ونتائج هذا النسخ خطيرة. أوّلها موت الخيال التأسيسي. فالجيل الذي تربّى على التقليد لا يؤسّس بسهولة؛ لأنّه تعلّم أنّ الأمان في تكرار النموذج، وأن الخطر في مغادرته. وثانيها توريث العجز. بدل أن يرث الأبناء خبرةً تعينهم على تجاوز أخطاء الآباء، يرثون الخوف نفسه والأدوات نفسها وطريقة الهروب نفسها. وثالثها انفصال الأجيال؛ لأنّ الشباب حين يشعرون أن المجتمع لا يريد منهم إلا الطاعة أو النسخ، ينقسمون غالبًا بين خضوعٍ ميتٍ وتمرّدٍ أعمى. إمّا أن يستسلموا فيُعيدوا إنتاج ما يكرهونه، أو يثوروا عليه بلا ميزان فيقطعوا حتى ما كان يستحق البقاء. وكلاهما خسارة؛ لأنّ النهضة لا تقوم على نسخ الماضي كما هو، ولا على إحراقه كلّه، بل على فرزٍ شجاعٍ يُميّز الجذر الحي من القيد الميت.
ومن النتائج كذلك أنّ المجتمع يفقد قدرته على التعلم من تاريخه. فالأمّة التي لا تسأل لماذا أخفقت، ستكرّر الإخفاق بلغةٍ جديدة. والأسرة التي لا تسأل لماذا تألم أبناؤها، ستكرّر الألم مع أحفادها. والمدرسة التي لا تسأل لماذا يملّ طلابها من العلم، ستغيّر الكتب وتُبقي الفضولَ ميتًا. والإعلام الذي لا يسأل ماذا يصنع بذوق الناس، سيقيس نجاحه بعدد المشاهدات لا بعمق الأثر. هكذا تتحوّل الحياة العامة إلى دائرةٍ واسعة، يتحرّك فيها الناس كثيرًا ولا يتقدّمون. يبدّلون الأسماء واللافتات، ويبقى المعنى القديم يحكم من خلف الستار.
وكسر الحلقة التاريخية لا يكون باللعن ولا بالحنين. لا يكفي أن نلعن الجيل السابق، فهذا غالبًا يُكرّر المرض في صورةٍ معكوسة. ولا يكفي أن نمجّد الماضي، فهذا يُخدّرنا عن واجبنا. المطلوب أن ندخل إلى الميراث كما يدخل الطبيب إلى الجسد؛ بعينٍ تحترم الحياة، لكنها لا تجامل المرض. أن نسأل: ما الذي ورثناه ويجب حفظه؟ ما الذي ورثناه ويجب تهذيبه؟ ما الذي ورثناه ويجب تركه؟ ما الذي فقدناه وينبغي استعادته؟ هذا السؤال وحده ينقلنا من التقليد إلى التأسيس. فالإنسان المؤسّس ليس مقطوعًا من جذوره، لكنّه ليس مسجونًا فيها. يأخذ من الماضي غذاءً لا أغلالًا، ومن الحاضر أدواتٍ لا عبودية، ومن المستقبل مسؤوليةً لا أحلامًا فارغة.
“النهضة لا تقوم على نسخ الماضي كما هو، ولا على إحراقه كلّه، بل على فرزٍ شجاعٍ يميّز الجذر الحيّ من القيد الميّت.”
أما الحلول العملية فتبدأ من الأسرة. لا بدّ أن تتحوّل التربية من صناعة الطاعة العمياء إلى صناعة المسؤوليّة. على البيت أن يُعلّم الطفل كيف يسأل بأدب، وكيف يخطئ ثمّ يتعلّم، وكيف يعترف دون أن يهان، وكيف يختلف دون أن يكره، وكيف يحترم الكبير دون أن يلغي عقله، وكيف يحب أسرته دون أن يصير نسخةً منها في كلّ شيء. وهذا ليس تنظيرًا جميلًا فقط، بل هو سلوكٌ يوميٌّ؛ أن يعتذر الأب حين يخطئ، وأن تسمع الأم سؤال ابنها قبل أن تتّهمه بالتمرد، وأن يكون العقاب مفهومًا لا انتقامًا، وأن تكون القيم مشروحةً لا مفروضةً كأوامر عسكرية. الطفل الذي يرى الكبار يصحّحون أنفسهم يتعلّم أنّ التصحيح كرامة، والطفل الذي يرى الكبار لا يخطئون أبدًا في خطابهم يتعلّم أنّ السلطة أهم من الحقيقة.
وفي المدرسة، لا بدّ من إعادة بناء العلاقة بالمعرفة. نحتاج إلى تعليمٍ يدرّب على التفكير النقدي، لا بمعنى التطاول على الموروث ولا بمعنى الشك المرضي في كلّ شيء، بل بمعنى القدرة على السؤال، والتحليل، والمقارنة، وفهم الدليل، ورؤية السياق، وتقييم النتائج. نحتاج إلى مناهج تجعل الطالب شريكًا في الفهم، لا مخزنًا للمعلومات. وإلى معلّمين يتقنون إدارة السؤال لا إسكات صاحبه. وإلى اختبارات تقيس الفهم والتطبيق، لا مجرّد القدرة على استرجاع العبارات. وإلى بيئةٍ ترى الخطأ جزءًا من التعلم، لا وصمةً في جبين الطالب. إذا أردنا جيلًا يؤسّس، فعلينا أن نعلّمه كيف يبني فكرة، لا كيف يُكرّر عبارة.
وفي الإعلام، لا بدّ من ثقافةٍ جديدة تحترم عقل الجمهور بدل استغلال هشاشته. إعلامٌ يتحقّق قبل أن يثير، يشرح قبل أن يحرض، يرفع الذوق بدل أن يطارده إلى أسفل، يفتح المساحات الجادة للشباب لا بوصفهم زينةً للمشهد، بل بوصفهم شركاء في السؤال. وإعلامٌ يُعلّم الناس الفرق بين الخبر والرأي، وبين النقد والتشهير، وبين النجاح الحقيقي والشهرة العارضة. فالإعلام الذي يملأ الوعي بالضجيج لا يترك مساحةً للتأسيس؛ لأنّه يحوّل المجتمع إلى جمهورٍ منفعل لا إلى جماعةٍ مفكّرة. ومن أراد صناعة جيلٍ جديد، فليحرس خياله من أن تلتهمه الرداءة اليومية.
وعلى مستوى الثقافة العامة، لا بدّ من إعادة تعريف الأصالة. الأصالة ليست تكرار الماضي، بل استمرار روحه الحية في شروطٍ جديدة. ليست أن نتكلم كما تكلم السابقون، بل أن نمتلك شجاعتهم في مواجهة زماننا كما واجهوا زمانهم. وليست أن نحفظ الأشكال، بل أن نحفظ المقاصد. إنّ أعظم خيانةٍ للتراث أن نحوّله إلى متحفٍ نخاف أن نلمس معروضاته، بدل أن نجعله طاقةً حيةً تلهمنا السؤال والعمل. الجيل المؤسّس لا يزدري تراثه، لكنّه لا ينام داخله. ولا يعبد الحداثة، لكنه لا يخاف أدواتها. إنّه يتعلّم أنّ الوفاء لا يعني الجمود، وأنّ التجديد لا يعني الانسلاخ.
ولا بدّ كذلك من بناء مؤسساتٍ تكافئ التأسيس لا التقليد. فالثقافة وحدها لا تكفي إذا كانت أنظمة المكافأة تُعاقب المبدع وتكافئ المطيع. في العمل، ينبغي أن تُكافأ الكفاءة لا القرب، والمبادرة لا التزلف، والنتائج لا المظاهر. في الإدارة، ينبغي أن يكون السؤال عن الأثر لا عن الخطاب. في المجتمع، ينبغي أن نحترم من يفتح طريقًا جديدًا ولو تعثّر، بدل أن نسخر منه حتى يعود إلى القطيع. الأمم لا تصنع المؤسّسين بالخطب، بل بأن تجعل التأسيس ممكنًا وآمنًا ومقدّرًا. فإذا كان كلّ مختلفٍ يُحارب، وكلّ مبادرٍ يُترك وحيدًا، وكلّ ناقدٍ يُتهم، فلا تنتظر من الشباب إلا أحد أمرين؛ هجرةً جسديةً أو هجرةً داخلية.
“الأمم لا تصنع المؤسّسين بالخطب، بل بأن تجعل التأسيس ممكنًا وآمنًا ومقدّرًا.”
وصناعة جيلٍ يؤسّس ولا يقلّد تحتاج إلى خمس شجاعات كبرى. شجاعة السؤال، حتّى لا يرث الأجوبة الميتة. وشجاعة الاعتراف، حتّى لا يُورّث أخطاءه كما ورث أخطاء غيره. وشجاعة الاختيار، حتّى لا يعيش تابعًا لرأي الجماعة في كلّ شيء. وشجاعة العمل، حتّى لا يتحوّل وعيه إلى كلامٍ فاخرٍ بلا أثر. وشجاعة الرحمة، حتّى لا يُكرّر قسوة من ثار عليهم. فبعض الأجيال حين تثور على الماضي تحمل معها أدواته نفسها؛ ترفض تسلّط الآباء ثمّ تمارس تسلّطًا باسم الحداثة، وترفض إلغاءها ثمّ تُلغي من يخالفها، وترفض التلقين القديم ثمّ تصنع تلقينًا جديدًا بشعاراتٍ مختلفة. لذلك لا يكفي أن نغيّر المحتوى، بل لا بدّ أن نغيّر طريقة إنتاج الإنسان.
وفي النهاية، المجتمع الذي لا يُربّي أبناءه بل يُعيد إنتاج نفسه يحكم على المستقبل أن يكون طبعةً جديدةً من الماضي، وربما أسوأ؛ لأنّ الأخطاء القديمة حين تعيش في زمنٍ جديد تزداد تشوّهًا. إنّ أعظم مسؤوليّةٍ على أي أمةٍ ليست أن تجعل أبناءها يشبهونها، بل أن تجعلهم أقدر منها على رؤية الحق، وأشجع منها في مواجهة الخلل، وأصدق منها في بناء المستقبل. لا نريد جيلًا بلا ذاكرة، لكننا لا نريد جيلًا ذاكرته أغلال. لا نريد جيلًا يكره آباءه، لكننا لا نريد جيلًا يعبد عجزهم. لا نريد جيلًا متمرّدًا على كلّ أصل، لكننا لا نريد جيلًا يخاف من كلّ سؤال.
التربية الحقيقيّة ليست أن ينجح المجتمع في نسخ نفسه داخل أبنائه، بل أن يمنح أبناءه ما يعينهم على تجاوز ما كان فيه ناقصًا. أن يقول لهم بصدقٍ نادر: خذوا منا ما صدق، وراجعوا ما اختلط، واتركوا ما مات، وابنوا ما عجزنا عن بنائه. عندها فقط تتحوّل الثقافة من آلة نسخٍ إلى نهر حياة، وتتحوّل الأسرة من مصنع خوفٍ إلى بيت معنى، والمدرسة من مخزن ذاكرةٍ إلى ورشة عقل، والإعلام من سوق ضجيجٍ إلى فضاء وعي، ويولد الجيل المؤسّس؛ جيلٌ لا يُكرّر المجتمع كما هو، ولا يلعنه كما هو، بل يفهمه، وينقده، ويهذّبه، ثمّ يُضيف إليه ما يجعله أصدق وأعدل وأقدر على المستقبل.
