كيف تبدأ الإمبراطوريات بالسقوط قبل أن تسقط
من سلسلة دراسة في عوامل وظواهر أفول الامبراطورية الأمريكية المعاصرة
لا تسقط الإمبراطوريات حين تُنكس راياتها فوق القصور وحدها، ولا حين تُغلق آخر قواعدها البعيدة، ولا حين تُمحى ألوانها من الخرائط. إنها تبدأ بالسقوط قبل ذلك بكثير؛ حين تفقد قدرتها على إقناع العالم بأن قوتها تؤدي وظيفةً تتجاوز مصالحها الخاصة، وحين لا يعود سلطانها مقترنًا بالأمن أو الاستقرار أو القانون أو المنفعة المشتركة، بل يظهر عاريًا بوصفه قدرةً على الإكراه لا أكثر. قد تبقى الجيوش في ميادينها، والأساطيل في بحارها، والعملات في خزائن العالم، والمؤسسات الدولية ناطقةً بلغة المركز القديم، بينما يكون شيءٌ أعمق قد بدأ بالتصدع؛ الثقة التي تجعل الحليف يرى قوته في قوة الإمبراطورية، والقبول الذي يجعل الدول الأقل نفوذًا تتحمل اختلال النظام لأنها ما تزال تجد داخله مساحةً للنمو والأمن، والمعنى الذي يحول التفوق من عبءٍ مفروض إلى قيادةٍ قابلةٍ للاحتمال.
“تبدأ الإمبراطوريات بالسقوط حين تفقد قدرتها على إقناع العالم بأن قوتها تؤدي وظيفةً تتجاوز مصالحها الخاصة.”
والإمبراطورية لا تموت موتةً واحدة. تموت أولًا في الخيال؛ حين يعجز نموذجها عن إغراء الآخرين. ثم تموت في الأخلاق؛ حين تفقد لغتها القدرة على تفسير تناقض أفعالها. ثم تموت في السياسة؛ حين يتحول الحلفاء من شركاء يستثمرون في بقائها إلى أطرافٍ تتحوط من ضعفها. ثم تموت في الاستراتيجية؛ حين تنفق موارد متزايدة للحصول على نتائج متناقصة. أما سقوط المؤسسات والقواعد والحدود فقد يأتي متأخرًا، وقد لا يأتي بالصورة المسرحية التي يحبها المؤرخون. ولهذا يضللنا لفظ «السقوط» إذا أوحى بانهيارٍ مفاجئ لا مقدمات له. فبين الذروة والزوال مسافاتٌ طويلة؛ قد تبدأ فيها الإمبراطورية بالتراجع وهي تبدو في ظاهرها أشد اتساعًا، وقد تكثر تدخلاتها لأنها لم تعد قادرةً على ضمان الطاعة من دون تدخل، وقد ترفع صوتها أكثر لأن الكلمات القديمة فقدت قدرتها على الإقناع. ليس كل استعراضٍ للقوة علامة صحة؛ قد يكون ارتجافًا مغطىً بصليل السلاح.
وهناك فرقٌ لا غنى عنه بين هزيمة جيش، وتراجع نفوذ، وانتهاء هيمنة، وتفكك إمبراطورية، وانهيار دولة. قد تخسر القوة الكبرى حربًا وتظل قادرةً على قيادة النظام، وقد تنتصر عسكريًا وتخسر المعنى السياسي للنصر. وقد تنكمش الإمبراطورية بينما تبقى الدولة غنيةً ومتماسكةً وفاعلة، كما بقيت بريطانيا بعد أن غربت الشمس عن مستعمراتها، وكما بقيت روسيا قوةً كبرى بعد انحلال الاتحاد السوفيتي. الدولة جسدٌ سياسيٌّ يعيش داخل حدوده؛ أرضٌ وشعبٌ ومؤسساتٌ واقتصادٌ وذاكرةٌ وطنية. أما الإمبراطورية فهي التاج الخارجي الذي يمنح الدولة قدرةً على تشكيل خيارات غيرها، وضبط المسافات بين القوى، وتحديد القواعد التي يعمل العالم داخلها. وقد يسقط التاج ويبقى الرأس، بل قد تنجو الدولة حين تتخفف من تاجٍ صار أثقل من قدرتها على حمله. ومن هنا لا تكون نهاية الإمبراطورية مرادفةً لنهاية الأمة التي أقامتها. إنما السؤال الحقيقي هو مقدار الحكمة التي تملكها الدولة حين يبدأ مجالها الخارجي بالانكماش؛ هل تعيد تعريف دورها قبل أن تستنزفها محاولة الاحتفاظ بما لم يعد ممكنًا، أم تعامل كل تقلصٍ في النفوذ بوصفه إهانةً وجودية، فتضحي بقوة الدولة الداخلية من أجل صورةٍ إمبراطوريةٍ تذوي؟
والإمبراطورية في العصر الحديث لا تُعرّف باحتلال الأراضي وحده. قد لا يحمل الحاكم المحلي جنسية المركز، وقد يبقى العلم الوطني مرفوعًا، وقد تجري الانتخابات وتُسن القوانين داخل حدود الدولة، ومع ذلك تتحرك القرارات الكبرى في فضاءٍ رسمته قوةٌ أخرى. الإمبراطورية الحديثة شبكةٌ أكثر منها خريطة؛ شبكةٌ من القواعد والتحالفات والعملات والمؤسسات والعقوبات والأسواق والتقنيات والمعايير الثقافية. تملك الإمبراطورية الحديثة القوة العسكرية؛ لا بمعنى الجيوش وحدها، بل بمعنى القدرة على نقل الحرب بعيدًا عن المركز، وتحديد من يُحمى ومن يُعاقب، ومن يحصل على السلاح ومن يُحرم منه. وتملك القوة الاقتصادية؛ الأسواق والديون والعملات وشبكات التحويل والتجارة. وتملك القوة المؤسسية؛ النفوذ داخل المنظمات التي تعرّف المقبول والمرفوض وتوزع الشرعية الدولية. وتملك القوة التقنية والمعرفية؛ الجامعات ومراكز البحث والمنصات والمعايير التي يضطر الآخرون إلى التوافق معها كي يدخلوا العصر. وتملك القوة الرمزية؛ النموذج الثقافي والحلم الاجتماعي والصورة التي تجعل الشعوب ترى مستقبلها في تقليد المركز أو الهجرة إليه.
“القوة المكتملة لا تملك المدفع وحده؛ بل تملك القاموس الذي يُشرح به صوت المدفع.”
لكن أعمق قوى الإمبراطورية هي قدرتها على تسمية الأشياء. من هو المعتدي، ومن هو المدافع؟ ما الحرب الشرعية، وما الإرهاب؟ أي عقوبةٍ تُعد انتهاكًا لحقوق الإنسان، وأي عقوبةٍ تُقدَّم بوصفها حمايةً للنظام؟ متى يكون تجاوز الحدود جريمة، ومتى يصبح تدخلًا استثنائيًا تفرضه الضرورة؟ القوة المكتملة لا تملك المدفع وحده؛ تملك القاموس الذي يُشرح به صوت المدفع. ومع ذلك، لا تستقر الإمبراطوريات بالخوف وحده. فالخوف يُخضع الأطراف لكنه لا يحولها إلى شركاء، ويحفظ الصمت لكنه لا يصنع ولاءً، ويمنع التمرد الظاهر لكنه يدفع الرغبة في التحرر إلى السراديب. أما الهيمنة المستقرة فتحتاج إلى عقدٍ ضمنيٍّ غير مكتوب؛ تقدم القوة الكبرى بموجبه منافع عامةً تكفي لتبرير جانبٍ من امتيازاتها.
تحمي القوة الكبرى طرق التجارة، وتردع الفوضى، وتوفر مظلةً أمنية، وتضمن قدرًا من الاستقرار المالي، وتسمح للحلفاء بالنمو، وتفتح أمامهم أسواقها ومؤسساتها، وتتحمل من أعباء النظام أكثر مما تحمله للضعفاء. وفي مقابل ذلك يقبل الآخرون تفوقها، ويتعاملون مع قيادتها بوصفها اختلالًا قابلًا للاحتمال؛ لأن كلفة الخروج من النظام تبدو أعلى من كلفة البقاء داخله. وليس هذا العقد أخلاقيًا خالصًا، ولا تقوم الإمبراطوريات على الإحسان. ولا ينبغي أن تُفهم كلمة الإمبراطورية هنا شتيمةً سياسيةً أو حكمًا أخلاقيًّا جاهزًا، بل مفهومًا تحليليًّا يصف تفاوتًا هيكليًّا في القدرة على صياغة قواعد العالم وتوزيع كلفته ومنافعه. فقد تمارس الإمبراطورية وظائف عامةً نافعة، كما تمارس امتيازاتٍ خاصةً ظالمة، وقد تجمع القيادة والاستغلال في لحظةٍ واحدة. التاريخ لا يقدم لنا إمبراطورياتٍ من الملائكة أو الشياطين، بل بنياتٍ ضخمةً تمزج النظام بالقهر، والطريق بالتبعية، والحماية بالاستخراج، والمصلحة المشتركة بالامتياز المركزي. إنها تمزج المصلحة العامة بالامتياز الخاص، والحماية بالاستخراج، والقانون بالقوة، والشراكة بالتفاوت. لكن نجاحها يتوقف على بقاء قدرٍ كافٍ من المنفعة المشتركة؛ بحيث لا يشعر الأطراف أن النظام آلةٌ صُممت لأخذ مواردهم وتقييد حركتهم وحدها.
وهنا يظهر الفرق بين قيادة النظام وامتلاك النظام. القيادة تعني أن تكون الدولة أقوى من غيرها، لكنها ترى في ازدهار شركائها إضافةً إلى قوتها، وتسمح لهم بمساحةٍ من الاستقلال والنمو، وتخضع بدرجةٍ معقولةٍ للقواعد التي تطلب منهم احترامها. أما امتلاك النظام فيبدأ حين ترى القوة أن تفوقها يمنحها حق التعامل مع المؤسسات بوصفها ممتلكات، ومع القواعد بوصفها أدواتٍ انتقائية، ومع الحلفاء بوصفهم مستفيدين من حمايةٍ ينبغي أن يدفعوا ثمنها السياسي والاقتصادي كلما طلب المركز. في مرحلة القيادة، يرى الآخرون مصالحهم داخل النظام ولو لم يتساووا في امتيازاته. أما في مرحلة التسلط، فيرون النظام وقد تحول إلى بيتٍ يملكه طرفٌ واحد، يستطيع تغيير الإيجار والشروط والأبواب متى شاء، ثم يطلب من البقية أن يسموا إقامتهم فيه شراكة.
“النصر التكتيكي يرى الخصم الواقف أمامه، أما العقل الاستراتيجي فيرى العالم الذي سيولده الانتصار.”
وتبدأ الإمبراطورية بفقدان معناها حين تتعامل مع ما قدمته للعالم بوصفه دينًا أبديًا يبرر كل ما تطلبه لاحقًا، وتتحول العلاقة من شراكة وقيادة إلى تسلط وسحق وانتهاب لكل المقدرات. يتحول الأمن من منفعةٍ مشتركة إلى فاتورة. وتتحول الأسواق من فضاءٍ للتبادل إلى أداة تهديد. وتتحول العملة من وسيطٍ مالي إلى ذراعٍ تمتد بها الدولة خارج حدودها. وتتحول المؤسسات من ساحاتٍ لضبط القوة إلى أختامٍ تمنح الشرعية إذا وافقت، وتُتهم بالعجز إذا عارضت. وحين يحدث ذلك، لا يعلن الحلفاء والأطراف تمردهم فورًا. يبدأ التغيير أكثر هدوءً؛ تنويع الشراكات، وبناء القدرات الذاتية، وفتح قنواتٍ مع المنافسين، والبحث عن عملاتٍ أو مؤسساتٍ موازية، وتجنب الاصطفاف الكامل في صراعات المركز. إنهم لا يخرجون من البيت دفعةً واحدة، بل يضعون مفاتيح احتياطية في جيوبهم؛ تحسبًا لليوم الذي لا يعود فيه السقف مأمونًا.
ومن علامات أفول الإمبراطوريات أن يتراجع القبول أسرع من تراجع الخوف. قد تبقى الدولة قادرةً على معاقبة خصومها، لكن قدرتها على إقناع الحلفاء تقل. وقد تظل شروطها نافذة، لكن كثيرين يلتزمون بها بوصفها ضرورةً مؤقتة لا نظامًا جديرًا بالدفاع. والإمبراطورية التي يطيعها الجميع ولا يثق بها أحد تبدو عظيمةً في الصورة، لكنها تقف على أرضٍ أضعف مما توحي به أسلحتها. ومن العلامات كذلك ارتفاع كلفة الحفاظ على النفوذ. لا تكفي زيادة الإنفاق لإثبات القوة؛ فالسؤال هو ما الذي تشتريه الموارد الإضافية. إذا احتاج المركز إلى قواعد أكثر وعقوبات أشد وضغوطٍ متكررةٍ للحصول على الطاعة نفسها، فهذا يعني أن رأس المال السياسي القديم قد أخذ بالنفاد. إن النظام القوي يعمل جزئيًا بقوة عاداته وثقة أطرافه، أما النظام المتآكل فيحتاج إلى دفعٍ دائم، كآلةٍ هرمة لا تتحرك إلا إذا ازدادت كمية الوقود الذي يُحرق فيها.
وتظهر علامات الأفول حين تتكاثر الانتصارات التكتيكية وتضمر النتائج الاستراتيجية. تستطيع الإمبراطورية إسقاط حكومة، لكنها تعجز عن بناء دولة. وتستطيع فرض عقوباتٍ موجعة، لكنها تدفع خصومها إلى إنشاء بدائل تقلل فاعلية العقوبات مستقبلًا. وتستطيع إجبار حليفٍ على تنازلٍ سريع، لكنها تزرع فيه رغبةً طويلةً في التخلص من التبعية. النصر التكتيكي يرى الخصم الواقف أمامه، أما العقل الاستراتيجي فيرى العالم الذي سيولده الانتصار. ويبدأ الأفول أيضًا حين تتحول السياسة من بناء مستقبلٍ جديد إلى منع الآخرين من بناء مستقبلهم. القوة الصاعدة تتحدث عادةً بلغة المشاريع والفرص والطرق والأسواق والمؤسسات الجديدة. أما القوة القلقة على مركزها فتكثر في لغتها مفردات المنع والحصار والتطويق؛ منع المنافس من التقنية، ومنع الحليف من الاستقلال، ومنع المؤسسات من أن تعكس تغير موازين العالم. وقد يكون بعض المنع مشروعًا في صراع المصالح، لكن تحويله إلى فلسفةٍ شاملة يعني أن الإمبراطورية لم تعد تملك مشروعًا للمستقبل، بل حراسةً مسلحةً للماضي.
“لا تُقاس حياة الإمبراطورية بعدد الأوامر التي تُطاع، بل بمقدار الأوامر التي لا تحتاج إلى إصدارها أصلًا.”
ويكشف التاريخ أن الإمبراطوريات الأطول عمرًا لم تكن تلك التي امتلكت أشد السيوف وحدها، بل تلك التي استطاعت دمج الأطراف في منظومتها بدرجاتٍ متفاوتة. توسعت روما لأنها لم تكتف بالإخضاع؛ بنت الطرق، ونظمت الإدارة، ووسعت المواطنة على مراحل، وجعلت قطاعاتٍ من الشعوب ترى منفعتها في الانضمام إلى عالمها. لكن اتساعها نفسه تحول مع الزمن إلى عبء؛ إذ ارتفعت كلفة حماية الحدود وتصدع المركز وتراجعت قدرة النظام على استيعاب تناقضاته. وحكمت بريطانيا البحار، وحمت شبكات التجارة، وأسهمت في بناء نظامٍ ماليٍّ واسع، لكنها ربطت ذلك باستخراج الموارد وإخضاع المستعمرات لمصالح المركز. وحين تبدلت موازين الصناعة، وارتفعت كلفة الحروب، واتسعت حركات التحرر، تحول التاج الإمبراطوري إلى حملٍ أثقل مما تستطيع الدولة حمله. انتهت الإمبراطورية، لكن بريطانيا لم تختف؛ بقيت دولةً متقدمةً ومؤثرة، وإن لم تعد محور العالم. أما الاتحاد السوفيتي فقد بنى مجالًا واسعًا تحت رايةٍ أيديولوجيةٍ تعد بالمساواة والتحرر، غير أن الرسالة حين احتاجت باستمرارٍ إلى الإكراه العسكري والسياسي لحفظ أطرافها، أخذت تفقد معناها. وعندما ضعفت قدرة المركز على فرض الوحدة، انكشف مقدار ما كان قائمًا على الاقتناع ومقدار ما كان قائمًا على غياب القدرة على الخروج.
وهكذا لا توجد إمبراطوريةٌ تفلت من السؤال نفسه؛ هل ما يزال الآخرون يرون مصلحتهم داخل نظامها، أم إنهم باقون فيه لأنهم لم يجدوا بعدُ طريقًا آمنًا للخروج؟ لا تُقاس حياة الإمبراطورية بعدد الأوامر التي تُطاع، بل بمقدار الأوامر التي لا تحتاج إلى إصدارها أصلًا لأن بنية المصالح والثقة ما تزال تعمل لمصلحتها. وقد تتميز إمبراطوريةٌ عن سابقتها في أدواتها ومرونتها وموقعها، لكنها لا تخرج من قوانين القوة كلها. لا تستطيع إلى الأبد أن تجعل الخوف بديلًا عن الثقة، أو العقاب بديلًا عن السياسة، أو الاستثناء بديلًا عن القانون، أو ضخامة الجيش بديلًا عن شرعية الغاية. قد تؤخر القوة المادية موعد الحساب، لكنها لا تمحوه.
“الأخلاق هنا ليست موعظةً ملحقةً بالسياسة؛ بل هي مادةٌ من مواد القوة.”
إن الأخلاق هنا ليست موعظةً ملحقةً بالسياسة؛ إنها مادةٌ من مواد القوة. فالمعايير العادلة تولد الثقة، والثقة تخفض كلفة التحالف، والتحالفات المستقرة توسع النفوذ، وانخفاض الكلفة يطيل عمر النظام. أما ازدواجية المعايير فتستهلك الثقة، وحين تنفد الثقة لا يبقى لحراسة النظام إلا المال والخوف، وهما أكثر الأدوات كلفةً وأقصرها عمرًا. ولا يعني ذلك أن الإمبراطوريات تسقط لأنها شريرة، أو تبقى لأنها خيّرة. التاريخ لا يعمل محكمةً أخلاقيةً بسيطة. لكنه يكشف أن القوة التي لا تضبط نفسها تلد ضدها دوافع الموازنة، وأن القانون الانتقائي يحفز البحث عن مؤسساتٍ بديلة، وأن الحليف الذي يُهان لا ينسى الإهانة ولو أذعن لها، وأن العالم لا يقبل إلى الأبد أن يكون مستقبل شعوبه تفصيلًا في أمن دولةٍ واحدة. لهذا يبدأ سقوط الإمبراطورية قبل سقوطها المرئي؛ حين يتراجع معنى قيادتها، وحين لا يعود النظام الذي بنته مستقبلًا مشتركًا، بل حقلًا لحراسة امتيازها. قد تظل عندئذٍ أقوى من جميع منافسيها فرادى، لكنها تصبح أضعف من مجموع المخاوف التي أيقظتها فيهم، وأشد حاجةً إلى القوة كلما قلَّ مقدار ما تحققه القوة.
وإذا كانت هذه هي القاعدة العامة، فإن الحالة الأمريكية تقدم أوضح صورها المعاصرة. فالولايات المتحدة لم تصعد بعد الحرب العالمية الثانية بالسلاح والمال وحدهما، بل لأنها قدمت لحلفائها نظامًا استطاعوا أن ينموا داخله. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو ما إذا كان ذلك العقد ما يزال قائمًا، أم إن قيادة النظام أخذت تتحول في أعين كثيرين إلى امتلاكٍ له. هنا تبدأ الحكاية الأمريكية؛ لا من السؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة ما تزال قوية، بل من السؤال عما بقي من المعنى الذي جعل قوتها قيادةً مقبولةً لا هيمنةً محتملةً على مضض.
