الأدبوحي الخاطر

دهاليز الخيال

تَحْتَدِمُ اللَّهْفَةُ بَيْنَ نَارِ الفُؤَادِ الوَامِقِ وَنُورِ الوِدَادِ العَابِقِ بِأَرِيجِ هَمْسِكِ الصَّاخِبِ بِصَمْتِهِ؛ فَلَا النَّارُ تَأْكُلُ مَا فِي القَلْبِ مِنْ نَدًى، وَلَا النُّورُ يُطْفِئُ مَا فِي الشَّوْقِ مِنْ جَمْرٍ، وَإِنَّمَا يَتَعَانَقَانِ فِي أَعْمَاقِي عِنَاقَ فَجْرٍ يَشُقُّ صَدْرَ لَيْلٍ طَوِيلٍ، فَيَسْكُبُ عَلَى جُرْحِهِ شَفَقًا مِنْ أَلَمٍ وَأَمَلٍ. وَيَزْدَلِفُ الحُضُورُ عَلَى وَجْنَةِ الحُبُورِ حِينَ تَتَوَاثَبُ الخَفَقَاتُ اللَّاهِبَةُ فِي صَدْرِ اللَّحَظَاتِ الهَارِبَةِ مِنِّي إِلَى أُنْسِ عِطْرِكِ، كَأَنَّ الزَّمَنَ نَفْسَهُ قَدْ ضَاقَ بِمَا يَحْمِلُ مِنْ لَهْفَةٍ، فَخَلَعَ عَنْ خُطَاهُ وَقَارَهَا، وَانْدَفَعَ إِلَيْكِ مُسْتَبِقًا نَبْضِي، مُتَعَثِّرًا بِأَذْيَالِ الحَنِينِ.

وَيَرْتَشِفُ الخَاطِرُ مِنْ شِفَاهِ الكَلِمَاتِ رُضَابَ مَعْنًى يَسِيلُ شَهْدًا كُلَّمَا هَمَسَ بِكِ أَوْ أَشَارَ إِلَيْكِ؛ فَلَا يَمُرُّ اسْمُكِ عَلَى اللِّسَانِ إِلَّا وَأَزْهَرَ فِي الحُرُوفِ مَا كَانَ يَابِسًا، وَلَا يَعْبُرُ طَيْفُكِ فِي الخَيَالِ إِلَّا وَانْفَتَحَتْ فِي جُدْرَانِ الرُّوحِ نَوَافِذُ كَانَتْ مُوصَدَةً بِمَسَامِيرِ الوَحْشَةِ. هِيَ رِحْلَةٌ مِنْ بَهْجَةٍ لَا تَنْتَهِي إِلَّا إِلَى مَدَاكِ، وَمُهْجَةٌ لَا تَشْتَهِي إِلَّا مِنْ جَنَاكِ، وَرُوحٌ أَعْجَلَتْهَا الصَّبْوَةُ بِخَمْرِ الغِيَابِ، وَشَغَفِ الإِيَابِ، وَسَطْوَةِ أَطْيَافِ الضَّوْءِ الحَالِمِ فِي عَوَالِمَ مِنْ رِضَاكِ؛ فَمَا عَادَتْ تَعْرِفُ أَهِيَ تَسْعَى إِلَيْكِ أَمْ تَفِرُّ مِنْ نَفْسِهَا إِلَى مَا اسْتَوْدَعَتْهُ فِيكِ مِنْ سَكِينَتِهَا.

وَمُنْذُ تَسَوَّرْتِ مِحْرَابَ صَمْتِي، وَأَنَا أُلَمْلِمُ مِنْ دَهَالِيزِ الخَيَالِ حُرُوفَ شَوْقِي الشَّارِدَةَ، وَأَجْمَعُهَا كَمَا يَجْمَعُ الغَرِيبُ فِي لَيْلِ المَنَافِي شَظَايَا مِرْآةٍ كَانَ يَرَى فِيهَا وَطَنَهُ. أُرَتِّبُ الحُرُوفَ عَلَى مَهَلٍ، فَإِذَا ظَنَنْتُ أَنِّي قَدْ بَنَيْتُ مِنْهَا جُمْلَةً تَلِيقُ بِكِ، عَبَرَتْ مِنْ خَيَالِي طَلَّتُكِ فَتَهَاوَتِ العِبَارَةُ مِنْ هَيْبَةِ المَعْنَى، وَعَادَتِ اللُّغَةُ إِلَى أَوَّلِ دَهْشَتِهَا، طِفْلَةً لَا تُحْسِنُ أَمَامَكِ إِلَّا التَّهَجِّي.

وَأَرْسُمُ عَلَى جَبِينِ الغَدِ الخَجُولِ أُمْنِيَاتٍ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ المُسْتَحِيلِ إِلَّا كَالَّذِي بَيْنَ إِقْبَالِكِ وَإِدْبَارِكِ، وَبَيْنَ إِثْرَائِكِ وَإِيثَارِكِ، وَبَيْنَ بَدْئِكِ وَمُنْتَهَاكِ. أَرْسُمُهَا بِحِبْرٍ مِنَ الرَّجَاءِ، ثُمَّ أَخْشَى عَلَيْهَا مِنْ مَطَرِ الوَاقِعِ، فَأَخْبِئُهَا فِي طَيَّاتِ القَلْبِ، حَيْثُ لَا تَبْلُغُهَا يَدُ الخَيْبَةِ، وَلَا تَعْرِفُ إِلَيْهَا طَرِيقًا رِيحُ التَّأْوِيلِ. وَمَا المُسْتَحِيلُ فِي مَذْهَبِ الحُلْمِ إِلَّا بَابٌ أَفْزَعَتْنَا ضَخَامَةُ مِصْرَاعَيْهِ، فَوَقَفْنَا أَمَامَهُ طَوِيلًا، وَلَمْ نَجْرُؤْ عَلَى أَنْ نَمُدَّ إِلَى مِقْبَضِهِ أَيْدِيَ اليَقِينِ.

وَعَلَى حِينِ غِرَّةٍ مِنْ حَنِينٍ، تَتَأَوَّلِينَ مِنِّي طِفْلًا، فَتَتَأَوَّبِينَ لِي طِفْلَةً؛ تَخْلَعِينَ عَنْ صَوْتِكِ رَسْمِيَّةَ السِّنِينَ، وَأَخْلَعُ عَنْ قَلْبِي دِرْعَ الحَذَرِ، فَنَلْتَقِي فِي مَكَانٍ لَا يَحْكُمُهُ عُمْرٌ وَلَا تُحَاصِرُهُ تَجْرِبَةٌ. فِي عَيْنَيْكِ فَرَاشَاتُ رَبِيعٍ يَعُودُ بِنَسِيمِ عُمْرٍ مَضَى سُدًى، وَدِفْءُ قَلْبٍ أَخْمَدَهُ البَرْدُ وَأَجْهَدَهُ الوَأْدُ، وَحُلْمُ عُمْرٍ تَفَرَّسَ فِي عُيُونِ الصَّبْرِ يَبْحَثُ عَنْ نَبْضَةِ غَوْثٍ خَصِيبٍ، وَوَمْضَةِ غَيْثٍ قَادِمٍ. وَنَعُودُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ إِلَى بَرَاءَةٍ لَمْ تَتَعَلَّمْ بَعْدُ فَنَّ الخَسَارَةِ؛ فَلَا نَسْأَلُ الحُلْمَ عَنْ ضَمَانَاتِهِ، وَلَا نُفَتِّشُ فِي يَدِ الفَرَحِ عَنْ وَثِيقَةِ بَقَائِهِ، بَلْ نَرْكُضُ فِي حَدَائِقِ الوَقْتِ كَأَنَّ الأَرْضَ لَمْ تَخْلُقْ لِنَا شَوْكًا، وَكَأَنَّ الغَدَ لَمْ يَتَعَلَّمْ بَعْدُ كَيْفَ يُخْلِفُ الوُعُودَ. فَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَجِدَ الإِنْسَانُ فِي مَنْ يُحِبُّ طِفْلَهُ الَّذِي أَضَاعَتْهُ مِنْهُ الطُّرُقُ، وَمَا أَنْبَلَ أَنْ يَجِدَ فِيهِ يَدًا تَرُدُّهُ إِلَى نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ تَأْخُذَهُ إِلَيْهَا.

وَحْدَكِ مَنْ يُطَرِّزُ عَبَاءَةَ مُلْكِي مِنْ خُيُوطِ سَنَاكِ؛ فَمَا كَانَ مُلْكِي أَرْضًا أَطَؤُهَا، وَلَا عَرْشًا أَعْتَلِيهِ، بَلْ كَانَ مَعْنًى يَسْتَقِيمُ فِيَّ حِينَ تُقْبِلِينَ، وَيَخْتَلُّ حِينَ يَمُرُّ الغِيَابُ عَلَى أَرْجَائِهِ. وَمِنْ قَوَارِيرِ حُبِّكِ أَمْلَأُ أَبَارِيقَ حَرْفِي سُلَافَةَ شِعْرٍ تُسْكِرُ، وَبَلَاغَةَ نَثْرٍ تُبْهِرُ؛ فَإِذَا كَتَبْتُكِ لَمْ أَكُنْ أَصِفُكِ، بَلْ كُنْتُ أَسْتَعِيدُ بِيَدِ اللُّغَةِ مَا سَرَقَهُ مِنِّي البُعْدُ، وَأَبْنِي مِنَ الحُرُوفِ جَسْرًا يَعْجِزُ الوَاقِعُ عَنْ هَدْمِهِ.

وَوَحْدَكِ أَنْتِ مَنْ يَخْتَزِلُ كُلَّ المَعَانِي السَّامِقَاتِ فِي مَعْنًى فَرِيدٍ، جَدِيدٍ، أَكِيدٍ؛ يَتَهَجَّى حُرُوفَهُ مِنْ مُعْجَمِ قَوَافِيكِ، وَيَتَحَرَّى قُطُوفَهُ مِنْ فِرْدَوْسِ مَا فِيكِ. فَإِذَا قِيلَ الجَمَالُ كُنْتِ تَأْوِيلَهُ الأَرْقَى، وَإِذَا قِيلَ الحَنَانُ كُنْتِ مَا تَعْجِزُ عَنْهُ التَّعَارِيفُ، وَإِذَا قِيلَ الوَفَاءُ كُنْتِ ذَلِكَ السِّرَّ الَّذِي لَا يَظْهَرُ فِي كَثْرَةِ القَوْلِ، بَلْ فِي ثَبَاتِ المَوْقِفِ حِينَ تَتَبَدَّلُ الوُجُوهُ وَتَتَعَثَّرُ الطُّرُقُ.

وَوَحْدَكِ أَنْتِ صَوْلَجَانُ الفَخْرِ فِي عَصْرٍ كَسِيحٍ، وَشَهْرَزَادُ الحُسْنِ فِي زَمَنٍ قَبِيحٍ؛ تَقُصِّينَ عَلَى لَيْلِ الرُّوحِ مِنْ حِكَايَاتِكِ مَا يُؤَجِّلُ مَوْتَ الأَمَلِ أَلْفَ لَيْلَةٍ وَلَيْلَةً، وَتَفْتَحِينَ فِي جِدَارِ القَسْوَةِ كُوَّةً يَدْخُلُ مِنْهَا نَسِيمُ الرَّحْمَةِ. غَيْرَ أَنَّ حِكَايَتَكِ لَا تَحْتَالُ عَلَى السَّيْفِ لِتَنْجُوَ، بَلْ تَنْتَصِرُ عَلَيْهِ بِمَا فِي صَوْتِكِ مِنْ حَيَاةٍ، وَبِمَا فِي رُوحِكِ مِنْ سُلْطَانٍ يَجْعَلُ القَسْوَةَ تَسْتَحْيِي مِنْ نَفْسِهَا.

وَوَحْدَكِ أَنْتِ سِفْرُ الرَّوَاءِ وَالخُلُودِ؛ تَرْسُمِينَ فِيهِ مَلَامِحَ مُهْجَتِي، وَتَكْتُبِينَ فِيهِ مَلَاحِمَ رِحْلَتِي، وَتُرْهِفِينَ فِيهِ عَذَارَى البَوْحِ فِي مَشَاعِرَ تَلُمُّ فِي خَلَايَا قَلْبِكِ، وَعَلَى أَزَاهِيرِ رُوحِكِ، فُلُولَ نَحْلِ عُمْرِي المُهَاجِرِ الَّذِي شَتَّتَهُ السَّأَمُ فِي كُهُوفِ غُرْبَةِ الأَيَّامِ. فَيَعُودُ إِلَيْكِ مُثْقَلًا بِغُبَارِ المَسَافَاتِ، فَتَغْسِلِينَ أَجْنِحَتَهُ بِمَاءِ الحُنُوِّ، وَتَدُلِّينَهُ عَلَى خَلِيَّةٍ لَمْ يَعُدْ يَذْكُرُ أَنَّهَا كَانَتْ وَطَنَهُ.

وَبَيْنَمَا تَغْتَسِلُ ضَفَائِرُ اللَّيْلِ فِي شُرْفَةِ القَمَرِ، تَغْتَسِلُ مُقْلَةُ السُّهْدِ بِدَمْعَةِ الوَجْدِ وَلَوْعَةِ البُعْدِ، وَتَتَجَرَّدُ مِنْ سِرْبَالِ وَقَارِهَا، كَأَنَّ الدَّمْعَ هُوَ الثَّوْبُ الأَخِيرُ الَّذِي تَلْبَسُهُ الرُّوحُ حِينَ تَعْجَزُ اللُّغَةُ عَنْ سَتْرِ عُرْيِ حَنِينِهَا. تَتَّكِئُ عَلَى نَمَارِقِ مَطَرِي المُسَافِرِ فِي سَحَابِكِ، وَتَتَوَكَّأُ عَلَى عَصَا الغَرَقِ فِي بُحُورِكِ الَّتِي تَمُوجُ بِاللَّيَالِي السَّاهِرَةِ، تَعْزِفُ لَحْنَ الأَمَلِ عَلَى قِيثَارَةِ الوَفَاءِ.

وَمَا أَعْجَبَ أَنْ يَتَوَكَّأَ الغَرِيقُ عَلَى عَصَا الغَرَقِ، وَأَنْ يَلْتَمِسَ النَّجَاةَ فِي البَحْرِ الَّذِي أَغْرَقَهُ! وَلَكِنَّ الحُبَّ لَا يَعْرِفُ مِنْ مَنَاطِقِ النَّجَاةِ مَا تَعْرِفُهُ العُقُولُ؛ فَهُوَ يَهْرُبُ مِنَ العَطَشِ إِلَى مَاءٍ يَزِيدُهُ ظَمَأً، وَمِنَ النَّارِ إِلَى جَمْرَةٍ يَجِدُ فِي احْتِرَاقِهَا دِفْأَهُ، وَمِنَ الغِيَابِ إِلَى ذِكْرَى تَجْعَلُ الغَائِبَ أَكْثَرَ حُضُورًا وَأَشَدَّ امْتِنَاعًا.

وَفِي غَفْلَةٍ مِنْ شُجُونِ البَيْنِ، أَدُسُّنِي فِي جُفُونِ الحُلْمِ المُمْتَدِّ مِنْ أَقْصَى مَدِينَةِ الشَّوْقِ إِلَى أَعْلَى مَرَاتِبِ العِشْقِ؛ أَدْخُلُهُ كَمَنْ يَدْخُلُ مَدِينَةً سِرِّيَّةً لَا تَعْرِفُهَا الخَرَائِطُ، فِي أَزِقَّتِهَا تَسْكُنُ مَوَاعِيدُ لَمْ تَحِنْ، وَعَلَى شُرُفَاتِهَا تَنْتَظِرُ كَلِمَاتٌ لَمْ تُقَلْ، وَفِي سَاحَاتِهَا يَلْعَبُ طِفْلَانِ يُشْبِهَانِنَا قَبْلَ أَنْ تُعَلِّمَنَا السِّنُونُ الخَوْفَ مِنَ الفَرَحِ. أَسْعَى، وَفِي سِرَاجِ الدَّرْبِ ذُبَالَةُ طَيْفٍ رَحِيمٍ، وَبَقَايَا مِنْ تَبَارِيحِ حُزْنٍ قَدِيمٍ، يَكَادُ يَلْوِي عِنَانَ الخُطْوَةِ وَيَفْصِمُ وَثِيقَ الحُظْوَةِ. كُلَّمَا دَنَوْتُ مِنْ بَابٍ فِي دَهَالِيزِ الخَيَالِ، انْفَتَحَ خَلْفَهُ مَمَرٌّ آخَرُ، وَكُلَّمَا ظَنَنْتُ أَنِّي بَلَغْتُ آخِرَكِ، اكْتَشَفْتُ أَنَّكِ بَدَايَاتٌ لَا تَنْقَضِي، وَأَنَّ القَلْبَ لَا يَصِلُ إِلَى مَنْ يُحِبُّ وَصُولَ المُسَافِرِ إِلَى مَدِينَةٍ، بَلْ يَظَلُّ يَكْتَشِفُهُ كَمَا يَكْتَشِفُ البَحَّارُ بَحْرًا لَا يَظْهَرُ لَهُ شَاطِئٌ.

وَلَكِنَّ النَّبْضَ مَا انْفَكَّ يَدْنُو، لَا يَأْلُو، إِلَى سِدْرَةٍ تُورِفُ عَلَى قَابِ نَبْضَةٍ مِنْ هَوَاكِ؛ سِدْرَةٍ لَا تَنْبُتُ فِي تُرَابٍ، بَلْ فِي أَعْمَاقِ الرُّوحِ، وَلَا تَسْقِيهَا السَّمَاءُ، بَلْ تَسْقِيهَا دُمُوعُ الانْتِظَارِ وَيَقِينُ الوُصُولِ. أَدْنُو مِنْهَا كُلَّمَا ابْتَعَدَتِ المَسَافَةُ، وَأَسْتَظِلُّ بِهَا كُلَّمَا لَفَحَتْنِي شَمْسُ الغِيَابِ، وَأَسْمَعُ فِي وَرَقِهَا هَمْسًا يَقُولُ لِي: إِنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي يُفْضِي إِلَى الحَبِيبِ لَا يُقَاسُ بِعَدَدِ الخُطُوَاتِ، بَلْ بِمَا يَبْقَى فِي القَلْبِ مِنْ صِدْقٍ بَعْدَ كُلِّ تَعَبٍ.

وَهُنَاكَ، فِي أَقْصَى دَهَالِيزِ الخَيَالِ، لَا أَجِدُ قَصْرًا مِنْ ذَهَبٍ، وَلَا جَنَّةً مِنْ سَحَرٍ، وَلَا مُعْجِزَةً تَرُدُّ مَا انْقَضَى؛ أَجِدُكِ أَنْتِ، عَلَى بَسَاطَتِكِ المُدْهِشَةِ، وَفِي عَيْنَيْكِ مَا يَكْفِي لِيَسْتَرِدَّ القَلْبُ مَا فَقَدَهُ مِنْ سَكِينَةٍ. فَأَعْلَمُ أَنَّ الخَيَالَ لَمْ يَكُنْ يَقُودُنِي بَعِيدًا عَنِ الحَقِيقَةِ، بَلْ كَانَ يَدُورُ بِي فِي دَهَالِيزِهَا حَتَّى يَهَبَنِي الشَّجَاعَةَ لِأَرَاكِ كَمَا أَنْتِ، لَا كَمَا يَصْنَعُكِ الشَّوْقُ فِي غِيَابِكِ. فَالخَيَالُ، يَا حَبِيبَةُ، لَيْسَ كَذِبًا جَمِيلًا نَحْتَمِي بِهِ مِنْ قَسْوَةِ الوَاقِعِ؛ إِنَّهُ الحُجْرَةُ السِّرِّيَّةُ الَّتِي تَحْفَظُ فِيهَا الرُّوحُ مَا لَا يَسْتَطِيعُ الوَاقِعُ حَمْلَهُ، وَالمَشْغَلُ الَّذِي تُصْلِحُ فِيهِ مَا كَسَرَتْهُ الأَيَّامُ، وَالجِسْرُ الَّذِي تَعْبُرُ عَلَيْهِ الحَقَائِقُ الحَيِيَّةُ حَتَّى تَقْوَى عَلَى الوِلَادَةِ. وَأَنْتِ فِي دَهَالِيزِ خَيَالِي لَسْتِ طَيْفًا أَسْتَحْضِرُهُ حِينَ تَضِيقُ بِيَ السُّبُلُ، بَلْ دَلِيلًا يَسْتَحْضِرُنِي إِلَى نَفْسِي كُلَّمَا تِهْتُ عَنْهَا. تَأْخُذِينَ بِيَدِي مِنْ كَهْفِ الوَحْشَةِ، وَتَرُدِّينَ إِلَى أَشْيَائِي أَسْمَاءَهَا، وَإِلَى الحُرُوفِ أَصْوَاتَهَا، وَإِلَى القَلْبِ شَهِيَّتَهُ لِلحَيَاةِ. فَمَا عُدْتُ أَدْرِي؛ أَأَنَا الَّذِي يَرْسُمُكِ فِي خَيَالِهِ، أَمْ أَنَّكِ أَنْتِ مَنْ تَرْسُمِينَنِي فِي حَقِيقَتِي؟

وَحَسْبِي مِنْ هَذِهِ الرِّحْلَةِ أَنِّي كُلَّمَا ضَلَلْتُ فِي دَهَالِيزِ الخَيَالِ، اهْتَدَيْتُ إِلَيْكِ؛ وَكُلَّمَا ظَنَنْتُ أَنَّ الحُلْمَ يَبْتَعِدُ بِي عَنِ الحَيَاةِ، وَجَدْتُهُ يَرُدُّنِي إِلَى أَعْمَقِ مَا فِيهَا مِنْ مَعْنًى. فَأَنْتِ لَسْتِ آخِرَ الدَّهَالِيزِ، بَلْ سِرَاجُهَا؛ وَلَسْتِ نِهَايَةَ الطَّرِيقِ، بَلْ المَعْنَى الَّذِي يَجْعَلُ كُلَّ خُطْوَةٍ فِيهِ جَدِيرَةً بِالعَنَاءِ. وَسَأَظَلُّ أَمْضِي إِلَيْكِ فِي تِلْكَ الدَّهَالِيزِ، لَا أَخْشَى تَشَعُّبَهَا وَلَا عُمْقَ عَتَمَتِهَا؛ فَمَا دَامَ فِي آخِرِ كُلِّ مَمَرٍّ مِنْهَا قَبَسٌ مِنْ عَيْنَيْكِ، فَلَنْ يَكُونَ التِّيهُ ضَيَاعًا، بَلْ طَرِيقًا آخَرَ إِلَى الوُصُولِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى