الأدبوحي الخاطر

حين يستعيد القلب ميزانه

بلاغة الانصراف وفلسفة الكرامة في مذهب النبلاء

عَلَى شُرْفَةِ البَصِيرَةِ، حَيْثُ تَنْسَحِبُ الضَّبَابَةُ عَنْ وَجْهِ الأَشْيَاءِ، وَتَبْدُو الحَقَائِقُ عَارِيَةً مِنْ طِلَاءِ الوَهْمِ وَزِينَةِ المُخَادَعَةِ، أَقِفُ اليَوْمَ لا كَمَنْ يَسْتَعِيدُ جُرْحًا، وَلَا كَمَنْ يَلْتَفِتُ إِلَى خَلْفِهِ بِخُطَى المُتَرَدِّدِينَ، بَلْ كَمَنْ يَرْفَعُ المِيزَانَ فَوْقَ ضَجِيجِ العَاطِفَةِ، وَيُعِيدُ لِلقَلْبِ حَقَّهُ فِي أَنْ يُحِبَّ نَبِيلًا، ثُمَّ يَنْصَرِفَ عَزِيزًا إِذَا اسْتُهِينَ بِنُبْلِهِ. لَقَدْ كَانَ فِي البَدْءِ صَفَاءٌ يُشْبِهُ أَوَّلَ المَاءِ حِينَ يَهْبِطُ مِنْ غَيْمَةٍ لَمْ تَمْسَسْهَا أَكْدَارُ الأَرْضِ، وَكَانَ فِي الرُّوحِ نُبْلٌ صَافٍ يَتَوَسَّمُ فِي المَعْنَى أَكْثَرَ مِمَّا تُصَرِّحُ بِهِ المَلَامِحُ، وَفِي القُرْبِ إِمْكَانَ أَنْ يُنْشِئَ لِلإِنْسَانِ وَطَنًا دَاخِلِيًّا لا تَبْلُغُهُ عَوَاصِفُ الخَارِجِ.

جِئْتُكِ، لا بِقَلْبٍ يَلْتَمِسُ مَأْوًى مِنْ عُرْيِهِ، وَلَا بِرُوحٍ تَسْأَلُ غَيْرَهَا أَنْ يَمْنَحَهَا اسْمًا وَكِيَانًا، بَلْ بِفَيْضٍ كَانَ يَحْمِلُ مِنْ نُورِهِ مَا يَكْفِيهِ وَيَزِيدُ، وَمِنْ كَرَمِهِ مَا يَجْعَلُ العَادِيَّ مُتَّهَمًا بِالعَادِيَّةِ حَتَّى تَمَسَّهُ يَدُ العِنَايَةِ. رَأَيْتُ فِيكِ إِمْكَانَ الجَمَالِ قَبْلَ أَنْ يَكْتَمِلَ، وَسِرَّ المَعْنَى قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ، وَتِلْكَ البَذْرَةَ الخَفِيَّةَ الَّتِي لَوْ أُحْسِنَتْ رِعَايَتُهَا لَأَطْلَعَتْ مِنَ الرُّوحِ حَدِيقَةً لا تَذْبُلُ. فَسَكَبْتُ مِنْ أَبَارِيقِ الوِجْدَانِ مَاءً لا يُشْبِهُ مَاءَ العَابِرِينَ، وَنَثَرْتُ عَلَى جَدْبِ الأَيَّامِ بُذُورًا مِنَ الحُبِّ، لَمْ أُرِدْ بِهَا زِينَةَ لَحْظَةٍ، بَلْ مِيثَاقَ خُلُودٍ يُعَلِّمُ الطِّينَ كَيْفَ يَتَذَكَّرُ السَّمَاءَ.

لَمْ يَكُنِ العَطَاءُ الَّذِي مُنِحَ يَوْمَئِذٍ نَزْوَةَ قَلْبٍ عَابِرٍ، وَلَا انْدِفَاعَ شُعُورٍ يَطْلُبُ جَزَاءَهُ عَاجِلًا، بَلْ كَانَ سَخَاءَ رُوحٍ تُحْسِنُ أَنْ تَرَى فِي الشَّيْءِ أَجْمَلَ مَا فِيهِ، وَأَنْ تَسْتَخْرِجَ مِنَ الطِّينِ إِمْكَانَ التِّمْثَالِ، وَمِنَ العَادِيِّ وَجْهَهُ المُحْتَمَلَ حِينَ تَمَسُّهُ يَدُ الجَمَالِ. كُنْتُ أَرَى فِيكِ الفِكْرَةَ البِكْرَ حِينَ تَخْرُجُ مِنْ صَمْتِهَا الأَوَّلِ، وَالجَمَالَ إِذَا وَقَفَ عَلَى عَتَبَةِ البَيَانِ يَنْتَظِرُ مَنْ يُلْبِسُهُ ثَوْبَهُ اللَّائِقَ، فَنَسَجْتُ لَكِ مِنْ قَوَارِيرِ الحُبِّ عَبَاءَةً لا تُحْسِنُ أَيْدِي المُبْتَذَلِينَ صُنْعَهَا، وَأَقَمْتُ لِمَلَامِحِكِ فِي مَحَارِيبِ الحَرْفِ صَلَوَاتٍ لا تُتْلَى إِلَّا لِجَمَالٍ ظَنَنْتُهُ يَعْرِفُ قَدْرَ المِحْرَابِ.

وَمَا كُنْتُ أَمْنَحُكِ لِأَسْتَرِدَّ مِنْكِ ثَمَنًا، فَالكَرِيمُ لا يَعُدُّ أَنْفَاسَهُ حِينَ يُضِيءُ، وَلَا يَسْأَلُ الوَرْدَةَ عَنْ شُكْرِهَا حِينَ يَسْقِيهَا؛ وَلَكِنَّ العَطَاءَ، وَإِنْ تَرَفَّعَ عَنِ المُقَايَضَةِ، لا يَرْضَى أَنْ يُفْهَمَ عَلَى أَنَّهُ غَفْلَةٌ أَوْ ضَعْفٌ أَوْ حَاجَةٌ تُخْفِي وَجْهَهَا خَلْفَ قِنَاعِ السَّخَاءِ. كَانَتِ الكَلِمَاتُ تُنْثَرُ لا لِتُزَيِّنَ فَرَاغًا، بَلْ لِتَبْنِيَ مَعْنًى؛ وَكَانَتِ العِنَايَةُ تُبْذَلُ لا لِتَصْنَعَ وَهْمًا، بَلْ لِتُوقِظَ فِي الأَعْمَاقِ مَا غَفَلَتْ عَنْهُ المَرَايَا.

غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ النُّفُوسِ إِذَا أَصَابَهَا رَذَاذُ الرِّفْعَةِ قَبْلَ أَنْ تَتَهَيَّأَ لَهُ، أَخَذَتْهُ غَنِيمَةً لا أَمَانَةً، وَحَسِبَتِ البَرِيقَ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا مَعْدِنًا فِي جَوْهَرِهَا، وَنَسِيَتْ أَنَّ المَرَايَا لا تَخْلُقُ الضَّوْءَ، وَأَنَّ الزُّجَاجَةَ المُعْتِمَةَ قَدْ تَلْمَعُ إِذَا مَرَّتْ عَلَيْهَا شَمْسٌ كَرِيمَةٌ. هُنَاكَ بَدَأَ دَوَارُ الِارْتِفَاعِ المُفَاجِئِ، لا لأَنَّ الجَنَاحَ نَبَتَ مِنْ صَمِيمِ الطِّبَاعِ، بَلْ لأَنَّ الرِّيحَ حَمَلَتْ مَا لَمْ يَتَعَلَّمْ أَدَبَ التَّحْلِيقِ. فَبَدَلَ أَنْ يَكُونَ الثَّنَاءُ مَطَرًا يُنْبِتُ العِرْفَانَ، أَنْبَتَ فِي تُرْبَةٍ مُضْطَرِبَةٍ شَوْكَ الزَّهْوِ؛ وَبَدَلَ أَنْ يَكُونَ القُرْبُ بَابًا إِلَى النُّضْجِ، صَارَ مِرْآةً تَتَزَيَّنُ أَمَامَهَا النَّرْجِسِيَّةُ بِحُلِيِّ الجَمَالِ الزَّائِفِ.

وَمَا أَعْجَبَ أَمْرَ الغُرُورِ حِينَ يَدْخُلُ عَلَى النَّفْسِ مِنْ بَابِ النِّعْمَةِ! يَأْكُلُ مِنْ مَائِدَةِ الكَرَمِ، ثُمَّ يُنْكِرُ اليَدَ الَّتِي بَسَطَتْهَا؛ وَيَصْعَدُ عَلَى دَرَجٍ بَنَتْهُ العِنَايَةُ لَهُ، ثُمَّ يَلْتَفِتُ مِنْ فَوْقِهِ كَأَنَّهُ وُلِدَ فِي الذُّرَا. لَقَدْ كَانَ أَجْدَرَ بِمَنْ لَامَسَهُ الجَلَالُ أَنْ يَزْدَادَ خُشُوعًا، وَبِمَنْ غَمَرَهُ الكَرَمُ أَنْ يَزْدَادَ عِرْفَانًا، وَبِمَنْ رَأَى فِي عَيْنَيْهِ صُورَةً أَجْمَلَ مِنْ حَقِيقَتِهِ أَنْ يَسْأَلَ: أَهَذَا أَنَا، أَمْ هَذَا فَضْلُ عَيْنٍ كَرِيمَةٍ أَحْسَنَتِ الرُّؤْيَةَ فَأَحْسَنَتِ الخَلْقَ؟ وَلَكِنَّ النَّفْسَ إِذَا ضَاقَتْ عَنِ النُّورِ، جَعَلَتْهُ وَقُودًا لِعَتَمَتِهَا، وَإِذَا عَجَزَتْ عَنْ حَمْلِ التَّاجِ، حَسِبَتْ ثِقَلَهُ دَلِيلَ مُلْكٍ لا دَلِيلَ امْتِحَانٍ.

أَيُّ حِكْمَةٍ تِلْكَ الَّتِي تَظُنُّ أَنَّ الجَفَاءَ سُلْطَانٌ، وَأَيُّ فَهْمٍ ذَلِكَ الَّذِي يَحْسَبُ التَّجَاهُلَ دَهَاءً، وَأَيُّ وَهْمٍ يُغْرِي النَّفْسَ بِأَنْ تَمْتَحِنَ قَلْبًا كَرِيمًا بِأَدَوَاتِ الصِّغَارِ؟ إِنَّ مَنْ يَعْرِفُ دُرُوبَ الأَرْوَاحِ لا تَخْدَعُهُ المَسَافَاتُ المَصْنُوعَةُ، وَلَا تُرْبِكُهُ البَرُودَةُ المُدَّعَاةُ، وَلَا يَأْخُذُهُ الصَّمْتُ المُتَكَلَّفُ عَلَى أَنَّهُ قَدَرٌ غَامِضٌ لا يُقْرَأُ. فَلِلرُّوحِ لَغَاتٌ قَبْلَ الكَلِمَاتِ، وَلِلْعُيُونِ اعْتِرَافَاتٌ قَبْلَ الشِّفَاهِ، وَلِلْجَفَاءِ المُصْطَنَعِ رَائِحَةٌ تَفْضَحُهُ قَبْلَ أَنْ يُتْقِنَ مَسْرَحِيَّتَهُ. وَكُنْتُ أَقْرَأُ، وَأَصْمُتُ؛ وَأَفْهَمُ، وَأَتَرَفَّعُ؛ وَأَرَى الخَيْطَ وَهُوَ يُحَرَّكُ مِنْ وَرَاءِ السِّتَارِ، فَلا أَقْطَعُهُ عَجَلًا، لأَنَّ الكَرِيمَ لا يُحَاسِبُ عَلَى كُلِّ رَعْشَةٍ، وَلأَنَّ الحَلِيمَ لا يُعَجِّلُ بِإِغْلَاقِ البَابِ حَتَّى يُتِيحَ لِلْعَائِدِ أَنْ يَتَذَكَّرَ الطَّرِيقَ.

مَا كَانَ صَمْتِي عَمًى، وَلَا كَانَ تَغَافُلِي غَفْلَةً، وَلَا كَانَ إِمْهَالِي انْتِظَارَ المُسْتَجْدِي عَلَى عَتَبَةِ الوَصْلِ. إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَدَبَ القُوَّةِ حِينَ تُؤْثِرُ أَنْ لا تُرِيَ أَسْنَانَهَا، وَكِبْرِيَاءَ الفَضِيلَةِ حِينَ تَسْتَحِي أَنْ تَنْزِلَ إِلَى وَحْلِ العِتَابِ عَلَى كُلِّ صَغِيرَةٍ، وَسَعَةَ الرُّوحِ حِينَ تَمْنَحُ مَنْ أَخْطَأَ فُسْحَةً لِيَرْجِعَ إِلَى نُبْلِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْسَبَ عَلَى سُقُوطِهِ. فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ سَكَتَ مَغْلُوبًا، وَلَا كُلُّ مَنْ تَأَنَّى مُتَرَدِّدًا، وَلَا كُلُّ مَنْ مَنَحَ الفُرْصَةَ كَانَ مُنْتَظِرًا عَلَى بَابِ الرَّجَاءِ. لَقَدْ أَغْضَيْتُ عَنِ الجَفَاءِ، لا لأَنَّهُ لَمْ يُصِبْ، بَلْ لأَنَّ الإِصَابَةَ لَيْسَتْ دَائِمًا عِلَّةً لِلنِّزَالِ؛ وَابْتَسَمْتُ لِلمُرَاوَغَةِ، لا لِأَنَّهَا خَدَعَتْنِي، بَلْ لأَنَّ بَعْضَ الأَلْعَابِ أَصْغَرُ مِنْ أَنْ يُفْسِدَ لَهَا الكَبِيرُ وَقَارَهُ.

لَكِنَّ لِلْكَرَامَةِ سَاعَةً لا تَسْتَأْذِنُ فِيهَا العَاطِفَةَ كَيْ تَنْهَضَ، وَلِلعِزَّةِ حَدًّا إِذَا بَلَغَهُ الِاسْتِخْفَافُ لَمْ تَعُدِ المَوَدَّةُ شَافِعًا، وَلَا الذِّكْرَى حِصْنًا، وَلَا الجَمَالُ عُذْرًا. هُنَاكَ يَقُومُ الرَّجُلُ الحُرُّ مِنْ دَاخِلِهِ، لا غَاضِبًا غَضَبَ الصِّغَارِ، بَلْ صَامِتًا صَمْتَ المَمَالِكِ حِينَ تُغْلِقُ أَبْوَابَهَا عَلَى قَرَارٍ لا رَجْعَةَ فِيهِ. هُنَاكَ يَفْهَمُ القَلْبُ أَنَّ المَوَدَّةَ إِذَا فَقَدَتْ أَدَبَهَا صَارَتْ عِبْئًا، وَأَنَّ القُرْبَ إِذَا خَلَا مِنَ التَّقْدِيرِ غَدَا ضِيقًا مُقَنَّعًا بِاسْمِ الوَصْلِ، وَأَنَّ الحُبَّ، مَهْمَا بَلَغَ صِدْقُهُ، لا يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى مَوْضِعٍ يُمْتَحَنُ فِيهِ عِزُّ الإِنْسَانِ.

أَنَا لَسْتُ مِمَّنْ يَسْتَجْدِي وُدًّا، وَلَا مِمَّنْ يَقِفُ عَلَى أَبْوَابِ القُلُوبِ يَسْأَلُهَا قَطْرَةَ اهْتِمَامٍ كَأَنَّ الحَيَاةَ جَفَّتْ مِنْ حَوْلِهِ. إِنَّ المَحَبَّةَ الَّتِي أُؤْمِنُ بِهَا شَرَفٌ مُتَبَادَلٌ، لا حَبْلٌ يُلْقَى مِنْ طَرَفٍ وَاحِدٍ فِي بِئْرٍ لا يُجِيبُ صَدَاهَا. وَالوَفَاءُ الَّذِي يَلِيقُ بِالأَرْوَاحِ النَّبِيلَةِ لَيْسَ أَنْ يَذِلَّ الإِنْسَانُ لِمَنْ لا يُحْسِنُ صَوْنَهُ، بَلْ أَنْ يَبْقَى كَرِيمًا حِينَ يُعْطِي، وَكَرِيمًا حِينَ يَمْضِي، وَكَرِيمًا حِينَ يَسْحَبُ يَدَهُ مِنْ مَائِدَةٍ أُهِينَ فِيهَا الخُبْزُ وَالمِلْحُ وَالمَعْنَى. أَنَا النَّهْرُ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَجْرًى يَلِيقُ بِفَيْضِهِ، عَادَ إِلَى سِرِّهِ الأَوَّلِ، وَحَمَلَ مَاءَهُ فِي أَعْمَاقِهِ، وَتَرَكَ لِلْيَبَاسِ أَنْ يَتَعَلَّمَ، بَعْدَ فَوَاتِ المَطَرِ، مَعْنَى العَطَشِ.

لَقَدْ كُنْتُ وَطَنًا لا مَمَرًّا، وَظِلًّا لا غَيْمَةً عَابِرَةً، وَمَأْوًى لا اسْتِرَاحَةَ عَابِرِ سَبِيلٍ. شَيَّدْتُ لَكِ فِي أَعْمَاقِي بَيْتًا لا تُطْفِئُ مَصَابِيحَهُ رِيَاحُ الزَّوَالِ، وَأَقَمْتُ لِحُضُورِكِ فِي حِسِّي عَرْشًا مِنَ المَعْنَى، لا يَصْعَدُ إِلَيْهِ إِلَّا مَنْ عَرَفَ أَنَّ الوُصُولَ إِلَى القُلُوبِ الكَبِيرَةِ لَيْسَ حَقًّا مُبَاحًا، بَلْ شَرَفٌ يَحْتَاجُ إِلَى أَدَبٍ يُجَاوِرُهُ. غَيْرَ أَنَّ مَنْ يَخْتَارُ أَزِقَّةَ المُرَاوَغَةِ بَعْدَ أَنْ فُتِحَتْ لَهُ بَوَّابَةُ المَجْدِ، لا يَظْلِمُ البَوَّابَةَ، بَلْ يَشْهَدُ عَلَى ضِيقِ خُطَاهُ؛ وَمَنْ يُسَاوِمُ عَلَى الكَرَمِ بِلُغَةِ الخِفَّةِ، لا يُنْقِصُ الكَرَمَ مِنْ قَدْرِهِ، بَلْ يَكْشِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي مَقَامِهِ.

لَيْسَتِ الخَسَارَةُ أَنْ يَنْصَرِفَ مَنْ أَحَبَّ صَادِقًا، فَقَدْ يَنْصَرِفُ وَفِي يَدِهِ بَقِيَّةٌ مِنْ نُورِهِ، وَفِي قَلْبِهِ سَلَامَةُ المِيزَانِ، وَفِي خَطْوِهِ ثِقَةُ مَنْ نَجَا مِنْ إِهَانَةِ مَا يَسْتَحِقُّ التَّبْجِيلَ. الخَسَارَةُ الحَقَّةُ أَنْ يُخْطِئَ الإِنْسَانُ قَدْرَ مَا مُنِحَ، فَيُبَدِّدَ المَطَرَ وَهُوَ يَحْسَبُهُ غَيْمًا عَابِرًا، وَيُفَوِّتَ الحَدِيقَةَ لِأَنَّهُ انْشَغَلَ بِظِلِّهِ عَلَى بَابِهَا. وَمَا أَكْثَرَ مَنْ لا يَعْرِفُونَ قِيمَةَ الفَيْضِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَجِفَّ المَجْرَى، وَلَا يَعْرِفُونَ رِفْعَةَ الحُضُورِ إِلَّا حِينَ يَصِيرُ الغِيَابُ مُعَلِّمًا قَاسِيًا.

لا يَضُرُّ الشَّمْسَ أَنْ تَجْهَلَهَا غَيْمَةٌ سَاقَهَا هَوَاءٌ طَائِشٌ، وَلَا يُنْقِصُ الجَبَلَ أَنْ تَمُرَّ عَلَيْهِ ضَبَابَةٌ فَتَحْسَبَ أَنَّهَا حَجَبَتْهُ عَنِ الوُجُودِ. إِنَّ القِيمَةَ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى اعْتِرَافِ كُلِّ عَابِرٍ لَيْسَتْ قِيمَةً، وَالعَظَمَةَ الَّتِي تَنْتَظِرُ شَهَادَةَ مِرْآةٍ مُضْطَرِبَةٍ لَمْ تَبْلُغْ بَعْدُ حَقِيقَتَهَا. فَمَا عَلَيَّ إِنْ أَغْلَقَتْ عَيْنٌ عَجْلَى جَفْنَهَا عَنِ النُّورِ؟ وَمَا عَلَى النُّورِ إِنْ لَمْ يَجِدْ فِي بَعْضِ الزُّجَاجِ صَفَاءً يَلِيقُ بِمُرُورِهِ؟ إِنَّ الغُيُومَ أَحْوَالٌ، وَالشَّمْسَ أَصْلٌ؛ وَالأَحْوَالُ تَتَبَدَّدُ، أَمَّا الأُصُولُ فَتَبْقَى فِي مَرَاكِزِهَا، تُعْطِي الأَرْضَ دِفْأَهَا، وَتَتْرُكُ لِمَنْ أَعْمَاهُ الرَّمَادُ أَنْ يَتَّهِمَ العَيْنَ لا النَّهَارَ. وَالقِيمَةُ إِذَا كَانَتْ حَقًّا فَهِيَ تُشْبِهُ الجَبَلَ؛ قَدْ تَحْجُبُهُ ضَبَابَةٌ عَنْ عَيْنِ عَابِرٍ، لَكِنَّهَا لا تُزَحْزِحُهُ عَنْ مَكَانِهِ، وَقَدْ يَجْهَلُهُ مَنْ لا يَرْفَعُ بَصَرَهُ، لَكِنَّ جَهْلَهُ لا يَجْعَلُ الصَّخْرَ هَبَاءً، وَلَا الذُّرَى وِهَادًا.

وَإِنْ غِبْتُ، فَلَيْسَ الغِيَابُ فِي مِثْلِ هَذَا المَقَامِ خُلُوًّا مِنَ الأَثَرِ، بَلْ هُوَ انْسِحَابُ النَّهْرِ إِلَى مَنْبَعِهِ بَعْدَ أَنْ عَلَّمَ الضِّفَافَ كَيْفَ يَكُونُ اخْضِرَارُهَا. فَلِلأَثَرِ سُلْطَانٌ لا تَمْحُوهُ المُكَابَرَةُ، وَمَنْ مَرَّ فِي الرُّوحِ مَرُورَ العَطَاءِ لا يَخْرُجُ مِنْهَا كَمَا يَخْرُجُ العَابِرُونَ مِنَ الطُّرُقَاتِ. سَتَبْقَى فِي تَلَافِيفِ الذَّاكِرَةِ نَبْرَةٌ لا تُشْبِهُ سَائِرَ النَّبَرَاتِ، وَوَمْضَةٌ تَفْضَحُ بُهْتَانَ الأَضْوَاءِ الصَّغِيرَةِ، وَمِقْيَاسٌ خَفِيٌّ تُوزَنُ بِهِ الوُجُوهُ وَالكَلِمَاتُ وَالمَوَاقِفُ. سَتَبْحَثِينَ فِي المَرَايَا عَمَّا كَانَتْ تَرَاهُ عَيْنٌ كَرِيمَةٌ فِيكِ، فَلا تَجِدِينَ إِلَّا الصُّورَةَ حِينَ تُرَدُّ إِلَى وَحْدَتِهَا، وَسَتَسْمَعِينَ فِي ضَجِيجِ العَابِرِينَ صَمْتًا يَقُولُ مَا لا تَجْرُؤُ المُكَابَرَةُ عَلَى سَمَاعِهِ: لَيْسَ كُلُّ مَنْ يُغَادِرُ يُفْقَدُ بِالمِقْدَارِ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ كُلُّ حُضُورٍ إِذَا انْصَرَفَ تَرَكَ بَعْدَهُ فَرَاغًا يُمْلَأُ.

سَتَعْرِفِينَ، حِينَ يَهْدَأُ غُبَارُ الزَّهْوِ وَتَسْتَفِيقُ الأَشْيَاءُ مِنْ سُكْرَتِهَا، أَنَّ بَعْضَ القُلُوبِ لا يُعَوَّضُ، لا لأَنَّهُ أَغْلَقَ الدُّنْيَا عَلَى نَفْسِهِ، بَلْ لأَنَّهُ حِينَ فُتِحَ، فُتِحَ كَوَطَنٍ؛ وَحِينَ مَنَحَ، مَنَحَ كَسَمَاءٍ؛ وَحِينَ صَبَرَ، صَبَرَ صَبْرَ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ النَّبْعَ لا يَنْزِلُ إِلَى مَسْتَوَى الحَصَاةِ لِيُثْبِتَ لَهَا جَرَيَانَهُ. وَلَعَلَّ أَقْسَى مَا يَتْرُكُهُ الكَرِيمُ حِينَ يَمْضِي أَنَّهُ لا يَتْرُكُ جُرْحًا ظَاهِرًا يُدَاوَى، بَلْ يَتْرُكُ مِقْيَاسًا خَفِيًّا تُوزَنُ بِهِ الوُجُوهُ وَالكَلِمَاتُ وَالأَيَّامُ، فَتَبْدُو بَعْدَهُ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ أَصْغَرَ مِمَّا كَانَتْ تَزْعُمُ.

فَامْضِي، إِنْ شِئْتِ، فِي دُرُوبِ الجَفَاءِ الَّتِي زَيَّنَتْهَا لَكِ المُكَابَرَةُ، وَالْتَحِفِي بِبُرُودِ التَّجَاهُلِ كَمَنْ يَحْسَبُ البَرْدَ وَقَارًا، وَدَعِي لِلْوَهْمِ أَنْ يُرَتِّبَ لَكِ مَقَاعِدَ الزَّهْوِ عَلَى حَافَّةِ الخَسَارَةِ. أَمَّا القَلْبُ الَّذِي عَرَفَ مَتَى يُعْطِي، فَسَيَعْرِفُ مَتَى يَسْتَرِدُّ سَكِينَتَهُ؛ سَيَعُودُ إِلَى عُلُوِّهِ لا مُتَحَجِّرًا، بَلْ أَصْفَى؛ وَلَا قَاسِيًا، بَلْ أَدْرَى؛ وَلَا نَادِمًا، بَلْ أَكْثَرَ إِيمَانًا بِأَنَّ الوَصْلَ لا يَكُونُ وَصْلًا حَتَّى يَقُومَ عَلَى تَعْظِيمِ المَعْنَى، وَأَنَّ المَوَدَّةَ لا تَصِحُّ حَتَّى تَسْكُنَ فِي بَيْتٍ مِنَ الكَرَامَةِ.

أَمَّا أَنَا فَقَدْ رَفَعْتُ أَذَانَ الرَّحِيلِ فِي مَعْبَدٍ أُهِينَ فِيهِ الوُقُوفُ، وَنَفَضْتُ غُبَارَ الِانْتِظَارِ عَنْ أَثْوَابِ العِزَّةِ، وَاسْتَعَدْتُ مِنَ اللَّحْظَةِ حَقَّهَا فِي أَنْ تُخْتَمَ بِمَا يَلِيقُ بِهَا مِنْ جَلَالِ الِانْصِرَافِ. سَأَعُودُ إِلَى عُزْلَتِي المُتَوَّجَةِ لا كَمَنْ طُرِدَ مِنْ بَابٍ، بَلْ كَمَنْ أَغْلَقَ بَابًا عَلَى مَا لا يَلِيقُ بِهِ؛ وَسَأَحْمِلُ مَعِي مَا بَقِيَ مِنْ عِطْرِي، لا لأُذَكِّرَ بِهِ أَحَدًا، بَلْ لِأَنَّ الزُّهُورَ لا تَخْرُجُ مِنْ طَبِيعَتِهَا حِينَ تَخْرُجُ مِنْ حَدِيقَةٍ لَمْ تُحْسِنْ رِعَايَتَهَا.

وَلْتَعْلَمِي، لا بِصَوْتِ الغَضَبِ، بَلْ بِيَقِينِ المَاءِ حِينَ يَعْرِفُ طَرِيقَهُ إِلَى البَحْرِ، أَنَّ انْصِرَافِي لَيْسَ انْكِسَارًا، بَلْ هُوَ انْتِصَارُ المِيزَانِ عَلَى الفَوْضَى، وَانْتِصَارُ النُّورِ عَلَى مَا يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَهُ دُخَانًا، وَانْتِصَارُ الكَرَامَةِ لِلقَلْبِ حِينَ كَادَ القَلْبُ يُسْرِفُ فِي الحِلْمِ عَلَى حِسَابِ سِيَادَتِهِ. إِنَّ الِانْصِرَافَ، حِينَ يَكُونُ صَوْنًا لِمَا هُوَ أَنْبَلُ فِي الإِنْسَانِ، لَيْسَ هَزِيمَةً وَلَا انْكِسَارًا؛ إِنَّهُ عَوْدَةُ المَاءِ إِلَى نَبْعِهِ، وَعَوْدَةُ السَّيِّدِ إِلَى عَرْشِهِ الدَّاخِلِيِّ، وَعَوْدَةُ المِيزَانِ إِلَى اسْتِقَامَتِهِ بَعْدَ أَنْ عَبَثَتْ بِهِ أَيْدِي الوَهْمِ.

فَالوَصْلُ شَرَفٌ لا يُوهَبُ إِلَّا لِمَنْ يَعْرِفُ فِقْهَ الشَّرَفِ، وَالمَوَدَّةُ مَمْلَكَةٌ لا يَسْكُنُهَا مَنْ يَخْلِطُ بَيْنَ النِّعْمَةِ وَالغَنِيمَةِ، وَالقَلْبُ الكَبِيرُ لا يَخْسَرُ حِينَ يَمْضِي، بَلْ يَسْتَرِدُّ عَرْشَهُ الدَّاخِلِيَّ، وَيَتْرُكُ لِلْغَافِلِينَ أَنْ يَكْتَشِفُوا بَعْدَ فَوَاتِ الحُضُورِ أَنَّ بَعْضَ الأَبْوَابِ، إِذَا أُغْلِقَتْ بِكِبْرِيَاءٍ، لَمْ تَعُدْ تُفْتَحُ بِالدُّمُوعِ، وَأَنَّ بَعْضَ القُلُوبِ لا تَمُرُّ فِي الحَيَاةِ مَرَّتَيْنِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى