الشعر

ملحمة الصمود

بِكَ لا بِغَيرِكَ لِلإبَاءِ يُشَارُ = وَبِمِثلِ كَفِّكَ تُكْتَبُ الأَقْدَارُ
وَعَلَى مَدَارِكَ فِي انْعِتَاقِكَ لِلعُلا = تَقْفُو الشُّمُوسُ وَتَتْبَعُ الأَقْمَارُ
يَا مَنْ بَكَى اللاهُونَ نَزْفَكَ دَافِقًا = فَأَبَيتَ إِلا أَنْ يَصُونَ وَقَارُ
وَاسْتَمرَأَ العَادُونَ قَصْفَكَ حَارِقًا = بِشُوَاظِهِمْ فَصَمَدْتَ وَهْيَ النَّارُ
نَارٌ كَأَنَّ الحِقْدَ سَجَّرَ سَيلَهَا = وَالغَيظَ أَلْهَبَ مَا أَغَلَّ أُوَارُ
يَرْمُونَ لا يُلْوُونَ لا يَسْعَى بِهِمْ = إِلا الدَّمَارُ الفَجُّ وَالإِضْرَارُ
قَدْ أَغْلَقُوا سُبُلَ الفَضَاءِ وَأَطْلَقُوا = حِمَمَ القَضَاءِ وَسِيقَتِ الأَعْذَارُ
جَاءُوكَ مِنْ بَرٍّ وَمِنْ بَحْرٍ وَمِنْ = جَوٍّ كَمَا الغُرْبَانُ فَوقَكَ طَارُوا
رَكِبُوا جَنَاحَ الرِّيحِ وَهْيَ غَرِيرَةٌ = وَغَدَوا عَنِ الآفَاقِ وَهْيَ غُبَارُ
وَرَموا صَوَارِيخَ الجُنُونِ بِخُدْعَةٍ = غَارَتْ بِهَا الأَنْفَاسُ حِينَ أَغَارُوا
قَصَفُوا المَسَاجِدَ وَالمَدَارِسَ وَالرُّبَى = حَتَّى تَمَزَّقَ فِي الدِّيَارِ دَمَارُ
وَتَنَفَّسَ البَارُودُ أَرْوَاحًا هَمَتْ = زُمَرًا يُكَلِّلُ مفْرقَيهَا الغَارُ
وَطَغَوا فَمَا بَشَرٌ وَلا حَجَرٌ نَجَا = مِنْهُمْ وَلا شَجَرٌ وَلا أَطْيَارُ
وَدَهَتْكَ أَهْوَالٌ وَحَسبُكَ مِحْنَةً = لَوْلا اليَقِينُ لَطَاشَتِ الأَفْكَارُ
لُجَجٌ مِنَ المَوتِ الزُّؤَامِ وَسطْوَةٌ = بِالطَائِرَاتِ وَلَيسَ ثَمَّ قَرَارُ
لَو أَبْصَرَتْ عَينُ الحُرُوبِ لَفُزِّعَتْ = وَلَهَانَ فِي عَينِ الهَلاكِ تَتَارُ
لَكِنَّ عَينَكَ وَالمَنُونُ مُحَدِّقٌ = قَرَّتْ بِمَا وَعَدَ الوَرَى القَهَّارُ
فَرَّتْ قُلُوبُ النَاظِرِينَ مَهَابَةً = مِمَّا رَأَيتَ وَمَا رَآكَ فِرَارُ
وَوَقَفْتَ أَنْتَ وَفِي فِؤَادِكَ غَزَّةٌ = وَعَلَى جَبِينِكَ عِزَّةٌ وَفَخَارُ
وَأَبَيتَ أَنْ يَطَأَ العَرِينَ مَنِ افْتَرَى = إِنَّ اللِيُوثَ عَلَى العَرِينِ تَغَارُ
وَعَلِمْتَ أَنَّ عُرَى الأُخُوَّةِ أَخْلَفَتْ = وَبِغَيرِ كَفِّكَ لا يُقَالُ عِثَارُ
وَرَأَيتَ لا سَيفًا يَذِبُّ وَلا خُطَى = تَسْعَى وَلا قَومًا لِنَصْرِكَ ثَارُوا
فَنَهَضْتَ تَحْمِلُ مِنْ نَوَائِبِ بَأْسِهِمْ = مَا لا يُطِيقُ الجَحْفَلُ الجَرَّارُ
فَرْدًا وَقَفْتَ وَحَولَكَ الأَشْرَارُ = وَدَمًا نَزَفْتَ وَمَا أَجَارَكَ جَارُ
تَبكِي لِشَأْفَتِكَ الجِرَاحُ وَيَشْتَكِي = نَقْصُ السِّلاحِ وَيَأْسَفُ الإِنْكَارُ
وَعَلَى مَلامِحِكَ البُطُولَةُ فُصِّلَتْ = مَا أَوجَزَتْ فِي وَصْفِهَا الأَسْفَارُ
ظَنُّوكَ يَومَ سَغبْتَ أَنَّكَ خَائِرٌ = وَقَضَوا بِذَلِكَ يَومَ طَالَ حِصَارُ
وَلَوِ اهْتَدَوا مَا دَلَّ فِيكَ لأَدْرَكُوا = أَنَّ النُّكُوصَ عَنِ الشَّهَادَةِ عَارُ
وَبِأَنَّكَ البَطَلُ الهُمَامُ سِلاحُهُ = عَزْمُ الكُمَاةِ وَخَيلُهُ الإِصْرَارُ
وَبِأَنَّ جَذْرَكَ فِي تُرَابِكَ رَاسِخٌ = لا السَّيلُ يَقْلَعُهُ وَلا الإِعْصَارُ
مَنْ أَسَّسَ البَيتَ الأَبِيَّ عَلَى الهُدَى = وَطَغَى الرَّدَى فَالبَيتُ لا يَنْهَارُ
وَالرِّيحُ إِنْ تَعْصِفْ بِغَيظِ زَفِيرِهَا = تَبْقَ الصُّخُورُ وَتَمَّحِ الآثَارُ
وَالليلُ مَهمَا طَالَ زَالَ وَإِنْ دَجَا = وَتَسَاقَطَتْ عَنْ تُوتِهِ الأَسْرَارُ
إِنْ كَانَ بِالفُسْفُورِ ضَاءَ مُزَمْجِرًا = فَالقَهْرُ لا تَعْنُو لَهُ الأَحْرَارُ
وَسَيَعْلَمُ البَاغُونَ أَنَّ نَهَارَهُمْ = نُورٌ لَهُمْ وَعَلَى العَدَاوَةِ نَارُ
مِنْ كُلِّ مَنْ رَكِبَ الحَمَاقَةَ صَهْوَةً = وَالغَدْرَ نَهْجًا بِاللِسَانِ يُثَارُ
وَمِنَ المُعِينِ عَلَى السِّنِينِ وَلا يَدٌ = إِلا يَمِينٌ لِلأَذَى وَيَسَارُ
قَدْ أَظْهَرُوا كَأْسَ المَلامِ وَأَضْمَرُوا = كَأْسًا تُدَبَّرُ بَيْنَهُمْ وَتُدَارُ
وَرَأَوكَ تَتَّخِذُ الجِهَادَ شَعِيرَةً = فَتَذَرَّعُوا بِالعَقْلِ وَهْوَ شِعَارُ
إِذْ أَسْلَمُوكَ إِلَى العَدُّوِ وَقَدْ رَجَوا = أَنْ يَسْحَقُوكَ مِنَ الوُجُودِ فَبَارُوا
قَدَرُوا لَهُمْ دَعْمَ الحَلِيفِ وَقَدَّرُوا = أَنْ لَيسَ تَمضِي لَيلَةٌ وَنَهَارُ
فَأَذَالَهُمْ أَنَّ اللُيُوثَ تَحَرَّرَتْ = وَأَذَلَّهُمْ بِالنَّصْرِ الاسْتِكْبَارُ
لا الجُبُّ أَنْجَى المُرْجِفَاتِ وَلا دَمٌ = وَأَتَتْ سَنَابِلَ نَصْرِهِ تَمْتَارُ
يَا مَنْ سَقَانَا العِزَّ كَأْسَ كَرَامَةٍ = مِنْ بَعْدِ أَنْ ظَمِئَتْ بِنَا الأَعْمَارُ
كِدْنَا نَظُنُّ المَجْدَ أَرْمَلَ تِبْرُهُ = حَتَّى أَتَاكَ المَجْدُ وَهْوَ نُضَارُ
سَطَّرْتَ مَلحَمَةَ الصُّمُودِ عَقِيدَةً = بِدَمٍ يَسِيلُ وَهِمَّةٍ تشْتَارُ
وَسَمَوتَ فَوقَ الجُرْحِ تَحْتَملُ الأَذَى = وَأَتَيتَ مَا فِيهِ العُقُولَ تَحَارُ
وَسَلَكْتَ دَرْبَ النَّصْرِ سَرْجُ عُيُونِهَا = شَوْكٌ وَنَسْجُ مُتُونِهَا أَخْطَارُ
فَكَأَنَّهَا الفُرْقَانُ أَبْلَجَ نُورَهَا = هِمَمٌ مِنَ العَزْمِ الأَبِيِّ كِبَارُ
فِيهَا المَلائِكَةُ الكِرَامُ تَنَزَّلَتْ = بِالنَّاصِرَاتِ وَسَحَّتِ الأَمْطَارُ
وَتَحَدَّثَتْ عَينُ الزَّمَانِ وَدَمْعُهَا = بِالنَّصْرِ لَمَّا زَاغَتِ الأَبْصَارُ
وَسَرَتْ بِذِكْرِكَ أَبْجَدِيَّةُ شَاعِرٍ = إِنْ قَامَ يَمْدَحُ تَعْجَزِ الأَشْعَارُ
وَغَدَتْ لِغَزَّةَ فِي النُّفُوسِ مَهَابَةٌ = وَمَكَانَةٌ لا تُدْرِكُ الأَمْصَارُ
وَغَدًا إِلَى القُدْسِ الحَبِيبَةِ جَحْفَلٌ = مِنْ مِثْلِهِمْ فَاسْتَبْشِرِي يَا دَارُ
هَذَا اجْتِبَاءُ اللهِ يَنْصُرُ دِينَهُ = وَاللهُ جَلَّ جُنُودَهُ يَخْتَارُ
بك لا بغيرك للإباء يشار = وبمثل كفك تكتب الأقدار
وعلى مدارك في انعتاقك للعلا = تقفو الشموس وتتبع الأقمار
يا من بكى اللاهون نزفك دافقا = فأبيت إلا أن يصون وقار
واستمرأ العادون قصفك حارقا = بشواظهم فصمدت وهي النار
نار كأن الحقد سجر سيلها = والغيظ ألهب ما أغل أوار
يرمون لا يلوون لا يسعى بهم = إلا الدمار الفج والإضرار
قد أغلقوا سبل الفضاء وأطلقوا = حمم القضاء وسيقت الأعذار
جاءوك من بر ومن بحر ومن = جو كما الغربان فوقك طاروا
ركبوا جناح الريح وهي غريرة = وغدوا عن الآفاق وهي غبار
ورموا صواريخ الجنون بخدعة = غارت بها الأنفاس حين أغاروا
قصفوا المساجد والمدارس والربى = حتى تمزق في الديار دمار
وتنفس البارود أرواحا همت = زمرا يكلل مفرقيها الغار
وطغوا فما بشر ولا حجر نجا = منهم ولا شجر ولا أطيار
ودهتك أهوال وحسبك محنة = لولا اليقين لطاشت الأفكار
لجج من الموت الزؤام وسطوة = بالطائرات وليس ثم قرار
لو أبصرت عين الحروب لفزعت = ولهان في عين الهلاك تتار
لكن عينك والمنون محدق = قرت بما وعد الورى القهار
فرت قلوب الناظرين مهابة = مما رأيت وما رآك فرار
ووقفت أنت وفي فؤادك غزة = وعلى جبينك عزة وفخار
وأبيت أن يطأ العرين من افترى = إن الليوث على العرين تغار
وعلمت أن عرى الأخوة أخلفت = وبغير كفك لا يقال عثار
ورأيت لا سيفا يذب ولا خطى = تسعى ولا قوما لنصرك ثاروا
فنهضت تحمل من نوائب بأسهم = ما لا يطيق الجحفل الجرار
فردا وقفت وحولك الأشرار = ودما نزفت وما أجارك جار
تبكي لشأفتك الجراح ويشتكي = نقص السلاح ويأسف الإنكار
وعلى ملامحك البطولة فصلت = ما أوجزت في وصفها الأسفار
ظنوك يوم سغبت أنك خائر = وقضوا بذلك يوم طال حصار
ولو اهتدوا ما دل فيك لأدركوا = أن النكوص عن الشهادة عار
وبأنك البطل الهمام سلاحه = عزم الكماة وخيله الإصرار
وبأن جذرك في ترابك راسخ = لا السيل يقلعه ولا الإعصار
من أسس البيت الأبي على الهدى = وطغى الردى فالبيت لا ينهار
والريح إن تعصف بغيظ زفيرها = تبق الصخور وتمح الآثار
والليل مهما طال زال وإن دجا = وتساقطت عن توته الأسرار
إن كان بالفسفور ضاء مزمجرا = فالقهر لا تعنو له الأحرار
وسيعلم الباغون أن نهارهم = نور لهم وعلى العداوة نار
من كل من ركب الحماقة صهوة = والغدر نهجا باللسان يثار
ومن المعين على السنين ولا يد = إلا يمين للأذى ويسار
قد أظهروا كأس الملام وأضمروا = كأسا تدبر بينهم وتدار
ورأوك تتخذ الجهاد شعيرة = فتذرعوا بالعقل وهو شعار
إذ أسلموك إلى العدو وقد رجوا = أن يسحقوك من الوجود فباروا
قدروا لهم دعم الحليف وقدروا = أن ليس تمضي ليلة ونهار
فأذالهم أن الليوث تحررت = وأذلهم بالنصر الاستكبار
لا الجب أنجى المرجفات ولا دم = وأتت سنابل نصره تمتار
يا من سقانا العز كأس كرامة = من بعد أن ظمئت بنا الأعمار
كدنا نظن المجد أرمل تبره = حتى أتاك المجد وهو نضار
سطرت ملحمة الصمود عقيدة = بدم يسيل وهمة تشتار
وسموت فوق الجرح تحتمل الأذى = وأتيت ما فيه العقول تحار
وسلكت درب النصر سرج عيونها = شوك ونسج متونها أخطار
فكأنها الفرقان أبلج نورها = همم من العزم الأبي كبار
فيها الملائكة الكرام تنزلت = بالناصرات وسحت الأمطار
وتحدثت عين الزمان ودمعها = بالنصر لما زاغت الأبصار
وسرت بذكرك أبجدية شاعر = إن قام يمدح تعجز الأشعار
وغدت لغزة في النفوس مهابة = ومكانة لا تدرك الأمصار
وغدا إلى القدس الحبيبة جحفل = من مثلهم فاستبشري يا دار
هذا اجتباء الله ينصر دينه = والله جل جنوده يختار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى