ليست أخطر العبوديّات تلك الّتي تكره الإنسان على فعل ما يكره، بل تلك الّتي تجعله يحبّ ما لم يختر أن يحبّه، ويشتهي ما لم يتولّد من صميمه، ويطارد ما زرع فيه ثمّ يظنّ، في لحظة غفلةٍ فاخرةٍ، أنّه يمارس حرّيّته الكاملة. إنّ القيد الحديديّ بدائيٌّ واضحٌ قليل الحيلة، أمّا القيد الّذي يدخل من باب الرّغبة فهو أذكى وأشدّ مكرًا؛ لأنّه لا يقف خارج الإنسان يأمره، بل يستقرّ داخله ثمّ يتكلّم بصوته. وهنا لا يعود السّؤال: هل فرض عليك الاختيار؟ بل يصبح السّؤال الأعمق والأخطر: من صنع فيك الميل الّذي جعلك تختار؟ ومن رتّب داخلك الموازين الّتي جعلت هذا الشّيء مرغوبًا، وذاك ناقصًا، وهذا جميلًا، وذاك مخجلًا، وهذا ضروريًّا، وذاك علامة تأخّرٍ؟ إنّ الإنسان قد يكون حرًّا في يده، مقيّدًا في شهوته؛ حرًّا في الحركة، مستعمرًا في الخيال؛ حرًّا في أن يشتري أو يترك، لكنّه ليس حرًّا تمامًا إذا كان السّوق والجمهور والمنصّة قد سبقوه إلى أعماقه، ووضعوا هناك بذور ما سيظنّه لاحقًا إرادةً شخصيّةً.
وفي هذا الباب ينبغي أن نفرّق أوّلًا بين الحاجة والرّغبة والوهم، لأنّ كثيرًا من عبوديّات العصر إنّما تقوم على خلط هذه الثّلاثة حتّى يضيع الإنسان في سوقٍ من النّداءات المتشابهة. الحاجة هي ما يطلبه الإنسان ليحفظ أصل وجوده واتّزانه وكرامته؛ طعامٌ يسدّ الجوع، وبيتٌ يأوي، ولباسٌ يستر، وأمنٌ يطمئنّ، ومحبّةٌ تسند الرّوح، ومعنًى يمنع الحياة من أن تصير حركةً بلا مقصدٍ. والرّغبة أوسع من الحاجة؛ إنّها ميل النّفس إلى ما يزيد الحياة زينةً أو لذّةً أو اتّساعًا أو تعبيرًا عن الذّوق والخصوصيّة. أمّا الوهم فهو حين تتنكّر الرّغبة في ثوب الحاجة، أو حين يصنع في الإنسان شعورٌ كاذبٌ بالنّقص، ثمّ يباع له ما يزعم أنّه يرمّم هذا النّقص. الحاجة تقول: أريد ما لا تستقيم حياتي بدونه. والرّغبة تقول: أريد ما أجد فيه لذّةً أو معنًى أو جمالًا. أمّا الوهم فيقول: لن تكون شيئًا إلّا إذا امتلكت هذا، ولن ترى إلّا إذا تشبّهت بذاك، ولن تكتمل إلّا إذا دخلت في القالب الّذي صنعناه لك.
ليست المشكلة في الرّغبة من حيث هي رغبةٌ؛ فالإنسان ليس حجرًا ولا ملاكًا منطفئ الحواسّ. الرّغبة جزءٌ من حياته، وهي حين تهذّبها القيم وتضيئها البصيرة قد تكون بابًا إلى الجمال والعمل والحبّ والإنجاز. إنّ الرّغبة في التّعلּم، والرّغبة في الإحسان، والرّغبة في بناء بيتٍ جميلٍ، والرّغبة في الظّهور اللّائق، والرّغبة في النّجاح الشّريف، كلّها ليست عيوبًا في ذاتها. الخطر يبدأ حين تنفصل الرّغبة عن مركز الإنسان الدّاخليّ، فلا تعود ترجمةً لما يراه حقًّا أو جميلًا أو نافعًا، بل تصبح أثرًا من آثار قوًى خارجيّةٍ تعمل في نفسه سرًّا: السّوق يزرع، والجمهور يسقي، والمنصّة تعرض الشّمس المصطنعة، حتّى تنبت داخل الإنسان شجرةٌ لا يعرف أصل بذرتها، ثمّ يجلس في ظلّها ويقول: هذه شجرتي.
“الحاجة تقول: أريد ما لا تستقيم حياتي بدونه. والرّغبة تقول: أريد ما أجد فيه لذّةً أو معنًى أو جمالًا. أمّا الوهم فيقول: لن تكون شيئًا إلّا إذا امتلكت هذا.”
السّوق لا يكتفي بأن يعرض على الإنسان ما يحتاج إليه، بل يتدخّل في تعريفه لما يحتاج إليه. في الأزمنة البسيطة كان البائع ينتظر حاجة المشتري، أمّا اليوم فكثيرٌ من الأسواق تصنع المشتري قبل أن تبيع السّلعة. إنّها لا تقول له فقط: عندي ما تريد، بل تقول له قبل ذلك: سأعلّمك ماذا تريد. تصنع له صورة الإنسان النّاجح، ثمّ تضع حول تلك الصّورة سلعةً أو علامةً أو أسلوب حياةٍ. تصنع له قلقًا من العمر، ثمّ تبيع له وهم الشّباب الدّائم. تصنع له خوفًا من العاديّة، ثمّ تبيع له التّميّز المعلّب. تصنع له شعورًا بأنّ البساطة نقصٌ، ثمّ تبيعه التّعقيد في ثوب الرّقيّ. وهكذا لا يتحرّك الإنسان دائمًا من حاجةٍ طبيعيّةٍ إلى سلعةٍ، بل من نقصٍ مصنوعٍ إلى استهلاكٍ مبرمجٍ.
أمّا الجمهور فيصنع الرّغبة بطريقةٍ أخرى، أقلّ مباشرةً وأكثر تسلّلًا. فالإنسان كائنٌ اجتماعيٌّ، لا يعيش خارج نظر الآخرين، ولا ينفصل تمامًا عن حاجته إلى الاعتراف والقبول. وهذه الحاجة في أصلها ليست رذيلةً؛ فالإنسان يحتاج إلى أن يرى ويفهم ويحبّ. لكن حين يتحوّل الجمهور إلى مرآةٍ كبرى تحدّد قيمة الإنسان، تبدأ الرّغبات بالتّشكّل وفق ما يصفّق له النّاس، لا وفق ما يليق بالحقيقة. يرغب الإنسان فيما يمنحه حضورًا، ويتخلّى عمّا لا يكافأ عليه اجتماعيًّا، ويهذّب صورته لا روحه، ويختار ما يصلح للعرض لا ما يصلح للحياة. ومع الوقت لا يعود يسأل: هل هذا يشبهني؟ بل يسأل: هل سيعجبهم؟ هل سيمنحني مكانًا بينهم؟ هل سيحفظ صورتي من السّقوط؟ عندها لا يكون الجمهور خارج الإنسان، بل يصبح حارسًا داخليًّا يراقب اختياراته قبل أن يختار.
ثمّ تأتي المنصّة، وهي ليست مجرّد أداةٍ محايدةٍ للتّواصل، بل بنيةٌ كاملةٌ لإعادة تشكيل الانتباه والرّغبة والمقارنة. المنصّة لا تعرض العالم فقط، بل ترتّب العالم أمام عينيك، وتكرّر لك صورًا بعينها، وتكافئ أنماطًا بعينها، وتخفي أخرى، وتدرّب ذوقك ببطءٍ حتّى تصير ترى ما تراه كثيرًا أحقّ بالاشتهاء. إنّها لا تقول صراحةً: كن هكذا. لكنّها تجعلك ترى “هكذا” كلّ يومٍ، في الجمال، والنّجاح، والعلاقة، والسّفر، والبيت، والجسد، واللّغة، والضّحك، والحزن، والغضب، حتّى تتسلّل المقاييس إلى نفسك كما يتسلّل المطر الخفيف إلى جدارٍ قديمٍ؛ لا تسمع له ضجيجًا، لكنّك بعد زمنٍ تجد البناء رطبًا من داخله. وما إن تدخل هذه المقاييس إلى النفس حتّى ينسى الإنسان أنّها وافدةٌ، ويظنّها من صميم ذوقه.
“هنا تكمن براعة هندسة الرّغبة: أن يتحوّل الخارجيّ إلى داخليٍّ، والمكتسب إلى فطريٍّ متوهّمٍ، والمصنوع إلى طبيعيٍّ، والمكرّر إلى بديهيٍّ.”
هنا تكمن براعة هندسة الرّغبة: أن يتحوّل الخارجيّ إلى داخليٍّ، والمكتسب إلى فطريٍّ متوهّمٍ، والمصنوع إلى طبيعيٍّ، والمكرّر إلى بديهيٍّ. يظلّ الإنسان يظنّ أنّه يريد من تلقاء نفسه، مع أنّ نفسه قد خضعت طويلًا لتدريبٍ خفيٍّ. فالذّوق لا يتشكّل في الفراغ، والجمال لا يرى دائمًا بعينٍ بريئةٍ، والنّجاح ليس معنًى ثابتًا في النّفس منذ الولادة، بل كثيرًا ما يبنى عبر الصّور والحكايات والمقارنات والجوائز الاجتماعيّة. إذا قيل للإنسان آلاف المرّات، بطرقٍ مباشرةٍ وغير مباشرةٍ، إنّ الجسد المقبول له هيئةٌ محدّدةٌ، والبيت النّاجح له شكلٌ محدّدٌ، والحياة الجديرة بالغبطة لها إيقاعٌ محدّدٌ، والإنسان المؤثّر له صوتٌ وصورةٌ وسلوكٌ محدّدٌ، فإنّه سيبدأ في طلب هذه الأشياء من داخله، لكنّه داخلٌ جرى ترتيبه من الخارج.
ولذلك لا تكفي عبارة “أنا اخترت” لإثبات الحرّيّة. فالاختيار لحظةٌ متأخّرةٌ في سلسلةٍ طويلةٍ من التّشكيل. الإنسان لا يقف أمام خيارين كما يقف قاضٍ كامل التّجرّد أمام ملفّين متساويين؛ إنّه يقف محمّلًا بتاريخٍ من التّربية، والخوف، والرّغبات المزروعة، والمكافآت والعقوبات، والصّور المتكرّرة، والاحتياجات المصطنعة، والقبول والنّبذ، واللّغة الّتي تعلّم بها تسمية الأشياء. حين يقول: “أنا اخترت”، ينبغي أن نسأله لا تكذيبًا له بل تعميقًا للمعنى: من ربّى فيك معيار الاختيار؟ من جعل هذا الخيار يلمع في عينك؟ من جعل الخيار الآخر يبدو باردًا أو مخجلًا أو غير قابلٍ للتّفكير؟ من صنع المسرح الدّاخليّ الّذي وقفت عليه إرادتك ثمّ ظنّت أنّها وحدها صاحبة النّصّ؟
ليست الحرّيّة أن تفتح أمام الإنسان أبوابٌ كثيرةٌ فقط، بل أن يملك عقلًا قادرًا على معرفة من بنى هذه الأبواب، ولماذا صمّمت بهذا الشّكل، ومن يقف وراء اللّافتات المضيئة عند مداخلها. قد يكون أمامك ألف خيارٍ في السّوق، لكنّ السّوق نفسه هو الّذي حدّد لك أنّ حياتك يجب أن تقاس عبر هذا النّوع من الخيارات. قد تختار بين علاماتٍ كثيرةٍ، لكنّك لم تختر أن تكون العلامة أصلًا جزءًا من تعريفك الاجتماعيّ. قد تختار صورتك كما تشاء، لكنّك لم تختر أن تعيش في زمنٍ تستجوب فيه صورتك كلّ يومٍ. قد تختار أن تظهر، لكنّك لم تختر دائمًا ذلك الخوف العميق من ألّا ترى. وهنا يصبح الحديث عن حرّيّة الفعل وحدها حديثًا ناقصًا، لأنّ الفعل ثمرةٌ، والرّغبة جذرٌ؛ ومن أراد فهم الحرّيّة حقًّا فعليه أن ينزل إلى الجذر لا أن يكتفي بعدّ الثّمار.
“ليست الحرّيّة أن تفتح أمام الإنسان أبوابٌ كثيرةٌ فقط، بل أن يملك عقلًا قادرًا على معرفة من بنى هذه الأبواب، ولماذا صمّمت بهذا الشّكل.”
إنّ حرّيّة الرّغبة أعمق من حرّيّة الفعل. حرّيّة الفعل تعني ألّا يمنعك مانعٌ خارجيٌّ من فعل ما تريد. أمّا حرّيّة الرّغبة فتعني أن تكون رغبتك نفسها قد مرّت على محكمة الوعي، لا أن تكون تسلّلت إليك خلسةً ثمّ حكمت عليك من الدّاخل. قد يكون الإنسان حرًّا في أن يشتري ما يريد، لكنّه ليس حرًّا في العمق إذا كانت رغبته في الشّراء جاءت من خوفٍ صنعه الإعلان، أو نقصٍ صنعته المقارنة، أو حاجةٍ إلى اعترافٍ صنعها الجمهور. وقد يكون حرًّا في أن يختار نمط حياته، لكنّه ليس حرًّا تمامًا إذا لم يسأل: هل هذا النّمط ثمرة بصيرتي أم ثمرة ضغطٍ طويلٍ جعلني أكره بساطتي وأخجل من طبيعتي؟ إنّ السّؤال ليس: ماذا اخترت؟ بل: من صنع داخلك ما جعلك ترى هذا الاختيار مرغوبًا أصلًا؟
ومن هنا يتبيّن أنّ معركة الحرّيّة لا تدور فقط في السّاحات السّياسيّة ولا في النّصوص القانونيّة ولا في حدود الممنوع والمسموح، بل تدور في مختبر الرّغبة. هناك، في المنطقة الّتي تسبق القرار، تتسلّل القوى الكبرى لتعيد ترتيب الإنسان دون أن يشعر. السّلطة الغليظة تقول لك: افعل. أمّا السّلطة النّاعمة فتجعلك تريد أن تفعل. الأولى تضع الأمر في الخارج، والثّانية تزرع الأمر في الدّاخل. الأولى تحتاج إلى رقابةٍ وجهازٍ، والثّانية تحتاج إلى صورةٍ متكرّرةٍ، وخوارزميّةٍ ذكيّةٍ، وسوقٍ واسعٍ، وجمهورٍ مستعدٍّ للتّصفيق أو السّخرية. ولهذا كانت السّلطة على الرّغبة أشدّ خطرًا من السّلطة على الفعل؛ لأنّ من يملك فعلك قد يقهرك، أمّا من يملك رغبتك فقد يجعلك تحبّ قهرك.
ولعلّ من أبلغ صور هذا القهر المحبوب أن يظنّ الإنسان أنّ مواكبته لكلّ جديدٍ دليل حياةٍ، مع أنّها قد تكون دليل انجرارٍ. إنّ الجديد ليس شرًّا في ذاته، ولا التّجدّد عيبًا، بل العيب أن يفقد الإنسان معيار التّمييز، فيصير كلّ جديدٍ مطلوبًا لأنّه جديدٌ، وكلّ قديمٍ مخجلًا لأنّه لم يعد في الواجهة. هنا لا يعود الإنسان صاحب ذوقٍ، بل تابعًا لإيقاع السّوق. يغيّر ما لا يحتاج إلى تغييرٍ، ويستبدل ما لم يفسد، ويعيد تشكيل حياته وفق موجةٍ لا يعرف من أطلقها ولا لمن تخدم. وبعد أن يفعل ذلك يقول: أردت. نعم، أراد، لكنّ إرادته كانت كوترٍ عزف عليه طويلًا حتّى ظنّ اللّحن صادرًا منه.
والأمر نفسه يقع في العلاقات الإنسانيّة. قد يظنّ الإنسان أنّه يبحث عن الحبّ، لكنّه في الحقيقة يبحث عن صورة الحبّ الّتي صاغتها المنصّات: علاقةٌ قابلةٌ للتّصوير، ومشاعر قابلةٌ للعرض، ولحظاتٌ منتقاةٌ، واعترافٌ عامٌّ، وإشاراتٌ خارجيّةٌ تؤكّد له أنّه يعيش ما ينبغي أن يعاش. وحين تختلط الرّغبة في الحبّ بالرّغبة في صورة الحبّ، يضيع القلب بين الحقيقة والمسرح. قد يترك إنسانًا صادقًا لأنّه لا يطابق النّمط المعروض، أو يطلب من علاقته أن تشبه مشاهد مصنوعةً، أو يشعر بالنّقص لأنّ حياته العاطفيّة لا تعرض كما تعرض حيوات الآخرين. وهنا لا تكون المنصّة قد غيّرت ذوقه فقط، بل غيّرت توقّعاته من الحميميّة نفسها، وجعلت القلب يقيس دفئه بمقاييس الضّوء الخارجيّ.
وفي مجال المعرفة كذلك تهندس الرّغبات. لم يعد الإنسان دائمًا يرغب في الحقيقة لأنّها حقيقةٌ، بل يرغب فيما يمنحه شعورًا سريعًا بالفهم، أو تفوّقًا في النّقاش، أو انتماءً إلى جماعةٍ، أو قدرةً على السّخرية من خصومه. تصنع له رغبةٌ في الرّأي السّريع بدل الفهم العميق، وفي المعلومة الخفيفة بدل البحث الطّويل، وفي الموقف الحادّ بدل التّأمّل الهادئ. ومع الوقت يصبح العمق ثقيلًا، والصّبر على القراءة مملًّا، والاعتراف بالتّعقيد ضعفًا. هنا لا يمنع الإنسان من المعرفة، بل تعاد هندسة رغبته المعرفيّة حتّى يطلب ما يسطّحه وهو يظنّ أنّه يتعلّم. وهذه من أخطر العبوديّات؛ لأنّ الجاهل القديم كان يعرف أنّه لا يعرف، أمّا مستهلك المعرفة السّريعة فقد يصاب بوهم الامتلاء وهو لم يذق إلّا قشرة المعنى.
وكذلك في الأخلاق، قد تهندس الرّغبة حتّى يصبح الإنسان راغبًا في الفضيلة حين تمنحه صورةً اجتماعيّةً، لا حين تهذّب باطنه. يريد أن يبدو متسامحًا، أو واعيًا، أو عادلًا، أو متديّنًا، أو إنسانيًّا، لأنّ هذه الصّور تمنحه مقامًا في جماعته. وحين تصبح الفضيلة جزءًا من إدارة الصّورة، تفقد شيئًا من طهرها الدّاخليّ. لا يعني ذلك أنّ إعلان الخير مذمومٌ دائمًا، لكنّ الخطر أن تتحوّل الأخلاق إلى أزياء رمزيّةٍ يرتديها الإنسان أمام جمهوره. عندها تصبح الرّغبة في الخير مشوبةً برغبةٍ في الظّهور بالخير، والفرق بينهما كالفارق بين نبعٍ يجري في الأرض وماءٍ مرسومٍ على الجدار.
ولأنّ هندسة الرّغبة تعمل في العمق، فإنّ مقاومتها لا تكون بالمنع السّطحيّ فقط. لا يكفي أن نقول للنّاس: لا تستهلكوا، لا تتأثّروا، لا تقارنوا، لا تتابعوا، لا تشتهوا. فالرّغبة لا تهزم بالأوامر وحدها، بل بإعادة بناء الدّاخل. لا بدّ أن يتعلّم الإنسان فنّ الاشتباه في رغباته لا كرهها. أن يضع كلّ رغبةٍ كائنًا حيًّا على طاولة السّؤال: من أين جئت؟ ماذا تعدينني؟ ماذا ستأخذين منّي؟ هل أنت حاجةٌ، أم زينةٌ، أم وهمٌ، أم هروبٌ، أم خوفٌ مقنّعٌ، أم بحثٌ عن اعترافٍ؟ هذه الأسئلة لا تقتل الحياة، بل تنقذها من الابتذال. فالإنسان الّذي لا يسأل رغباته يصير مملوكًا لها، والّذي يعاديها كلّها يصير قاسيًا على نفسه، أمّا الّذي يفهمها فيهذّبها ويعيد ترتيبها.
إنّ أوّل خطوةٍ في تحرير الرّغبة هي التّمييز بين ما ينبع من الفطرة وما صبّ في النّفس صبًّا. الفطرة تميل إلى الجمال، لكنّ السّوق قد يحوّل الجمال إلى قالبٍ مستحيلٍ. الفطرة تحبّ الاعتراف، لكنّ الجمهور قد يحوّل الاعتراف إلى إدمانٍ. الفطرة تطلب الرّاحة، لكنّ الاستهلاك قد يحوّل الرّاحة إلى تخمةٍ. الفطرة تحبّ الانتماء، لكنّ القطيع قد يحوّل الانتماء إلى ذوبانٍ. الفطرة تطلب التّميّز، لكنّ المنصّة قد تحوّله إلى استعراضٍ دائمٍ. ليس المطلوب إذن قمع الفطرة، بل تحريرها من المبالغات والتّشوّهات الّتي تلصق بها حتّى لا تعود تعرف نفسها.
والخطوة الثّانية هي استعادة البطء. فالرّغبات المزروعة تعيش على السّرعة؛ إعلانٌ سريعٌ، صورةٌ سريعةٌ، مقارنةٌ سريعةٌ، شراءٌ سريعٌ، انفعالٌ سريعٌ، قرارٌ سريعٌ. السّرعة تمنع السّؤال، وتمنح الرّغبة فرصة أن تسبق الوعي. أمّا البطء فهو مقاومةٌ. أن تؤخّر الشّراء يومًا، ألّا تردّ على النّداء فورًا، أن تترك الصّورة تبرد قبل أن تصدّقها، أن تراقب رغبتك وهي تصعد ثمّ تهبط، أن تكتشف أنّ كثيرًا ممّا ظننته حاجةً ملحّةً كان موجةً عابرةً في الدّم. البطء لا يعني العجز، بل يعني أن يستعيد العقل حقّه في الدّخول بين الإغراء والاستجابة. وفي تلك المسافة الصّغيرة تولد الحرّيّة.
والخطوة الثّالثة هي بناء مقاييس داخليّةٍ لا تباع ولا تشترى. الإنسان الّذي لا يملك معيارًا داخليًّا للجمال سيشتري جماله من السّوق. والّذي لا يملك معيارًا للنّجاح سيأخذه من الجمهور. والّذي لا يعرف معنى الكرامة سيخلطها بالمظهر. والّذي لا يعرف غايته سيستأجر غايات الآخرين. لذلك لا يمكن تحرير الرّغبة بلا فلسفة حياةٍ، بلا سؤالٍ عن الغاية، بلا معرفةٍ بما يستحقّ أن يطلب وما لا يستحقّ. إنّ الإنسان الّذي يعرف ماذا يريد أن يكون حقًّا يصبح أقلّ قابليّةً لأن يدفع إلى أن يكون ما يريده الآخرون منه. ومن لا يملك غايةً عميقةً يصبح ساحةً مفتوحةً لكلّ رغبةٍ عابرةٍ.
“من لم يربّ إرادته ستربّيها له السّوق. ومن لم يهذّب رغبته سيهذّبها له الجمهور وفق أهوائه. لذلك كانت تربية الرّغبة من أشرف وظائف التّربية.”
والخطوة الرّابعة هي إعادة بناء البيئات. فليس الإنسان عقلًا معلّقًا في الهواء؛ إنّه يتأثّر بما يرى ويسمع ويخالط. من عاش في بيئةٍ تقيس النّاس بالمظاهر سيحتاج جهدًا عظيمًا كي لا تعاد هندسة رغبته كلّ يومٍ. ومن صاحب قومًا لا حديث لهم إلّا الشّراء والمقارنة والظّهور سيجد نفسه، ولو كان واعيًا، محاصرًا بمعاييرهم. لذلك يحتاج التّحرّر إلى صحبةٍ تحترم البساطة، وإلى بيتٍ لا يجعل الصّورة أصل القيمة، وإلى تعليمٍ يربّي الطّفل على السّؤال، وإلى ثقافةٍ تعيد الاعتبار للمعنى، وإلى أوقاتٍ خارج الضّجيج، وإلى مساحاتٍ لا يكون الإنسان فيها مطالبًا بالعرض. البيئة ليست بديلًا عن الإرادة، لكنّها الحاضنة الّتي إمّا أن تقوّيها أو تستنزفها.
والخطوة الخامسة هي المصالحة مع النّقص الإنسانيّ الحقيقيّ. كثيرٌ من الرّغبات المصنوعة تدخل من باب عجز الإنسان عن احتمال نقصه الطّبيعيّ. يريد أن يبدو كاملًا، دائم السّعادة، دائم النّجاح، دائم الجمال، دائم الحضور، كأنّه يخشى أن يكون إنسانًا. والسّوق يحبّ هذا الخوف؛ لأنّه يبيع لكلّ نقصٍ قناعًا. أمّا التّحرّر فيبدأ حين يقبل الإنسان أنّ في حياته فراغاتٍ لا تملأ بالسّلع، وجراحًا لا تشفيها الصّور، وأسئلةً لا تجيب عنها الموضة، ووحدةً لا يعالجها التّصفيق، وقلقًا لا يداويه الشّراء. حين يقبل هذا، لا يعود فريسةً سهلةً لكلّ من يعرض عليه اكتمالًا زائفًا.
إنّ نقد منشأ الرّغبة لا يعني أن يصبح الإنسان متشكّكًا في كلّ ميلٍ حتّى يفقد عفويّته، بل يعني أن يستعيد حقّه في السّيادة على ما يميل إليه. الرّغبة النّقيّة ليست رغبةً بلا أثرٍ خارجيٍّ مطلقٍ، فهذا مستحيلٌ؛ كلّ إنسانٍ يتشكّل بتاريخه ومجتمعه ولغته. لكنّها رغبةٌ واعيةٌ، تعرف مصادرها، وتخضع للمراجعة، ولا تستحي من رفض ما يصفّق له النّاس، ولا تخاف من اختيار ما لا يلمع في السّوق. إنّها رغبةٌ تمرّ عبر الضّمير والعقل والغاية قبل أن تتحوّل إلى فعلٍ. أمّا الرّغبة المستعبدة فهي تلك الّتي تدخل من عين الإنسان إلى قلبه دون تفتيشٍ، ثمّ تخرج من يده مالًا ووقتًا وعمرًا وهو يظنّ أنّه صاحب القرار.
ولعلّ أعمق ما ينبغي أن يقال هنا أنّ الحرّيّة ليست في أن أفعل ما أريد فقط، بل في أن أتعلّم كيف أريد. هذه العبارة تبدو غريبةً للوهلة الأولى، لكنّها مفتاح الباب كلّه. فالإرادة ليست شيئًا بسيطًا يولد كاملًا في الإنسان، بل تتربّى كما يتربّى الذّوق، وتتلوّث كما تتلوّث اللّغة، وتصفو كما يصفو الماء إذا حمي من المجاري الفاسدة. من لم يربّ إرادته ستربّيها له السّوق. ومن لم يهذّب رغبته سيهذّبها له الجمهور وفق أهوائه. ومن لم يحرس خياله ستسكنه صور الآخرين حتّى لا يبقى فيه موضعٌ لصوته الخاصّ. لذلك كانت تربية الرّغبة من أشرف وظائف التّربية؛ لأنّها لا تعلّم الإنسان ماذا يفعل فقط، بل تعلّمه ماذا يستحقّ أن يريد.
وهنا يتّصل نقد الرّغبة بنقد العبوديّات الجديدة اتّصال الجذر بالثّمر. فالإنسان لا يستعبد اليوم غالبًا بأن تسلب منه كلّ الخيارات، بل بأن تصنع له خياراتٌ كثيرةٌ داخل أفقٍ مرسومٍ سلفًا. يقال له: اختر كما تشاء، لكن بعد أن تكون رغباته قد درّبت على اشتهاء ما يخدم السّوق، وما يرضي الجمهور، وما يزيد ارتباطه بالمنصّة، وما يجعله قابلًا للقياس والتّوجيه والبيع. هذا هو القفص الأنيق: لا يمنع الطّائر من الحركة، لكنّه يعلّمه أنّ السّماء ليست إلّا المساحة بين قضبانه المزخرفة.
“الإنسان لا يستعبد اليوم غالبًا بأن تسلب منه كلّ الخيارات، بل بأن تصنع له خياراتٌ كثيرةٌ داخل أفقٍ مرسومٍ سلفًا.”
والخروج من هذا القفص لا يكون بكراهية العالم، ولا بالانسحاب الكامل من الأسواق والمنصّات والجمهور، فهذه كلّها صارت جزءًا من شروط الحياة الحديثة. لكنّه يكون باليقظة. أن نستعمل السّوق دون أن نسمح له بتعريف نقصنا. أن نخاطب الجمهور دون أن نمنحه مفاتيح قيمتنا. أن نستفيد من المنصّة دون أن نجعلها مهندس ذوقنا وقلقنا وصورتنا. أن نشتري ونحن نعرف لماذا، ونظهر ونحن نعرف حدود الظّهور، ونرغب ونحن نعرف من أين جاءت الرّغبة وإلى أين ستقودنا. ليست الحرّيّة طهارةً من كلّ تأثيرٍ، بل وعيٌ بالتّأثير يمنع تحوّله إلى قدرٍ.
وفي النّهاية، فإنّ الإنسان لا يسلب حرّيّته فقط حين يمنع من أن يحقّق رغبته، بل حين يربّى على رغبةٍ لا تشبه حقيقته. قد يكون القيد أمرًا، وقد يكون إعلانًا. قد يكون السّجّان حاكمًا، وقد يكون جمهورًا. قد تكون الزّنزانة جدارًا، وقد تكون صورةً مثاليّةً لا يبلغها أحدٌ. وقد تكون العبوديّة ألّا تستطيع فعل ما تريد، وقد تكون أدهى من ذلك: أن تريد ما لم تختر أن تريده، ثمّ تدافع عنه كما لو كان آخر حصونك.
لهذا تبدأ السّيادة على النّفس من سؤالٍ صغيرٍ لكنّه كالسّيف في عمق الظّلام: هل هذه رغبتي حقًّا؟ فإذا صدق الإنسان في مطاردة هذا السّؤال، بدأ يستردّ نفسه قطعةً قطعةً من يد السّوق، ومنصّةً منصّةً من يد الجمهور، وصورةً صورةً من يد الوهم. وعندئذٍ لا يعود قلبه شاشةً تعرض عليها رغبات الآخرين، بل يصير نبعًا يعرف ما يرويه وما يملّحه. ولا يعود الاختيار مجرّد حركة يدٍ تمتدّ إلى ما أعدّ لها، بل فعل بصيرةٍ تعرف أنّ أعظم الحرّيّة ليست أن تمتلك ما رغبت، بل أن تمتلك القدرة على تهذيب الرّغبة حتّى تسيطر عليها لا أن تسيطر عليك.
