ليس كل ما نرفعه فوق السؤال مقدسًا، وليس كل ما نخضعه للسؤال فاقدًا للحرمة. فقد يكون السؤال طريقًا إلى تعظيم الحقيقة، كما قد يكون الصمت ستارًا يحمي الباطل، وقد يظن الإنسان أنه يدافع عن الدين وهو في الحقيقة يدافع عن فهمه الخاص، أو عن سلطةٍ اكتسبها باسمه، أو عن عادةٍ اجتماعيةٍ طال عليها الزمن حتى لبست ثوب الوحي. ويقف المسلم أمام المقدس في مقامٍ بالغ الدقة؛ فهو لا ينظر إلى الوجود بوصفه مادةً عاريةً من المعنى، ولا يرى الإنسان سيدًا مطلقًا يضع الحقائق والقيم من عند نفسه. ثمة في رؤيته حقيقةٌ أعلى منه، ووحيٌ لا يستمد صدقه من تصويت الناس، وأوامر ونواهٍ لا تتحول إلى حق وباطل بحسب تبدل الأذواق. وفي هَذَا الإقرار جوهر العبودية؛ أن يعرف الإنسان أنه ليس مصدر الوجود ولا مالك الحقيقة ولا مشرّع الخير والشر من فراغ.
لكن الاعتراف بالمقدس لا يعني توسيع دائرته حتى يدخل فيها كل ما اتصل بالدين من أشخاصٍ ومؤسسات وتواريخ وعادات. فحين تختلط قداسة الوحي بهيبة تفسيرٍ بشري، أو تُنقل عصمة الرسالة إلى العلماء والجماعات والحكام، يتحول المقدس من نورٍ يهدي العقل إلى جدارٍ يمنعه من الرؤية. فالمشكلة إذًا ليست في وجود المقدس، بل في اضطراب الحدود بين ما هو إلهي وما هو بشري، وبين ما يجب التسليم له وما يجوز النظر فيه، وبين النص المعصوم والفهم القابل للصواب والخطأ. وكلما ضعفت هَذِه الحدود، صار الدفاع عن الدين دفاعًا عن طبقاتٍ من التاريخ والاجتهاد والمصلحة البشرية تراكمت حوله، حتى يكاد الإنسان لا يرى الأصل من كثرة ما أحاط به.
“حين تختلط قداسة الوحي بهيبة تفسير بشري يتحول المقدس من نور يهدي العقل إلى جدار يمنعه من الرؤية.”
في التصور الإسلامي ليس المقدس شعورًا غامضًا تمنحه الجماعة لما تحبه، بل يرتبط بما عظمه الله وأمر بصيانته؛ بالله سبحانه، وبوحيه، وبحرماته وشعائره، وبالكرامة التي جعلها للإنسان، وبالعهود والقيم التي أقام عليها الاستخلاف. غير أن تعظيم الوحي شيء، وتأليه الفهم البشري للوحي شيءٌ آخر. والخلط بينهما لا يحفظ الدين، بل يحمّله أخطاء البشر، حتى إذا اكتشف الناس خطأ تفسيرٍ أو فساد مؤسسة ظنوا أن الخلل في أصل الرسالة.
القرآن كلام الله، لكن كلام المفسر عن القرآن ليس قرآنًا. والسنة الصحيحة أصلٌ من أصول الهداية، لكن اجتهاد الفقيه في فهمها وتنزيلها ليس وحيًا جديدًا. والشريعة في مصدرها الإلهي حق، أما ما يبنيه البشر من قوانين ومؤسسات وسياسات باسمها فيظل عملًا بشريًّا يُوزن بمدى صدقه وعدله وصحة استدلاله. والعالم، مهما بلغ من العلم والتقوى، ليس امتدادًا للعصمة. يُحترم لعلمه، ويُرجع إليه في اختصاصه، ويُعرف له فضله، لكنه لا يتحول إلى حجابٍ بين المسلم والدليل. لقد تعلّم المسلمون أن العلماء يُستدل لأقوالهم ولا يُستدل بمجرد أسمائهم، وأن منزلة الإمام لا تمنع مراجعة اجتهاده، وأن الحق لا يصير حقًّا لأن رجلًا عظيمًا قاله، بل كان الرجل عظيمًا بقدر ما طلب الحق وأصاب منه.
غير أن الذاكرة الجماعية لا تحافظ دائمًا على هَذَا التوازن. فكل جماعة تميل إلى صناعة رموزٍ تمنحها الشعور بالثبات، وخاصةً في أزمنة الخوف والانكسار. وحين تتعرض الهوية الدينية للهجوم أو السخرية أو الاستعمار، قد يتحول الدفاع المشروع عنها إلى تقديسٍ لكل ما ورثه المجتمع، كأن نقد أي عادةٍ أو رأيٍ تاريخي تنازلٌ أمام الخصم. بهذا يختلط الدفاع عن القرآن بالدفاع عن كل كتابٍ تراثي، وحماية السنة بحماية كل ما نُسب إليها، واحترام العلماء بمنع مراجعة مناهجهم، وصيانة الهوية بتجميد المجتمع في صورةٍ واحدة من صور الماضي. يصبح كل تغييرٍ تغريبًا، وكل سؤالٍ تمردًا، وكل اجتهادٍ جديد مؤامرةً على الثوابت. لكن الأصالة ليست تكرار الأقدمين، بل الوفاء للأصل الذي حرّكهم. فالجيل الأول لم يكن أصيلًا لأنه قلّد جيلًا سابقًا، بل لأنه تلقى الوحي حيًّا، وفهم واقعه، واجتهد في تنزيل الهداية عليه. وإذا حوّلنا نتائج اجتهاده إلى قوالب أبدية، فقد نحفظ الأشكال ونخون المنهج الذي أنتجها.
ليس الوفاء للإمام أن نكرر قوله بعد تغير الوقائع، بل أن نتعلم صدقه في البحث وقوة دليله وجرأته على مخالفة المألوف حين ظهر له الحق. وليس تعظيم الحضارة الإسلامية أن نصورها تاريخًا بلا أخطاء، بل أن نقرأ قدرتها على الاجتهاد والنقد والإصلاح، ونعترف كذلك بما وقع فيها من استبدادٍ وتعصبٍ واضطراب. فالتاريخ الإسلامي ليس نصًّا منزلًا. هو تاريخ بشرٍ حملوا الوحي، فأحسنوا وأخطأوا، وعدلوا وظلموا، واجتهدوا وتعصبوا، وأقاموا حضارةً عظيمة ثم أصابتهم أمراض البشر التي تصيب كل أمة. وإذا قدمناه للأجيال بوصفه كتلةً كاملة القداسة، فقد وضعنا إيمانهم أمام امتحانٍ غير ضروري؛ إذ سيكتشفون أخطاءه يومًا، وقد يظنون أن الاعتراف بخطأ المسلمين يعني الطعن في الإسلام.
“التقديس الأعمى لا يحمي التاريخ بل يمنع فهمه؛ فمن لا يستطيع تفسير الخطأ لا يستطيع تجنب تكراره.”
التقديس الأعمى لا يحمي التاريخ، بل يمنع فهمه. فمن لا يستطيع تفسير الخطأ لا يستطيع تجنب تكراره، ومن يحول الهزائم والفتن والانقسامات إلى مناطق محرمة على البحث يترك المجتمع أسيرًا لنتائجها. وقد ظل كثيرٌ من النزاعات المذهبية والسياسية حَيَّةً لا لأن النصوص تفرض بقاءه، بل لأن الجماعات ربطت هويتها بقراءةٍ واحدة للتاريخ، فأصبح نقد الرواية تهديدًا لوجودها. وقد عرف المسلمون منذ عصورهم الأولى نقاشاتٍ واسعة في العقيدة والفقه واللغة والسياسة والأخلاق. لم يكن العقل الإسلامي ساكنًا، ولم تكن الأسئلة كلها ممنوعة؛ نشأت علوم أصول الفقه والكلام والحديث والجرح والتعديل، وفي صميمها سؤال الدليل، وصحة النقل، ودلالة اللفظ، وحدود العقل، ومراتب اليقين. بل إن علم الحديث نفسه مثالٌ بالغ الدلالة على أن صيانة المقدس لا تتحقق بإغلاق باب النقد، بل بفتحه وفق منهجٍ منضبط. فتعظيم سنة النبي ﷺ لم يدفع العلماء إلى قبول كل روايةٍ منسوبة إليه، بل دفعهم إلى تمحيص الرجال والأسانيد والمتون، ورد رواياتٍ كثيرة، والتمييز بين الصحيح والضعيف والموضوع. لم يروا النقد إساءةً إلى السنة، بل رأوه شرطًا لحمايتها من الكذب.
“تعظيم سنة النبي ﷺ لم يدفع العلماء إلى قبول كل رواية منسوبة إليه، بل دفعهم إلى تمحيص الرجال والأسانيد والمتون.”
ولو كان مجرد السؤال عن النسبة تطاولًا على المقدس لما نشأ هَذَا العلم. ولكنهم أدركوا أن النص المقدس لا يحتاج إلى الأكاذيب لتحميه، وأن الكذب عليه أخطر من نقد الرواية المنسوبة إليه. وهنا تظهر القاعدة الكبرى؛ كلما كان الشيء عظيم الحرمة، ازدادت حاجتنا إلى الدقة في التفريق بينه وبين ما أُلصق به. غير أن روح التمحيص لم تبقَ بالقوة نفسها في جميع المجالات والعصور. فقد تحولت بعض الآراء الفقهية والكلامية مع الزمن إلى علامات هوية، وأصبح الانتماء إلى المذهب أو الجماعة أحيانًا مقدمًا على فحص الدليل. لم يعد السؤال دائمًا: ما القول الأرجح؟ بل: ما القول الذي يحفظ حدود جماعتنا؟
ومن هنا انتقل الخلاف من البحث عن الحقيقة إلى الدفاع عن الذات الجماعية. كما كشفت محنة خلق القرآن في العصر العباسي خطر انتقال السؤال العقدي من ساحة البحث إلى يد السلطة. لم يكن الخلل في وجود نقاشٍ فكري حول طبيعة كلام الله فحسب، بل في محاولة الدولة فرض نتيجةٍ عقدية على العلماء والناس بقوة الامتحان والعقوبة. حين تدخل السلطة لتقرر ما يجوز للعقل أن يعتقده، لا تحمي العقيدة، بل تحولها إلى أداة ولاءٍ سياسي. ثم يمكن أن يقع الخلل المقابل؛ أن تُقدَّس ردود الأفعال التاريخية نفسها، وأن تتحول مقاومة فرض رأيٍ معين إلى تحريمٍ دائم لكل بحثٍ جديد. وهكذا يتنقل العقل بين استبدادين؛ سلطةٍ تفرض عليه جوابًا، وجماعةٍ تمنعه من إعادة السؤال، بينما المقصود أن يتحرر البحث من الإكراه، وأن يبقى منضبطًا بالعلم والأدب وأصول الاستدلال.
وقد دخل التقديس أيضًا إلى المجال السياسي. نُقلت مفاهيم الطاعة والاستقرار من حدودها الشرعية إلى تصورٍ يجعل الحاكم أو الدولة فوق النقد، وكأن مساءلة الظلم خروجٌ على الدين، وكأن هيبة السلطة من حرمة الله. وبهذا استُعمل المقدس أحيانًا لحماية بشرٍ من المحاسبة، مع أن وظيفة الدين الأصلية أن يضع الحاكم والمحكوم تحت ميزان الحق. ليس احترام ولي الأمر تفويضًا له بأن يصبح مقدسًا، ولا حفظ الجماعة إلغاءً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا الخوف من الفتنة عذرًا لتحويل الظلم إلى قدرٍ شرعي. وحين يُستعمل الدين لإغلاق السياسة، لا يصبح الحكم أكثر تدينًا، بل يصبح الدين أقل قدرةً على أداء وظيفته الأخلاقية.
ويظهر التقديس الأعمى كذلك في العلاقة ببعض الشيوخ والدعاة والجماعات. قد يبدأ الأمر بمحبةٍ صادقة لعالمٍ نفع الناس، ثم تتحول المحبة إلى امتناعٍ نفسي عن رؤية خطئه. يُفسر كلامه دائمًا بأحسن المحامل، بينما يُحمل كلام مخالفه على الأسوأ، وتصبح المراجعة خيانةً والاعتراف بالخطأ إضعافًا للدعوة. عندئذٍ لا يعود العالم معلّمًا يدل على الحق، بل يصبح هو الطريق الذي لا يُرى الحق إلا من خلاله. ويقاس الدين بمواقفه، فإن تغير موقفه تغيرت الأدلة في وعي أتباعه. وهذا ليس تعظيمًا للعلماء، بل تحميلٌ لهم ما لا يطيقون، وإفسادٌ لعلاقتهم بالناس وبالحقيقة. والعالم الذي يُمنع أتباعه من نقده يُحرَم من فرصة التصحيح، والجماعة التي تقدس قادتها تبني أخطاءها داخل بنيتها حتى تنفجر. أما الاحترام الناضج فيجمع بين الاعتراف بالفضل وإمكان المراجعة، وبين حسن الظن وطلب الدليل، وبين حفظ الأدب وعدم التنازل عن العقل.
وهنا يأتي السؤال الأصعب؛ ما حدود السؤال في المجال العقدي؟ هل كل شيءٍ قابل للنقاش؟ وهل الدعوة إلى التفكير تعني أن يضع الإنسان الوحي في موضع المتهم حتى يثبت له العكس؟ الإجابة لا تكون بإطلاق السؤال بلا حدود، ولا بإغلاقه بلا تمييز. فالسؤال في الإسلام ليس قيمةً لمجرد كونه سؤالًا؛ قيمته في صدقه وموضوعه ومنهجه وغايته. قد يكون السؤال طلبًا للهداية، وقد يكون جدلًا يراد به الهرب من الحق، وقد يكون بحثًا فيما يستطيع العقل إدراكه، أو اقتحامًا لكيفياتٍ غيبية لا يملك الإنسان أدوات الإحاطة بها.
دعا القرآن إلى النظر والتدبر وطلب البرهان؛ ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾، و﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، وذم الذين جعلوا مجرد اتباع الآباء بديلًا عن العقل. وهذا يدل على أن الإيمان ليس قائمًا على مصادرة السؤال، بل على توجيهه نحو الحقيقة. وسأل إبراهيم عليه السلام ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، فقال: ﴿بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. لم يكن طلبه إنكارًا للقدرة الإلهية، بل انتقالًا في مراتب اليقين. كما سألت الملائكة عن الحكمة من خلق من قد يفسد في الأرض، ولم يكن سؤالها تمردًا، بل طلب فهمٍ ضمن التسليم لله. وتفتح هَذِه النماذج بابًا واسعًا للتمييز بين السؤال الذي يطلب الفهم والسؤال الذي يجعل الإنسان نفسه قاضيًا على الله. المؤمن يستطيع أن يسأل عن الدليل على النبوة، وعن معنى الآية، وعن الحكمة من التشريع، وعن كيفية التوفيق بين نصوصٍ تبدو له متعارضة، وعن علاقة القدر بالمسؤولية، وعن مشكلة الشر والألم. بل قد يكون كتمان هَذِه الأسئلة أخطر على إيمانه من إظهارها.
لكن ثمة فرقًا بين أن يقول: أريد أن أفهم حكمة الحكم، وبين أن يقول: لن أقبل الحكم إلا إذا وافق تصوري السابق للعدل. الأول يعترف بمحدودية فهمه ويطلب الزيادة، والثاني يجعل وعيه الجزئي مرجعًا أعلى من الوحي. وليس كل ما لا يدرك العقل حكمته باطلًا، كما أن عدم ظهور الجواب فورًا لا يعني غيابه. العقل يستطيع النظر في دلائل وجود الله وأسمائه وآثار حكمته، لكنه لا يستطيع الإحاطة بكيفية ذاته. يستطيع فهم ما أخبر الله به عن الغيب في حدود اللغة التي نزل بها الوحي، لكنه لا يملك تحويل الغيب إلى موضوعٍ تجريبي كامل. وحين يطلب العقل معرفةً لم تُمنح له أدواتها، لا يكون المنع تعطيلًا له، بل تعريفًا بحدوده. فالعين أداةٌ عظيمة، لكنها لا تسمع الأصوات، ولا يكون عجزها عن السمع إهانةً للبصر. وكذلك العقل؛ عظمته لا تقتضي أن يكون قادرًا على الإحاطة بكل شيء. والنضج العقلي ليس ادعاء القدرة المطلقة، بل معرفة حدود الأداة مع استعمالها إلى أقصى ما تسمح به طبيعتها.
لكن الحديث عن حدود العقل استُعمل أحيانًا بصورةٍ خاطئة لإسكاته حتى في مجاله. كلما ظهرت مشكلةٌ في تفسيرٍ أو فتوى قيل إن العقل قاصر، مع أن القصور قد يكون في الاستدلال البشري لا في قدرة العقل على كشف تناقضه. وقد يُطلب من المسلم التسليم لفهم رجلٍ بحجة التسليم لله، وكأن نقد التفسير اعتراضٌ على الوحي نفسه. لهذا ينبغي أن يكون الحد الفاصل واضحًا؛ نسلّم لله ورسوله، أما فهمنا لكلام الله ورسوله فيظل محتاجًا إلى العلم والمراجعة. لا يجوز أن نحول تواضع العقل أمام الله إلى خضوع العقل لكل من يتكلم باسم الله.
والسؤال العقدي يحتاج إلى أدب، لكن الأدب لا يعني الخوف. أدبه أن يطلب الإنسان الحق لا الاستعراض، وأن يعرف ما يحتاج إلى تخصص، وألَّا يختزل مسائل عميقة في سخريةٍ أو مقطعٍ عابر، وأن يقبل أن بعض الأجوبة تحتاج إلى تراكمٍ معرفي وصبر. كما يقتضي من العالم أن يحترم السائل، وألَّا يتهمه في نيته قبل فهم سؤاله، وألَّا يستعمل الهيبة بدل الحجة. إن قول «لا تسأل» قد يوقف الصوت، لكنه لا يوقف العقل. والسؤال الذي لا يجد مكانًا أمينًا داخل المجتمع الديني سيبحث عن مكانٍ خارجه، وقد يجد من يصغي إليه ليقوده إلى نتائج منحازة. وليس من الحكمة أن نهدي خصوم الدين عقول أبنائنا لأننا رفضنا استقبال أسئلتهم.
وكثيرٌ من الأسئلة التي تظهر في صورةٍ عقدية تحمل تحتها جرحًا نفسيًّا أو أخلاقيًّا. قد يقول الشاب إنه يشك في رحمة الله، بينما يكون قد رأى ظلمًا قاسيًا ارتُكب باسم الدين. وقد يعترض على القدر، وهو في الحقيقة يحاول فهم مصيبةٍ كسرت حياته. وقد يرفض مؤسسةً دينيةً فيظن الناس أنه يرفض الله، مع أن أزمته مع بشرٍ أساؤوا تمثيل الدين. ولهذا لا يكون الجواب دائمًا كتابًا في البراهين. أحيانًا يحتاج السائل إلى من ينصف ألمه ويعترف بخطأ المتدين، ويفصل له بين قداسة الحق وسوء استعماله. فالدفاع الآلي عن كل ما يفعلُه المنتسبون إلى الدين يدفع الإنسان إلى الاعتقاد بأن الله نفسه يقف مع من ظلمه.
أما الحرية الفكرية فلا ينبغي أن تُطرح في مواجهة الاحترام الديني كأننا أمام خيارين؛ إما مجتمعٌ يقدس كل شيء، وإما مجتمعٌ يسخر من كل شيء. يمكن بناء حريةٍ مسؤولة تتيح السؤال والنقد والبحث، وتحمي في الوقت نفسه كرامة المؤمنين وشعائرهم من التحريض والإهانة المتعمدة. فليس كل نقدٍ ازدراءً، كما أن ليس كل إساءةٍ بحثًا فكريًّا. من حق الباحث أن يناقش مفهوم النبوة ودلالة النص والتاريخ الديني، وأن يصل إلى نتائج يخالفه فيها المؤمنون، لكن تحويل مقدسات الناس إلى أدوات إذلالٍ جماعي لا يضيف معرفة. والحرية التي تقيس شجاعتها بمقدار قدرتها على جرح الضعفاء ليست حريةً فكرية، بل استعراضًا للقوة الرمزية. وفي الاتجاه المقابل، لا يجوز توسيع مفهوم الإهانة حتى يبتلع كل اعتراض. قد يشعر الإنسان بالألم من نقد عقيدته، لكن الشعور بالجرح لا يكفي وحده لإلغاء النقاش. فالأفكار، حتى حين نعتقد بقداستها، تدخل المجال العام عبر فهم البشر لها، ويجب أن يمكن مناقشة هَذَا الفهم وآثاره.
إنَّ الحماية المشروعة للمقدس ينبغي أن تتجه إلى منع الإكراه، وتخريب دور العبادة، والتحريض على أتباع الدين، والتمييز ضدهم، والإهانات التي لا تحمل محتوى فكريًّا سوى الحط من كرامتهم. أما المسألة العلمية والتاريخية والتفسيرية فيجب أن تواجه بالحجة، لا بمنع التفكير. القوة التي يحتاجها المقدس ليست قوة الشرطي وحدها، بل قوة المعنى. فإذا لم يستطع المؤمن الدفاع عن عقيدته إلا بإسكات كل سؤال، فقد قدّمها للناس كما لو كانت بناءً هشًّا. والحق لا يصبح أصدق لأن القانون منع مناقشته، كما أن الباطل لا يصبح حقًّا لأنه قيل بحرية. إنما يكمن التحدي في إنشاء ثقافةٍ حوارية لا ترى النقاش معركة كسرٍ وإذلال. فالحوار في كثيرٍ من مجتمعاتنا لا يبدأ بطلب الفهم، بل بتحديد المنتصر والخاسر. يدخل كل طرف وهو يريد حماية هويته، فيسمع كلام الآخر بحثًا عن الثغرة لا عن المعنى، ثم تنتهي المناظرة وقد ازداد كل فريقٍ تمسكًا بما دخل به.
“المقدس الحق لا يحتاج إلى عقل ميت يحرسه، بل إلى عقل حي يعرف حدوده ويؤدي أمانته.”
وإنَّ الثقافة الحوارية المنتجة تبدأ من الاعتراف بأن الإنسان قد يحمل جزءًا من الحق ويغيب عنه جزء، وأن تغيير الرأي ليس هزيمةً أخلاقية، وأن الاعتراف بالجهل لا يسقط المكانة، وأن المخالف ليس دائمًا مشروع عدو. كما تتطلب التفريق بين الأصول التي يقوم عليها الإيمان والمسائل الاجتهادية التي وسع فيها الخلاف. إذ لا يمكن أن تُدار مسألة وجود الله بالطريقة نفسها التي يُدار بها خلافٌ فقهي فرعي، ولا يصح تحويل كل رأيٍ سياسي إلى أصلٍ عقدي، ولا جعل كل اجتهادٍ اجتماعي علامةً على الولاء والبراء. حين تتضخم دائرة القطعيات تضيق مساحة الأمة، ويصبح معظم الناس مبتدعين أو منحرفين في نظر بعضهم بعضًا.
وقد تحول مفهوم «الثوابت» في بعض الخطابات إلى صندوقٍ مغلق يوضع فيه كل ما لا يريد صاحبه مناقشته. أما البناء العلمي فيحتاج إلى بيان دقيق؛ ما الثابت بدليلٍ قطعي؟ وما الظني؟ وما الذي هو مقصدٌ شرعي عام؟ وما الذي هو تنزيل تاريخي أو عرف اجتماعي؟ وما الذي اتفق عليه العلماء فعلًا، وما الذي شاع في بيئةٍ معينة حتى ظنه الناس إجماعًا؟ إن عدم تعليم هَذِه المراتب يخلق عقلًا لا يعرف إلا المقدس والمحرّم؛ إما قبولٌ كامل وإما رفضٌ كامل. فإذا وجد خطأً جزئيًّا أسقط البناء كله، وإذا آمن بالأصل اضطر إلى الدفاع عن كل فرع. أما العقل الراشد فيستطيع أن يحفظ قداسة الوحي، وينقد تفسيرًا، ويحترم عالمًا، ويرفض قوله، وينتمي إلى تراثٍ، ويعترف بأخطائه.
وترتبط أزمة التقديس بالهوية ارتباطًا عميقًا. فالهوية المطمئنة تستطيع فتح نوافذها، أما الهوية الخائفة فتظن أن كل هواءٍ يدخل سيقتلع البيت. ولهذا تميل المجتمعات المهزومة أو المستعمرة ثقافيًّا إلى تحويل التراث كله إلى حصن؛ ليس لأنها درست كل ما فيه واقتنعت به، بل لأنها تخشى أن يكون الاعتراف بأي خلل بداية ذوبانٍ كامل. وهذا الخوف مفهوم في سياقه، لكنه خطرٌ إذا تحول إلى منهج. فالذي يحمي هويته بمنعها من التفكير يحفظ قشرتها ويتركها تضعف من الداخل. وحين تواجه جيلًا جديدًا وأسئلةً جديدةً لا تجد في مخزونها سوى إجاباتٍ صيغت لمعركةٍ قديمة، فتبدو الأصالة كأنها عجزٌ عن مخاطبة الحاضر. فالأصالة ليست الانغلاق على الفكر، بل امتلاك مركزٍ ثابت يسمح بالحركة. الشجرة الأصيلة ليست قطعة خشبٍ ميتة، بل كائنٌ له جذرٌ ثابت وفروعٌ تتجه نحو الضوء. وإذا منعنا الفروع من النمو خوفًا على الجذر، ماتت الشجرة التي أردنا حمايتها.
الوحي هو الجذر، أما العلوم والمناهج واللغة والمؤسسات وصور التدين فهي فروعٌ تتجدد. وقد يكون من الوفاء للأصل أن نغير شكلًا اعتاده الناس إذا لم يعد يحقق مقصده، وأن نستفيد من علمٍ أو منهج نشأ في حضارةٍ أخرى ما دام لا يصادم مرجعيتنا. فالحكمة لا تفقد قيمتها بسبب موطنها، كما أن الفكرة لا تصير صحيحةً لمجرد أنها خرجت من تراثنا. والانغلاق لا يحفظ الهوية، بل قد يحولها إلى خوفٍ دائم من المقارنة. أما الهوية التي تعرف أصولها وتملك أدوات النقد فتستطيع أن تدخل الحوار العالمي من موقع الشريك، فتأخذ وترد، وتتعلم وتضيف، من غير ذوبانٍ ولا غرور. ولا يمكن بناء هَذَا التوازن من غير إصلاحٍ عميق للمناهج الدينية والتعليمية. فالمتعلم يحتاج منذ البداية إلى خريطةٍ لمراتب المعرفة؛ ما الوحي؟ وما التفسير؟ ما القطعي وما الظني؟ ما العقيدة وما الاجتهاد؟ ما الدين وما العرف؟ ما النص وما السياق؟ ما احترام العالم وما حدود سلطته؟
الحفظ ضروري إذًا، لكنه لا يكفي. قد يحفظ الطالب الإجابات كلها ثم يعجز عن مواجهة سؤالٍ لم يرد بالنص نفسه في كتابه. والمناهج التي تعطي الجواب من غير أن تعلّم طريقة الوصول إليه تخرّج ذاكرةً لا عقلًا. فإذا تغيرت صيغة السؤال اضطرب الطالب، مع أن الأصل الذي يحتاجه حاضرٌ بين يديه. ينبغي أن تُدرّس العقيدة بوصفها بناءً من المعاني والبراهين، لا قائمةً من التعريفات التي يُمتحن الطالب في تكرارها. يعرف لماذا يؤمن بالله، وكيف يفهم النبوة، وما وظيفة الوحي، وما حدود العقل، وكيف يتعامل مع الشبهة، وما الفرق بين عدم معرفة الجواب وعدم وجوده.
كما ينبغي تعليم تاريخ الأفكار والخلافات من غير تهويلٍ ولا تزوير. يعرف الطالب أن المسلمين اختلفوا، وأن الاختلاف لم يكن دائمًا خروجًا من الدين، وأن السياسة أثرت أحيانًا في النقاش العقدي والفقهي، وأن علماء كبارًا راجعوا أنفسهم وخالف بعضهم بعضًا. بذلك لا يصدمه التنوع حين يكتشفه خارج المدرسة. وينبغي تدريب الطالب على نقد القول من غير إسقاط كرامة قائله، وعلى احترام الإنسان من غير قبول فكرته، وعلى طلب الدليل من غير سوء أدب. فالثقافة التي لا تعرف إلا التقديس أو الإهانة لا تنتج نقدًا، بل تنتج تناوبًا بين الخضوع والتمرد.
ويحتاج المعلم الديني إلى تكوينٍ جديد. لا يكفي أن يعرف المادة؛ يجب أن يعرف نفسية السائل، ومناهج الحوار، وطبيعة الأسئلة المعاصرة، وأن يستطيع قول «لا أعلم» من غير شعورٍ بانهيار هيبته. فالمعلم الذي يختلق جوابًا ضعيفًا لحماية صورته قد يهدم ثقة الطالب بالدين حين يكتشف ضعف الجواب. ولا بد من مساحاتٍ مأمونة للسؤال، داخل الأسرة والمسجد والمدرسة والجامعة. مساحة لا يُشهَّر فيها بالطالب، ولا تُسجل شكوكه عليه بوصفها جريمة، ولا يتحول سؤاله إلى محاكمةٍ لأخلاقه. فالإنسان قد يمر بمرحلة اضطراب، وإذا وجد من يصحبه بعلمٍ ورحمة أصبحت المرحلة طريقًا إلى إيمانٍ أعمق. لكن المساحة الآمنة ليست ساحةً للفوضى المعرفية. ينبغي أن يكون لها أدبٌ ومنهج، وأن يُحال السؤال إلى المتخصص، وأن يُفرّق بين البحث الصادق والدعاية المتعمدة، وبين النقاش العلمي والإثارة التي تقصد صناعة الجمهور. الحرية لا تعني مساواة كل رأيٍ بالعلم، كما أن التخصص لا يعني احتكار الحقيقة أو منع العامة من الفهم.
إن ثقافة الحوار التي نحتاجها تحمي المقدس بطريقتين متكاملتين؛ تحميه من الإهانة الخارجية، وتحميه من الاستعمال الداخلي الفاسد. فالدين يُساء إليه حين يُسخر من شعائره، لكنه يُساء إليه كذلك حين يُتخذ غطاءً للاستبداد والجهل والتعصب. وقد يكون من يدّعي الدفاع عنه وهو يمنع العدل والسؤال أخطر على صورته من خصمٍ يهاجمه صراحة. لا تكمن قوة المقدس في أن نحيطه بطبقاتٍ من الخوف، بل في أن نُبقي الطريق إليه مفتوحًا من دون أن نسمح للبشر باحتلال مقامه. نحمي القرآن من السخرية، ونحميه كذلك من التفسير الذي يحوله إلى أداة ظلم. نحترم السنة، ونحميها من الروايات الموضوعة والاستعمال الانتقائي. نوقر العلماء، ونحمي العلم من أن يتحول إلى كهنوت. نحفظ الجماعة، ونحميها من أن تصبح صنمًا يبتلع الفرد والحق.
” حين تستقيم المراتب، لا يعود المؤمن خائفًا من التفكير؛ لأنه يعرف أن التفكير لن يزيح الله من مقامه، بل قد يزيح أصنامًا بشريةً وقفت في الطريق إليه.”
إن التقديس الأعمى لا يبالغ في محبة المقدس بقدر ما يعجز عن التمييز بينه وبين ما حوله. ولذلك فهو يحمل في داخله بذرة انقلاب؛ فقد يخضع الإنسان زمنًا لكل ما قُدِّم له باسم الدين، ثم يكتشف خطأ بعضه، فيرمي الجميع دفعةً واحدة. من لم يتعلم التفريق بين الوحي والتفسير قد ينتقل من تقديس التفسير إلى رفض الوحي، ظانًّا أنهما شيء واحد. أما الإيمان الراشد فيضع كل شيءٍ في منزلته. الله سبحانه هو الحق المطلق، والوحي ميزان الهداية، والرسول ﷺ مبلغ الرسالة وقدوتها، والعلماء ورثة علمٍ لا أصحاب عصمة، والتراث ذاكرةٌ غنية لا وحيٌ ثان، والجماعة سندٌ للإنسان لا بديلٌ عن ضميره، والعقل أداةٌ مكرمة لا إلهٌ مستقل، والسؤال طريقٌ إلى المعرفة لا غايةٌ استعراضية.
حين تستقيم هَذِه المراتب، لا يعود المؤمن خائفًا من التفكير؛ لأنه يعرف أن التفكير لن يزيح الله من مقامه، بل قد يزيح أصنامًا بشريةً وقفت في الطريق إليه. ولا يعود السؤال عدوانًا على المقدس، بل يصبح في مواضع كثيرة وسيلةً لتنقية علاقتنا به مما تراكم عليها من الخوف والعادة والتقليد. فالمقدس الحق لا يحتاج إلى عقلٍ ميت يحرسه، بل إلى عقلٍ حي يعرف حدوده ويؤدي أمانته. ولا يحتاج إلى أتباعٍ يكررون الكلمات بلا وعي، بل إلى مؤمنين أبصروا الفرق بين الخضوع لله والخضوع لمن يتكلم باسمه.
إن حماية المقدس لا تكون بتحويله إلى منطقةٍ مظلمة لا يقترب منها العقل، بل بجعله نورًا يكشف للعقل مواضع خطئه، وبجعل العقل أداةً تكشف ما أضافه البشر إلى المقدس من أوهامهم ومصالحهم. فإذا انفصل النور عن العقل تحول التدين إلى عادة، وإذا انفصل العقل عن النور تحول التفكير إلى تيه. وبين التقديس الأعمى والجرأة العابثة طريقٌ ثالث؛ تعظيمٌ بلا كهنوت، وسؤالٌ بلا استهزاء، وحريةٌ بلا عدوان، وأصالةٌ بلا انغلاق، وعقلٌ لا يتكبر على الوحي ولا يستقيل أمام البشر. ذلك الطريق لا يحفظ المقدس وحده، بل يحفظ الإنسان من أن يعبد ما صنعته يداه باسم الله، ويحفظ الدين من أن يُحمّل أخطاء التاريخ، ويحفظ المجتمع من أن يختار بين جمودٍ يخنق الروح وتمردٍ يحطم المعنى. فالمقدس لا يُصان حين نمنع عنه كل سؤال، بل حين نمنع غير المقدس من الاختباء داخله. ولا يُكرم الوحي حين نغلق العقل، بل حين نفتح له من العقل قلبًا نزيهًا، ومن القلب عقلًا متواضعًا، حتى يبقى الإيمان بصيرةً لا عادة، ويظل الاحترام بابًا إلى الحقيقة، لا قفلًا يوضع عليها.
