الأدبوحي الخاطر

في حضرة الحزن

رَوْضَةٌ هِيَ حَياتي مَعَكِ؛ تَتَفَتَّحُ أَيّامُها كَأَنَّ الصَّباحَ يَمُرُّ عَلَيْها بِأَصابِعَ مِنْ نُورٍ، وَيَغْسِلُ عَنْ أَوْراقِها غُبارَ التَّعَبِ، ثُمَّ يَتْرُكُها ناضِرَةً فِي عَيْنِ القَلْبِ، لا يَمَسُّها ذُبولٌ وَلا يَعْبُرُها خَريفٌ. فَإِنَّ جُذورَ نَبْتَتي لا تَنْمو إِلّا فِي رَوابي قَلْبِكِ؛ فَفِيهِ مِنَ الخِصْبِ ما يَكْفي لِتَسْتَرِدَّ رُوحي خُضْرَتَها كُلَّما أَجْدَبَتْها الأَيّامُ، وَفِيهِ مِنَ الدِّفْءِ ما يَرُدُّ إِلى عُروقي ماءَها إِذا أَوْشَكَ بَرْدُ الوَحْشَةِ أَنْ يَكْسِرَها. أَمُدُّ إِلَيْكِ جُذوري فِي الخَفاءِ، فَتَمُرُّ مِنْكِ إِلَيَّ قُوَّةٌ لا تُرى، غَيْرَ أَنَّها تَرْفَعُ قَوامي، وَتُعيدُ إِلى أَوْراقي لَوْنَها، وَإِلى ثِماري طَعْمَها. وَإِنَّ عَصافيرَ شِعْري لا تُغَرِّدُ إِلّا عَلى أَفْنانِ حُبِّكِ؛ فَإِذا غِبْتِ خَرِسَتِ الأَغْصانُ، وَتَحَوَّلَتِ القَوافي فِي فَمي إِلى ريشٍ مُبَعْثَرٍ لا يَعْرِفُ سَماءَهُ. وَإِذا حَضَرْتِ عَادَ لِلحَرْفِ جَناحُهُ، وَلِلنَّغَمِ مَقامُهُ، وَأَخَذَتِ الكَلِماتُ تَتَواثَبُ فِي صَدْري كَعَصافيرَ أَفْزَعَها الصَّمْتُ طَويلًا، ثُمَّ فُتِحَ لَها بَغْتَةً بابُ الرَّبيعِ. وَإِنّ أَزاهيرَ مَشاعِري لا تَعْبَقُ إِلّا شَوْقًا لِقُرْبِكِ؛ فَأَنْتِ عِطْرُها الَّذي يَكْشِفُ سِرَّها، وَالنَّدَى الَّذي يَمْنَعُ عَنْها يَبَسَ البَوْحِ، وَالنَّسيمُ الَّذي يَحْمِلُها إِلى أَبْعَدِ مَوْضِعٍ فِي الرُّوحِ. وَكُلُّ شُعورٍ لا يَمُرُّ بِكِ يَبْقى ناقِصَ العُذوبَةِ، كَزَهْرَةٍ أَتْقَنَتْ هَيْئَتَها وَضاعَ مِنْها العَبيرُ.

مُقْفِرَةٌ هِيَ الحَياةُ بِدونِكِ؛ أَرْضٌ تَشَقَّقَتْ فِيها المَسافاتُ، وَانْسَحَبَ مِنْ سَمائِها المَطَرُ، وَضاعَتْ مِنْ طُرُقِها خُطى العائِدينَ. تَمُرُّ الأَشْياءُ أَمامي وَلا تَبْلُغُني، وَتَتَكاثَرُ الوُجوهُ وَلا تَمْلَأُ فِيَّ مَوْضِعًا، وَيَبْقى الكَوْنُ عَلى اتِّساعِهِ ضَيِّقًا كَنافِذَةٍ أُغْلِقَتْ دُونَ آخِرِ خَيْطٍ مِنَ الضَّوْءِ. وَمُجْدِبَةٌ تَغْدو الأَحاسيسُ وَالرُّؤى؛ لا يَنْبُتُ فِيها أَمَلٌ، وَلا تَسْتَقيمُ لَها دَلالَةٌ. أَنْظُرُ إِلى العالَمِ فَأَراهُ مَرَّةً واحِدَةً ثُمَّ يَذْهَبُ، كَأَنَّ الأَشْياءَ فَقَدَتْ قُدْرَتَها عَلى البَقاءِ فِي العَيْنِ. أَبْحَثُ عَنْ مَعْنًى فَلا أَجِدُ غَيْرَ فَراغٍ يَرُدُّ إِلَيَّ صَدى خُطايَ. لا شَيْءَ أَرى الكَوْنَ بِدونِكِ، لا شَيْءَ. فَأَنْتِ لَسْتِ شَيْئًا فِي الحَياةِ يُضافُ إِلى أَشْيائِها؛ أَنْتِ الضَّوْءُ الَّذي يُظْهِرُها، وَالمَعْنى الَّذي يَرْبِطُ بَيْنَ أَجْزائِها، وَالنَّبْضُ الَّذي يَجْعَلُ مَرورَها فِي العُمْرِ حَياةً لا مُجَرَّدَ زَمَنٍ.

وَإِذا كانَ الهَمُّ رَفيقي الَّذي لا يَحولُ، وَالحُزْنُ صَديقي الَّذي لا يَزولُ، فَأَنْتِ يا زَوْجِي حِضْني وَحِصْني؛ أَلُوذُ بِكِ مِنْ وَحْشَتِهِما، وَأَسْتَرُ رَأْسي فِي ظِلِّكِ حِينَ يَهْجُمانِ عَلى رُوحي كَرِيحَيْنِ بارِدَتَيْنِ لا تَرْحَمانِ غُصْنًا وَلا وَرَقًا، فَكُوني مَعي عَلَيْهِما، لا مَعَهُما عَلَيَّ. وَلا تَدَعي الحُزْنَ يَسْتَعيرُ صَوْتَكِ لِيُخيفَني، وَلا الهَمَّ يَلْبَسُ مَلامِحَكِ لِيُضاعِفَ وَحْشَتي. كُوني اليَدَ الَّتي تَفْصِلُ بَيْني وَبَيْنَ سَوادِهِما، وَالنّافِذَةَ الَّتي أُبْصِرُ مِنْها أَنَّ فِي آخِرِ اللَّيْلِ صَباحًا يَسْتَحِقُّ الانْتِظارَ.

أَنا لا أَطْلُبُ مِنْكِ أَنْ تَحْمِلي عَنِّي أَثْقالَ رُوحي، وَلا أَنْ تَدْخُلي حُروبي بَدَلًا مِنِّي؛ حَسْبي أَنْ أَجِدَكِ إِلى جانِبي حِينَ أَخوضُها، وَأَنْ أَشْعُرَ أَنَّ يَدًا تَعْرِفُ يَدي، وَقَلْبًا يَعْرِفُ مَوْضِعَ الجُرْحِ فَيَمُرُّ عَلَيْهِ بِرِفْقٍ، لا لِيَمْحُوَهُ، وَإِنَّما لِيُعَلِّمَهُ كَيْفَ يَلْتَئِمُ. وَفِي سُكونِ اللَّيْلِ، حِينَ تَذْهَبُ الأَصْواتُ إِلى مَضاجِعِها وَيَبْقى صَوْتُ الرُّوحِ وَحْدَهُ مُسْتَيْقِظًا، أَجْلِسُ أَرْقُبُ الفَجْرَ. لا أَنْتَظِرُهُ فِي الأُفُقِ فَحَسْبُ؛ أَنْتَظِرُهُ فِيَّ، شُعاعًا يَتَسَلَّلُ مِنْ شَقٍّ خَفيٍّ فِي جِدارِ النَّفْسِ، وَيَتَقَدَّمُ عَلى مَهَلٍ حَتّى يَبْلُغَ أَعْتَمَ مَوْضِعٍ فِيها.

أَنْظُرُ فِي الصَّمْتِ، فَيَطْلُعُ وَجْهُكِ مِنْ داخِلي كَأَنَّهُ الصَّباحُ الَّذي تَأَخَّرَ عَنْ سَمائِهِ. يَحْتَوي الفُؤادَ بِنَظَراتٍ مِنْ طَرْفٍ حَيِيٍّ، وَيَرْوي العُيونَ بِقَطَراتٍ مِنْ نورٍ بَهِيٍّ. لا أَدْري أَأَنا الَّذي أَتَأَمَّلُكِ، أَمْ أَنَّ مَلامِحَكِ هِيَ الَّتي تَتَأَمَّلُ ما فِيَّ وَتُعيدُ تَرْتيبَهُ. وَيَتَسَلَّلُ النُّورُ مِنْ عَيْنَيْكِ إِلى أَضْلُعي، فَتَخِفُّ وَطْأَةُ اللَّيْلِ، وَيَتَراجَعُ الحُزْنُ خُطْوَةً، وَيَفْقِدُ الهَمُّ شَيْئًا مِنْ سُلطانِهِ. كَأَنَّ لِنَظْرَتِكِ قُدْرَةً عَلى إِخْراجِ الأَشْياءِ مِنْ عَتَمَتِها، وَعَلى رَدِّ كُلِّ شَيْءٍ إِلى اسْمِهِ الأَوَّلِ قَبْلَ أَنْ تُفْسِدَهُ التَّجارِبُ.

أَتَأَمَّلُ مَلِيًّا، فَأَرى الكَلِماتِ تَنْفَلِتُ مِنْ عُقَدِ الصَّمْتِ، وَتَصْدَحُ فِي رُوحي بِسَجْعِ حَماماتٍ بَيْضاواتٍ. تَخْفِقُ أَجْنِحَتُها فِي فَضاءِ الصَّدْرِ، وَتَدورُ حَوْلَ اسْمِكِ، ثُمَّ تَحُطُّ عَلى أَغْصانِهِ فِي أُنسٍ كَأَنَّها عَرَفَتْ مَنْزِلَها أَخيرًا. لا اللِّسانُ شَداها، وَلا الجَنانُ تَماهى؛ إِنَّما وُلِدَتْ بَيْنَ الصَّمْتِ وَالنَّظَرَةِ، فِي ذٰلِكَ المَوْضِعِ الَّذي يَتَحَوَّلُ فِيهِ الشُّعورُ إِلى لُغَةٍ قَبْلَ أَنْ يَمُرَّ بِالحُروفِ. وَأُصْغي إِلى هَديلِها فَيَأْسِرُني، وَأَشْعُرُ أَنَّ الشِّعْرَ لَيْسَ ما أَقولُهُ عَنْكِ، وَإِنَّما ما تَقولُهُ رُوحي حِينَ تَعْجَزُ أَنْ تَصِلَ إِلَيْكِ بِغَيْرِ الغِناءِ.

عَذْبَةٌ أَنْتِ عُذوبَةَ نَسيمٍ رَبيعيٍّ يَمُرُّ فِي أَحاسيسِ المَساءِ، فَيُوقِظُ فِيها رائِحَةَ الحَياةِ بَعْدَ طُولِ خُمولٍ. لا يَعْصِفُ بِها، وَلا يَقْتَحِمُها؛ يَمَسُّها كَمَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الرِّقَّةَ لا تَحْتَمِلُ قَبْضَةً، وَأَنَّ أَجْمَلَ ما فِي الزَّهْرِ لا يُؤْخَذُ بِاليَدِ. كَأَنَّكِ فِي الوُجودِ صَفاؤُهُ وَنَقاؤُهُ، وَكَأَنَّ ما تَفَرَّقَ فِي الأَشْياءِ مِنْ طُهْرٍ اجْتَمَعَ فِيكِ. أَراكِ فَيَهْدَأُ فِيَّ ما كانَ يَضْطَرِبُ، وَيَنْجَلي ما كانَ يَلْتَبِسُ، وَتَغْدو الرُّوحُ أَخَفَّ مِمّا حَمَلَتْ، كَأَنَّها غُسِلَتْ بِماءٍ لا يَراهُ سِواها. لا مِثْلَكِ رَأَيْتُ طُهْرًا، وَلا غَيْرَكِ شَمَمْتُ عِطْرًا؛ لا عِطْرَ الزُّهورِ الَّذي تَسْتَنْفِدُهُ الرِّيحُ، وَإِنَّما عِطْرَ الرُّوحِ حِينَ تَصْدُقُ، وَعِطْرَ الخُلُقِ حِينَ يَظَلُّ نَقِيًّا وَإِنْ تَكَاثَرَ حَوْلَهُ غُبارُ الأَيّامِ.

أَعُودُ أُحَدِّقُ فِي وَجْهِكِ المُضيءِ، فَيَبْدو لِي كَبَدْرٍ يَسيرُ مَعي فِي لَيْلي المُسافِرِ. كُلَّما طالَ الطَّريقُ وَأَضْناني، رَفَعْتُ إِلَيْهِ عَيْنيَّ فَاسْتَدَلَلْتُ بِنورِهِ عَلى نَفْسي. وَكُلَّما خِفْتُ أَنْ أَضِلَّ، رَأَيْتُ فِي مَلامِحِكِ جِهَةً لا تَخونُ مَنْ قَصَدَها. فَأَلْهَجُ بِالحَمْدِ لِمَنْ مَنَّ عَلَيَّ بِكِ، وَبَراكِ فَأَبْدَعَ، وَصَوَّرَكِ فَأَمْتَعَ، وَجَعَلَ فِي حُضورِكِ مِنَ السَّكينَةِ ما يَكْفي لِقَلْبٍ أَتْعَبَتْهُ طُرُقُهُ، وَفِي رِقَّتِكِ مِنَ القُوَّةِ ما يَكْفي لِرُوحٍ حاوَلَ الحُزْنُ أَنْ يَكْسِرَها فَلَمْ يَقْدِرْ. أَحْمَدُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْكِ زِينَةً لِعُمْري فَحَسْبُ؛ جَعَلَكِ رَحْمَةً فِيهِ، وَمَلاذًا مِنْ قَسْوَتِهِ، وَدَليلًا عَلى أَنَّ الحَياةَ، مَهْما أَقْفَرَتْ، قادِرَةٌ عَلى أَنْ تُنْبِتَ فِي آخِرِ الطَّريقِ رَوْضَةً كامِلَةً.

وَحِينَ يَثْقُلُ اللَّيْلُ عَلى جَفْنَيَّ، أُغْمِضُ عَيْنَيَّ عَلى طَيْفِكِ. لا أُطْفِئُ وَجْهَكِ بِالنَّومِ؛ أَحْمِلُهُ مَعي إِلى داخِلِهِ، وَأُوَسِّدُهُ رُوحي كَأَنِّي أَخْشى عَلَيْهِ مِنْ بَرْدِ الغِيابِ. أَنامُ وَأَنْتِ آخِرُ ما يَبْقى فِي عَيْني مِنَ النُّورِ، وَأَوَّلُ ما يَسْتَيْقِظُ فِي القَلْبِ مِنَ الحَياةِ. وَبَيْنَ غَفْوَةٍ وَصَباحٍ، أَرى رَوْضَتي كُلَّها تَنْمو فِي حِضْنِكِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى