الفكرمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

الوطن والدولة والسلطة

حين تختلط المفاهيم وتضيع الأوطان بين القداسة المصطنعة والتخوين

حينَ تفقدُ المجتمعاتُ قدرتَها على ضبطِ مفاهيمِها الكبرى، فإنَّها لا تفقدُ الألفاظَ وحدَها، بلْ تفقدُ معها البوصلةَ التي تهدي الوعيَ الجمعيَّ إلى مواضعِ الحقِّ والواجبِ، والثابتِ والمتغيرِ، والمقدسِ والمدنيِّ، والولاءِ والعبوديةِ. فالكلماتُ المؤسسةُ ليستْ حروفًا عابرَةً في خطاباتِ السياسيةِ، بلْ هيَ أعمدةٌ خفيةٌ تقومُ عليها تصوراتُ الناسِ لأنفسِهِمْ وللعالمِ وللآخرينَ. فإذا اضطربتْ هذه الأعمدةُ، اضطربَ البناءُ كلُّهُ، وإذا اختلطتِ الحدودُ بينَ المفاهيمِ الكبرى، صارَ المجتمعُ يمشي في ضبابٍ كثيفٍ، يحملُ أسماءَ الأشياءِ ولا يدركُ حقائقَها، ويدافعُ عن أوهامٍ يظنُّها ثوابتَ، ويهدمُ ثوابتَهُ الحقيقيةَ باسمِ الدفاعِ عنها.

ومنْ أشدِّ هذه الاختلاطاتِ خطرًا ذلكَ الخلطُ الذي يقعُ بينَ الوطنِ والدولةِ والسلطةِ. فهذه المفاهيمُ الثلاثةُ، على قربِها وتشابكِها، ليستْ شيئًا واحدًا. الوطنُ ليسَ الدولةَ، والدولةُ ليستِ السلطةَ، والسلطةُ ليستِ الوطنَ. لكنْ حينَ تذوبُ الحدودُ بينَها في الوعيِ العامِّ، يفتحُ البابُ لأخطرِ أنواعِ التلاعبِ السياسيِّ والأخلاقيِّ؛ إذْ يصبحُ نقدُ الحكومةِ إساءةً للدولةِ، ومعارضةُ السلطةِ خيانةً للوطنِ، والاختلافُ في الرأيِ تهديدًا للأمنِ القوميِّ، والمطالبةُ بالإصلاحِ طعنًا في الانتماءِ. وهكذا يتحولُ الوعيُ الوطنيُّ منْ رابطةِ انتماءٍ راقيةٍ إلى أداةِ ابتزازٍ، ومنْ فضاءٍ جامعٍ إلى محكمةِ تخوينٍ، ومنْ معنًى إنسانيٍّ رحبٍ إلى سوطٍ يُرْفَعُ في وجهِ كلِّ منْ يفكرُ أو يعترضُ أو يسألُ.

“الوطنُ ليسَ الدولةَ، والدولةُ ليستِ السلطةَ، والسلطةُ ليستِ الوطنَ. لكنْ حينَ تذوبُ الحدودُ بينَها، يصبحُ نقدُ الحكومةِ إساءةً للدولةِ، ومعارضةُ السلطةِ خيانةً للوطنِ، ويتحولُ الانتماءُ إلى فضاءٍ للتخوينِ والابتزازِ.”

إنَّ الأزمةَ هنا ليستْ لغويةً فحسبُ، بلْ حضاريةٌ في الصميمِ. فالخللُ في المفاهيمِ يسبقُ الخللَ في المواقفِ، والالتباسُ في التعريفِ ينتجُ الالتباسَ في السلوكِ. وإذا لمْ يعرفِ المجتمعُ الفارقَ بينَ الوطنِ بوصفِهِ ذاكرةً وهويةً وانتماءً، والدولةِ بوصفِها تنظيمًا قانونيًا ومؤسسيًا، والسلطةِ بوصفِها إدارةً مؤقتةً لشؤونِ الدولةِ، فإنهُ سيعجزُ عنْ بناءِ وعيٍ سياسيٍّ عادلٍ. بلْ سيقعُ في أسرِ معادلةٍ بدائيةٍ قاتلةٍ: منْ معَ السلطةِ فهو وطنيٌّ، ومنْ خالفَها فهو مشكوكٌ فيهِ. وهذه المعادلةُ لا تبني وطنًا، بلْ تبني قطيعًا خائفًا يكررُ الشعاراتِ، ويحسبُ الصمتَ حكمةً، والطاعةَ فضيلةً، والاعتراضَ جريمةً.

الوطنُ، في جوهرِهِ الأعمقِ، ليسَ مساحةً ترابيةً فحسبُ، وإنْ كانَ الترابُ بعضَ ملامحِهِ وأعزَّ رموزِهِ. وليسَ حدودًا مرسومةً على الخرائطِ وحدَها، وإنْ كانتِ الحدودُ ضرورةً لتنظيمِ الوجودِ السياسيِّ. وليسَ نشيدًا، أو علمًا، أو وثيقةَ جنسيةٍ، أو ذاكرةً رسميةً مقررةً في الكتبِ. الوطنُ أوسعُ منْ ذلكَ وأشدُّ تركيبًا. إنهُ فضاءٌ إنسانيٌّ وحضاريٌّ ممتدٌّ، ومستودعٌ حيٌّ للذاكرةِ الجمعيةِ، وسلسلةٌ من المعاني والعلاقاتِ والخبراتِ المشتركةِ التي تتراكمُ عبرَ الزمنِ حتى تصيرَ جزءًا من وجدانِ الناسِ. الوطنُ هو الناسُ حينَ يتحولُ وجودُهُمُ المشتركُ إلى معنًى، وهو التاريخُ حينَ لا يبقى ماضيًا ميتًا بلْ ذاكرةً حيةً، وهو اللغةُ والثقافةُ والعاداتُ والأحزانُ والأفراحُ والمقابرُ والبيوتُ والحكاياتُ، وهو أيضًا الوعدُ الأخلاقيُّ بأن يكونَ هذا كلُّهُ قابلًا لأن يتسعَ لأبنائهِ لا أن يطردَهُمْ من معناهُ.

والوطنُ بهذا المعنى أعمقُ من أن يُخْتَزَلَ في نظامٍ سياسيٍّ عابرٍ، أو حكومةٍ مؤقتةٍ، أو دستورٍ قابلٍ للتعديلِ، أو سلطةٍ تتبدلُ وجوهُها. فالأوطانُ سبقتْ حكوماتٍ كثيرةً وبقيتْ بعدَها. تغيرتِ الراياتُ، وتبدلتِ العواصمُ، وتوالتِ الدساتيرُ، وسقطتْ أنظمةٌ، وظهرتْ أخرى، لكنَّ الوطنَ بقيَ في وجدانِ أهلِهِ لأنَّهُ ليسَ محضَ مؤسسةٍ، بلْ كينونةٌ جمعيةٌ. إنَّ الوطنَ ثابتٌ نسبيًا في عمقِ الشعورِ والتاريخِ، أما الأشكالُ السياسيةُ فهيَ عوارضُ تتبدلُ على ضفافِهِ. قدْ تمرُّ بهِ دولةٌ قويةٌ أو ضعيفةٌ، عادلةٌ أو ظالمةٌ، رشيدةٌ أو مرتبكةٌ، لكنَّ الوطنَ لا يُخْتَزَلُ فيها. ومنْ أخطرِ ما يمكنُ أن يحدثَ لوعيِ أمةٍ أن تظنَّ أنَّ بقاءَ الوطنِ مشروطٌ ببقاءِ حكومةٍ، أو أنَّ حبَّ الوطنِ يعني التسليمَ لكلِّ إدارةٍ تتحدثُ باسمِهِ.

“الوطنُ أعمقُ منْ أن يُخْتَزَلَ في نظامٍ سياسيٍّ عابرٍ؛ فالأوطانُ سبقتْ حكوماتٍ كثيرةً وبقيتْ بعدَها. إنَّ الوطنَ ثابتٌ نسبيًا في عمقِ الشعورِ والتاريخِ، أما الأشكالُ السياسيةُ فهيَ عوارضُ تتبدلُ على ضفافِهِ.”

أما الدولةُ فهيَ مفهومٌ آخرَ، أكثرُ عقلانيةً وبرودةً، وأشدُّ اتصالًا بالبناءِ المؤسسيِّ. الدولةُ ليستْ قصيدةً وجدانيةً، ولا ذاكرةً جماعيةً، ولا حنينًا إلى المكانِ، بلْ تنظيمٌ سياسيٌّ وقانونيٌّ ينشأُ منْ حاجةِ المجتمعِ إلى إدارةِ شؤونِهِ وضبطِ علاقاتِهِ وحمايةِ أمنِهِ وتوزيعِ وظائفِهِ. إنَّها الهيكلُ الذي يحوّلُ الوجودَ الجمعيَّ من عاطفةٍ متناثرةٍ إلى نظامٍ قابلٍ للعملِ. الدولةُ هيَ المؤسساتُ، والقوانينُ، والمحاكمُ، والإدارةُ، والجيشُ، والشرطةُ، والماليةُ العامةُ، والضماناتُ، والإجراءاتُ. وهيَ بهذا المعنى وسيلةٌ ضرورةٌ لحمايةِ الوطنِ وخدمةِ المجتمعِ، لكنَّها ليستِ الوطنَ كلَّهُ، ولا تستوعبُ أبعادَهُ الروحيةَ والحضاريةَ والوجدانيةَ.

والدولةُ، مهما عظمتْ، تبقى أداةً. قيمتُها مستمدةٌ منْ وظيفتِها في حمايةِ الإنسانِ والمجتمعِ والعدلِ العامِّ. فإذا تحولتْ منْ وسيلةٍ إلى غايةٍ مطلقةٍ، ومنْ جهازٍ لخدمةِ المجتمعِ إلى معبودٍ سياسيٍّ يطلبُ منَ الناسِ أن يفْنَوْا فيهِ بلا سؤالٍ، فإنَّها تفقدُ معناها المدنيَّ وتقتربُ منَ الوثنيةِ السياسيةِ. الدولةُ العادلةُ لا تقولُ للناسِ: أنا الوطنُ، بلْ تقولُ: أنا جهازُهُ المنظمُ وخادمُهُ القانونيُّ. لا تطلبُ منهُمْ أن يقدسوها، بلْ أن يحترموا عقدَها ما دامتْ تحميهِمْ وتحمي حقوقَهُمْ. وهيَ لا تخافُ منَ النقدِ، لأنَّ النقدَ حينَ يكونُ مسؤولًا هوَ آليةٌ منْ آلياتِ إصلاحِها، لا معولٌ لهدمِها.

ثمَّ تأتي السلطةُ، وهيَ المفهومُ الأكثرُ قابليةً للتضخمِ والتزييفِ، لأنَّها تمسكُ أدواتِ الدولةِ وتتحدثُ غالبًا باسمِ الوطنِ. السلطةُ ليستِ الوطنَ في عُمْقِهِ، وليستِ الدولةَ في كيانِها المؤسسيِّ الكاملِ، بلْ هيَ الإدارةُ المؤقتةُ التي تتولى تسييرَ الدولةِ في لحظةٍ تاريخيةٍ محددةٍ. إنَّها حكومةٌ أو نخبةٌ حاكمةٌ أو جهازٌ سياسيٌّ يملِكُ صلاحيةَ القرارِ والتنفيذِ لمدةٍ تطولُ أو تقصرُ، بحسبِ طبيعةِ النظامِ وآلياتِهِ. السلطةُ عابرةٌ بطبيعتِها؛ تأتي وتذهبُ، تصيبُ وتخطئُ، تنجحُ وتفشلُ، تصلحُ وتفسدُ. ومنْ هنا فإنَّ نقدَ السلطةِ ليسَ خروجًا على الوطنِ، بلْ قدْ يكونُ في كثيرٍ منَ الأحيانِ دفاعًا عنِ الوطنِ منْ سوءِ إدارةِ السلطةِ لهُ.

السلطةُ حينَ تعرفُ حدودَها تكونُ جزءًا منِ انتظامِ الدولةِ، وحينَ تتضخمُ تبتلعُ الدولةَ، وحينَ تبتلعُ الدولةَ تدَّعي أنَّها الوطنُ. وهنا يبدأُ الخداعُ الأكبرُ. تبدأُ المعادلةُ الزائفةُ هادئةً في ظاهرِها: الحكومةُ هيَ الدولةُ. ثمَّ تتوسعُ: الدولةُ هيَ الوطنُ. ثمَّ تشتدُّ: منْ عارضَ الحكومةَ فقدْ عارضَ الدولةَ، ومنْ عارضَ الدولةَ فقدْ خانَ الوطنَ. بهذهِ السلسلةِ المغلوطةِ تتحولُ السياسةُ إلى محكمةِ ولاءٍ، ويُصَادَرُ حقُّ الناسِ في المراجعةِ باسمِ القداسةِ، وتغدو السلطةُ فوقَ النقدِ لا لأنَّها معصومةٌ، بلْ لأنَّها اختبأتْ خلفَ صورةِ الوطنِ.

“منْ أقدمِ حيلِ الهيمنةِ أنْ تخلطَ السلطةُ نفسَها بالكيانِ الأكبرِ منْها؛ فإذا انكشفَ الفسادُ قيلَ: لا تمنحوا الأعداءَ مادةً للتشفي، وإذا طالبَ الناسُ بالإصلاحِ قيلَ: لا تزعزعوا الاستقرارَ.”

وهذا التلاعبُ ليسَ بريئًا. إنهُ منْ أقدمِ حيلِ الهيمنةِ أن تخلطَ السلطةُ نفسَها بالكيانِ الأكبرِ منْها، حتى تصيرَ معارضتُها خطرًا وجوديًا لا موقفًا سياسيًا. فإذا ارتفعتِ الأسعارُ قيلَ: لا تهاجموا الوطنَ. وإذا فشلتِ الإدارةُ قيلَ: لا تسيئوا للدولةِ. وإذا انكشفَ الفسادُ قيلَ: لا تمنحوا الأعداءَ مادةً للتشفي. وإذا طالبَ الناسُ بإصلاحِ المؤسساتِ قيلَ: لا تزعزعوا الاستقرارَ. وهكذا يتحولُ الوطنُ منْ معنى جامعٍ إلى درعٍ تحتمي بهِ السلطةُ، ويتحولُ حبُّ الوطنِ منْ شعورٍ نبيلٍ إلى أداةِ إسكاتٍ.

لكنَّ الوطنَ لا يُحْمَى بإسكاتِ العقولِ، ولا تُصَانُ الدولةُ بتجريمِ النقدِ، ولا تستقرُّ السلطةُ بإرهابِ الضمائرِ. المجتمعُ الذي لا يسمحُ لأبنائهِ بتمييزِ الوطنِ عنِ السلطةِ يحكمُ على نفسِهِ بالطفولةِ السياسيةِ. فالمواطنُ الراشدُ لا يخلطُ بينَ حبِّهِ لأرضِهِ وأهلِهِ وتاريخِهِ وبينَ موقفِهِ منْ حكومةٍ أو حزبٍ أو إدارةٍ. قدْ يحبُّ وطنَهُ بصدقٍ بالغٍ، ويكونُ في الوقتِ نفسِهِ منْ أشدِّ المنتقدينَ لحكومتِهِ، بلْ قدْ يكونُ نقدُهُ هوَ الصورةَ الأرقى منْ ولائِهِ، لأنهُ لا يريدُ للوطنِ أن يُخْتَزَلَ في أخطاءِ منْ يحكمونَهُ. أما منْ يطلبُ منَ المواطنِ أن يحبَّ الوطنَ عبرَ طاعةِ السلطةِ طاعةً عمياءَ، فإنهُ لا يطلبُ وطنيةً، بلْ عبوديةً مزينةً بعلمٍ ونشيدٍ.

ومنْ هنا تنشأُ صناعةُ التخوينِ. والتخوينُ ليسَ مجردَ انفعالٍ شعبيٍّ عابرٍ، بلْ نظامُ خطابٍ كاملٍ يشتغلُ على الخوفِ والوجدانِ والهويةِ. إنهُ لا يناقشُ الفكرةَ، بلْ يطعنُ في نيةِ صاحبِها. لا يردُّ على الحجةِ، بلْ يحاكمُ الضميرَ. لا يسألُ: هلْ هذا النقدُ صحيحٌ؟ بلْ يسألُ: منِ الذي قالَهُ؟ ولماذا قالَهُ؟ ولصالحِ منْ؟ ثمَّ يفتحُ بابَ الظنونِ حتى يصيرَ كلُّ اختلافٍ مؤامرةً، وكلُّ سؤالٍ شبهةً، وكلُّ إصلاحٍ تهديدًا. وهكذا يُسْتَبْدَلُ العقلُ السياسيُّ بعلمِ نفسٍ بوليسيٍّ يتتبعُ النوايا بدلَ أن يفحصَ الوقائعِ.

الخطابُ التخوينيُّ شديدُ الفعاليةِ لأنهُ يستثمرُ في أعمقِ مخاوفِ الجماعةِ. فهو يقولُ للناسِ إنَّ الوطنَ مهددٌ، وإنَّ العدوَّ متربصٌ، وإنَّ الخلافَ الداخليَّ ثغرةٌ، وإنَّ النقدَ خنجرٌ في الظهرِ. وقدْ تكونُ بعضُ الأوطانِ مهددةً فعلًا، وقدْ يكونُ لها أعداءٌ حقيقيونَ، لكنَّ الخطرَ أن تُسْتَخْدَمَ هذه الحقائقُ لتجريمِ كلِّ اختلافٍ. فوجودُ الخطرِ الخارجيِّ لا يلغي حقَّ العقلِ الداخليِّ في المراجعةِ، بلْ يجعلهُ أشدَّ ضرورةً؛ لأنَّ الدولةَ التي ترفضُ النقدَ بحجةِ الخطرِ تصبحُ أضعفَ أمامَ الخطرِ، لا أقوى. إنَّ إسكاتَ الطبيبِ لا يشفي المريضَ لأنهُ يخافُ منْ شماتةِ الجيرانِ.

ثمَّ إنَّ الخلطَ بينَ الوطنِ والسلطةِ لا ينتجُ التخوينَ وحدَهُ، بلْ ينتجُ عصبيةً عمياءَ تعيدُ تشكيلَ الوعيِ وفقَ ثنائيةٍ قاتلةٍ: نحنُ وهمْ. وهذه الثنائيةُ إذا تغلغلتْ في المجتمعِ أفسدتْ نظرتَهُ إلى الخارجِ والداخلِ معًا. خارجيًا، تتحولُ الوطنيةُ منْ حبٍّ كريمٍ للوطنِ إلى كراهيةٍ مرضيةٍ للشعوبِ الأخرى. يصبحُ الآخرُ خطرًا دائمًا، لا لأنهُ اعتدى بالضرورةِ، بلْ لأنهُ ليسَ نحنُ. تنشأُ الشوفينيةُ، ويتحولُ الانتماءُ إلى تعصبٍ، وتغدو الأمةُ سجينةَ وهمِ التفوقِ أو عقدةِ الخوفِ، فلا ترى في العالمِ فضاءً للتعارفِ والتبادلِ، بلْ ساحةَ تهديدٍ مستمرٍّ. وهذه ليستْ وطنيةً راشدةً، بلْ هلعٌ جماعيٌّ مكسوٌّ بلغةِ الفخرِ.

أما داخليًا، فالأمرُ أخطرُ؛ لأنَّ العصبيةَ تبدأُ بتقسيمِ المواطنينَ أنفسِهِمْ. يظهرُ مواطنٌ كاملُ الوطنيةِ، وآخرُ ناقصُ الوطنيةِ، وثالثٌ مشكوكٌ فيهِ، ورابعٌ خائنٌ. لا يعودُ الانتماءُ عقدًا متساويًا بينَ المواطنينَ، بلْ شهادةً تمنحُها السلطةُ أو الأغلبيةُ أو الجماعةُ الصاخبةُ لمنْ تشاءُ، وتسحبُها ممنْ تشاءُ. ومعَ الوقتِ، يتعلمُ الناسُ أن يثبتوا وطنيتَهُمْ لا بالعملِ والإنتاجِ واحترامِ القانونِ، بلْ بترديدِ الشعاراتِ وتجنبِ الأسئلةِ. يصبحُ الصمتُ فضيلةً، والتصفيقُ برهانًا، والنقدُ عارًا. وهكذا تُقْتَلُ المواطنةُ منْ داخلِها، لأنَّها تتحولُ منْ رابطةِ حقوقٍ وواجباتٍ إلى امتحانِ ولاءٍ مستمرٍّ.

ثمَّ تنتقلُ العدوى إلى المكوناتِ الصغرى داخلَ المجتمعِ. لا يعودُ التصنيفُ بينَ مؤيدٍ ومعارضٍ فقطْ، بلْ بينَ منطقةٍ ومنطقةٍ، وطائفةٍ وطائفةٍ، وجماعةٍ وجماعةٍ، ولهجةٍ ولهجةٍ، وأصلٍ وأصلٍ. يقالُ: هذه المنطقةُ أكثرُ وطنيةً، وتلكَ أقلُّ إخلاصًٍا. هذه الجماعةُ مشكوكٌ فيها، وتلكَ الطائفةُ ولاؤُها ناقصٌ، وهذا التيارُ لا يحبُّ البلادَ كما نحبُّها. وما إنْ يدخلَ الوطنُ في سوقِ المزايداتِ حتى يتحولَ إلى سلاحٍ بيدِ الجميعِ ضدَّ الجميعِ. وكلُّ فئةٍ تحاولُ أن تحتكرَ تعريفَهُ، ثمَّ تطردَ غيرَها منْ دائرَتِهِ. عندَها لا تبقى الوطنيةُ جامعةً، بلْ تصيرُ مصنعًا للفرزِ والإقصاءِ.

وهذهِ هيَ المفارقةُ الكبرى: الخطابُ الذي يزعمُ أنَّهُ يحمي وحدةَ الوطنِ يصبحُ عمليًا منْ أكبرِ أسبابِ تمزيقِهِ. لأنهُ يضيّقُ دائرةَ الانتماءِ بدلَ أن يوسعَها، ويشككُ في المواطنينَ بدلَ أن يطمئنَهُمْ، ويحتكرُ الوطنيةَ بدلَ أن يجعلَها عقدًا مفتوحًا لكلِّ منْ يحترمُ القانونَ ويساهمُ في الخيرِ العامِّ. المجتمعُ السليمُ لا يقومُ على تصنيفِ الضمائرِ، بلْ على توسيعِ مساحةِ الانتماءِ. لا يسألُ المواطنَ كلَّ صباحٍ أن يثبتَ أنَّهُ ليسَ خائنًا، بلْ يمنحُهُ أصلَ الثقةِ ما دامَ ملتزمًا بالعقدِ العامِّ. أما المجتمعاتُ التي تعيشُ على الشكِّ الدائمِ، فإنَّها تستهلكُ طاقتَها في التفتيشِ عنِ الخونةِ حتى تعجزَ عنْ بناءِ الأوطانِ.

ولذلكَ يجبُ التفريقُ بينَ الأمنِ الوطنيِّ وأمنِ السلطةِ. الأمنُ الوطنيُّ يتعلقُ بسلامةِ المجتمعِ، واستقلالِهِ، وحمايةِ مواطنيهِ، وصونِ مؤسساتِهِ، ومنعِ العدوانِ عليهِ. أما أمنُ السلطةِ فقدْ يكونُ أحيانًا مجردَ رغبةِ الحاكمِ أو الحزبِ أو الحكومةِ في البقاءِ بلا مساءلةٍ. حينَ يختلطُ المفهومانِ، تصبحُ كلُّ مطالبةٍ بالإصلاحِ خطرًا أمنيًا، وكلُّ كشفٍ للفسادِ تهديدًا للاستقرارِ، وكلُّ صوتٍ معارضٍ جزءًا منْ مؤامرةٍ. بينما الحقيقةُ أنَّ الفسادَ هوَ الخطرُ الأمنيُّ، والاستبدادَ هوَ الخطرُ الأمنيُّ، وانسدادَ قنواتِ التعبيرِ هوَ الخطرُ الأمنيُّ، لأنَّ المجتمعاتُ لا تنفجرُ غالبًا بسببِ كثرةِ النقدِ، بلْ بسببِ منعِ النقدِ حتى تتراكمَ الأخطاءُ في الظلامِ.

إنَّ الوطنَ القويَّ لا يخافُ منَ التعددِ، والدولةَ الراسخةَ لا يخافُ منَ المعارضةِ، والسلطةَ الناضجةَ لا تخافُ منَ المساءلةِ. الذي يخافُ منَ السؤالِ هوَ منْ يعرفُ أنَّ شرعيتَهُ هشةٌ. والذي يحولُ النقدَ إلى خيانةٍ إنَّما يعترفُ ضمنًا بأنهُ لا يملكُ حجةً كافيةً في وجهِ النقدِ. أما الوطنيةُ الراشدةُ فتدركُ أنَّ الاختلافَ ليسَ عيبًا في المجتمعِ، بلْ علامةَ حياةٍ فيهِ، بشرطَ أن يبقى داخلَ حدودِ العقدِ العامِّ والقانونِ والسلمِ المدنيِّ. فليسَ المطلوبُ أن يكونَ الناسُ نسخةً واحدةً في آرائِهِمْ ومواقفِهِمْ، بلْ أن يكونوا مختلفينَ دونَ أن يتحولَ اختلافُهُمْ إلى عدوانٍ أو تمزيقٍ أو تحريضٍ على العنفِ.

وهنا يبرزُ البديلُ الحضاريُّ: ليسَ المطلوبُ إضعافَ الانتماءِ الوطنيِّ، ولا الزهدَ في معنى الوطنِ، ولا تحويلَ الناسِ إلى ذراتٍ بلا ذاكرةٍ أو وجدانٍ. بلِ المطلوبُ الارتقاءُ بالوطنيةِ منْ طورِها البدائيِّ الانفعاليِّ إلى طورِها المدنيِّ الراشدِ. الوطنيةُ البدائيةُ تقولُ: أحبَّ وطنَكَ بطاعةِ سلطتِهِ. الوطنية_ الراشدةُ تقولُ: أحبَّ وطنَكَ بخدمةِ مجتمعِهِ، واحترامِ قانونِهِ، وصيانةِ عدالتِهِ، وكشفِ فسادِهِ، والدفاعِ عنْ كرامةِ أفرادِهِ. الوطنيةُ البدائيةُ تبحثُ عنِ الشعاراتِ. الوطنية_ الراشدةُ تبحثُ عنِ السلوكِ. الوطنيةُ البدائيةُ تسألُ: ماذا تقولُ؟ الوطنية_ الراشدةُ تسألُ: ماذا تفعلُ؟ الوطنيةُ البدائيةُ تصنفُ الناسَ بحسبِ درجةِ حماستِهِمُ اللفظيةِ. الوطنية_ الراشدةُ تقيسُهُمْ بمقدارِ احترامِهِمْ للعقدِ الاجتماعيِّ ومساهمتِهِمْ في الخيرِ العامِّ.

“الوطنيةُ البدائيةُ تبحثُ عنِ الشعاراتِ وتصنفُ الناسَ بحسبِ حماستِهِمُ اللفظيةِ، أما الوطنيةُ الراشدةُ فتبحثُ عنِ السلوكِ وتقيسُ الأفرادَ بمقدارِ مِساهمتِهِمْ في الخيرِ العامِّ وصيانةِ العدالةِ.”

والانتقالُ الحقيقيُّ يكونُ منَ الولاءِ للأشخاصِ إلى الولاءِ للمبادئِ، ومنَ التعلقِ بالسلطةِ إلى احترامِ الدولةِ، ومنْ تقديسِ الدولةِ إلى حمايةِ الوطنِ الإنسانِ. فالسلطةُ تُنْقَدُ، والدولةُ تُصْلَحُ، والوطنُ يُصَانُ. السلطةُ تتغيرُ، والدولةُ تتطورُ، والوطنُ يتسعُ. السلطةُ ليستْ فوقَ السؤالِ، والدولةُ ليستْ فوقَ الإصلاحِ، والوطنُ ليسَ ملكًا لفئةٍ. وحينَ تنضجُ هذهِ الفروقُ في الوعيِ العامِّ، يصبحُ المواطنُ قادرًا على أن يقولَ: أنا أحبُّ وطني، ولذلكَ أرفضُ أن يُخْتَزَلَ في حكومةٍ. أنا أحترمُ الدولةَ، ولذلكَ أطالبُ بإصلاحِ مؤسساتِها. أنا ألتزمُ بالقانونِ، ولذلكَ أرفضُ أن يتحولَ إلى أداةِ تخوينٍ وانتقاءٍ.

ولكيْ يتحققَ هذا الوعيُ، لا بدَّ منْ تربيةٍ مدنيةٍ جديدةٍ تعلّمُ الناسَ أنَّ الوطنيةَ ليستِ انفعالًا موسميًا ولا شعارًا مناسباتيًا، بلْ مسؤوليةٌ يوميةٌ. أن تدفعَ ما عليكَ، وتحترمَ القانونَ، وتصونَ المالَ العامَّ، وتعملَ بإخلاصٍ، وترفضَ الفسادَ، وتحميَ الضعيفَ، وتحترمَ المختلفَ، وتشاركَ في الشأنِ العامِّ، وتنتقدَ بوعيٍ، وتعارضَ دونَ هدمٍ، وتؤيدَ دونَ عبوديةٍ. هذهِ هيَ الوطنيةُ التي تبني، لا الوطنيةُ التي تصرخُ. أما منْ يرفعُ الرايةَ بيدٍ، وينهبُ المالَ العامَّ باليدِ الأخرى، أو يزايدُ على الناسِ في الولاءِ بينما يفسدُ مؤسساتِهِمْ، فهو عدوٌ لمعنى الوطنِ ولوْ حفظَ كلَّ الأناشيدِ.

كما لا بدَّ منْ تحريرِ الخطابِ العامِّ منِ ابتزازِ المشاعرِ. فليسَ كلُّ نقدٍ كراهيةً، وليسَ كلُّ معارضةٍ خيانةً، وليسَ كلُّ اختلافٍ تمردًا، وليسَ كلُّ مطالبةٍ بالحقوقِ تهديدًا للاستقرارِ. وفي المقابلِ، ليسَ كلُّ خطابٍ معارضٍ وطنيًا لمجردِ أنَّهُ معارضٌ، ولا كلُّ نقدٍ بريئًا لمجردِ أنَّهُ نقدٌ. الميزانُ العادلُ لا يمنحُ السلطةَ عصمةً، ولا يمنحُ المعارضةَ قداسةً. كلاهُما يُقَاسُ بالحقِّ والعدلِ والمصلحةِ العامةِ واحترامِ القانونِ والسلمِ المدنيِّ. فالحريةُ لا تعني الفوضى، والوطنيةُ لا تعني الطاعةَ، والمعارضةُ لا تعني الهدمَ، والتأييدُ لا يعني تسليمَ العقلِ.

إنَّ المجتمعَ الرشيدَ هوَ الذي يملِكُ قدرةً مزدوجةً: أن يحميَ الدولةَ منَ الفوضى، وأن يحميَ الوطنَ منْ تغولِ السلطةِ. فلا يسمحُ لأحدٍ أن يهدمَ المؤسساتَ باسمِ الحريةِ، ولا يسمحُ للسلطةِ أن تخنقَ الحريةَ باسمِ المؤسساتِ. لا يقبلُ أن يتحولَ النقدُ إلى تحريضٍ، ولا يقبلُ أن تتحولَ مكافحةُ التحريضِ إلى قمعٍ للرأيِ. هذهِ الموازنةُ الدقيقةُ هيَ لبُّ المدنيةِ. أما المجتمعاتُ التي لا تعرفُ إلا طرفينِ، إما طاعةً مطلقةً أو فوضى مطلقةً، فإنَّها تظلُّ تتأرجحُ بينَ الاستبدادِ والانهيارِ، لأنَّها لمْ تتعلمْ بعدُ فنَّ بناءِ المجالِ العامِّ.

وفي الخاتمةِ، فإنَّ الفارقَ بينَ الوطنِ والدولةِ والسلطةِ ليسَ تمرينًا في التعريفاتِ، بلْ شرطٌ منْ شروطِ النجاةِ السياسيةِ والأخلاقيةِ. فحينَ نعرفُ أنَّ الوطنَ أوسعُ منَ الدولةِ، وأنَّ الدولةَ أبقى منَ السلطةِ، وأنَّ السلطةَ أضيقُ منْ أن تحتكرَ الوطنَ، نستعيدُ حقَّنا في التفكيرِ دونَ أن نفقدَ انتماءَنا، ونستعيدُ قدرَتَنا على النقدِ دونَ أن نطعنَ في الكيانِ الجامعِ، ونستعيدُ معنى الوطنيةِ بوصفِها مسؤوليةً راشدةً لا انفعالًا أعمى.

الوطنُ بيتُ المعنى المشتركِ، والدولةُ هندسةُ هذا البيتِ، والسلطةُ إدارةٌ مؤقتةٌ لشؤونِهِ. فمنْ أحبَّ البيتَ لا يزمُهُ أن يصفقَ لكلِّ مديرٍ، ومنِ احترمَ الهندسةَ لا يزمُهُ أن يسكتَ عنْ خللِ الصيانةِ، ومنِ انتقدَ الإدارةَ لا يعني أنهُ يريدُ هدمَ الجدرانِ. بلْ لعلَّ أصدقَ الناسِ حبًا للوطنِ همُ الذينَ يرفضونَ تحويلَهُ إلى قناعٍ للخطأِ، أو ذريعةٍ للفسادِ، أو سجنٍ للعقلِ، أو منصةٍ لتخوينِ أبنائهِ.

إنَّ الأوطانَ لا تُصَانُ بتقديسِ السلطاتِ، بلْ بتوسيعِ العدالةِ. ولا تُحْمَى بتخوينِ المختلفينَ، بلْ بإدخالِهِمْ في عقدٍ مدنيٍّ يتسعُ لَهُمْ ما داموا يحترمونَ قانونَهُ. ولا تنهضُ بالشعاراتِ وحدَها، بلْ بمواطنينَ أحرارٍ مسؤولينَ يعرفونَ أنَّ الولاءَ الحقَّ ليسَ أن تسكتَ حينَ ترى الخللَ، بلْ أن تقولَ كلمةَ الحقِّ بوعيٍ وشرفٍ وانتماءٍ. عندَئذٍ فقطْ يستردُّ الوطنُ معناهُ: لا كصنمٍ سياسيٍّ يُعْبَدُ، ولا كشعارٍ يُسْتَعْمَلُ، بلْ كفضاءٍ إنسانيٍّ باذخٍ يتسعُ لأبنائهِ، ويحمي اختلافَهُمْ، ويجمعُهُمْ على عدالةِ القانونِ، وكرامةِ الإنسانِ، ومسؤوليةِ المصيرِ المشتركِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى