الفكرتربية واجتماعمنطق وتأصيل

لماذا الهروب من مواجهة النفس؟

رحلة الصدق مع الذات ومواجهة الحقائق المؤلمة

ليس في العالمِ مرآةٌ أشدُّ قسوةً من لحظةٍ صادقةٍ ينفردُ فيها الإنسانُ بنفسهِ. يستطيعُ أن يغادرَ المدنَ، وأن يقطعَ علاقاتٍ كثيرةً، وأن يفرَّ من خصومةٍ علنيّةٍ، وأن يبدّلَ الوجوهَ التي تحيطُ بهِ، وأن يغيّرَ المكانَ والعملَ واللباسَ واللغةَ والرّفاقَ؛ لكنّهُ أينما ذهبَ حملَ معهُ ذلك الشاهدَ الصامتَ الذي لا يصفّقُ ولا ينسى. ولذلك تبدو مواجهةُ الذاتِ من أصعبِ المواجهاتِ، مع أنّ الإنسانَ يعيشُ مع نفسهِ أكثرَ ممّا يعيشُ مع أيّ أحدٍ آخر. بل لعلّها صعبةٌ لأنّهُ يعيشُ معها دائمًا؛ لأنّ قربَها ليس قربَ الألفةِ وحدها، بل قربُ المعرفةِ الفاضحةِ. إنّ الغريبَ قد تخدعُهُ الروايةُ، والصديقَ قد يرى نصفَ المشهدِ، والجمهورَ قد يصدّقُ ما أُحْسِنَ عرضُهُ، أمّا النفسُ فإنّها تعرفُ الطريقَ من أوّلهِ: تعرفُ الدافعَ قبل أن يلبسَ ثوبَ المبدأِ، وتعرفُ الخوفَ قبل أن يُسمّى حكمةً، وتعرفُ الحسدَ قبل أن يتنكّرَ في صورةِ نقدٍ، وتعرفُ الكسلَ قبل أن يتكلّمَ بلغةِ الظروفِ، وتعرفُ الظلمَ قبل أن يبحثَ لنفسهِ عن جملةٍ نبيلةٍ يختبئُ خلفَها.

لهذا لا يهربُ الإنسانُ من نفسهِ لأنّهُ يجهلُها دائمًا، بل لأنّهُ يعرفُ منها ما لا يريدُ أن يحملَهُ. ليست المشكلةُ، في كثيرٍ من الأحيانِ، أنّ الحقيقةَ غائبةٌ، بل أنّها حاضرةٌ أكثرَ ممّا ينبغي، واقفةٌ عند البابِ منذ زمنٍ، تنتظرُ لحظةَ اعترافٍ يؤجّلُها صاحبُها كلَّ يوم. فالإنسانُ حين يجلسُ وحدهُ لا يواجهُ غالبًا معلوماتٍ جديدةً، بل يواجهُ ما كان يؤجّلهُ؛ يواجهُ الدَّينَ المعنويَّ الذي راكمَهُ على قلبهِ، والأسئلةَ التي دفنَها تحت الضجيجِ، والقراراتِ التي تركَها تتعفّنُ في منطقةِ “لاحقًا”، والأشخاصَ الذين ظلمَهم ثمّ أعادَ صياغةَ القصةِ كي يبدو بريئًا، والأعمارَ الصغيرةَ التي تسرّبت من بين أصابعِهِ وهو يقنعُ نفسهُ أنّ الوقتَ ما زال واسعًا. الخلوةُ ليست غرفةً فارغةً؛ إنّها قاعةُ محكمةٍ داخليّةٍ، تدخلُها الذاتُ ومعها الشهودُ كلُّهم، ولو لم يتكلّم أحدٌ.

“الخلوةُ ليست غرفةً فارغةً؛ إنّها قاعةُ محكمةٍ داخليّةٍ، تدخلُها الذاتُ ومعها الشهودُ كلُّهم، ولو لم يتكلّم أحدٌ.”

ومن الخطأ أن ننظرَ إلى الهروبِ من الذاتِ بوصفهِ ضعفًا أخلاقيًّا ساذجًا في كلّ حال. أحيانًا يكونُ الهروبُ آليّةَ بقاءٍ نفسيٍّ، يلوذُ بها الإنسانُ حين تبدو الحقيقةُ أكبرَ من قدرتهِ على احتمالها. فالنفسُ ليست آلةً حديديّةً تستقبلُ الحقيقةَ كما تستقبلُ الورقةُ الحبرَ، بل كائنٌ هشٌّ معقّدٌ، يحمي نفسهُ أحيانًا من الانهيارِ بأن يؤجّلَ الاعترافَ، أو يخفّفَ الوجعَ، أو يصنعَ روايةً أقلَّ فتكًا من الواقع. قد لا يكونُ الإنسانُ في أوّلِ هروبهِ شريرًا ولا كاذبًا بوقاحةٍ، بل مذعورًا من أن يرى نفسهُ بلا غطاءٍ، ومن أن ينهارَ البناءُ الذي أقامهُ طويلًا حول معنى وجودهِ. إنّهُ لا يفرُّ من الحقيقةِ لأنّها مجهولةٌ فقط، بل لأنّها إن ظهرتْ ألزمتْهُ بما بعدَها؛ الاعترافِ، والتغييرِ، وردِّ الحقوقِ، وكسرِ العادةِ، وفقدانِ الصورةِ التي ألِفَها عن نفسهِ. والحقيقةُ، بهذا المعنى، ليست معلومةً تُقالُ، بل زلزالًا أخلاقيًّا قد يغيّرُ مواضعَ الأثاثِ كلّهِ في بيتِ النفسِ.

فالذاتُ أعمقُ خصمٍ وأقربُ شاهدٍ. الخصومُ الخارجيّون قد يبالغون، وقد يظلمون، وقد يلتقطون من الإنسانِ ما يخدمُ حكمَهم عليهِ. أمّا النفسُ، حين تصدقُ، فإنّها لا تحاكمُ الإنسانَ من ظاهرِ المشهدِ وحدهُ، بل من نيّةِ الحركةِ الأولى. هي تعرفُ هل سكتَ لأنّهُ حكيمٌ، أم لأنّهُ خائفٌ. تعرفُ هل تواضعَ لأنّهُ نقيٌّ، أم لأنّهُ يريدُ مديحَ التواضعِ. تعرفُ هل سامحَ لأنّهُ تجاوزَ، أم لأنّهُ عجزَ عن المواجهةِ. تعرفُ هل عملَ لأنّهُ صاحبُ رسالةٍ، أم لأنّهُ مدمنٌ على الاعترافِ. تعرفُ هل غضبُهُ للحقِّ أم لجرحٍ في الأنا. وهذه المعرفةُ الداخليّةُ مرعبةٌ؛ لأنّها لا تتركُ للإنسانِ رفاهيّةَ التمثيلِ. أمام الناس يستطيعُ أن يرتديَ لغةً مناسبةً، وأمام نفسهِ تضيقُ الملابسُ كلُّها. لذلك لا يخافُ الإنسانُ من خصومهِ دائمًا بقدرِ ما يخافُ من ذلك الشاهدِ الذي يهمسُ في داخلهِ: أنت تعرفُ.

لكن معرفةَ الخطأِ شيءٌ، والقدرةَ على الاعترافِ بهِ شيءٌ آخر. كثيرون يعرفون ما فعلوا، لكنّهم لا يملكون الشجاعةَ النفسيّةَ لتحويلِ المعرفةِ إلى اعترافٍ. قد يعرفُ الإنسانُ أنّهُ أخطأَ، وأنّهُ جَبُنَ في موضعِ شجاعةٍ، وظلمَ في موضعِ إنصافٍ، وتكبّرَ حين كان ينبغي أن يعتذرَ، وبدّدَ عمرَهُ في التفاهةِ وهو يحدّثُ نفسَهُ عن الطموحِ، وأساءَ إلى من أحبّهُ ثمّ جعلَ حساسيّتَهُ ذريعةً، وتركَ واجبًا ثمّ سمّى التركَ ضغطًا أو ظرفًا أو تعقيدًا. غيرَ أنّ هذه المعرفةَ تبقى في داخلهِ كجمرٍ مطمورٍ تحت الرمادِ، لا يجرؤُ أن يكشفَهُ للهواءِ. لماذا؟ لأنّ الاعترافَ ليس مجرّدَ قولٍ: أخطأتُ. الاعترافُ يعني أنّ الصورةَ التي بناها عن نفسهِ تصدّعت. يعني أنّهُ لم يكن دائمًا الضحيّةَ النبيلةَ، ولا العاقلَ المتّزنَ، ولا الطيّبَ الذي لم يفهمهُ الناسُ، ولا الاستثنائيَّ الذي خذلتْهُ الظروفُ وحدها. الاعترافُ يطلبُ منهُ أن يتنازلَ عن عرشٍ داخليٍّ جلسَ عليهِ سنواتٍ.

وهنا تتحوّلُ المشكلةُ من قضيّةٍ معرفيّةٍ إلى قضيّةٍ وجوديّةٍ. السؤالُ ليس: هل أعرفُ أنّني أخطأتُ؟ بل: هل أستطيعُ أن أعيشَ بعد سقوطِ الصورةِ التي صنعتُها عن نفسي؟ هذه هي العقدةُ العميقةُ. فكلُّ إنسانٍ يحملُ في داخلهِ صورةً ما عن ذاتهِ، صورةً قد تكونُ منسوجةً من حقائقَ وأنصافِ حقائقَ وأوهامٍ جميلةٍ: أنّه كريمٌ، أو مظلومٌ، أو صاحبُ نيّةٍ طيّبةٍ، أو أذكى من محيطهِ، أو إنسانٌ استثنائيٌّ لم تنصفْهُ الحياةُ، أو صبورٌ فوق ما ينبغي، أو بريءٌ من معظمِ ما أصابَهُ. هذه الصورةُ ليست مجرّدَ فكرةٍ عابرةٍ، بل مسكنٌ نفسيٌّ يأوي إليهِ الإنسانُ. فإذا جاءت مواجهةُ الذاتِ وهدّدت هذا المسكنَ، لم يدافعِ الإنسانُ عن الخطأ وحدهُ، بل يدافعُ عن الهويّةِ التي بُنِيَت حول الخطأِ. لذلك تراهُ أحيانًا يغضبُ إذا نُبِّهَ، لا لأنّ التنبيهَ غيرُ صحيحٍ، بل لأنّهُ اقتربَ من العمودِ الذي يحملُ سقفَ روايتهِ كلّها.

إنّ الهروبَ من الذاتِ دفاعٌ عن الصورةِ الداخليّةِ أكثرَ ممّا هو دفاعٌ عن الفعلِ. قد يكونُ الفعلُ واضحَ الخطأ، لكنّ الاعترافَ بهِ يعني إعادةَ ترتيبِ الحكايةِ. الإنسانُ الذي بنى صورتَهُ على أنّهُ “دائمًا مظلومٌ” سيصعبُ عليهِ أن يعترفَ بأنّهُ ظلمَ غيرَهُ. والذي بنى صورتَهُ على أنّهُ “أقوى من العاطفةِ” سيصعبُ عليهِ أن يعترفَ بأنّ خوفَهُ من الرفضِ يقودُهُ. والذي بنى صورتَهُ على أنّهُ “صاحبُ مبدأٍ” سيقاومُ رؤيةَ اللحظاتِ التي باعَ فيها المبدأَ من أجلِ سلامتِهِ أو مصلحتِهِ أو صورتِهِ. والذي عاشَ طويلًا في ثوبِ “الإنسانِ الطيّبِ” قد ينهارُ أمام اكتشافِ قسوتهِ الخفيّةِ، لا لأنّ القسوةَ لا يمكنُ إصلاحُها، بل لأنّ هويّتَهُ لم تتركْ لها موضعًا في الاعترافِ. ولأجلِ هذا يتشبّثُ الناسُ أحيانًا بمبرّراتٍ ضعيفةٍ، لا لأنّها تقنعُ العقلَ حقًّا، بل لأنّها تحمي صورةً يخافون أن يعيشوا بلاها.

والحقيقةُ تؤلمُ لأنّها تكشفُ المسافةَ. المسافةَ بين ما نقولهُ عن أنفسنا وما نفعلهُ فعلًا. بين المبادئِ التي نرفعُها والعاداتِ التي تقودُنا. بين خطابنا عن النبلِ وردودِ فعلِنا عند الامتحانِ. بين حبّنا للعدلِ حين نطالبُ بهِ لأنفسنا، وضعفِنا عن منحِهِ لغيرنا حين يكلّفُنا شيئًا. بين زهدِنا المعلنِ وتعلّقِنا الخفيّ. بين حديثِنا عن الحرّيّةِ وخضوعِنا لنظراتِ الناسِ. بين قولِنا إنّنا نريدُ التغييرَ وتمسّكِنا بكلِّ ما يمنعُهُ. هذا الألمُ ليس ألمَ المعرفةِ وحدها، بل ألمُ الانكشافِ. أن يرى الإنسانُ نفسهُ بلا زخرفةٍ، بلا جمهورٍ، بلا إضاءةٍ محسّنةٍ، بلا أعذارٍ منتقاةٍ، بلا روايةٍ أعدّها بعنايةٍ كي ينامَ مطمئنًّا. إنّ أقسى ما في الحقيقةِ أنّها لا تقبلُ دائمًا أن تكونَ لطيفةً مع الصورةِ التي نحميها، لكنّها تكونُ رحيمةً مع الإنسانِ الذي يريدُ النجاةَ منها إلى الصدقِ.

“إنّ أقسى ما في الحقيقةِ أنّها لا تقبلُ دائمًا أن تكونَ لطيفةً مع الصورةِ التي نحميها، لكنّها تكونُ رحيمةً مع الإنسانِ الذي يريدُ النجاةَ منها إلى الصدقِ.”

ولذلك يلجأُ الإنسانُ إلى الانشغالِ كما يلجأُ الهاربُ إلى مدينةٍ مزدحمةٍ. لا يهربُ كثيرون من أنفسهِم بإنكارٍ صريحٍ، ولا بكذبٍ فجٍّ، بل بالضجيجِ. يعملون كثيرًا، لا دائمًا لأنّهم منتجون، بل لأنّ التوقّفَ يكشفُهم. يملؤون أيامَهم بالعلاقاتِ، لا لأنّهم حاضرون للناسِ، بل لأنّ الوحدةَ تفتحُ البابَ على أسئلةٍ يخافونها. يغرقون في الهاتفِ، والأخبارِ، والجدلِ، والاستهلاكِ، والأهدافِ المتلاحقةِ، والمشروعاتِ التي لا تنتهي، حتّى يبدو ظاهرُ حياتهم حافلًا، بينما باطنُها في أحيانٍ كثيرةٍ مجرّدُ هروبٍ من لقاءٍ مؤجّلٍ. ليس كلُّ انشغالٍ إنتاجًا، وليس كلُّ حركةٍ حياةً. أحيانًا يكونُ الانشغالُ تخديرًا محترمًا، ضمادةً أنيقةً توضعُ فوق جرحٍ لا يريدُ صاحبُهُ أن يراهُ. العملُ قد يكونُ عبادةً وبناءً، وقد يكونُ مخبأً. العلاقاتُ قد تكونُ رحمةً، وقد تكونُ ستارًا. الأهدافُ قد تكونُ ارتقاءً، وقد تكونُ طريقةً راقيةً كي لا يسألَ الإنسانُ: إلى أين أذهبُ حقًّا؟

إنّ العصرَ الحديثَ وفّرَ للإنسانِ أدواتِ هروبٍ لم يعرفْها السابقون بهذا الاتّساعِ. لم يعد محتاجًا إلى أن يجلسَ مع نفسهِ إلّا إذا أرادَ ذلك بإرادةٍ حازمةٍ؛ فكلُّ فراغٍ صغيرٍ يستطيعُ أن يملأَهُ بمقطعٍ، وكلُّ صمتٍ بإشعارٍ، وكلُّ قلقٍ بشراءٍ، وكلُّ وحدةٍ بمحادثةٍ، وكلُّ سؤالٍ صعبٍ بضجيجٍ جديدٍ. كأنّ العالمَ صار يمدُّ له أياديَ كثيرةً تقولُ: لا تدخلْ إلى الداخلِ، تعالَ هنا، لدينا ما يلهيكَ. وهكذا يعيشُ بعضُ الناسِ أعوامًا طويلةً دون أن يختلوا بأنفسهم خلوةً حقيقيّةً. ينامون متعبين لا مطمئنّين، ويستيقظون مشغولين لا متجدّدين، ويمرّون على قلوبهم كما يمرُّ العابرُ على بيتٍ قديمٍ يخافُ أن يفتحَ بابَهُ لأنّهُ يعرفُ أنّ داخلَهُ فوضى تحتاجُ إلى ترتيبٍ.

ومن هنا نفهمُ لماذا يخافُ الإنسانُ من الصمتِ. الصمتُ ليس فراغًا، بل مرآةٌ. إنّهُ يجرّدُ الإنسانَ من المؤثّراتِ الخارجيّةِ، فيظهرُ ما كان محجوبًا بالسرعةِ. في الصمتِ ترتفعُ الأسئلةُ التي كان يدفنُها تحت الأصواتِ: ماذا فعلتُ بعمري؟ من ظلمتُ؟ من خذلتُ؟ ماذا أؤجّلُ؟ لماذا أكرّرُ الخللَ نفسهُ؟ لماذا أطلبُ من الآخرين فهمي وأنا لا أفهمُ نفسي؟ ما الشيءُ الذي أعرفُهُ ولا أريدُ الاعترافَ بهِ؟ أيُّ خوفٍ يقودُني وأنا أسمّيهِ عقلًا؟ أيُّ رغبةٍ تمتلكُني وأنا أسمّيها طموحًا؟ هذه الأسئلةُ لا تأتي غالبًا بصوتٍ صاخبٍ، بل كطرقٍ خفيفٍ على بابٍ داخليٍّ. لكنّ الإنسانَ الذي طالَ هروبُهُ يسمعُ الطرقَ كأنّهُ زلزالٌ، فيفتحُ الهاتفَ، أو يطلبُ حديثًا عابرًا، أو يبحثُ عن عملٍ إضافيٍّ، أو يخلقُ مشكلةً خارجيّةً صغيرةً كي لا يواجهَ المشكلةَ الأعمقَ.

الصمتُ مرعبٌ لأنّهُ لا يجاملُ. العالمُ الخارجيُّ يمنحُ الإنسانَ فرصًا كثيرةً لتعديلِ صورتهِ؛ كأن يختارَ ما يقولهُ، وما يخفيهِ، ومتى يبتسمُ، ومتى يبرّرُ، ومن يصاحبُ، ومن يتجنّبُ. أمّا الصمتُ فلا يصغي إلى الأداءِ. الصمتُ يضعُهُ أمام رائحةِ الحقيقةِ في الغرفةِ. لذلك قد يكونُ بعضُ الناسِ أكثرَ خوفًا من ليلةٍ هادئةٍ من خوفهم من خصومةٍ علنيّةٍ؛ لأنّ الخصومةَ تخرجُهم إلى الخارجِ، أمّا الهدوءُ فيعيدُهم إلى الداخلِ. ومن لم يتدرّبْ على الصمتِ رأى كلَّ خلوةٍ عقوبةً، وكلَّ بطءٍ تهديدًا، وكلَّ فراغٍ هاويةً. والحقيقةُ أنّ الصمتَ ليس عدوًّا للإنسانِ، بل هو رسولٌ مؤلمٌ من رسلِ الشفاءِ. لكنّهُ لا يصبحُ شفاءً إلّا إذا قوبلَ بشجاعةٍ، وإلّا تحوّلَ إلى لحظةٍ أخرى من لحظاتِ الهربِ.

وفي مواجهةِ الذاتِ يختلطُ الذنبُ بالعارِ، وهذا من أعمقِ أسبابِ الهروبِ. الذنبُ يقولُ: أنا فعلتُ خطأً. أمّا العارُ فيقولُ: أنا خطأٌ. الذنبُ يفتحُ بابَ الإصلاحِ لأنّهُ يحدّدُ الفعلَ موضعَ الجرحِ، فيمكنُ الاعتذارُ، والتوبةُ، والتصحيحُ، وردُّ الحقوقِ، وتغييرُ السلوكِ. أمّا العارُ فيحكمُ على الكيانِ كلّهِ بالإعدامِ؛ يجعلُ الإنسانَ يشعرُ أنّ الاعترافَ لن يكشفَ خطأً قابلًا للعلاجِ، بل سيكشفُ أنّهُ لا يستحقُّ المحبّةَ ولا الاحترامَ ولا البدءَ من جديدٍ. لذلك يهربُ بعضُ الناسِ من الاعترافِ لا لأنّهم يكرهون الحقَّ، بل لأنّهم يخافون أن يتحوّلَ الحقُّ إلى سيفٍ يقطعُ قيمتَهم من جذورِها. يظنّون أنّ قولَهم “أخطأتُ” يعني “أنا ساقطٌ”، وأنّ قولَهم “ظلمتُ” يعني “أنا شرّيرٌ كلُّهُ”، وأنّ قولَهم “فشلتُ” يعني “أنا فشلٌ يمشي على قدمينِ”.

هذه النقطةُ تحتاجُ إلى رحمةٍ عميقةٍ؛ لأنّ كثيرًا من الناسِ لا يحتاجون في البدايةِ إلى مزيدٍ من الجلدِ، بل إلى تمييزٍ ينقذُهم من الخلطِ بين الفعلِ والذاتِ. ليس الاعترافُ بالخطأِ إلغاءً لقيمةِ الإنسانِ، بل دليلٌ على أنّ فيهِ موضعًا حيًّا ما زال قادرًا على رؤيةِ الخطأِ. الميّتُ أخلاقيًّا لا يتألّمُ من الحقيقةِ، ولا يخافُ الاعترافَ إلّا خوفَ الفضيحةِ. أمّا من يشعرُ بوخزِ الداخلِ ففيهِ بقيّةُ حياةٍ. لذلك ينبغي أن نعلّمَ الإنسانَ أنّ الصدقَ مع النفسِ ليس محكمةَ إعدامٍ، بل غرفةُ عمليّاتٍ. نعم، فيها ألمٌ، ومشارطُ، ودمٌ، وفتحٌ للجرحِ، لكنّها لا تفعلُ ذلك لتقتلَ الجسدَ، بل لتمنعَ التعفّنَ من أن ينتصرَ عليهِ. الاعترافُ ليس سقوطَ الإنسانِ من قيمتهِ، بل سقوطُ القناعِ الذي كان يمنعُهُ من إصلاحِ قيمتهِ.

“الصدقُ مع النفسِ ليس محكمةَ إعدامٍ، بل غرفةُ عمليّاتٍ.”

ومع ذلك، فإنّ الهروبَ إذا تكرّرَ واطمأنَّ إلى نفسهِ يتحوّلُ من دفاعٍ نفسيٍّ إلى مرضٍ أخلاقيٍّ. في البدايةِ قد يكونُ الإنسانُ خائفًا من الحقيقةِ، محتاجًا إلى تدرّجٍ ورحمةٍ وسندٍ حتّى يجرؤَ على الاعترافِ. لكن إذا جعلَ الهروبَ عادةً، وصار يهربُ كلّما اقتربَ الضوءُ، ويبرّرُ كلّما ظهرتِ المسؤوليّةُ، ويلومُ الآخرين كلّما انكشفتْ حصّتُهُ من الخطأِ، ويحوّلُ كلَّ نقدٍ إلى عداءٍ، وكلَّ نصيحةٍ إلى إهانةٍ، وكلَّ مرآةٍ إلى مؤامرةٍ، فإنّهُ لا يعودُ فقط يحمي نفسهُ من الألمِ، بل يحمي فسادَهُ من الإصلاحِ. هنا ينتقلُ من الهشاشةِ إلى المكابرةِ، ومن الخوفِ إلى العنادِ، ومن طلبِ النجاةِ إلى عبادةِ الصورةِ. وهناك فرقٌ هائلٌ بين إنسانٍ يحتاجُ إلى يدٍ رحيمةٍ كي يعترفَ، وإنسانٍ جعلَ الإنكارَ عقيدةً يدافعُ عنها كأنّها شرفُهُ الأخيرُ.

الهروبُ الأخلاقيُّ المزمنُ يصنعُ شخصيّةً بارعةً في صناعةِ الأعذارِ. ترى صاحبَها لا يقولُ: أخطأتُ، بل يقولُ: لكنّكَ لا تعرفُ الظروفَ. لا يقولُ: ظلمتُ، بل يقولُ: هم أجبروني. لا يقولُ: قصّرتُ، بل يقولُ: لم تُتَحْ لي الفرصةُ. لا يقولُ: خفتُ، بل يقولُ: كنتُ أوازنُ الأمورَ. لا يقولُ: حسدتُ، بل يقولُ: أنا فقط أنتقدُ بموضوعيّةٍ. لا يقولُ: تكبّرتُ، بل يقولُ: أنا أعرفُ قيمتي. لا يقولُ: جرحتُ، بل يقولُ: هم حسّاسون أكثرَ من اللازمِ. وبمرورِ الزمنِ لا يعودُ التبريرُ ردَّ فعلٍ عابرًا، بل يتحوّلُ إلى حاشيةٍ من المحامين الداخليّين، كلُّ واحدٍ منهم مستعدٌّ أن يدافعَ عن هزيمةٍ من هزائمهِ بلغةٍ محترمةٍ. فيعيشُ الإنسانُ داخل قاعةِ دفاعٍ لا داخل ورشةِ إصلاحٍ.

وأخطرُ ما في الهروبِ المزمنِ أنّهُ لا يبقى فرديًّا. الإنسانُ الذي لا يواجهُ نفسهُ يفسدُ علاقاتِهِ، لأنّهُ سيطلبُ من الآخرين أن يحملوا عنهُ ما يرفضُ رؤيتَهُ في داخلهِ. سيجعلُهم سببَ غضبهِ، وسببَ فشلهِ، وسببَ قلقهِ، وسببَ شعورهِ بالنقصِ. سيؤذي ثمّ يطالبُهم أن يفهموا جراحَهُ، ويقصّرُ ثمّ ينتظرُ منهم أن يراعوا ظروفَهُ، ويتكرّرُ خطؤهُ ثمّ يتّهمُهم بأنّهم لا ينسون. والأسرةُ التي لا يواجهُ أفرادُها أنفسَهم تتحوّلُ إلى أرشيفٍ من الجروحِ غيرِ المعترفِ بها. والمجتمعُ الذي لا يواجهُ نفسهُ يصنعُ تاريخًا من التبريرِ الجماعيِّ؛ يحمّلُ الخارجَ كلَّ شيءٍ، أو الماضيَ كلَّ شيءٍ، أو المؤامرةَ كلَّ شيءٍ، حتّى لا يسألَ: ماذا فعلنا نحنُ؟ ماذا قبلنا؟ ماذا كرّرنا؟ ماذا ربّينا؟ ماذا سمّينا بغيرِ اسمهِ؟ لذلك فإنّ الصدقَ مع الذاتِ ليس فضيلةً فرديّةً فقط، بل شرطٌ من شروطِ النهضةِ. أمّةٌ لا تعترفُ بعللِها لا تعالجُها، وإنّما تضعُ عليها أعلامًا وأناشيدَ ومفرداتٍ فخمةً حتّى تتعلّمَ كيف تفخرُ بمرضِها.

الصدقُ مع الذاتِ أساسُ النهضةِ لأنّهُ يعيدُ الإنسانَ من عالمِ الروايةِ إلى عالمِ المسؤوليّةِ. ما دمتَ تقولُ إنّ كلَّ ما فيكَ صنعهُ الآخرون وحدهم، فلن تغيّرَ إلّا الآخرين، وقد لا تستطيعُ. وما دمتَ تقولُ إنّكَ وحدكَ سببُ كلِّ شيءٍ، فقد تسحقُ نفسكَ وتنسى الظلمَ الخارجيَّ. أمّا الصدقُ فيضعُ الأمورَ في مواضعِها؛ نعم، هناك ما فُعِلَ بكَ، وهناك ما فعلتَهُ أنتَ بما فُعِلَ بكَ. نعم، هناك ظروفٌ ضغطتْ عليكَ، وهناك اختياراتٌ صنعتَها داخل تلك الظروفِ. نعم، هناك من ظلمكَ، وربّما ظلمكَ كثيرًا، لكنّ هذا لا يمنحُكَ براءةً مطلقةً من كلِّ ما فعلتَهُ بعد ذلك. الصدقُ ليس جلدًا للذاتِ، ولا تبرئةً للعالمِ، بل إنصافٌ دقيقٌ يمنعُ الإنسانَ من أن يسرقَ من نفسهِ فرصةَ الإصلاحِ باسم المظلوميّةِ.

ولا تبدأُ النهضةُ الداخليّةُ حين يكتشفُ الإنسانُ عيوبَهُ فحسب، بل حين يكفُّ عن الهروبِ ممّا اكتشفَهُ. فكم من الناسِ يعرفون عن أنفسهم الكثيرَ، ويحلّلون ضعفَهم بذكاءٍ، ويصفون جراحَهم بدقّةٍ، ويتكلّمون عن عيوبهم كأنّهم يكتبون دراسةً عن شخصٍ آخرَ، ثمّ لا يتغيّرون. المعرفةُ التي لا تتحوّلُ إلى اعترافٍ عمليٍّ قد تصبحُ نوعًا من الزينةِ الثقافيّةِ. قد يعرفُ الإنسانُ أنّهُ يهربُ من الصمتِ، ثمّ يواصلُ الضجيجَ. يعرفُ أنّهُ يؤذي من يحبُّ، ثمّ يطالبُهم بالصبرِ على “طبيعتهِ”. يعرفُ أنّهُ يغارُ، ثمّ يسمّي غيرتَهُ حرصًا. يعرفُ أنّهُ متكبّرٌ، ثمّ يسمّي كبرَهُ وضوحًا. لذلك فالسؤالُ ليس: هل رأيتَ؟ بل: ماذا فعلتَ بما رأيتَ؟ ليست البطولةُ أن تمتلكَ تشخيصًا دقيقًا لمرضكَ، بل أن تقبلَ الدواءَ الذي يوجعُكَ لأنّهُ يشفيكَ.

” ومواجهةُ الذاتِ لا تعني أن يدخلَ الإنسانُ في خصومةٍ دائمةٍ مع نفسهِ. هذا خطأٌ آخرُ. ليست النفسُ عدوًّا ينبغي سحقُهُ، بل أمانةٌ ينبغي تهذيبُها.”

ومواجهةُ الذاتِ لا تعني أن يدخلَ الإنسانُ في خصومةٍ دائمةٍ مع نفسهِ. هذا خطأٌ آخرُ. ليست النفسُ عدوًّا ينبغي سحقُهُ، بل أمانةٌ ينبغي تهذيبُها. من واجهَ نفسهُ بالاحتقارِ فقط هربَ منها مرّةً أخرى، لأنّ النفسَ لا تنقادُ طويلًا لمن يهينُها. ومن واجهَها بالتبريرِ فقط بقيتْ كما هي. المطلوبُ مقامٌ ثالثٌ، ألا وهو صدقٌ رحيمٌ. أن تقولَ لنفسكَ: نعم، أخطأتِ، لكنّكِ لستِ خطأً مطلقًا. نعم، خفتِ، لكنّ الخوفَ ليس قدرًا. نعم، ظلمتِ، لكنّ الاعترافَ بدايةُ ردِّ الظلمِ. نعم، ضاعَ وقتٌ، لكنّ ما بقيَ ليس قليلًا إذا صدقتِ. هذا الخطابُ لا يجمّلُ القبحَ، لكنّهُ لا يحوّلُ القبحَ إلى هويّةٍ نهائيّةٍ. إنّهُ يفتحُ بابًا للإصلاحِ بدلَ أن يضعَ النفسَ بين خيارين قاتلين؛ الإنكارِ أو الانهيارِ.

ومن دلائلِ النضجِ أن يتعلّمَ الإنسانُ الدخولَ إلى نفسهِ بلا محامٍ داخليٍّ. أن يؤجّلَ الدفاعَ قليلًا، ويجلسَ مع الحقيقةِ كما هي، قبل أن يشرحَ الظروفَ، ويعدّدَ الأعذارَ، ويستدعيَ السياقاتِ. ليس لأنّ الظروفَ غيرُ مهمّةٍ، بل لأنّ الدفاعَ المبكّرَ يمنعُ الرؤيةَ. كأنّ النفسَ غرفةٌ امتلأت بالدخانِ، فإذا دخلَها الإنسانُ ومعهُ مروحةُ التبريرِ، وزّعَ الدخانَ في كلِّ مكانٍ ولم يرَ مصدرَ النارِ. عليهِ أوّلًا أن يسألَ: ما الذي حدثَ حقًّا؟ ما حصّتي من هذا؟ ما الذي أعرفُهُ في داخلي وأخافُ قولَهُ؟ ما النمطُ الذي يتكرّرُ؟ ما الكذبةُ الصغيرةُ التي أعيشُ عليها؟ ما الصورةُ التي أحميها؟ بعد ذلك يمكنُ للرحمةِ أن تتكلّمَ، ويمكنُ للسياقِ أن يُفهَمَ، ويمكنُ للعلاجِ أن يبدأَ. أمّا أن يبدأَ الإنسانُ بالدفاعِ قبل الاعترافِ، فذلك كمن يضعُ الطلاءَ على الجدارِ قبل أن يعالجَ الرطوبةَ المتسرّبةَ من داخلهِ.

إنّ مواجهةَ النفسِ تحتاجُ إلى شجاعةٍ من نوعٍ نادرٍ؛ ليست شجاعةَ الضجيجِ ولا شجاعةَ الانتصارِ على الخصومِ، بل شجاعةَ الجلوسِ أمام المرآةِ حين لا يكونُ في الغرفةِ أحدٌ. شجاعةَ أن تخسرَ روايةً جميلةً عن نفسكَ لتربحَ حقيقةً أصلبَ. شجاعةَ أن تقولَ: كنتُ أخافُ، لا كنتُ حكيمًا دائمًا. كنتُ أريدُ الاعترافَ، لا كنتُ صاحبَ رسالةٍ خالصةٍ دائمًا. كنتُ أؤذي، لا كنتُ فقط مجروحًا. كنتُ أتهرّبُ، لا كنتُ فقط مضغوطًا. وهذه الشجاعةُ لا تذلُّ الإنسانَ، بل ترفعُهُ؛ لأنّها تنقلُهُ من عبوديّةِ الصورةِ إلى كرامةِ الحقيقةِ. فالإنسانُ الذي لا يستطيعُ الاعترافَ يبقى أسيرًا لما يخفيهِ، أمّا الذي يعترفُ فيبدأُ امتلاكَ ما كان يمتلكُهُ.

وفي النهايةِ، لا يهربُ الإنسانُ من مواجهةِ نفسهِ لأنّ نفسَهُ بعيدةٌ، بل لأنّها قريبةٌ إلى حدٍّ لا يحتملُ الزيفَ. يهربُ لأنّ الحقيقةَ تطلبُ منهُ ثمنًا: أن يتنازلَ عن بعضِ أوهامهِ، وأن يرمّمَ ما كسرَهُ، وأن يعتذرَ حيث طالَ صمتُهُ، وأن يغيّرَ ما اعتادَ عليهِ، وأن يقبلَ أن يكونَ إنسانًا ناقصًا قابلًا للإصلاحِ لا بطلًا كاملًا في روايةٍ داخليّةٍ محسّنةٍ. يهربُ لأنّ الصمتَ مرآةٌ، ولأنّ الاعترافَ يهدّدُ الصورةَ، ولأنّ الذنبَ إذا اختلطَ بالعارِ صار جرحًا لا بابًا. لكنّهُ لا ينجو بالهروبِ، بل يؤجّلُ الألمَ حتّى يكبرَ، ويتركُ الظلَّ حتّى يصيرَ جدارًا.

إنّ الإنسانَ لا يبدأُ حقيقتهُ حين يكتشفُ نفسهُ، بل حين يكفُّ عن الهروبِ ممّا اكتشفَهُ. هناك، في تلك اللحظةِ التي يتوقّفُ فيها عن استدعاءِ المحامين الداخليّين، ويجلسُ أمام نفسهِ بلا جمهورٍ، ولا منصّةٍ، ولا عذرٍ جاهزٍ، ولا روايةٍ محسّنةٍ، يبدأُ أوّلُ فجرٍ صغيرٍ في الداخلِ. ليست الشجاعةُ أن ينتصرَ الإنسانُ على العالمِ فحسب، بل أن يجلسَ أمام نفسهِ دون أن يستدعيَ محاميًا داخليًّا يدافعُ عن كلِّ هزائمهِ؛ أن يقولَ للحقيقةِ: تعالي، ولو أوجعتِ، فإنّ وجعَكِ أكرمُ من راحةِ الكذبِ، وإنّ مرآتكِ أقسى من الزينةِ، لكنّها وحدها تدلّني على الوجهِ الذي يمكنُ أن يُغْسَلَ، لا على القناعِ الذي أتقنُ تلميعَهُ في كلِّ مرّةٍ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى