الفكرتربية واجتماعمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

فقدان الدولة الثقة بقدرتها على إدارة نفسها

من سلسلة دراسة في عوامل وظواهر أفول الامبراطورية الأمريكية المعاصرة

لا تبدأ القلاع بالسقوط حين يبلغ العدوُّ أسوارها دائمًا؛ فقد يكون السور شامخًا، والمدافع مصوّبةً إلى الآفاق، والرايات مرفوعةً فوق الأبراج، بينما يكون الصدع الحقيقي قد بدأ في الحجارة التي تحمل البناء من الداخل. وربما ظل الجندي واقفًا عند الثغر، لا يعرف أن الأرض التي تحت قدميه أخذت تتخلخل، وأن الخطر الذي ينتظره وراء الأفق أقل فتكًا من الشك الذي أخذ يسري بين أهل القلعة في عدالة الحاكم، وصدق الخبر، ونزاهة القضاء، ومعنى الوطن الذي يُطلب منهم أن يموتوا من أجله.

لا تستطيع دولةٌ أن تقود نظامًا عالميًّا طويلًا إذا فقد مجتمعها الثقة بقدرته على إدارة نفسه. قد تظل غنيةً، مسلحةً، قادرةً على إرسال الأساطيل وفرض العقوبات، لكن القوة الخارجية ليست جوهرًا منفصلًا عن الداخل؛ إنها ما يستطيع المجتمع تحويله من موارده وثقته ومعرفته ومؤسساته إلى فعلٍ خارج حدوده. فإذا ضعف الوعاء الداخلي، لم تختفِ القوة دفعةً واحدة، لكنها أصبحت أكثر كلفةً، وأقل اتساقًا، وأشد تعرضًا لتقلب المزاج السياسي.

“لا تستطيع دولة أن تقود نظامًا عالميًّا طويلًا إذا فقد مجتمعها الثقة بقدرته على إدارة نفسه.”

الضرائب التي يجمعها الداخل هي التي تمول الجيش، والمصانع والمختبرات هي التي تنتج أدواته، والمؤسسات هي التي تحدد متى يُستعمل، والمجتمع هو الذي يمنح الحرب احتمال استمرارها. والتعليم والبحث العلمي لا يصنعان فرص العمل وحدها؛ يصنعان التفوق التقني الذي تقوم عليه القوة العسكرية والاقتصادية. والعقد الاجتماعي لا يوزع الحقوق والواجبات داخل الدولة فحسب؛ يحدد كذلك مقدار الأعباء الخارجية التي يستطيع المواطن تحملها قبل أن يسأل عن نصيبه من المجد الذي يموله. كما أن صورة الداخل هي الأساس الصامت للجاذبية الخارجية. فالدولة لا تقدم للعالم جيشها فقط، بل تقدم نموذجها؛ طريقة انتقال سلطتها، ومقدار عدالة مؤسساتها، وفرص الصعود فيها، وقدرتها على استيعاب المختلف، ومكان الإنسان العادي داخلها. وحين تدعو قوةٌ كبرى الشعوب إلى الاقتداء بنظامها، فإنها تعرض حياتها الداخلية شاهدًا على صحة دعوتها. فإذا تصدعت الشهادة، لم يعد يكفي أن يبقى الخطاب فصيحًا.

ولا تحتاج القوة الكبرى إلى مجتمعٍ بلا خلاف؛ فالمجتمع الخالي من الاختلاف إما ميتٌ وإما خائف. إنما تحتاج إلى إجماعٍ أعمق من السياسات والانتخابات؛ اتفاقٍ على أن النظام نفسه شرعي، وأن قواعد انتقال السلطة لا تُبدل بعد معرفة الخاسر، وأن القضاء ليس سلاحًا مؤقتًا في يد الحزب الحاكم، وأن الجيش مؤسسةٌ للدولة لا فصيلٌ سياسي، وأن الخصم يجوز أن يفوز من غير أن يصبح فوزه نهاية الوطن. تحتاج كذلك إلى حدٍّ متفق عليه للعنف السياسي. يمكن للمتنافسين أن يتهم بعضهم بعضًا بسوء الإدارة أو الظلم أو الانحراف، لكنهم ينبغي أن يظلوا داخل تصورٍ مشتركٍ يقول إن الخلاف يُحسم بصندوق الاقتراع والقضاء والنقاش العام، لا بالبندقية أو الانتقام المؤسسي. فإذا دخل العنف في المخيلة السياسية بوصفه خيارًا مشروعًا عند خسارة الوسائل الأخرى، لم تعد الدولة تعرف هل تدير مجتمعًا سياسيًّا أم هدنةً مسلحةً بين قبائل حزبية. وتحتاج القوة المستدامة إلى تعريفٍ عام للمصلحة الوطنية؛ لا بمعنى الاتفاق على كل حربٍ وتحالف، بل وجود مساحةٍ يمكن داخلها التمييز بين أمن الدولة ومصلحة الحزب، وبين الخطر الخارجي والمكسب الانتخابي. فحين يعاد تعريف العدو والصديق كل أربع سنوات، وتصبح المعاهدة امتدادًا لشخص الرئيس لا للدولة، يعجز الحلفاء والخصوم معًا عن بناء حساباتٍ بعيدة المدى.

وأعمق من ذلك كله وجود حقيقةٍ عامة يمكن النقاش حولها. لا يشترط أن يتفق الناس في تفسير الوقائع، لكن لا يمكن للديمقراطية أن تعمل إذا لم توجد وقائع يعترف الجميع بإمكان التحقق منها. فإذا أصبح الرقم حزبيًّا، والمحكمة حزبيةً، والخبر حزبيًّا، والعالِم حزبيًّا، والانتخابات صحيحةً فقط حين يفوز فريقٌ معين، لم يعد الخلاف داخل واقعٍ مشترك؛ صار صراعًا بين عوالم متوازية، لكل عالمٍ ذاكرته وأبطاله وجرائمه وحقائقه.

وهنا تظهر خطورة أزمة الثقة بالمؤسسات الأمريكية. ففي يوليو 2026 بلغ متوسط الثقة العالية أو الكبيرة في أربعَ عشرةَ مؤسسةً أمريكية أساسية 27 في المئة فقط، وبقي دون الثلاثين في المئة للعام الخامس على التوالي، فيما كانت اثنتا عشرة مؤسسةً من أصل أربعَ عشرةَ عند أدنى مستوياتها التاريخية أو قريبةً منها. لا تعني هذه الأرقام أن المؤسسات توقفت عن العمل، لكنها تعني أن الرصيد النفسي الذي يجعل المواطن يقبل قراراتها حتى حين لا توافق هواه قد أصبح رقيقًا. والأخطر من انخفاض المتوسط أن الثقة نفسها أصبحت تتبدل بدرجةٍ متزايدة تبعًا لمن يسيطر على المؤسسة. أظهر قياس غالوب في 2026 فجوةً حزبية بلغت سبعين نقطةً في الثقة بالرئاسة، وستًّا وأربعين نقطةً في الجيش، وخمسًا وأربعين في الشرطة، وأربعين في المحكمة العليا. وحين لا يرى المواطن المؤسسة مؤسسةً إلا إذا كانت في يد فريقه، فإن ولاءه لم يعد للقواعد، بل لنتيجة القواعد في لحظةٍ معينة. هذا التحول أخطر من مجرد عدم الشعبية. يمكن للناس أن يكرهوا الكونغرس ويظلوا مقتنعين بحقه في التشريع، وأن ينتقدوا المحكمة ويظلوا قابلين لتنفيذ أحكامها. أما إذا أصبح الحكم عادلًا لأنه صدر لمصلحتي، ومؤامرةً لأنه صدر ضدي، فإن المؤسسة تفقد وظيفتها كحَكَمٍ مشترك وتتحول إلى غنيمةٍ يتنازعها الحزبان.

“حين لا يرى المواطن المؤسسة مؤسسةً إلا إذا كانت في يد فريقه، فإن ولاءه لم يعد للقواعد، بل لنتيجة القواعد.”

الدولة التي تعمل مؤسساتها بهذه الصورة تستطيع اتخاذ قراراتٍ سريعة، لكنها تجد صعوبةً في بناء استراتيجيةٍ تمتد عقودًا. قد يوقع رئيسٌ اتفاقًا دوليًّا، ثم يأتي خليفته فينسحب منه لا لأن الواقع تغير فقط، بل لأن الاتفاق يحمل اسم الفريق الآخر. وقد يعيد الرئيس التالي الالتزام به، فتتعلم الدول أن السياسة الأمريكية وعدٌ صالحٌ إلى الانتخابات القادمة، لا التزامٌ لدولةٍ ممتدة في الزمن. والقوة العظمى تحتاج إلى استمراريةٍ أكبر من قوةٍ إقليمية؛ لأن التزاماتها أوسع، وحلفاءها يبنون جيوشهم واقتصاداتهم على توقعاتٍ تمتد عشرات السنين. فإذا أصبحت السياسة الخارجية بندولًا يتحرك من أقصى إلى أقصى، فإن ضخامة القوة لا تعوض فقدان القدرة على التوقع. بل قد تجعل التقلب أكثر خطورة؛ لأن العالم لا يعرف أي نسخةٍ من القوة الهائلة سيواجهها بعد دورةٍ انتخابية واحدة.

ولا يعني الاستقطاب أن يختلف الناس بحدة. فقد عرفت الديمقراطيات صراعاتٍ فكرية واجتماعيةً عميقة وكانت تلك الصراعات أحيانًا سبيلًا إلى الإصلاح. إنما يتحول الاستقطاب إلى عطبٍ بنيوي حين يتبدل وصف الخصم من منافسٍ مخطئ إلى عدوٍّ وجودي، لا يملك حق الحكم ولا يستحق الأمان إذا حكم. المنافسة السياسية تقول إن الطرف الآخر سيقود الدولة على نحوٍ سيئ، أما العداء الوجودي فيقول إنه سيدمر الدولة بمجرد وصوله. وفي الحالة الأولى يمكن أن تقبل الخسارة وتستعد للجولة التالية، أما في الثانية فتبدو كل وسيلةٍ لمنعه مشروعة؛ تعطيل المؤسسات، ونزع شرعية الانتخابات، وتسييس القضاء، وربما العنف، لأن خسارة السلطة لم تعد خسارة سياسة، بل نهاية الوطن كما يتخيله الفريق.

“يتحول الاستقطاب إلى عطب بنيوي حين يتبدل وصف الخصم من منافس مخطئ إلى عدو وجودي.”

ويولد من هذا الخوف خطاب الانتقام. لا يعد الحزب بإدارةٍ أفضل فقط، بل بملاحقة من حكموا قبله، وتطهير المؤسسات منهم، وتلقين خصومه درسًا لا ينسونه. وقد يبدأ الانتقام بلغةٍ انتخابية، لكنه يعيد تشكيل الإدارة والقضاء والأمن؛ إذ يخشى الموظف أن يُعامل بوصفه رجل الفريق السابق، ويصبح الولاء الشخصي أكثر أمانًا من المهنية، وتفقد البيروقراطية قدرتها على قول الحقيقة لمن يحكم. كما يؤثر الاستقطاب في القوة الخارجية مباشرةً. الخصوم يدرسون الانقسامات، ويضخمون الروايات التي تزيدها، ويسعون إلى جعل كل أزمةٍ دولية مادةً لحربٍ أهليةٍ إعلامية. وإذا عرف العدو أن المجتمع لا يستطيع الاتفاق حتى على وصف الهجوم الواقع عليه، فقد يحقق عبر المعلومة والإشاعة ما كان يحتاج قديمًا إلى جيوشٍ لتحقيقه. ولا ينبغي تصور الاستغلال الخارجي بوصفه خلقًا للانقسام من العدم؛ الخصم الذكي لا يصنع الشق، بل يدخل منه. إنما تقع المسؤولية الأولى على نظامٍ سمح للمنافسة الحزبية أن تلتهم المجال الوطني المشترك، وعلى شركاتٍ ومنصاتٍ وجدت في الغضب والانقسام مادةً رابحة، وعلى نخبٍ أدركت أن إثارة الخوف أسهل من بناء الثقة.

وهنا تواجه الديمقراطية الأمريكية أزمةً في العلاقة بين المثال والممارسة. فقد امتلكت الولايات المتحدة طويلًا قوةً ناعمةً مستمدة من دستورها، وانتخاباتها، واتساع مجال التعبير فيها، وقدرتها على تصحيح بعض مظالمها عبر النضال والمؤسسات. ولم تكن الفجوة بين المثال والواقع خفية؛ فقد عاشت العبودية والتمييز والتدخلات الخارجية، لكنها استطاعت تقديم تاريخها بوصفه صراعًا متواصلًا لتوسيع الوعد الدستوري. غير أن قوة هذا النموذج تتراجع حين يبدو المال أكثر قدرةً من المواطن على فتح أبواب القرار، وحين ترسم الدوائر الانتخابية بحيث يختار السياسيون ناخبيهم بدل أن يختار الناخبون السياسيين، وحين يصبح الوصول إلى النفوذ غير متساوٍ، أو تتبدل الثقة بالقضاء والانتخابات بحسب النتيجة. لا تحتاج الديمقراطية إلى مساواةٍ كاملة في التأثير، لكنها تفقد روحها حين يصبح صوت المواطن طقسًا رمزيًّا فوق سوقٍ سياسيةٍ يشتري فيها الأقوى وصولًا أكبر إلى السمع والقرار.

وكلما ضعفت الديمقراطية في ممارستها ضعفت قدرة الدولة على استخدامها لغةً في الخارج. تستطيع واشنطن أن تدين انتخاباتٍ مزورةً في دولةٍ أخرى، لكن حجة الإدانة تفقد شيئًا من بريقها إذا كان الأمريكيون أنفسهم يشكون في نزاهة قواعد المنافسة أو حياد المؤسسات. ويستفيد النظام الاستبدادي من كل خللٍ أمريكي كي يقول لشعبه إن الديمقراطية ليست إلا قناعًا آخر لحكم المال والنخب. ولا تثبت تناقضات أمريكا أن الاستبداد أفضل، كما لا تبرئ الانتخاباتُ الأمريكية خصومها من القمع. لكن القوة الناعمة لا تُقاس بالمقارنة مع الأسوأ فقط؛ تقاس بمقدار الوفاء بالوعد الذي جعل النموذج جديرًا بالتقليد. فإذا اعتادت الدولة أن تقول إن عيوبها أقل من عيوب منافسيها، فقد تحافظ على تفوقٍ نسبي، لكنها تفقد طاقة الرسالة التي تجعل الناس يريدون الاقتراب منها.

ثم يأتي العطب المعرفي بوصفه أخطر الشقوق وأقلها ظهورًا. فالسياسة تستطيع أن تعمل مع اختلاف المصالح، لكنها لا تستطيع العمل طويلًا مع انهيار وسائل معرفة الواقع. تحتاج الدولة في الحرب والاقتصاد والصحة والمناخ إلى أن تجمع المعلومات وتفحصها وتفرق بين الخبر والرغبة. فإذا تحول كل مصدرٍ إلى قبيلة، لم يعد السؤال ما الصحيح، بل مَن قاله.

صنعت المنصات الرقمية مجالًا عامًا سريعًا ومفتوحًا، لكنها جعلت كذلك كل فردٍ يعيش داخل غرفةٍ تعيد إليه صوته في صورة إجماع. والخوارزمية لا تبحث بالضرورة عن الحقيقة، بل عن المادة التي تبقي العين على الشاشة، والغضب والخوف والفضيحة أكثر قدرةً على ذلك من التفسير الهادئ. وبذلك لا تنتشر الأكاذيب لأنها أكثر إقناعًا دائمًا، بل لأنها أكثر قابليةً للاستهلاك.

ومع الذكاء الاصطناعي والتزييف المتقدم لا يصبح الخطر أن يصدق الناس صورةً مزيفةً فقط، بل أن يتوقفوا عن تصديق الصورة الصحيحة أيضًا. فحين يعرف المواطن أن كل تسجيلٍ قابل للتصنيع، يستطيع صاحب الجريمة أن يصف الدليل الحقيقي بأنه مزور. وهكذا لا ينتصر الكذب بأن يقنع الجميع بروايةٍ واحدة، بل بأن يجعل الوصول إلى أي يقينٍ مشترك متعذرًا.

“لا ينتصر الكذب بأن يقنع الجميع برواية واحدة، بل بأن يجعل الوصول إلى أي يقين مشترك متعذرًا.”

وتضاعف أزمة الصحافة المحلية هذا الفراغ. ففي 2025 بلغ عدد المقاطعات الأمريكية التي لا تملك مصدر أخبارٍ محليًّا 213 مقاطعة، ولم يبقَ في 1,524 مقاطعة سوى مصدرٍ واحد، وقدرت دراسة «ميديل» أن نحو خمسين مليون أمريكي يعيشون مع وصولٍ محدود أو معدوم إلى الأخبار المحلية؛ كما فقد قطاع الصحف أكثر من ثلاثة أرباع وظائفه منذ 2005. حين تختفي الصحيفة التي تراقب المجلس المحلي والمحكمة والميزانية، لا يبقى الفراغ محليًّا؛ تملؤه الرواية الوطنية الغاضبة والمعلومة غير المختبرة.

والإنسان الذي لا يعرف ما يفعله مجلس مدينته قد يقضي يومه في حربٍ رقمية حول مصير الحضارة. ينفصل المواطن عن الواقع الذي يستطيع التأثير فيه، ويغرق في صراعاتٍ رمزيةٍ لا يملك حسمها. وهكذا يصبح المجال العام شديد الحرارة قليل الإنتاج؛ غضبٌ هائل لا يتحول إلى إدارةٍ أفضل، وشعورٌ دائم بالخطر لا ينتج اتفاقًا على ماهية الخطر. وعندما ينهار المجال المعرفي المشترك، تعجز الدولة عن اتخاذ قراراتٍ مؤلمةٍ طويلة الأجل. كل إصلاحٍ ضريبي يصبح مؤامرة، وكل سياسةٍ صحية تصبح قمعًا، وكل تقديرٍ استخباراتي يصبح دعاية حزبية، وكل نتيجة انتخابات تصبح قابلةً للرفض. لا يعود صانع القرار خائفًا من خطأ القرار فقط، بل من استحالة إقناع نصف المجتمع بأي قرارٍ لم يصدر عن فريقه.

وقد عرفت الإمبراطوريات السابقة آثار العطب الداخلي بأشكالٍ مختلفة. لم تُهزم روما لأن حدودها كانت واسعةً فحسب، بل لأن الصراع الأهلي حول السلطة والجيش أضعف قدرة المركز على توجيه موارده نحو الحدود. ولم يتآكل الاتحاد السوفيتي بسبب المنافسة الخارجية وحدها؛ فقد اجتمع الجمود الاقتصادي مع ضعف شرعية النظام وقدرته على تحفيز النخب والعاملين، حتى صارت اللغة الرسمية منفصلةً عن الحياة التي يعيشها الناس. وكانت تقارير أمريكية داخلية في الثمانينيات تصف تلاقي الركود الاقتصادي مع تراجع قدرة النظام السوفيتي على تحفيز السلوك المنتج، وإن أخطأت تلك التقارير نفسها أحيانًا في تقدير سرعة التحول.

لكن التشبيه لا يعني أن الولايات المتحدة اتحادٌ سوفيتي جديد، أو أن كل انخفاضٍ في الثقة مقدمةٌ لانهيار. الديمقراطية بطبيعتها تكشف خلافاتها، بينما تستطيع الأنظمة المغلقة إخفاء التصدعات إلى لحظة الانفجار. وقد يكون الصراع العلني علامة حياة إذا ظل داخل القواعد؛ لأن المجتمع الذي يستطيع فضح مشكلاته يملك فرصةً لإصلاحها. إنما السؤال هو ما إذا بقيت القواعد نفسها موضع اتفاق، وما إذا كان الاعتراف بالخطأ يؤدي إلى الإصلاح أم إلى نزع الشرعية عن المؤسسة كلها. الأزمة قابلةٌ للعلاج حين يختلف المواطنون على السياسة ويحتكمون إلى نظامٍ مشترك؛ أما الانحلال فيبدأ حين يصبح النظام نفسه مجرد أداةٍ يتشبث بها الفائز ويرفضها الخاسر.

لا يبدأ أفول القوة الخارجية يوم ينخفض عدد السفن، بل يوم تفقد الدولة قدرتها على اتخاذ قرارٍ يثق المجتمع بأنه صدر عن مؤسساتٍ شرعية، حتى لو عارض مضمونه. وحين يصبح كل التزامٍ عالمي مشروع حزب، وكل حربٍ معركةً انتخابية، وكل حقيقةٍ رأيًا، لا تعود الإمبراطورية قادرةً على تحويل تفوقها إلى قيادةٍ مستدامة. قد تظل القلعة منيعةً أمام جيوش الخارج، لكن العطب يكون قد بلغ قلبها؛ إذ يصبح المجتمع مطالبًا بتمويل نظامٍ عالمي لا يثق بمن يديره، وبالدفاع عن نموذجٍ لا يرى وعده متحققًا في حياته، وبحمل راية العظمة فوق بيتٍ يتنازع أهله على معنى الشرعية والحقيقة والوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى