الفكرتربية واجتماعمناهج وعقائد

كيف تموت الفطرة

كيف تموت الفطرة دون ان يشعر الانسان من رجفة الضمير الى اعتياد الظلم والظلام

لا يستيقظ الإنسان في صباحٍ واحد فيجد فطرته قد ماتت. لا يسمع في داخله صوتًا يعلن أن القلب الذي كان يعرف قد فقد معرفته، ولا يرى بابًا يُغلق دفعةً واحدة بينه وبين الخير. يحدث الأمر بهدوءٍ أشد خطرًا؛ تتراجع رجفةٌ صغيرة هنا، ويُسكَت اعتراضٌ داخلي هناك، ويُقبل اليوم ما كان يثير النفور بالأمس، ثم تتكرر الأشياء حتى لا تعود النفس تراها غريبة. وحين يلتفت الإنسان بعد زمن، قد لا يشعر أنه انحرف عن طبيعته الأولى، بل يظن أن ما صار إليه هو النضج والواقعية وفهم الحياة.

إن موت الفطرة، هَذَا المعنى، ليس فناءً كاملًا لما أودعه الله في الإنسان، بل طمسه تحت طبقاتٍ من العادة والهوى والتبرير والخوف. تظل في الأعماق قابليةٌ للعودة، كما تظل البذرة تحت أرضٍ قاسية تنتظر ماءً يشق عنها التراب. لكنها قد تفقد قدرتها على مخاطبة صاحبها بوضوح، حتى يصبح المعروف الذي كانت تطمئن إليه ثقيلًا عليها، والمنكر الذي كانت تضيق به مألوفًا لا يوقظ فيها شيئًا. وهنا تكمن المأساة؛ فالإنسان لا يشعر دائمًا أنه يخسر نفسه، لأنه يتكيف مع كل خسارةٍ صغيرة قبل أن تأتي التي بعدها. العين التي تخرج فجأةً من النور إلى الظلام تنقبض، لكنها إذا بقيت فيه زمنًا اعتادت العتمة، وصارت ترى ما يكفي للحركة داخلها. لا يعود الظلام مشكلةً تحتاج إلى الخروج منها، بل يصبح البيئة التي تعلّمت العين أن تعمل وفق شروطها.

“موت الفطرة ليس فناءً كاملًا، بل طمسٌ تحت طبقاتٍ من العادة والهوى والتبرير والخوف.”

الفطرة في التصور الإسلامي ليست مزاجًا بريئًا يجعل كل ما يميل إليه الإنسان صحيحًا، ولا هي مجموع غرائزه ورغباته الأولى. فالجوع فطري، لكنه لا يجعل كل طعامٍ حلالًا، والغضب طبيعي، لكنه لا يبرر الظلم، وحب البقاء مركوزٌ في النفس، لكنه لا يجعل الجبن فضيلة. ليست الفطرة إذن مرادفًا للعفوية، لأن الإنسان قد يتصرف بعفويةٍ انطلاقًا من شهوةٍ أو خوفٍ أو أنانية. الفطرة أعمق من ذلك؛ هي الاستعداد الأصلي لمعرفة الله وقبول الحق، والميل إلى المعنى والعدل والرحمة والصدق، والنفور الأول من الظلم والخيانة والقبح المعنوي قبل أن تتدخل المصالح فتفسد الميزان. إنها قابلية الإنسان لأن يسمع نداء الوحي حين يأتيه، وأن يجد في الخير شيئًا يوافق أصل خلقه، وفي الشر اغترابًا عن نفسه ولو زيّنه الهوى. ولهذا قال الله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. لم تجعل الآية كل ما يصدر عن الناس فطريًّا، بل أشارت إلى أصلٍ أودعه الله فيهم، قد يُصان وقد يُطمس، وقد تهديه الرسالة وقد تحجبه البيئة. والفطرة لا تستغني عن الوحي؛ فهي كالعين القابلة للرؤية، والوحي كالنور الذي يكشف لها الطريق. قد تميز العين بعض المعالم، لكنها لا تخلق الضوء من ذاتها، وقد يشعر القلب بقبح الظلم إجمالًا، لكنه يحتاج إلى الهداية كي يعرف تفاصيل العدل وحدوده حين تختلط عليه المصالح.

أما العادة فهي ما تكتسبه النفس بالتكرار حتى يسهل عليها فعله أو قبوله. وقد تكون العادة حارسةً للفطرة؛ كاعتياد الصلاة، والصدق، والرحمة، وضبط اللسان. وقد تكون حجابًا عليها؛ كاعتياد الكذب، أو مشاهدة القسوة، أو سماع السخرية من الضعفاء، أو السكوت عن الباطل. العادة لا تسأل عن أصل الفعل، بل تجعل المكرر مألوفًا، والمألوف أقل إثارةً للانتباه والمقاومة. ومن هنا لا تكون المشكلة في العادة نفسها، بل في الجهة التي تقود إليها. فالفضيلة التي تتحول إلى عادةٍ صالحة تمنح الإنسان قوةً حين تضعف إرادته، أما الرذيلة التي تصبح معتادةً فتسلبه القدرة على رؤيتها. في البداية يرتكب الإنسان الخطأ وهو يشعر أنه غريبٌ عنه، ثم يكرره فيصبح هو والخطأ أقل تباعدًا، حتى يأتي وقتٌ لا يعود يراه شيئًا خارج شخصيته، بل جزءًا مما يسميه «طبعي».

كثيرٌ مما يسميه الإنسان طبعًا ليس إلا عادةً طال عليها الزمن حتى نُسي تاريخها. قد يقول: أنا عصبي، وكأن الغضب قدرٌ خُلِق معه، بينما يكون قد درّب نفسه سنواتٍ على الانفجار عند كل مخالفة. وقد يقول: أنا لا أثق بأحد، كأن سوء الظن بصيرة، مع أنه كرر تفسير أفعال الناس بأسوأ الاحتمالات حتى صار الشك الطريق الوحيد الذي يعرفه عقله. وقد يقول: هكذا هي التجارة أو السياسة أو الإدارة، لأنه اعتاد ظلمًا شائعًا حتى توهم أن شيوعه حوّله إلى قانونٍ طبيعي. الفطرة تسأل: ما الحق؟ أما العادة فتقول: ما الذي اعتدناه؟ والفطرة تنزعج حين ترى الإنسان يُهان، أما العادة فقد تتعلم أن الإهانة جزءٌ طبيعي من التربية أو الإدارة أو الزواج أو الحكم. والفطرة ترى الضعيف إنسانًا، أما البيئة المعتادة على التمييز فقد تعيد تصنيفه بوصفه أقل استحقاقًا للكرامة.

ولا تبدأ الانحرافات الكبرى غالبًا بقرارٍ كبير. قليلون هم الذين يختارون منذ البداية أن يصبحوا كاذبين أو فاسدين أو قساة. تبدأ المسافة بخطوةٍ قابلة للتبرير؛ كذبةٌ صغيرة لتجنب الإحراج، ومجاملةٌ لباطلٍ خوفًا من الخلاف، واستفادةٌ محدودة من حقٍّ ليس لصاحبها، وسكوتٌ عن ظلمٍ لا يصيبها مباشرة، ونظرةٌ محرمة يقال إنها عابرة، وكلمةٌ جارحة يخففها الغضب. في المرة الأولى يكون الضمير واضحًا؛ يعرف الإنسان أنه تجاوز الحد. لكنه لا يريد أن يرى نفسه مخطئًا، فيبدأ العقل عمله لا بوصفه باحثًا عن الحقيقة، بل محاميًا عن الرغبة. يقول: الجميع يفعل ذلك، أو إن الضرورة اقتضت، أو إن الخطأ بسيط، أو إن الطرف الآخر يستحق، أو إن الظروف أقوى مني. وقد يكون في بعض الأعذار جزءٌ من الحقيقة، لكن وظيفتها الأساسية ليست الفهم، بل تخفيف الصدام بين الفعل وصورة الإنسان عن نفسه. وإذا تكرر الفعل، تكرر معه العذر. ثم لا يعود العذر جملةً تأتي بعد الخطأ، بل يصبح جزءًا من الاستعداد له. يعرف الإنسان قبل أن يفعل بأي حجةٍ سيدافع عن نفسه، فيسقط آخر حاجزٍ كان يؤخره. وفي مرحلةٍ لاحقة لا يعود محتاجًا إلى التبرير، لأن ما كان خطأً استثنائيًّا دخل في تعريفه لما هو طبيعي ومقبول.

إن الضمير لا يفقد حساسيته لأن الحق تغير، بل لأنه تعرّض للمخالفة من غير توبةٍ صادقة مراتٍ كثيرة. وكما يتكون الصدأ على الحديد من طبقاتٍ رقيقة لا تُرى في كل لحظة، تتكون على القلب طبقةٌ بعد طبقة حتى تحجب عنه صفاء الرؤية. يقول الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. لم يكن الران شيئًا مفروضًا عليهم من خارج أعمالهم؛ كان أثرًا متراكمًا لما كسبوه. ولا يقتصر أثر الذنب على تسجيل فعلٍ في الماضي، بل يعيد تشكيل القدرة على الحكم في المستقبل. فالإنسان الذي ينتفع بالكذب يصبح أقل رغبةً في رؤية قبحه، لأن الاعتراف بقبحه يهدد مصلحته وصورته. والذي يعيش من نظامٍ ظالم يطور غالبًا فلسفةً تشرح لماذا ليس النظام ظالمًا، أو لماذا لا يمكن تغييره، أو لماذا يستحق ضحاياه ما يقع عليهم. لا يتغير رأيه دائمًا لأن دليلًا جديدًا ظهر، بل لأن موقعه من الحقيقة تغير. وهذا هو المعنى العميق لفساد الفطرة؛ أن تصبح المصلحة قادرةً على إعادة تعريف الخير والشر في داخل الإنسان. لا يعود الضمير حكمًا على الرغبة، بل تصبح الرغبة محررًا يكتب للضمير أحكامه. فإذا فعل الإنسان ما يريد بحث بعده عن قيمةٍ تبرره، وربما وجد في الدين أو القانون أو العلم أو العرف كلماتٍ يستخدمها ستارًا لما قرره هواه مسبقًا.

“الخطأ الصغير لا يصبح خطيرًا بحجمه وحده، بل بالاتجاه الذي يدرب النفس عليه.”

والخطأ الصغير لا يصبح خطيرًا بحجمه وحده، بل بالاتجاه الذي يدرب النفس عليه. قد يكون المال الذي أخذه الموظف قليلًا، لكن الفعل علّمه أن الأمانة قابلة للتفاوض. وقد تكون الكذبة بسيطة، لكنها علمته أن الحقيقة يمكن أن تُعدل بحسب الحاجة. وقد تكون الإهانة كلمةً واحدة، لكنها جعلته يختبر قدرته على جرح إنسانٍ من غير أن يدفع ثمنًا. كل تجاوزٍ لا يُراجع يرسم للنفس طريقًا أسهل إلى التجاوز التالي. في البداية يحتاج الفعل إلى شجاعةٍ ضد الضمير، ثم يصبح الامتناع عنه هو الذي يحتاج إلى شجاعة. وينتقل الإنسان من حالة يقاوم فيها الرذيلة إلى حالة يقاوم فيها من يذكره بأنها رذيلة. هنا يظهر أحد أوضح دلائل طمس الفطرة؛ الغضب من النصيحة أكثر من الغضب من الخطأ. لا يكره الإنسان فعلته، بل يكره من كشفها له. يشعر أن الناصح يعتدي على راحته وصورته، فيفتش عن عيوبه كي يسقط كلامه، أو يتهمه بالتشدد، أو يقارن خطأه بخطأ أكبر عند غيره. وبذلك تتحول المواجهة الأخلاقية من سؤال: هل ما قيل صحيح؟ إلى سؤال: من أنت حتى تقوله؟

قد يبقى الإنسان يعرف الحق نظريًّا، لكنه يفقد استعداده للخضوع له. وهذه مرحلةٌ أشد خطرًا من الجهل؛ لأن الجاهل يمكن أن يتعلم، أما من عرف ثم درب نفسه على المراوغة فقد أصبحت المعرفة عبئًا يريد التخلص منه. لا ينقصه الدليل بقدر ما تنقصه الإرادة التي تسمح للدليل أن يحكمه. وتؤدي البيئة دورًا بالغًا في هَذَا التحول. فالإنسان لا يبني ضميره في عزلة، بل يتعلم من لغة أسرته، ومكافآت مدرسته، وسلوك أصدقائه، وما يعرضه الإعلام، وما تسكت عنه المؤسسات. قد يُلقَّن في البيت أن الصدق فضيلة، لكنه يرى أباه يكذب في الهاتف ويطلب منه أن يقول إنه غير موجود. وحين يسأل عن التناقض يسمع أن هَذِه «مجاملة» أو «تصريف أمر». يتعلم من الفعل أن القيم قابلةٌ لإعادة التسمية حين تضيق بها المصلحة. وقد تدرّسه المدرسة الأمانة، ثم يرى الغش جماعيًّا، وربما يرى المعلم يتغاضى عنه حتى ترتفع نسبة النجاح. يتعلم أن المؤسسة لا تريد الحقيقة التي تعلنها، بل النتيجة التي تحمي صورتها. وحين يدخل العمل يسمع شعارات النزاهة معلقةً على الجدار، لكنه يرى الترقية تذهب إلى صاحب الولاء لا صاحب الكفاءة، فيفهم أن الأخلاق لغةٌ احتفالية، وأن الحياة الحقيقية تعمل بقواعد أخرى.

تدخل هَذِه الازدواجية إلى الفطرة فتفسد قدرتها على الثقة بالقيم. لا يرفض الإنسان العدل لأنه لا يفهم جماله، بل لأنه يراه يُستعمل لتزيين الظلم. ولا يرفض الصدق لأنه يفضّل الكذب دائمًا، بل لأنه يرى الصادق يعاقَب والكاذب يكافَأ. ومع الزمن قد يقرر أن المبادئ أوهامٌ جميلة للصغار، وأن النضج يعني تعلم قوانين القوة والمصلحة. لكن البيئة لا تؤثر بما تفعله فقط، بل بما تسميه. اللغة من أقوى أدوات إعادة تشكيل الضمير. حين يُسمّى الجبن حكمة، والنفاق مرونة، والبخل تدبيرًا، والظلم حزمًا، والتجسس حرصًا، والتكبر هيبة، تبدأ المسافة بين الفعل وحقيقته بالاتساع. الاسم الجديد لا يغير طبيعة الفعل، لكنه يقلل مقاومة النفس له.

وقد يكون أول طريق إحياء الفطرة أن نستعيد أسماء الأشياء. أن نقول للكذب كذبًا ولو نفعنا، وللظلم ظلمًا ولو صدر من قريب، وللخيانة خيانةً ولو سُمّيت سياسة. لأن الإنسان لا يستطيع التوبة من شيءٍ لا يسمح لنفسه بتسميته خطأ. وحين تفسد اللغة، ينجو الذنب من الاعتراف قبل أن ينجو صاحبه من العقوبة. كما تعيد البيئة تشكيل الحساسية عن طريق التكرار. المشهد الذي يصدم الإنسان أول مرة يفقد أثره إذا تكرر بلا توقف. رؤية العنف والإهانة والسخرية قد تتحول إلى ترفيه، وتصبح معاناة الناس محتوى يمر بين إعلانين. يعتاد الإنسان مشاهدة الدموع حتى لا تعود تستدعي منه سوى حركة إصبعٍ إلى المقطع التالي. وليست المشكلة في أن يبكي لكل ما يرى؛ فالطاقة النفسية محدودة، والعالم أوسع من قدرة الفرد على حمل آلامه كلها. المشكلة أن تتراجع قدرة الألم الإنساني على تذكيره بإنسانية صاحبه، وأن يصبح موت الناس رقمًا أو مادةً للانتصار السياسي أو المذهبي. حين يفرح الإنسان بمصيبة خصمه لا لأن ظلمًا انتهى، بل لأن إنسانًا يتألم، يكون شيءٌ عميق في الفطرة قد تعرض للتشويه.

ويزداد خطر البيئة حين تكون الجماعة كلها متواطئةً على الانحراف. الفرد قد يشعر أولًا بأن أمرًا ما خطأ، لكنه يرى الجميع يفعلونه، فيشك في حكمه الداخلي. يتساءل: هل يمكن أن أكون وحدي على صواب؟ ثم يتعلم أن سلامته الاجتماعية تتطلب منه ألا يرى أكثر مما ترى الجماعة. فإذا تكلم عوقب بالسخرية أو العزل، فيبدأ بالصمت، ثم ينتقل من الصمت إلى القبول، ومن القبول إلى الدفاع. فالإنسان لا يخشى الألم الجسدي وحده، بل يخشى أن يُطرد من جماعته وأن يفقد انتماءه. ولهذا قد يشارك في ظلمٍ لا يريده كي يثبت ولاءه، أو يضحك على سخريةٍ تؤلمه كيلا يبدو مختلفًا، أو يردد اتهامًا لا يصدقه حتى لا يُتهم بالانحياز إلى الخصم. ومع كل تنازلٍ صغير ينكمش صوت الفطرة أمام صوت الجماعة. وقد تتحول الجماعة الدينية نفسها إلى بيئةٍ تطمس الفطرة إذا جعلت الولاء لها أعلى من العدل. فإذا اعتدى قريبٌ منها بحثت عن الأعذار، وإذا أخطأ خصمٌ لها وسعت الخطأ حتى يشمل طائفته أو فكرته كلها. وحين يطالب فردٌ بالإنصاف قيل له إنه يضعف الصف أو يفرح العدو. هكذا يُربى الإنسان على أن الحق يتغير بتغير الفاعل، مع أن الفطرة السليمة تعرف أن الظلم لا يصير عدلًا لأن صاحبه منا.

والبيئة الحديثة لا تسكن البيت والشارع فقط، بل تدخل الجيب وترافق الإنسان في خلوته. الخوارزميات تعرض عليه ما يثيره ويثبت بقاءه، فتكرر أمامه نوعًا واحدًا من الصور واللغة والانفعالات. ومع الزمن يظن أن ما يراه هو العالم كله، وأن ما يردده أهل دائرته حقيقةٌ لا تحتاج إلى فحص. تستطيع الشاشة أن تجعل القسوة عادية، والخصوصية سلعة، والجسد مشهدًا مستهلكًا، والسخرية أسلوب تواصل، والمقارنة المستمرة طريقةً لتقييم الذات. لا تقول للإنسان مباشرةً: افقد حياءك أو رحمتك، لكنها تعرض عليه كل يوم جرعاتٍ صغيرةً مما يضعفهما، حتى يصبح ما كان يستحي منه محتوى عاديًّا، وما كان ينكره في نفسه حقًّا شخصيًّا لا يجوز لأحد مناقشته. وليس معنى ذلك أن كل تغيرٍ في الأعراف موتٌ للفطرة، أو أن كل ما ألفه السابقون كان أقرب إلى الحق. فالبيئات القديمة حملت هي الأخرى ظلمًا وعصبياتٍ وعاداتٍ شوهت الإنسان. وقد يتمرد المرء على عادةٍ اجتماعية لا لأنها فضيلة، بل لأنها ظلمٌ لُبِّس ثوب الفطرة. لا يجوز أن نستعمل كلمة الفطرة لتقديس المألوف، كما لا يجوز أن نستعمل الحرية لتبرير كل رغبة.

“الفطرة السليمة تُختبر بالوحي، والعقل، والعدل، والأثر.”

ولهذا يجب التفريق بين الفطرة والعرف. الفطرة أصلٌ إنساني أخلاقي يتلقى هدايته من الوحي، أما العرف فتجربة مجتمعٍ قد تصيب وقد تخطئ. ربما يستقبح المجتمع أمرًا لا قبح فيه لأنه يخالف عادته، ويقبل ظلمًا واضحًا لأنه توارثه. ليست كل مشاعر النفور دليل فطرة؛ فقد ينفر الإنسان من لونٍ أو طبقةٍ أو قبيلة لأن بيئته علمته التعصب. المعيار إذن لا يكون الشعور وحده. الفطرة السليمة تُختبر بالوحي، والعقل، والعدل، والأثر. قد يشعر المرء براحةٍ لفعلٍ أناني لأنه اعتاده، ولا تجعل الراحة الفعل صحيحًا. وقد يشعر بثقلٍ عند قول الحق لأنه يخاف نتائجه، ولا يجعل الثقل الحق باطلًا. ليس كل ما يريح النفس من الفطرة، فقد يريحها الهروب، وليس كل ما يؤلمها ضد الفطرة، فقد تؤلمها التوبة لأنها تنتزع منها عادةً أحبتها.

ما علامات الفطرة السليمة إذن؟ أولها أن يبقى الإنسان قادرًا على رؤية نفسه متهمًا. الفطرة الحية لا تمنحه براءةً دائمة، بل تجعله قادرًا على الشك في دوافعه، والاعتراف بأن الخطأ قد يأتي منه لا من الآخرين فقط. أما القلب المطموس فيبني لنفسه نظامًا متكاملًا من الأعذار، يرى فيه نفسه دائمًا ضحيةً أو بطلًا، ولا يكون مسؤولًا إلا عن حسن نيته. ومن علاماتها أن يشعر الإنسان بألم الظلم ولو لم يقع عليه، وألا يحتاج إلى معرفة هوية المظلوم قبل أن يقرر إن كان يستحق الإنصاف. الفطرة السليمة لا تعني أن تتساوى المشاعر تجاه القريب والبعيد، فالإنسان يتألم لقريبه أكثر بحكم المحبة، لكنها تمنعه من إنكار إنسانية البعيد أو تبرير ما لو وقع على أهله لسمّاه جريمة. ومن علاماتها أن يبقى للذنب طعمٌ مر، حتى إذا غلبت النفس صاحبها. ليس السليم من لا يخطئ، فذلك ليس شأن البشر، بل من لا يستطيع أن يحول خطأه إلى فضيلة كي يرتاح. قد يضعف ويقع، لكنه يعرف أنه وقع، ويشعر أن العودة إلى الله نجاة لا إذلال.

ومن علاماتها الحياء؛ لا الحياء الاجتماعي الذي يخشى الفضيحة فقط، بل حياء السر، حين يشعر الإنسان أن بعض الأفعال لا تليق به ولو ضمن ألَّا يراه أحد. فالذي لا يمنعه عن الخطإ إلا خوف الناس لم تتجذر القيمة في داخله بعد. أما الفطرة الحية فتستشعر نظرة الله وكرامة النفس قبل نظرة المجتمع. ومن علاماتها الرحمة التي لا تلغي العدل، والعدل الذي لا يتحول إلى قسوة. فقد يظن بعض الناس أن رقة القلب ضعف، أو أن الحزم يقتضي إغلاق باب الشفقة. لكن الفطرة السوية تستطيع أن تعاقب من غير شماتة، وأن ترفض الخطأ من غير أن تتلذذ بإذلال المخطئ، وأن ترى في المذنب إنسانًا مسؤولًا لا كائنًا خرج من دائرة الإنسانية. ومن علاماتها القدرة على الدهشة أمام الخير. فكما تفقد الفطرة حساسيتها تجاه الشر، قد تفقد قدرتها على التعرف إلى الجمال الأخلاقي. يصبح الوفاء سذاجة، والإيثار غباء، والعفة كبتًا، والتواضع ضعف شخصية. فإذا صار الإنسان لا يفسر كل عملٍ نبيل إلا بمصلحةٍ خفية، فقد لا يكون قد اكتسب بصيرةً واقعية، بل فقد القدرة على تصديق أن الخير ممكن. ومن علاماتها كذلك التواضع أمام الحقيقة. القلب السليم لا يفرح بخطئه لمجرد أن الاعتراف به مؤلم، ولا يرى الرجوع هزيمة. يستطيع أن يقول: أخطأت، ولم أفهم، وكنت ظالمًا. هَذِه الكلمات ثقيلةٌ على الأنا، لكنها خفيفةٌ على الفطرة؛ لأنها تعيد الإنسان إلى موقعه الصحيح، عبدًا يطلب الحق لا إلهًا يصنعه.

أما أخطر علامات الفطرة المطموسة فهي انقلاب الموازين؛ أن يفخر الإنسان بما كان يخجل منه، وأن يحتقر ما كان ينبغي أن يتشرف به، وأن يسخر من الطيب لأنه لم يتعلم الخداع، ويعجب بالمتلاعب لأنه «يفهم الحياة». عندها لا يكتفي الانحراف باحتلال السلوك، بل يطالب بتغيير أسماء الفضائل والرذائل حتى يصبح هو المعيار. وقد يصل الإنسان إلى مرحلةٍ لا يكتفي فيها بفعل الخطإ، بل يضيق بمن يمتنع عنه. وجود المستقيم يذكره بما لا يريد أن يتذكره، فيتهمه بالتصنع أو التعقيد، ويحاول جره إلى المستوى نفسه. فالانحراف الذي لم يطمئن إلى نفسه يحتاج إلى جماعةٍ تؤكده؛ وكلما كثر المشاركون فيه بدا أقل قبحًا. ولهذا قد يكون بقاء شخصٍ واحد نزيهًا داخل مؤسسةٍ فاسدة مصدر إزعاجٍ للجميع، لا لأنه يهاجمهم، بل لأن مجرد وجوده يكشف أن ما يسمونه ضرورةً كان في بعضه اختيارًا. يثبت أن الإنسان يستطيع أن يرفض، فيسقط العذر الذي بنوا عليه راحتهم.

لكن الفطرة، مهما غطاها الران، ليست بابًا أُغلق إلى الأبد. ما دام الإنسان حيًّا يستطيع أن يسمع نداء العودة، وقد تأتيه الصحوة من موضعٍ لم يتوقعه؛ آيةٌ تمر على قلبه في لحظة صدق، أو موتٌ يكسر وهم الخلود، أو طفلٌ يسأله سؤالًا بريئًا فيكتشف مقدار ما شوهته الأعذار، أو مظلومٌ يرى في عينيه أثر فعلته، أو خلوةٌ يسقط فيها ضجيج الجماعة فيسمع نفسه للمرة الأولى. إحياء الفطرة يبدأ بالصدق؛ لا بكثرة الشعارات، ولا بتجميل الصورة الدينية أمام الناس. أن يجلس الإنسان مع نفسه من غير محامٍ داخلي، ويسأل: ما الشيء الذي أعرف في أعماقي أنه خطأ، لكنني أغير اسمه كي أستمر فيه؟ من الذي ظلمته ثم اختبأت خلف تفسيرٍ مريح؟ ما العادة التي كنت أقاومها ثم أصبحت أدافع عنها؟ وما العمل الذي لو فعله خصمي لحكمت عليه حكمًا آخر؟

هَذِه المكاشفة ليست دعوةً إلى احتقار الذات، بل إلى تحريرها من الكذب. التوبة لا تبدأ من كراهية الإنسان لنفسه، بل من إيمانه بأن نفسه تستحق أن تُنقذ مما صارت إليه. والذي يرى الخطأ كله هويته قد ييأس، أما الذي يراه طبقةً تراكمت على أصلٍ قابلٍ للتطهير يستطيع أن يعود. ثم تأتي التوبة بمعناها الكامل؛ توقفٌ عن الفعل، وندمٌ يعيد الحساسية إلى القلب، وعزمٌ على ألا يبقى الخطأ نظام حياة، وردٌّ للحقوق حيث تعلقت بالناس. ليست التوبة كلمةً تريح الضمير ثم تسمح له بالعودة إلى العادة نفسها، بل كسرٌ للمسار الذي كان يقوده إلى القسوة. والندم ليس مرضًا ينبغي التخلص منه دائمًا. ثمة ندمٌ سام يحطم الإنسان ويقنعه أنه لا يستحق الرحمة، وثمة ندمٌ رحيم تؤلمه بقدر ما يدفعه إلى الإصلاح. الفطرة الحية لا تريد أن تبقي الإنسان سجين الماضي، لكنها لا تسمح له بتجاوز الماضي من غير تحمل مسؤوليته.

” ويحتاج الأمر كله إلى التدرج؛ لأن الفطرة التي طُمست خلال سنوات قد لا تستعيد حساسيتها كلها في لحظة.”

ويأتي القرآن في قلب الإحياء؛ لا بوصفه نصًّا يُتلى لتحصيل الثواب وحده، بل مرآةً تعيد تسمية الأشياء وتضع الإنسان أمام موازين لم يصنعها هواه. يحتاج إلى قراءةٍ لا يبحث فيها كل مرة عن خطإ الآخرين، بل يسمح للآية أن تدخل إلى موضع دفاعه عن نفسه. فكم من إنسانٍ يقرأ آيات المنافقين والظالمين وهو يتخيل خصومه، ولا يسأل أيُّ نصيبٍ من أوصافهم يسكن في سلوكه. القرآن يحيي الفطرة لأنه يخاطب ما وراء الأقنعة؛ يذكّر الإنسان بفقره حين ينتفخ، وبمسؤوليته حين يتذرع بالقدر، وبالآخرة حين يختزل الحياة في المكسب القريب. ويعيده إلى الأسئلة الأولى التي تطمسها العادة؛ من أنا؟ ولمن أعيش؟ ومن الذي سيرى عملي إذا نجحت في خداع الناس جميعًا؟

وتأتي الصلاة بوصفها إعادة ضبطٍ متكررة للاتجاه. يقف الإنسان مراتٍ في يومه أمام الله، لكن الصلاة قد تتحول هي الأخرى إلى عادة جسدية لا توقظ الفطرة. إحياؤها يقتضي أن يستعيد معناها؛ أن يقطع اندفاعه في العالم، ويقف بلا لقبٍ ولا جمهور، ويعترف في كل ركعةٍ بأنه عبدٌ يحتاج إلى الهداية، لا إنسانٌ اهتدى مرةً وانتهى. وللصيام أثرٌ مشابه؛ فهو يكشف أن كثيرًا مما يسميه الإنسان ضرورةً ليس إلا عادةً قوية. يمتنع عن المباح ساعاتٍ بأمر الله، فيتعلم أن الرغبة ليست حجةً ملزمة، وأن النفس تستطيع أن تقول لا. وهذا التدريب يعيد إليها القدرة على مقاومة ما ظنت أنها لا تستطيع العيش من دونه. كما تحتاج الفطرة إلى خلوةٍ منتظمة؛ لا عزلةً تقطع الإنسان عن مسؤولياته، بل وقتًا يقل فيه ضجيج الأصوات. فالقلب الذي يتلقى رأي الجماعة والشاشة والعمل بلا توقف قد لا يعرف أي الأصوات صوته، وأي الرغبات زُرعت فيه. في الصمت تظهر الأسئلة التي كان الضجيج يمنعها؛ هل أنا راضٍ عما أصبحت؟ هل ما أطارده يستحق عمري؟ وهل ما أخشاه يستحق أن أبيع لأجله ضميري؟

وتحتاج كذلك إلى بيئةٍ تعينها. من الصعب على الإنسان أن يعيد حساسيته وهو غارقٌ كل يوم في المشاهد والرفقة التي أفسدتها. قد لا يملك تغيير مجتمعه كله، لكنه يستطيع أن يختار بعض ما يدخل قلبه؛ من يصاحبه، وما يشاهده، وأي مجالس يطيل البقاء فيها. فالتوبة التي لا تغير الطريق المؤدي إلى الذنب تترك صاحبها في معركةٍ غير متكافئة. والصحبة الصالحة ليست جماعةً تمنح الإنسان شعور التفوق على غيره، بل رفقةً تعينه على رؤية نفسه بصدق. الصديق الصالح لا يوافقه دائمًا، ولا يستعمل أسراره لإذلاله، بل يذكره حين ينسى، ويحفظ كرامته وهو يكشف له خطأه. وجود شخصٍ واحد يستطيع الإنسان أن يكون أمامه صادقًا قد يمنع تراكم أعوامٍ من الخداع.

ومن وسائل الإحياء العمل الخفي؛ صدقةٌ لا يعلمها أحد، وإحسانٌ لا ينتظر شكرًا، وصلاةٌ في غياب العيون، واعتذارٌ لا يُنشر. هَذِه الأعمال تحرر الخير من سوق الصورة الاجتماعية، وتعيد بناء العلاقة بين الإنسان وربه. فالذي تعود ألَّا يفعل إلا ما يراه الناس قد يحتاج إلى سرٍّ صالح يثبت لنفسه أن الخير ما زال ممكنًا خارج التصفيق. كما يحيي الفطرة الاحتكاك الحقيقي بمعاناة الناس. قد يتحدث الإنسان عن الفقر والمرض والظلم بوصفها مفاهيم، لكن رؤية الإنسان المبتلى والجلوس إليه يعيدان للمعنى وجهه. لا يكفي أن نتلقى العالم من خلف الشاشات، حيث يمكن الانتقال من مأساةٍ إلى طرفةٍ في ثانية. الرحمة تحتاج أحيانًا إلى قربٍ بطيء يجعلنا نرى الإنسان لا الخبر. ويحييها رد المظالم. فبعض الناس يريد نقاءً روحيًّا من غير أن يعيد الحق إلى من أذاه. يكثر من الدعاء، لكنه يخشى الاعتذار، ويبحث عن الطمأنينة من غير أن يصلح الأثر الذي تركه في غيره. لا تستعيد الفطرة سلامتها كاملةً ما دامت منفعة الظلم باقيةً في اليد، أو كرامة المظلوم معلقةً بكلمةٍ يرفض الظالم قولها. ومن وسائل الإحياء كذلك مراجعة اللغة التي يستعملها الإنسان. عليه أن ينتبه إلى الكلمات التي يخفي خلفها الواقع؛ حين يقول «تصرفت بذكاء» بدل «خدعت»، أو «حافظت على مصلحتي» بدل «ظلمت»، أو «كنت صريحًا» بدل «تعمدت الإهانة». ليس المقصود جلد النفس بالألفاظ القاسية، بل منع اللغة من أن تصبح مخدرًا للضمير.

ويحتاج الأمر كله إلى التدرج؛ لأن الفطرة التي طُمست خلال سنوات قد لا تستعيد حساسيتها كلها في لحظة. وقد يشعر التائب في البداية بثقل الطاعة وجفاف القلب، فيظن أن عودته غير صادقة. لكن الشعور لا يسبق العمل دائمًا؛ أحيانًا يعمل الإنسان بالحق وهو ثقيل، ثم يعود القلب بعد أن يرى صدق الخطوات. فالعادة كما طمست الفطرة تستطيع، إذا تغير اتجاهها، أن تخدم إحياءها. المواظبة على الصدق تجعل الكذب أثقل، وغض البصر يعيد إلى العين حياءها، وضبط اللسان يعيد للكلمة وزنها، والوفاء بالعهد يجعل الخيانة غريبةً بعد أن كانت سهلة. لا يكفي أن ننتظر قلبًا نقيًّا كي نعمل، بل نعمل بالحق حتى يتطهر القلب بالعمل. ومع ذلك لا ينبغي أن يثق الإنسان بفطرته ثقةً تغنيه عن الوحي والمحاسبة. فقد يظن أن ما يرتاح إليه هو الحق، بينما تكون العادة قد أعادت تشكيل راحته. لذلك يحتاج دائمًا إلى ميزانٍ خارج هواه؛ نصٍّ صحيح، وعقلٍ منصف، وعالمٍ أمين، وصديقٍ صادق، وتأملٍ في نتائج الفعل على الناس.

كما لا يجوز أن يستعمل مفهوم الفطرة للحكم المتعجل على الناس. قد تكون فطرة إنسانٍ حيةً وهو يخوض صراعًا لا نراه، وقد يبدو آخر رقيقًا نقيًّا لأنه يحسن الأداء الاجتماعي بينما يخفي قسوةً في السر. لا يعلم حقائق القلوب إلا الله، والمطلوب أن نستعمل المفهوم في محاسبة أنفسنا وبناء التربية، لا في توزيع شهادات النقاء والفساد. الفطرة السليمة لا تعني البساطة الساذجة، ولا غياب الخبرة، ولا تصديق الجميع. قد يصبح الإنسان أكثر حذرًا بعد الألم من غير أن يموت قلبه، وقد يضع الحدود ويحمي نفسه ولا يكون قاسيًا. الرحمة لا تعني أن يسمح للناس باستغلاله، وحسن الظن لا يعني إلغاء الدليل، والعفو لا يعني ترك الظالم يكرر فعله. إنما الفرق في أن الخبرة لا تحوله إلى نسخةٍ من الذين آذوه. يتعلم من الخيانة، لكنه لا يجعل الخيانة قانونه. يعرف وجود الشر، لكنه لا يقرر أن الخير وهم. يحمي نفسه، لكنه لا يتلذذ بإيذاء غيره. وهذه من علامات الفطرة الحية؛ أنها تنضج من غير أن تتعفن، وتزداد معرفةً بالعالم من غير أن تفقد قدرتها على محبته وإصلاحه.

“موت الفطرة لا يقع حين يخطئ الإنسان، بل حين يعقد صلحًا نهائيًّا مع خطئه.”

أما موت الفطرة الحقيقي فيبدأ حين لا يعود الإنسان يخاف أن يصير ما كان يكرهه. يبرر لنفسه أنه اضطر، وأن العالم لا يسمح بغير ذلك، ثم ينسى أن كل عالمٍ فاسد صنعه أناسٌ قال كل واحدٍ منهم إنه لا يستطيع أن يكون مختلفًا. وحين يتكرر الاستسلام يصبح الشر بنيةً اجتماعية لا يحتاج أحدٌ فيها إلى أن يكون شريرًا استثنائيًّا؛ يكفي أن يؤدي كل شخصٍ دوره الصغير، وأن يمتنع عن السؤال. لهذا فإن إحياء الفطرة ليس مشروعًا فرديًّا فقط. الأسرة التي تعاقب الاعتراف وتكافئ إخفاء الخطإ تقتل حساسية أبنائها، والمدرسة التي تمجد الدرجة وتغض الطرف عن الغش تعلمهم أن القيمة في النتيجة، والمؤسسة التي ترفع شعار النزاهة وتحمي الفاسد تعيد تشكيل ضمير موظفيها. لا يمكن أن نطالب الفرد بالاستقامة داخل أنظمةٍ تعاقبه عليها ثم نعجب من انتشار الانتهازية.

نحتاج إلى بيئات تجعل الخير ممكنًا لا بطوليًّا في كل مرة؛ قوانين عادلة، ومحاسبة لا تميز، وتعليم يحترم السؤال، وإدارة تحمي من يكشف الخطأ، وإعلام لا يحول القسوة إلى ترفيه. فالفطرة تحتاج إلى مجاهدة شخصية، لكنها تحتاج كذلك إلى مؤسسات لا تضع صاحب الضمير أمام خيارٍ دائم بين البقاء والنزاهة. والإصلاح المؤسسي لا يغني عن إصلاح القلب؛ لأن أذكى الأنظمة يمكن التحايل عليها إذا اتفق الناس على فسادها. كما أن الوعظ الفردي لا يغني عن بناء المؤسسات؛ لأن أكثر الناس صلاحًا قد يضعفون تحت ضغط نظامٍ يكافئ الشر. الفطرة والبيئة تتبادلان التأثير؛ الإنسان يبني المجتمع، والمجتمع يعيد بناء الإنسان.

إن موت الفطرة لا يقع حين يخطئ الإنسان، بل حين يعقد صلحًا نهائيًّا مع خطئه، ويغلق باب العودة، ويطالب الحقيقة بأن تتغير كي تريحه. وما دام يشعر بوخزةٍ عند الظلم، أو حزنٍ بعد المعصية، أو حنينٍ إلى حالٍ أنقى، فإن في داخله بقية نور ينبغي ألَّا يحتقرها. قد تكون رجفة الضمير التي يراها ضعفًا هي آخر خيطٍ يربطه بنفسه الأولى. وقد يكون القلق الذي يريد تخديره رسالةً تقول له إن حياته لم تنسجم بعد مع ما خُلق له. ليس كل اضطرابٍ مرضًا ينبغي إسكاته؛ بعض الاضطراب رحمة، لأن القلب الميت لا يتألم من موته. ومن هنا يكون السؤال الأهم ليس: هل أخطأت؟ فكل إنسانٍ يخطئ، بل: ماذا فعل الخطأ بقدرتي على رؤيته؟ هل زادني تواضعًا وحذرًا، أم دفعني إلى صناعة مذهبٍ يبرره؟ وهل ما زلت أشعر أن الحق أعلى مني، أم صرت أعدّل الحق كلما خالفني؟

الفطرة لا تُحفظ بالبراءة التي لم تُختبر، بل بالعودة بعد الاختبار. وقد يكون التائب الذي عرف ظلمة الطريق ثم عاد أعمق إدراكًا لقيمة النور ممن عاش في بيئةٍ صالحة ولم يعرف بعد مقدار حاجته إلى الله. ليست العبرة بألا تتلوث القدم في الطريق، بل بألا يقنع الإنسان نفسه بأن الوحل هو الأرض الوحيدة الممكنة. وإن الله تعالى لم يخلق الإنسان ملائكيًا، بل خلقه قادرًا على السقوط والقيام، وعلى النسيان والتذكر، وعلى أن يدفن فطرته ثم ينبش عنها بصدق التوبة. ولهذا لم يكن تزكية النفس إعلانًا عن كمالها، بل عملًا مستمرًّا؛ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. والتدسية هي الإخفاء والدفن؛ كأن النفس الصالحة لا تختفي لأنها لم توجد، بل لأنها ووريت تحت ما ألقاه الإنسان عليها. ووسائل الإحياء كلها تبدأ من هَذَا اليقين؛ أن تحت الركام شيئًا يستحق الإنقاذ، وأن الله الذي كشف للإنسان مرضه لم يكشفه لييئسه، بل ليفتح له باب العلاج. وقد لا يعود إلى صورته الأولى كما لو أن شيئًا لم يقع، لكنه يستطيع أن يعود أكثر معرفةً بضعفه، وأقل غرورًا بسلامته، وأرحم بمن يتعثرون.

الفطرة الحية قلبٌ يستطيع أن يسمع الوحي من غير أن يحوله إلى شعار، ويرى الإنسان من غير أن تختصره هويته، وينظر إلى نفسه من غير أن يقدسها أو يحتقرها. قلبٌ يميز بين الضعف والتبرير، وبين الرحمة والتساهل، وبين الواقعية والاستسلام، وبين العادة والطبيعة. وحين تحيا الفطرة لا يصبح الإنسان معصومًا، بل يصبح سريع الرجوع. لا تختفي شهوته، لكن لا تتوج ملكةً عليه. لا ينعدم غضبه، لكنه لا يمنحه حق الظلم. لا يتوقف عن التأثر ببيئته، لكنه يحتفظ بمسافةٍ يسأل من خلالها إن كان المألوف حقًّا. ولا يصبح بعيدًا عن الناس، بل أقرب إلى إنسانيتهم، لأنه تحرر من الحاجة إلى استعمالهم وقودًا لمصلحته أو صورته.

وقد تموت الفطرة دون أن يشعر الإنسان لأن الموت هنا ليس صمتًا مفاجئًا، بل اعتيادٌ بطيء على أصواتٍ تغطي صوتها. تبدأ النجاة حين يوقف هَذَا الضجيج، ويسمي الأشياء بأسمائها، ويقبل ألم الاعتراف، ويغير البيئة التي تعيد إنتاج ضعفه، ثم يمشي إلى الله بأعمالٍ صغيرةٍ ثابتة تشبه الانحرافات الصغيرة التي أبعدته، لكنها تسير هَذِه المرة في الاتجاه الآخر. فكما لا تُدفن الفطرة بضربةٍ واحدة، لا تُستعاد غالبًا بقفزةٍ عاطفية واحدة. تُستعاد بصدقٍ يتكرر، وتوبةٍ تتجدد، وصلاةٍ تستعيد روحها، ونظرةٍ تُغض، وحقٍّ يُرد، وكلمةٍ يُعتذر عنها، ومظلومٍ يُنصف، وعادةٍ سيئة تُقطع، ورفقةٍ صالحة تُختار.

وفي كل خطوةٍ من هَذِه الخطوات يتراجع الران قليلًا، ويعود القلب قادرًا على الانزعاج مما ينبغي أن يزعجه، والاطمئنان إلى ما ينبغي أن يطمئنه. وليس أعظم من أن يسترد الإنسان هَذِه القدرة؛ أن يرى الخير خيرًا قبل أن يحسب مكسبه، والشر شرًّا ولو صفق له العالم، وأن يسمع في أعماقه صوتًا لم تصنعه العادة ولا الجماعة ولا المصلحة، بل بقي شاهدًا على الأصل الذي فطره الله عليه. عندها لا يعود سؤال الفطرة: هل ما أفعله شائع؟ ولا: هل أستطيع الإفلات من نتيجته؟ بل: ماذا يصنع هَذَا الفعل في قلبي؟ أيقربني من الإنسان الذي خُلقت لأكونه، أم يدربني بهدوءٍ على ألا أتعرف إليه حين أراه؟ فالفطرة لا تموت حين يسقط الإنسان، بل حين يفقد الرغبة في القيام، ولا تُبعث لأنه لم يخطئ، بل لأنه أبى أن يجعل خطأه وطنًا. وبين السقوط والاعتياد، وبين الندم والتبرير، وبين صحوة القلب وران العادة، يُكتب مصير الإنسان في أفعالٍ صغيرةٍ قد لا يراها أحد، لكنها تصنع في داخله ذلك الذي سيرى به العالم، ثم يلقى به الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى