الفكرتربية واجتماعرؤى فلسفيةمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

بين المثالية والواقعية وعجز الصلاح عن الإصلاح

لماذا يفشل الصالحون في تغيير المجتمع وتحويل النقاء الفردي إلى تأثير مؤسسي؟

في كلِّ عصرٍ تقريبًا تظهرُ تلكَ المفارقةُ التي تُحزنُ القلبَ وتستفزُّ العقلَ؛ رجالٌ ونساءٌ يملكونَ نصيبًا ظاهرًا من الاستقامةِ، وصدقًا في النيةِ، ونقاءً في السلوكِ، وحرصًا على الفضيلةِ، ثمَّ لا يتجاوزُ أثرُهُمْ حدودَ دوائرِهِمُ الضيقةِ، كأنَّهُمْ شموعٌ كثيرةٌ وُضعتْ في غرفةٍ مغلقةٍ، فأضاءتْ وجوهَ أصحابِها ولمْ تكسرْ ليلَ المدينةِ. نرى الصالحَ الفرديَّ قائمًا، وربما نراهُ عذبًا مؤثرًا في محيطِهِ القريبِ، لكنَّنا لا نراهُ يتحولُ إلى موجةٍ اجتماعيةٍ، ولا إلى نظامٍ تربويٍّ، ولا إلى قوةٍ ضاغطةٍ، ولا إلى ثقافةٍ عامةٍ، ولا إلى بديلٍ قادرٍ على مزاحمةِ الفسادِ في السوقِ، والرداءةِ في الإعلامِ، والنفاقِ في السياسةِ، والاستهلاكِ في الوعيِ، والسطحيةِ في التربيةِ. وهنا ينبثقُ السؤالُ الذي لا يجوزُ دفنُهُ تحتَ العاطفةِ ولا تذويبُهُ في المواعظِ السريعةِ؛ لماذا يفشلُ الصالحونَ في تغييرِ المجتمعِ؟

ليسَ المقصودُ بهذا السؤالِ اتهامَ الصلاحِ، ولا التقليلَ من شأنِ النقاءِ الفرديِّ، ولا الاستهانةَ بالاستقامةِ التي تحفظُ للإنسانِ ضميرَهُ من التلوثِ. فالصلاحُ في ذاتِهِ قيمةٌ جليلةٌ، ومنْ فقدَ صلاحَهُ الداخليَّ فقدَ البوصلةَ الأولى التي تمنعُهُ منْ أن يتحولَ إلى أداةٍ في يدِ شهوتِهِ أو مصلحتِهِ أو خوفِهِ. لكنَّ الخطأَ يبدأُ حينَ نخلطُ بينَ صلاحِ الفردِ وصناعةِ التأثيرِ، وبينَ النجاةِ الذاتيةِ والقدرةِ على التحويلِ الاجتماعيِّ، وبينَ أن يكونَ المرءُ نقيًا في نفسِهِ وأن يكونَ قادرًا على بناءِ نسقٍ يمدُّ هذا النقاءَ إلى غيرِهِ. فالزهرةُ الجميلةُ قد تكونُ دليلًا على خصوبةِ موضعِها، لكنَّها لا تصنعُ غابةً. والقطرةُ الصافيةُ قد تشهدُ بطهارةِ مصدرِها، لكنَّها لا تكفي وحدَها لغسلِ نهرٍ تعكرتْ مجاريهِ. وكذلكَ الصالحُ إذا ظلَّ صلاحُهُ قائمًا في حدودِ الضميرِ الفرديِّ، ولمْ يملكْ أدواتِ الفهمِ والتواصلِ والتنظيمِ والبناءِ، بقيَ طيبًا في ذاتِهِ، ضعيفًا في أثرِهِ.

إنَّ الفرقَ بينَ الصلاحِ والتأثيرِ كالفرقِ بينَ نورٍ كامنٍ في مصباحٍ مغطى، وشبكةِ كهرباءٍ قادرةٍ على إنارةِ مدينةٍ. الصلاحُ حالةٌ روحيةٌ وأخلاقيةٌ؛ هوَ صفاءُ قصدٍ، ونزاهةُ يدٍ، واستقامةُ ضميرٍ، ومقاومةٌ للانحرافِ الشخصيِّ. أما التأثيرُ فهوَ علمٌ وفنٌّ ومهارةٌ ومنهجٌ وقدرةٌ على نقلِ القيمةِ من الداخلِ إلى الخارجِ، ومن الفردِ إلى الجماعةِ، ومن المثالِ إلى المؤسسةِ، ومن النيةِ إلى البنيةِ، ومن الوعظِ إلى الفعلِ. قد يكونُ الصالحُ عفيفًا عن الحرامِ، لكنَّهُ لا يعرفُ كيفَ يبني بيئةً تقللُ دوافعَ الناسِ إليهِ. وقد يكونُ صادقًا في كلامِهِ، لكنَّهُ لا يعرفُ كيفَ يجعلُ الصدقَ ثقافةً داخلَ مؤسسةٍ. وقد يكونُ رحيمًا بالضعفاءِ، لكنَّهُ لا يعرفُ كيفَ يحولُ الرحمةَ إلى مشروعٍ يطعمُ الجائعَ، ويعلمُ الجاهلَ، ويدربُ العاطلَ، ويحمي المظلومَ. وحينئذٍ لا يكونُ الخللُ في صلاحِهِ، بلْ في قصورِ صلاحِهِ عنِ اكتسابِ الجسدِ الاجتماعيِّ الذي يمكنُهُ من الحركةِ.

“إنَّ الفرقَ بينَ الصلاحِ والتأثيرِ كالفرقِ بينَ نورٍ كامنٍ في مصباحٍ مغطى، وشبكةِ كهرباءٍ قادرةٍ على إنارةِ مدينةٍ؛ الصلاحُ حالةٌ روحيةٌ وأخلاقيةٌ، أما التأثيرُ فهوَ قدرةٌ على نقلِ القيمةِ من الداخلِ إلى الخارجِ، ومن المثالِ إلى المؤسسةِ.”

وإنَّ كثيرًا من الصالحينَ يتعاملونَ معَ المجتمعِ كما لو كانَ نفسًا واحدةً ضالةً تحتاجُ إلى موعظةٍ واحدةٍ، معَ أنَّ المجتمعَ كائنٌ مركبٌ من مصالحَ، ومخاوفَ، وطبقاتٍ، وعاداتٍ، وشبكاتِ قوةٍ، ومراكزِ تأثيرٍ، وتاريخٍ طويلٍ من التراكماتِ. الإنسانُ لا يتغيرُ لأنَّهُ سمعَ الحقَّ مرةً، ولا الجماعةُ تتحولُ لأنَّها تأثرتْ بخطبةٍ عابرةٍ، ولا السوقُ يتركُ جشعَهُ لأنَّ صالحًا صرخَ فيهِ، ولا الإعلامُ يتخلى عن تفاهتِهِ لأنَّ واعظًا شكا من فسادِ الذوقِ. الواقعُ لهُ قوانينُهُ، كما للطبيعةِ قوانينُها. ومنْ دخلَ على الواقعِ بقلبٍ طاهرٍ وعقلٍ غائبٍ كانَ كمنْ يدخلُ غرفةَ العملياتِ وهوَ يحملُ وردةً بدلَ المشرطِ؛ نيتُهُ جميلةٌ، لكنَّ المريضَ قد يموتُ بينَ يديهِ.

ومنْ هنا تظهرُ مأساةُ الاعتمادِ على الإخلاصِ وحدَهُ. الإخلاصُ شرطٌ عظيمٌ، لكنَّهُ ليسَ بديلاً عن المعرفةِ. إنَّهُ البوصلةُ التي تحفظُ المسافرَ من المتاهةِ، لكنَّهُ ليسَ المركبَ، ولا الخريطةَ، ولا معرفةَ الرياحِ، ولا خبرةَ الموجِ، ولا مهارةَ النجاةِ من العواصفِ. الإخلاصُ يطهّرُ القصدَ، لكنَّهُ لا يمنحُ صاحبَهُ تلقائيًا فقهَ الواقعِ، ولا علمَ النفوسِ، ولا مهاراتِ التربيةِ، ولا فهمَ الاقتصادِ، ولا إدراكَ طبائعِ الجماعاتِ، ولا معرفةَ كيفَ تُبْنَى المؤسساتُ، ولا كيفَ تُدَارُ الصراعاتُ، ولا كيفَ تُكْتَسَبُ الثقةُ، ولا كيفَ يُقَدَّمُ الحقُّ في صورةٍ تحتملُها العقولُ والقلوبُ. ومنْ أخطرِ الأوهامِ أن نظنَّ أنَّ صفاءَ النيةِ وحدَهُ سيجبرُ الواقعَ على الانصياعِ. هذا لونٌ من السحرِ الأخلاقيِّ الذي يجعلُ الدعاءَ بديلًا عن التخطيطِ، والحرقةَ بديلًا عن الفهمِ، والوعظَ بديلًا عن البناءِ.

“الإخلاصُ شرطٌ عظيمٌ، لكنَّهُ ليسَ بديلاً عن المعرفةِ. الإخلاصُ يطهّرُ القصدَ، لكنَّهُ لا يمنحُ صاحبَهُ تلقائيًا فقهَ الواقعِ، ولا علمَ النفوسِ، ولا مهاراتِ التربيةِ.”

كمْ من مخلصٍ أرادَ الإصلاحَ فزادَ الناسَ نفورًا، لا لأنَّ الحقَّ الذي يحملُهُ باطلٌ، بلْ لأنَّهُ قدمَهُ بيدٍ خشنةٍ، أو بلغةٍ متعاليةٍ، أو في وقتٍ غيرِ مناسبٍ، أو بلا فهمٍ لحاجاتِ المخاطبينَ. وكمْ من مربٍّ صادقٍ أرادَ أن ينقذَ شابًا من الانحرافِ، فخاطبَهُ كأنَّهُ كتلةُ خطايا لا إنسانٌ مجروحٌ، فدفعَهُ إلى مزيدٍ من العنادِ. وكمْ من خطيبٍ غيورٍ على القيمِ ملأَ المنبرَ بالصراخِ على فسادِ المجتمعِ، لكنَّهُ لمْ يقدمْ للناسِ طريقًا عمليًا يخففُ عنهُمْ ضغطَ الفقرِ، أو قلقَ الأسرةِ، أو إغراءَ الشاشاتِ، أو فراغَ المعنى. وكمْ من جماعةٍ صالحةٍ بدأتْ بمقصدٍ نبيلٍ ثمَّ ضاعتْ لأنَّها لمْ تملِكْ منهجًا، ولا ترتيبَ أولوياتٍ، ولا مؤسساتٍ، ولا قدرةً على الاختلافِ الداخليِّ، ولا آليةً لمراجعةِ الأخطاءِ. النوايا الحسنةُ حينَ تتحركُ بلا منهجٍ قد تصيرُ كالسيلِ العارمِ: يخرجُ من السماءِ ماءً طاهرًا، لكنَّهُ إذا نزلَ بلا مجرى قد يهدمُ البيوتَ بدلَ أن يسقيَ الزرعَ.

ضعفُ المنهجِ من أكبرِ أسبابِ ضياعِ النياتِ الحسنةِ. فالمنهجُ ليسَ تعقيدًا نظريًا ولا ترفًا للنخبِ، بلْ هوَ الجسرُ الذي يعبرُ عليهِ الصلاحُ من عالمِ النيةِ إلى عالمِ الفعلِ. المنهجُ يعني أن نعرفَ ماذا نغيّرُ أولًا، وماذا نؤجلُ، وماذا نخاطبُ، وبأيِّ لغةٍ، ومن أينَ تبدأُ العلةُ، وما الفرقُ بينَ المرضِ والعرضِ، وما الممكنُ اليومَ، وما الذي يحتاجُ إلى عشرِ سنواتٍ، وأينَ نحتاجُ إلى موعظةٍ، وأينَ نحتاجُ إلى قانونٍ، وأينَ نحتاجُ إلى تعليمٍ، وأينَ نحتاجُ إلى نموذجٍ عمليٍّ، وأينَ نحتاجُ إلى اقتصادٍ بديلٍ، وأينَ يكونُ الصدامُ ضروريًا، وأينَ يكونُ التدرجُ أذكى وأبقى. بلا منهجٍ، يتحولُ الإصلاحُ إلى انفعالٍ أخلاقيٍّ متقطعٍ، وإلى جولاتٍ حماسيةٍ تُربكُ المجتمعَ ولا تبنيهِ.

والوعيُ هنا ليسَ مجردَ معرفةٍ بأنَّ المجتمعَ فاسدٌ أو أنَّ القيمَ تتراجعُ. هذا وعيٌ تقريريٌّ قد يملكُهُ كلُّ غاضبٍ، لكنَّهُ لا يصنعُ تغييرًا. أن تعرفَ أنَّ المدينةَ تحترقُ لا يكفي لإطفاءِ الحريقِ. لا بدَّ أن تعرفَ أينَ بدأَ الحريقُ، وما اتجاهُ الريحِ، وأينَ خزاناتُ الماءِ، وكيفَ تُفْتَحُ الطرقُ، وكيفَ يُنْقَذُ العالقونَ، ومن يملكُ الأدواتِ، ومن يعرقلُ، ومن يمكنُ إقناعُهُ، ومن يجبُ عزلُهُ عن المشهدِ. الوعيُ الحقيقيُّ هوَ القدرةُ على تحويلِ الألمِ إلى خريطةٍ. أما الوعيُ الذي يكتفي بالندبِ، فيتحولُ معَ الوقتِ إلى ثقافةِ عجزٍ؛ يرى القبحَ، ثمَّ يعيدُ وصفَهُ كلَّ يومٍ، حتى يغدو وصفُ الخرابِ بديلًا عن مقاومتِهِ.

“الوعيُ الحقيقيُّ هوَ القدرةُ على تحويلِ الألمِ إلى خريطةٍ. أما الوعيُ الذي يكتفي بالندبِ، فيتحولُ معَ الوقتِ إلى ثقافةِ عجزٍ؛ يرى القبحَ، ثمَّ يعيدُ وصفَهُ كلَّ يومٍ، حتى يغدو وصفُ الخرابِ بديلًا عن مقاومتِهِ.”

ولذلكَ ينهزمُ كثيرٌ من الصالحينَ أمامَ الفجوةِ بينَ المثاليةِ والواقعيةِ. يرونَ ما ينبغي أن يكونَ، ثمَّ ينظرونَ إلى ما هوَ كائنٌ، فيصيبُهُمْ ذعرُ المسافةِ. بعضُهُمْ يهربُ إلى العزلةِ، وبعضُهُمْ يبالغُ في التوبيخِ، وبعضُهُمْ يحترقُ في موجةِ حماسٍ ثمَّ يخمدُ، وبعضُهُمْ يتحولُ إلى ناقدٍ دائمٍ لا يبني شيئًا لأنَّهُ يرى فسادَ كلِّ شيءٍ. وهذه كلُّها صورٌ من عجزِ الوعيِ حينَ لا يتحولُ إلى قدرةٍ. فالوعيُ إذا لمْ يكتسبْ أدواتِ الفعلِ يصبحُ عبئًا على صاحبِهِ، كعينٍ ترى الجرحَ ولا تملكُ يدًا تضمّدُهُ. أما الوعيُ الاستراتيجيُّ فيجزّئُ المستحيلَ الكبيرَ إلى ممكناتٍ صغيرةٍ، ويعرفُ أنَّ الإصلاحَ لا يُنْجَزُ بضربةٍ واحدةٍ، بلْ بتراكمٍ طويلٍ، وأنَّ السننَ الاجتماعيةَ لا تحترمُ الحماسةَ المجردةَ، بلْ تحترمُ العملَ الصبورَ المنظمَ.

من أعمقِ أسبابِ فشلِ الصالحينَ كذلكَ أنَّهُمْ كثيرًا ما يسيئونَ فهمَ الإنسانِ الذي يريدونَ إصلاحَهُ. فهم يرونَهُ من جهةِ خطئِهِ فقطْ، ولا يرونَهُ في كليتِهِ؛ خوفَهُ، وحاجتَهُ، وكرامتَهُ، وجرحَهُ، ومصلحتَهُ، وخبراتِهِ السابقةَ، وصورتَهُ عن نفسِهِ، وما يخسرُهُ إذا تغيرَ، وما يخشاهُ إن تبعَهُمْ، ومن يثقُ بهِ، ومن يخافُ منْهُ، وما اللغةُ التي يفهمُها، وما النموذجُ الذي يستطيعُ الاقتداءَ بهِ. الإنسانُ لا ينتقلُ من حالٍ إلى حالٍ بمجردِ البرهانِ، لأنَّ الإنسانَ ليسَ عقلًا مجردًا. فيهِ هوىً، وذاكرةٌ، ومصلحةٌ، وانتماءٌ، وخوفٌ، وحياءٌ، وغرورٌ، واحتياجٌ إلى الاعترافِ. ومنْ أرادَ التأثيرَ في الناسِ فعليهِ أن يفهمَ الإنسانَ لا أن يحاكمَهُ فقطْ. فالحقيقةُ التي تُقَالُ دونَ فقهٍ بالنفسِ قد تصبحُ سوطًا، والحقيقةُ التي تُصَاغُ في لغةِ الرحمةِ والحكمةِ قد تصبحُ بابًا.

إنَّ الصالحَ الذي لا يفهمُ مصالحَ الناسِ يعجزُ عن تحويلِ فضيلتِهِ إلى جاذبيةٍ. لا يكفي أن تقولَ للناسِ إنَّ الأمانةَ جميلةٌ؛ أرِهِمْ كيفَ تبني الأمانةُ سوقًا أكثرَ ثقةً، وبيتًا أكثرَ طمأنينةً، ومدرسةً أكثرَ عدلًا، ومؤسسةً أقلَّ فسادًا. لا يكفي أن تقولَ إنَّ العلمَ نورٌ؛ اصنعْ مسارًا يخرجُ بهِ الجاهلُ من عتمتِهِ. لا يكفي أن تذمَّ التفاهةَ؛ قدّمْ بديلًا ممتعًا وراقيًا وقابلًا للحياةِ. لا يكفي أن تلعنَ الأنانيةَ؛ ابنِ صورًا عمليةً للتكافلِ تجعلُ الناسَ يرونَ أنَّ الخيرَ ليسَ خسارةً. الفضيلةُ حينَ تبقى خطابًا مجردًا تبدو لكثيرٍ من الناسِ عبئًا ثقيلًا، لكنَّها حينَ تتحولُ إلى حلٍّ لمشكلةٍ واقعيةٍ تصبحُ قابلةً للانتشارِ.

“إنَّ العزلةَ قد تكونُ ضرورةً مؤقتةً لحمايةِ الروحِ وتجديدِ البصيرةِ، لكنَّها إذا تحولتْ إلى منهجٍ دائمٍ صارتْ خيانةً لوظيفةِ الصلاحِ الاجتماعيةِ. ما قيمةُ نورٍ لا يقتربُ من العتمةِ؟ وما معنى طهرٍ لا يملِكُ شجاعةَ لمسِ يدِ المريضِ؟”

وهنا تبرزُ ضرورةُ الترجمةِ. ليستِ الترجمةُ هنا نقلًا من لغةٍ إلى لغةٍ، بلْ نقلُ القيمةِ من مقامِها الأخلاقيِّ العالي إلى صورةٍ يفهمُها الناسُ داخلَ حاجاتِهِمُ اليوميةِ. فحينَ تخاطبُ شابًا ضائعًا لا يكفي أن تحدثَهُ عن السموِّ، بلْ ترجمِ السموَّ إلى هدفٍ، ومهارةٍ، ورفقةٍ، وكرامةٍ، وفرصةٍ. وحينَ تخاطبُ أسرةً متعبةً لا يكفي أن ترددَ فضائلَ الصبرِ، بلْ ترجمِ الصبرَ إلى إدارةِ خلافٍ، وتربيةٍ رحيمةٍ، واقتصادٍ منزليٍّ، وحوارٍ يحفظُ الودَّ. وحينَ تخاطبُ مجتمعًا غارقًا في الاستهلاكِ لا يكفي أن تذمَّ الدنيا، بلْ ترجمِ الزهدَ إلى حريةٍ من العبوديةِ للإعلاناتِ والديونِ والمظاهرِ. كلُّ قيمةٍ لا تُتَرْجَمُ إلى سلوكٍ قابلٍ للفهمِ والتطبيقِ تبقى كنجمةٍ بعيدةٍ: جميلةٌ في السماءِ، قليلةُ النفعِ لمن يتعثرُ في الطريقِ.

ومنْ آفاتِ الصالحينَ كذلكَ وهمُ العزلةِ الحصينةِ. حينَ يطولُ الاحتكاكُ بفسادِ الواقعِ، يميلُ بعضُ أصحابِ النقاءِ إلى بناءِ ديرٍ معنويٍّ حولَ أنفسِهِمْ. يكتفونَ بصحبةِ من يشبهونَهُمْ، وبمصطلحاتِهِمُ الخاصةِ، وبالإحساسِ الداخليِّ بأنَّهُمْ أنقى من السوقِ وأرفعُ من العامةِ وأطهرُ من ضجيجِ المجتمعِ. وهذهِ العزلةُ قد تحفظُ لهُمْ شيئًا من صفائِهِمْ، لكنَّها غالبًا تسلبُهُمُ القدرةَ على التأثيرِ. إنَّ من يريدُ إصلاحَ الناسِ لا يستطيعُ أن يظلَّ بعيدًا عن روائحِهِمْ وجراحِهِمْ وأسئلتِهِمْ ومشكلاتِهِمْ. الطبيبُ الذي يكرهُ رائحةَ المستشفى لن ينقذَ المرضى، والمربي الذي يخافُ من اضطرابِ الشبابِ لن يصنعَ رجالًا، والمصلحُ الذي لا يحتملُ وحلَ الواقعِ لن يزرعَ فيهِ شيئًا.

والنزولُ إلى الواقعِ لا يعني التلوثَ بهِ، بلْ يعني امتلاكَ طهارةٍ قادرةٍ على العملِ في موضعِ المرضِ. هناكَ فرقٌ بينَ من يدخلُ السوقَ ليصبحَ تاجرًا بقيمِهِ، ومن يدخلُ السوقَ ليعيدَ شيئًا من العدلِ إلى البيعِ والشراءِ. فرقٌ بينَ من يخالطُ الناسَ فيذوبُ في أخطائِهِمْ، ومن يخالطُهُمْ ليفهمَهُمْ ويعينَهُمْ ويزاحمَ الشرَّ بخيرٍ عمليٍّ. إنَّ العزلةَ قد تكونُ ضرورةً مؤقتةً لحمايةِ الروحِ وتجديدِ البصيرةِ، لكنَّها إذا تحولتْ إلى منهجٍ دائمٍ صارتْ خيانةً لوظيفةِ الصلاحِ الاجتماعيةِ. ما قيمةُ نورٍ لا يقتربُ من العتمةِ؟ وما معنى طهرٍ لا يملِكُ شجاعةَ لمسِ يدِ المريضِ؟

ويزيدُ الأمرَ تعقيدًا أنَّ كثيرًا من الصالحينَ أسرى للانفعالِ العاطفيِّ. يغضبونَ للحقِّ غضبًا صادقًا، لكنَّ غضبَهُمْ لا يتحولُ إلى خطةٍ. يتأثرونَ بالمشاهدِ المؤلمةِ، فيندفعونَ بحملاتٍ حماسيةٍ، ثمَّ يهدؤونَ حينَ تخبو اللحظةُ. يشبهونَ سيلًا يملأُ الواديَ فجأةً ثمَّ يتركُهُ جافًا بعدَ أيامٍ. أما التغييرُ الحقيقيُّ فيحتاجُ إلى قناةٍ لا إلى سيلٍ؛ إلى طاقةٍ تضبطُها رؤيةٌ، وحماسٍ يروّضُهُ عقلٌ، وغضبٍ تربيهِ حكمةٌ، وصبرٍ طويلٍ يرضى بأن يعملَ في العمقِ دونَ تصفيقٍ. المجتمعاتُ لا تتغيرُ بمنشورٍ غاضبٍ، ولا بخطبةٍ صاخبةٍ، ولا بمبادرةٍ عابرةٍ، بلْ بتراكمِ مشاريعَ صغيرةٍ تتصلُ حتى تصيرَ تيارًا، وبأناسٍ يقبلونَ أن يزرعوا ما قد يحصدُهُ غيرُهُمْ.

الانفعالُ وحدَهُ يحبُّ النتائجَ السريعةَ، ولذلكَ ييأسُ سريعًا. أما الفعلُ الاستراتيجيُّ فيعرفُ أنَّ بناءَ الإنسانِ أبطأُ من هدمِهِ، وأنَّ تغييرَ العادةِ أصعبُ من إدانتِها، وأنَّ نقلَ المجتمعِ من نمطٍ إلى نمطٍ يحتاجُ إلى أجيالٍ من التربيةِ والثقافةِ والمؤسساتِ. الانفعالُ يريدُ أن يرى الثمرةَ في آخرِ الأسبوعِ، أما الإصلاحُ فيعرفُ أنَّ الشجرةَ تحتاجُ إلى جذورٍ قبلَ الثمرِ. ولهذا يفشلُ من يقيسُ نجاحَهُ بعددِ الذينَ صفقوا لهُ اليومَ، وينجحُ من يقيسُهُ بعددِ البذورِ التي زرعَها في وعيِ الناسِ ولوْ لمْ يرَ ثمارَها بعدُ. ليستْ كلُّ نتيجةٍ عظيمةٍ مرئيةً في بدايتِها، وكثيرٌ من التحولاتِ الكبرى بدأتْ كخيطٍ رفيعٍ من عملٍ صادقٍ منظمٍ ثمَّ صارتْ معَ الزمنِ نهرًا.

“الإصلاحُ الحقيقيُّ يبدأُ حيثُ تنتهي الشكوى. والكلمةُ التي لا تتبعُها بنيةُ عملٍ قد تكونُ جميلةً لكنَّها عابرةٌ. أما الكلمةُ التي تتحولُ إلى مشروعٍ، ولوْ صغيرًا، فهيَ بذرةٌ في الأرضِ.”

ولكيْ تتحولَ الفضيلةُ الفرديةُ إلى قوةٍ اجتماعيةٍ، لا بدَّ أن تخرجَ من ثوبِ البطولةِ المنفردةِ إلى عقلِ المؤسسةِ. فالمجتمعُ لا يتغيرُ بالصالحِ الوحيدِ، مهما بلغَ نقاؤُهُ، إذا ظلَّ يعملُ وحدَهُ، وينهكُ وحدَهُ، ويغضبُ وحدَهُ، ويموتُ أثرُهُ بموتِهِ. الفضيلةُ الفرديةُ تحتاجُ إلى شبكةٍ، إلى رفاقٍ، إلى مؤسساتٍ، إلى تعليمٍ، إلى أدواتٍ، إلى مواردٍ، إلى نظامٍ يضمنُ استمرارَ القيمةِ بعدَ غيابِ صاحبِها. الصالحُ الذي يعلمُ عشرةً ثمَّ لا يبني طريقةً تجعلُ هؤلاءِ العشرةَ يعلمونَ غيرَهُمْ يبقى أثرُهُ محدودًا. والذي يتصدقُ على فقيرٍ ثمَّ لا يفكرُ في مشروعٍ يعالجُ سببَ الفقرِ يخففُ ألمًا ولا يغيرُ بنيةً. والذي ينصحُ شابًا ثمَّ لا يفتحُ لهُ بابًا في صحبةٍ صالحةٍ أو عملٍ أو علمٍ أو معنىً قد يتركُهُ وحيدًا أمامَ الجذبِ القديمِ.

إنَّ المؤسسةَ هنا لا تعني بالضرورةِ بناءً رسميًا ضخمًا، بلْ تعني انتظامَ الفعلِ حتى لا يبقى مرهونًا بمزاجِ الفردِ وحماسِهِ. قد تكونُ المؤسسةُ مدرسةً صغيرةً، أو حلقةَ علمٍ جادةً، أو مبادرةَ تدريبٍ، أو منصةً ثقافيةً رصينةً، أو تعاونيةً اقتصاديةً، أو فريقًا تطوعيًا منضبطًا، أو شبكةَ أسرٍ تتعاونُ على تربيةِ أبنائِها، أو مشروعًا إعلاميًا يزاحمُ الرداءةِ بجمالٍ واعٍ. المهمُّ أن تتحولَ الفضيلةُ من لحظةٍ إلى نظامٍ، ومن شخصٍ إلى عملٍ متكررٍ، ومن وعظٍ إلى نموذجٍ، ومن حماسةٍ إلى ذاكرةٍ تراكميةٍ. حينئذٍ تصبحُ الأخلاقُ قوةً اجتماعيةً لا مجردَ حالةٍ شخصيةٍ.

ومنْ شروطِ هذا التحولِ أيضًا أن يبحثَ الصالحونَ عن بعضِهِمْ لا ليصنعوا جماعةً تعزلُ نفسَها عن الناسِ، بلْ ليكونوا كتلةً حرجةً قادرةً على الضغطِ والبناءِ. الفردُ الصالحُ وحدَهُ يُسْتَهْلَكُ سريعًا، لأنَّهُ يواجهُ منظوماتٍ كاملةً من الفسادِ والرداءةِ والإغراءِ. أما حينَ تتصلُ الفضائلُ الفرديةُ في شبكةٍ واعيةٍ، فإنَّها تنتقلُ من العجزِ إلى الفاعليةِ. المعلمُ الصالحُ يحتاجُ إلى إدارةٍ تؤمنُ بقيمتِهِ، وأهلٍ يتعاونونَ معهُ، ومحتوىً يساعدُهُ، وبيئةٍ لا تهدمُ ما يبنيهِ. والطبيبُ النزيهُ يحتاجُ إلى مؤسسةٍ لا تكافئُ المتلاعبَ، وقانونٍ يحميهِ، وثقافةٍ تحترمُ الخدمةَ. والتاجرُ الأمينُ يحتاجُ إلى سوقٍ لا يعاقبُ الأمانةَ وحدَها، وإلى مستهلكٍ واعٍ، وإلى رقابةٍ عادلةٍ. الفضيلةُ كي تصمدَ تحتاجُ إلى بيئةٍ، وإلا بقيتْ بطولةً فرديةً تُرهقُ صاحبَها وتلهمُ الناسَ قليلاً ثمَّ تتركُهُ وحيدًا في مواجهةِ الطوفانِ. وهذا هوَ المنهجُ الذي عكفتُ أدعو إليهِ وأحاولُ أن أرسخَ معالمَهُ من خلالِ شعاري الشهيرِ “معًا نكونُ أقدرَ وأظهرَ”.

“من أعمقِ أسبابِ فشلِ الصالحينَ أنَّهم يسيئونَ فهمَ الإنسانِ الذي يريدونَ إصلاحَهُ. فهم يرونَهُ من جهةِ خطئِهِ فقطْ، ولا يرونَهُ في كليتِهِ؛ خوفَهُ، وحاجتَهُ، وكرامتَهُ، وجرحَهُ، ومصلحتَهُ، وخبراتِهِ السابقةَ.”

غيرَ أنَّ تحويلَ الفضيلةِ إلى قوةٍ لا يجوزُ أن يفقدَها روحَها. فبعضُ الصالحينَ حينَ ينتبهونَ إلى ضرورةِ التنظيمِ يتحولونَ إلى نسخٍ باردةٍ من أهلِ السلطةِ: ينشغلونَ بالهيكلِ وينسونَ الإنسانَ، ويقدسونَ الجماعةَ وينسونَ الغايةَ، ويجعلونَ التنظيمَ غطاءً للعصبيةِ، فيفرّونَ من فسادِ الفرديةِ إلى فسادِ المؤسسةِ المغلقةِ. والمنهجُ الصحيحُ أن تبقى المؤسسةُ خادمةً للفضيلةِ لا بديلةً عنْها، وأن يبقى التنظيمُ وسيلةً لا صنمًا، وأن تظلَّ المراجعةُ حيةً داخلَ كلِّ عملٍ صالحٍ؛ لأنَّ الفسادَ لا يدخلُ من بابِ الشهوةِ وحدَها، بلْ قد يدخلُ من بابِ الطاعةِ العمياءِ، ومن بابِ الإعجابِ بالذاتِ، ومن بابِ التوسعِ باسمِ الخيرِ حتى يصيرَ الخيرُ شعارًا والواقعُ شيئًا آخرَ.

ولعلَّهُ لا يكتملُ الحديثُ دونَ التنبيهِ إلى أنَّ الصلاحَ المؤثرَ يحتاجُ إلى تواضعٍ معرفيٍّ. كثيرٌ من الصالحينَ يفشلونَ لأنَّهُمْ يظنونَ أنَّ امتلاكهُمْ للقصدِ النبيلِ يمنحُهُمْ تلقائيًا حقَّ فهمِ كلِّ شيءٍ والحكمِ على كلِّ شيءٍ. وهذا غرورٌ خفيٌّ. فقد يكونُ الإنسانُ صالحًا في عبادتِهِ، لكنَّهُ ضعيفُ الفهمِ في الاقتصادِ. وقد يكونُ نقيًا في سلوكِهِ، لكنَّهُ لا يعرفُ تعقيداتِ التربيةِ. وقد يكونُ كريمًا في خلقِهِ، لكنَّهُ لا يفقهُ إدارةَ المؤسساتِ. لا عيبَ في ذلكَ ما دامَ يعرفُ حدودَهُ ويتعلمُ من أهلِ الخبرةِ. العيبُ أن يتحولَ الصلاحُ إلى ثقةٍ عمياءَ تجعلُ صاحبَهُ يحتقرُ التخصصَ، أو يرفضُ النقدَ، أو يظنُّ أنَّ الاعتراضَ على طريقتِهِ اعتراضٌ على فضيلتِهِ. إنَّ النيةَ الطيبةَ لا تعصمُ الرأيَ من الخطأِ، والقلبَ النقيَّ لا يغني عن العقلِ المتعلمِ.

وهذا بابٌ واسعٌ في التربيةِ والإصلاحِ؛ أن يتعلمَ الصالحونَ الإصغاءَ. فالناسُ الذينَ يُرَادُ إصلاحُهُمْ ليسوا صفحاتٍ بيضاءَ يكتبُ عليها المصلحُ ما يشاءُ، بلْ هُمْ أصحابُ تجاربَ، وربما يحملونَ من المعرفةِ بواقعِهِمْ ما لا يحملُهُ الواعظُ من فوقِ المنبرِ. الفقيرُ يعرفُ عن الفقرِ ما لا يعرفُهُ المتكلمُ عنهُ من بعيدٍ. والشابُّ يعرفُ عن ضغطِ عصرِهِ ما لا يعرفُهُ من يكتفي بتوبيخِهِ. والمرأةُ التي تتحملُ أعباءَ بيتٍ مضطربٍ قد تعرفُ عن التربيةِ ما لا يختصرُهُ خطابٌ جاهزٌ عن الفضيلةِ. الإصغاءُ لا يعني التخليَ عن المبدأِ، بلْ يعني أن نمنحَ المبدأَ طريقًا أذكى إلى الواقعِ. ومنْ لمْ يسمعِ الناسَ لن يعرفَ كيفَ يخاطبُهُمْ، ومنْ لمْ يعرفْ كيفَ يخاطبُهُمْ لن يغيرَهُمْ، مهما كانَ الحقُّ الذي يحملُهُ عظيمًا.

“الإصلاحُ الحقيقيُّ لا يبدأُ حيثُ تنتهي الشكوى؛ فالنقدُ لا يغيرُ الواقعَ إذا ظلَّ مجردَ وصفٍ للخرابِ، بلِ الإصلاحُ هوَ القدرةُ على بناءِ بدائلَ عمليةٍ تلامسُ حاجاتِ الناسِ وتخففُ أوجاعَهُمْ.”

إنَّ من أسبابِ فشلِ الصالحينَ كذلكَ أنَّهُمْ كثيرًا ما يحاربونَ النتائجَ ويتركونَ البنى التي تنتجُها. يهاجمونَ مظاهرَ التفاهةِ ولا يسألونَ: لماذا صارَ الناسُ محتاجينَ إلى هذا القدرِ من التسليةِ الرخيصةِ؟ يهاجمونَ ضعفَ التدينِ ولا يسألونَ: ما الذي جففَ ينابيعَ المعنى في النفوسِ؟ يهاجمونَ فسادَ الشبابِ ولا يسألونَ: أيُّ فراغٍ عاطفيٍّ ومعرفيٍّ واقتصاديٍّ يدفعُهُمْ إلى الهروبِ؟ يهاجمونَ الجشعَ ولا يسألونَ: أيُّ نظامٍ يكافئُ الجشعَ ويعاقبُ النزاهةَ؟ من يريدُ الإصلاحَ حقًا لا يكتفي بتقليمِ الأغصانِ المريضةِ، بلْ يفتشُ عن التربةِ والماءِ والجذرِ. فقد يكونُ السلوكُ الفرديُّ قبيحًا، لكنَّهُ مدعومٌ ببنيةٍ تجعلُ القبحَ مربحًا والفضيلةَ مكلفةً. وهنا لا يكفي الوعظُ، بلْ لا بدَّ من تغييرِ الحوافزِ والبيئاتِ والنماذجِ.

فالمدرسةُ التي لا تربي على التفكيرِ لا يكفي أن نطالبَ طلابَها بالأخلاقِ. والسوقُ الذي يكافئُ المحتالَ لا يكفي أن نحثَّ الناسَ فيهِ على الأمانةِ. والإعلامُ الذي يصنعُ الشهرةَ للتافهِ لا يكفي أن نلومَ الجمهورَ على متابعةِ التفاهةِ. والأسرةُ التي تسحقُ أبناءَها بالقسوةِ ثمَّ تطالبُهُمْ بالاستقامةِ لمْ تفهمْ أنَّ الخوفَ لا يبني ضميرًا حرًا. إنَّ الصالحَ المؤثرَ لا ينظرُ إلى الخطأِ كفعلٍ معزولٍ فقطْ، بلْ كنتاجِ بيئةٍ. ومنْ هنا ينتقلُ من خطابِ “كونوا صالحينَ” إلى سؤالٍ: كيفَ نبني بيئاتٍ تجعلُ الصلاحَ ممكنًا ومحببًا وقابلًا للاستمرارِ؟

وهذا لا يعني إلغاءَ المسؤوليةِ الفرديةِ، بلْ وضعُها في سياقِها. فالإنسانُ مسؤولٌ عن اختياراتِهِ، لكنَّهُ ليسَ معلقًا في الفراغِ. هناكَ ضغطٌ اجتماعيٌّ، وإغراءٌ اقتصاديٌّ، وتوجيهٌ إعلاميٌّ، ونماذجُ مهيمنةٌ، وفقرٌ، وجهلٌ، وخوفٌ، وذاكرةٌ من الإحباطِ. الخطابُ التربويُّ الراشدُ لا يبررُ الخطأَ بهذهِ العواملِ، لكنَّهُ يفهمُها كي يعالجَها. أما الخطابُ الساذجُ فيظنُّ أنَّ الناسَ يتركونَ الفضيلةَ لأنَّهُمْ يكرهونَها دائمًا، معَ أنَّ كثيرينَ يتركونَها لأنَّهُمْ لمْ يجدوا من يفتحُ لهُمْ طريقَها بصورةٍ قابلةٍ للحياةِ. كمْ من شابٍّ يحبُّ المعاليَ لكنَّهُ لا يعرفُ كيفَ يبدأُ. وكمْ من إنسانٍ يريدُ الطهرَ لكنَّهُ محاصرٌ بصحبةٍ ونظامٍ وحاجةٍ. وكمْ من أسرةٍ تريدُ التربيةَ لكنَّها غارقةٌ في ضغطِ العيشِ والجهلِ والأساليبِ القديمةِ. الإصلاحُ هنا ليسَ لعنةً تُلقى على الناسِ، بلْ يدٌ تمسكُ بهِمْ من موضعِ سقوطِهِمْ.

“إنَّ الإصلاحَ الحقيقيَّ لا يكتفي بتقليمِ الأغصانِ المريضةِ، بلْ يفتشُ عن التربةِ والماءِ والجذرِ. فمنْ أرادَ تغييرَ المجتمعِ، فليتركْ منطقَ الإدانةِ السهلةِ، وليبدأْ في بناءِ المؤسساتِ التي تجعلُ الفضيلةَ فعلًا قابلًا للحياةِ.”

ومنْ أعظمِ ما يحتاجُ إليهِ الصالحونَ أن ينتقلوا من منطقِ الإدانةِ إلى منطقِ البناءِ. الإدانةُ سهلةٌ، والبناءُ عسيرٌ. أن تقولَ إنَّ المجتمعَ فاسدٌ أسهلُ من أن تؤسسَ مدرسةً جيدةً. وأن تشكوَ من تفاهةِ الإعلامِ أسهلُ من أن تصنعَ محتوىً جذابًا راقيًا. وأن تذمَّ قسوةَ الناسِ أسهلُ من أن تؤسسَ مشروعًا للرحمةِ العمليةِ. وأن تلعنَ الأنانيةَ أسهلُ من بناءِ نماذجَ تعاونٍ اقتصاديٍّ واجتماعيٍّ. إنَّ الإصلاحَ الحقيقيَّ يبدأُ حيثُ تنتهي الشكوى. والكلمةُ التي لا تتبعُها بنيةُ عملٍ قد تكونُ جميلةً لكنَّها عابرةٌ. أما الكلمةُ التي تتحولُ إلى مشروعٍ، ولوْ صغيرًا، فهيَ بذرةٌ في الأرضِ.

وليسَ معنى هذا أن نستهينَ بالكلمةِ. فالكلمةُ قد تكونُ بدايةَ ثورةٍ داخليةٍ، وقد توقظُ القلبَ، وقد تهزُّ الوعيَ. لكنَّ الكلمةُ تحتاجُ إلى جسدٍ. تحتاجُ إلى مثالٍ يمشي في الناسِ، وإلى خطةٍ، وإلى رفقةٍ، وإلى مؤسساتٍ، وإلى صبرٍ. الكلمةُ وحدَها مثلُ بذرةٍ موضوعةٍ على صخرةٍ، قد تحملُ حياةً في داخلِها لكنَّها لا تنبتُ بلا تربةٍ. لذلكَ ينجحُ الخطابُ حينَ يرتبطُ بمسارٍ عمليٍّ، وحينَ يشعرُ المتلقي أنَّ أمامَهُ خطوةً ممكنةً، لا مجردَ مثالٍ شاهقٍ يعجزُ عنهُ. إنَّ الناسَ لا يحتاجونَ دائمًا إلى من يصفُ لهُمُ السماءَ، بلْ إلى من يدلُّهُمْ على السلمِ الأولِ.

وإذا أردنا جوابًا جامعًا عن السؤالِ الأساسيِّ، قلنا: يفشلُ الصالحونَ حينَ يظنونَ أنَّ صلاحَهُمُ الشخصيَّ يكفي لصناعةِ أثرٍ اجتماعيٍّ، وحينَ يستبدلونَ المنهجَ بالنيةِ، والفهمَ بالحماسةِ، والمؤسسةَ بالبطولةِ الفرديةِ، والإصغاءَ بالتوبيخِ، والبناءَ بالشكوى، والوعيَ الاستراتيجيَّ بالوعيِ التقريريِّ، والترجمةَ العمليةَ للفضيلةِ باللغةِ الوعظيةِ المجردةِ. ويفشلونَ حينَ يخافونَ من الواقعِ فيعتزلونَهُ، أو يندفعونَ إليهِ بلا أدواتٍ فيذوبونَ فيهِ أو يصطدمونَ بهِ. ويفشلونَ حينَ لا يفرقونَ بينَ الحقِّ في ذاتِهِ وطريقةِ تقديمِهِ، وبينَ نقاءِ المقصدِ وصحةِ الوسيلةِ، وبينَ الغيرةِ على القيمِ والقدرةِ على جعلِها قابلةً للحياةِ.

أما حينَ ينجحُ الصالحونَ، فإنَّ نجاحَهُمْ لا يكونُ لأنَّهُمْ أقلُّ نقاءً، بلْ لأنَّ نقاءَهُمْ صارَ أكثرَ وعيًا. صارَ صلاحُهُمْ يعرفُ الطريقَ إلى الناسِ. صارَ إخلاصُهُمْ بوصلةً ومعَهُ سفينةٌ. صارَ غضبُهُمْ على الفسادِ طاقةً تبني، لا نارًا تأكلُ صاحبَها. صارَ خطابُهُمْ يعرفُ أنَّ الإنسانَ لا يُقَادُ إلى الخيرِ بالإهانةِ، بلْ يُفْتَحُ لهُ بابُ الخيرِ بالحكمةِ والثقةِ والبديلِ. صاروا يفهمونَ أنَّ المجتمعَ لا يتغيرُ بالصالحِ الذي يقفُ على حافةِ النهرِ يلعنُ تلوثَهُ، بلْ بالصالحِ الذي يدخلُ علمَ الماءِ، ومجاري الصرفِ، وعاداتِ الناسِ، وسياساتِ المدينةِ، ثمَّ يعملُ معَ غيرِهِ على تنقيةِ النهرِ من منبعِهِ ومصبِّهِ.

إنَّ المجتمعَ لا يحتاجُ إلى صالحينَ يكتفونَ بأن يكونوا أدلةً على إمكانيةِ النجاةِ الفرديةِ، بلْ يحتاجُ إلى صالحينَ يحولونَ النجاةَ إلى طريقٍ، والطهرَ إلى مشروعٍ، والفضيلةَ إلى نظامٍ، والرحمةَ إلى مؤسسةٍ، والوعيَ إلى قوةٍ، والإخلاصَ إلى فعلٍ طويلِ النفسِ. يحتاجُ إلى من يحملونَ الجنةَ في ضمائرِهِمْ لا ليهربوا بها من الأرضِ، بلْ ليزرعوا منها شيئًا في ترابٍ مالحٍ عنيدٍ. يحتاجُ إلى من يعرفونَ أنَّ الصلاحَ ليسَ زجاجةَ عطرٍ يحتفظُ بها صاحبُها في غرفتِهِ، بلْ نبعٌ لا يصدقُ تمامًا حتى يشقَّ طريقَهُ إلى العطاشى.

والخاتمةُ أنَّ فشلَ الصالحينَ في تغييرِ المجتمعِ ليسَ حكمًا على الصلاحِ بالعجزِ، بلْ حكمٌ على الصلاحِ حينَ يُتْرَكُ بلا منهجٍ، وبلا وعيٍ، وبلا شجاعةٍ اجتماعيةٍ، وبلا ترجمةٍ عمليةٍ، وبلا مؤسسةٍ، وبلا صبرٍ. الصلاحُ طاقةٌ عظيمةٌ، لكنَّهُ إن لمْ يدخلْ في هندسةِ الواقعِ بقيَ طاقةً ساكنةً. والإخلاصُ نورٌ كريمٌ، لكنَّهُ إن لمْ يحملْهُ عقلٌ بصيرٌ وعملٌ منظمٌ بقيَ نورًا محبوسًا في قلبِ صاحبِهِ. والفضيلةُ الفرديةُ بدايةٌ لا نهايةٌ؛ إنَّها الشرارةُ الأولى، لكنَّها تحتاجُ إلى حطبِ المعرفةِ، وهواءِ الحريةِ، وموقدِ المؤسسةِ، وحارسِ الصبرِ، حتى تصيرَ نارًا تدفئُ المجتمعَ لا ومضةً عابرةً في ليلٍ طويلٍ. إنَّ الإصلاحَ الحقَّ لا يطلبُ من الصالحِ أن يتخلى عن نقائِهِ، بلْ أن يمنحَ نقاءَهُ قدمينِ تمشيانِ في الواقعِ، وعينينِ تقرآنِ الناسَ، ويدينِ تبنيانِ، ولسانًا يترجمُ، وقلبًا يصبرُ، وعقلًا يخططُ. عندئذٍ لا يعودُ الصالحُ زهرةً وحيدةً في طرفِ المستنقعِ، بلْ يصيرُ بذرةَ غابةٍ. ولا يعودُ السراجُ حبيسَ الزاويةِ، بلْ يصيرُ فجرًا يتقدمُ ببطءٍ، لكنَّهُ حينَ يطلعُ لا يسألُ الظلامَ هلْ يأذنُ لهُ بالرحيلِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى