الأدبوحي الخاطر

سفير اليقين

فِي بَدْءِ التَّكْوِينِ الأَوَّلِ، حَيْثُ كَانَ العَدَمُ البَارِدُ يَفْتَرِشُ سُدُفَ الرُّوحِ، وَيُلْحِفُهَا بِغَيَاهِبِ الضَّيَاعِ، لَمْ يَكُنِ الحُبُّ، فِي مِيزَانِ القُلُوبِ الكَبِيرَةِ، طَارِقًا كَسِيرًا يَسْتَجْدِي الإِيوَاءَ فِي مَضَارِبِ المُهْجَةِ، وَلَا زَائِرًا عَابِرًا يَطْرُقُ بَابَ النَّبْضِ ثُمَّ يَمْضِي كَمَا تَمْضِي الغَيْمَةُ عَنْ ظَمَأِ التُّـرَابِ، بَلْ كَانَ سَفِيرَ اليَقِينِ الأَعْظَمَ، وَالرَّسُولَ الخَفِيَّ الَّذِي يَشُقُّ حُجُبَ التُّـرَابِ وَغَلَسَ المَادَّةِ، لِيَكْشِفَ عَنْ جَوْهَرِ النُّورِ المَكْنُونِ فِي طِينَتِنَا الأُولَى.

مَا عَهِدْتُ المَحَبَّةَ لَوْعَةً بَائِسَةً تُذِلُّ رِقَابَ الرِّجَالِ، وَلَا صَبَابَةً رَخِيصَةً تُنْكِسُ رَايَاتِ الوَقَارِ فِي سَاحَاتِ الضَّعْفِ البَشَرِيِّ، وَلَا اِسْتِغَاثَةَ قَلْبٍ ضَاقَ بِوَحْدَتِهِ فَطَلَبَ فِي الآخَرِ عَكَّازًا لِوُجُودِهِ. إِنَّمَا شَرِبْتُهَا عِرْفَانًا عَمِيقًا يَفُكُّ طَلَاسِمَ الوُجُودِ المُغْلَقَةِ، وَمِعْرَاجًا رُوحِيًّا تَرْتَقِي فِيهِ البَصِيرَةُ مِنْ ضِيقِ الحَوَاسِّ الكَلِيلَةِ إِلَى سَعَةِ الكَشْفِ الَّذِي لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ، وَلَا تُحِيطُ بِهِ أَسْوَارُ العَادَةِ، وَلَا تُفَسِّرُهُ قَوَامِيسُ العَابِرِينَ.

إِنَّ الحُبَّ فِي شِرْعَتِي النَّبِيلَةِ كَشَّافُ حَقَائِقَ، لَا صَائِدُ لَذَّاتٍ، وَمِصْبَاحُ بَصِيرَةٍ، لَا فَخُّ تَعَلُّقٍ، يُعَرِّي الذَّاتَ مِنْ كِسْوَةِ الزَّيْفِ، وَيُحِيلُ غُمُوضَ النَّفْسِ إِلَى كِتَابٍ مَسْطُورٍ بِخُطُوطِ العَسْجَدِ، تَتَهَجَّى فِيهِ الرُّوحُ مَعَانِيَهَا البِكْرَ الَّتِي لَمْ يَطْمِثْهَا دَنَسُ النِّسْيَانِ. وَمَا كُنْتُ، قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ شَرَارَةُ هَذَا الوَجْدِ فِي دَمِي، إِلَّا كَوْنًا أَصَمَّ يَنْتَظِرُ كَلِمَةَ «كُنْ»؛ فَلَمَّا أَشْرَقَتْ شَمْسُ المَحَبَّةِ فِي مَدَارِي، أَبْصَرْتُ، وَعَرَفْتُ أَنَّ الوُصُولَ لَيْسَ غَايَةً تُقْطَعُ إِلَيْهَا المَسَافَاتُ، بَلْ رُؤْيَةٌ كُلِّيَّةٌ تَخْتَصِرُ الطَّرِيقَ بَيْنَ النَّبْضَةِ وَمَنْبَعِهَا، وَتُعِيدُ القَلْبَ إِلَى سِرِّهِ الأَوَّلِ.

لَقَدْ كُنْتُ أَحْسَبُ، فِي غَفْلَةِ العَقْلِ وَطَيْشِ الكِبْرِيَاءِ، أَنِّي أَعْرِفُنِي، وَأَنِّي قَدْ فَرَغْتُ مِنْ تَفْسِيرِ هَذَا الكِيَانِ المُتَمَرِّدِ بَيْنَ ضُلُوعِي، حَتَّى اِنْبَجَسَتْ عُيُونُ هَذِهِ المَحَبَّةِ مِنْ صَخْرِ كِيَانِي، فَإِذَا بِي أَقِفُ عَلَى حَافَّةِ نَفْسِي مَذْهُولًا، أُطِلُّ عَلَى أَقْبِيَةٍ سِرِّيَّةٍ لَمْ تَطَأْهَا قَدَمُ الإِدْرَاكِ مِنْ قَبْلُ، وَأَرَى فِي دَاخِلِي مَمَالِكَ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً فِي خَرَائِطِ الوَعْيِ، وَدُرُوبًا كَانَت *مَطْمُورَةً تَحْتَ رَمَادِ الأَيَّامِ.

هُنَاكَ، حَيْثُ تَتَنَفَّسُ المَشَاعِرُ العَارِمَةُ بِأَجْنِحَةٍ مِنْ نَارٍ مُطَهِّرَةٍ وَنُورٍ كَاشِفٍ، وَحَيْثُ تَمْتَلِكُ الأَفْكَارُ أَنْيَابًا بَيْضَاءَ تُمَزِّقُ سَتَائِرَ الخَدِيعَةِ وَالتَّبْرِيرِ، تَجَلَّتْ لِي حَقِيقَةُ رُوحِي عَارِيَةً مِنْ رَمَادِ العَادَاتِ المُسْتَهْلَكَةِ. فَالحُبُّ يَمْخُضُ الرُّوحَ مَخْضًا جَبَّارًا، لَا لِتُبَعْثِرَهَا، بَلْ لِيَفْصِلَ زَبَدَ الرَّغَبَاتِ الطِّينِيَّةِ عَنْ جَوْهَرِ الخُلُودِ الصَّافِي، فَيُدْرِكُ الإِنْسَانُ فِي حَضْرَتِهِ أَنَّهُ لَيْسَ مَحْضَ جَسَدٍ يَأْكُلُهُ النِّسْيَانُ وَيَشْرَبُهُ الفَنَاءُ، بَلْ آيَةٌ مَشْهُودَةٌ طُوِيَتْ فِيهَا صَحَائِفُ الأَكْوَانِ، وَأُودِعَتْ فِي أَعْمَاقِهِ بُذُورُ المَعْنَى.

صِرْتُ، بِفَضْلِ هَذِهِ المَعْرِفَةِ الَّتِي قَدَحَهَا زِنَادُ الوَجْدِ، أَقْرَأُ اِنْفِعَالَاتِي الدَّاخِلِيَّةَ كَمَا يَقْرَأُ العَابِدُ نُقُوشَ مِحْرَابِهِ القَدِيمِ؛ فَأَعْرِفُ مَتَى تَكُونُ الزَّفْرَةُ دُعَاءً خَافِتًا، وَمَتَى يَكُونُ الصَّمْتُ تَرْتِيلًا مُدَوِّيًا، وَكَيْفَ تَسْتَحِيلُ الدَّمْعَةُ العَاصِيَةُ، فِي حَضْرَةِ الجَلَالِ العَاطِفِيِّ، إِلَى قِنْدِيلٍ يَسْكُبُ الضِّيَاءَ فِي دَهَالِيزِ الغَيْبِ الغَائِرَةِ بَيْنَ جَوَانِحِي. هَكَذَا yَنْشَقُّ صَدْرُ العَتَمَةِ عَنْ نَهَارِ الذَّاتِ، فَيَعْرِفُ المَرْءُ مَنْ هُوَ، لَا بِمَا يَدَّعِي، بَلْ بِمَا يَنْكَشِفُ فِيهِ حِينَ تَمَسُّهُ يَدُ الحُبِّ فِي أَعْمَقِ مَوَاضِعِهِ.

وَبَيْنَمَا تَتَّسِعُ هَذِهِ الرُّؤْيَا الوِجْدَانِيَّةُ لِتَشْمَلَ مَدَارَاتِ البَهَاءِ المَمْدُودِ فِي الأُفُقِ، يَضْرِبُ الحُبُّ حَوْلَ البَشَرِيِّ أَسْوَارًا مِنَ التَّحْجِيمِ العَبْقَرِيِّ، لِتُعَلِّمَهُ أَدَبَ النِّهَايَاتِ أَمَامَ سَطْوَةِ المُطْلَقِ. لَقَدْ كُنْتُ، قَبْلَ وُقُوفِي بِبَابِ هَذَا الكَشْفِ، أَرُودُ مَفَاوِزَ العَقْلِ بِخُيَلَاءَ فَارِسٍ لَا يُشَقُّ لَهُ غُبَارٌ، أَظُنُّ مُتَوَهِّمًا أَنَّ مَقَالِيدَ الحِكْمَةِ كُلَّهَا بَيْنَ يَدَيَّ، حَتَّى دَاهَمَنِي جَلَالُ هَذِهِ العَاطِفَةِ الَّتِي لَا تُرَدُّ، فَأَدْرَكْتُ أَنَّ لِلصَّدْرِ سَعَةً مَحْدُودَةً تَقِفُ عَاجِزَةً أَمَامَ سُيُولِ المَعَانِي إِذَا اِنْهَمَرَتْ شَلَّالًا مِنْ بَهَاءٍ.

كَيْفَ لِقَالَبٍ مَصْنُوعٍ مِنْ طِينِ الأَرْضِ، مَهْمَا اِشْتَدَّ بَأْسُهُ، أَنْ يَحْتَوِيَ بَحْرًا بِلَا شُطْآنٍ، تَمُوجُ فِيهِ العَوَاصِفُ وَتَهْدَأُ فِيهِ السَّكِينَةُ بِلَمْحَةِ طَرْفٍ؟ وَكَيْفَ لِلُّغَةِ، وَهِيَ اِبْنَةُ الحُدُودِ، أَنْ تُحِيطَ بِمَعْنًى خُلِقَ لِيُفْلِتَ مِنَ الحُدُودِ؟ إِنَّ هَذَا اللُّجَّ الشُّعُورِيَّ العَظِيمَ قَدْ كَشَفَ لِي هَشَاشَةَ الضُّلُوعِ أَمَامَ بَأْسِ الرُّوحِ وَتَمَرُّدِهَا عَلَى سِجْنِ المَادَّةِ. أَدْرَكْتُ حُدُودِي البَشَرِيَّةَ، لَا اِنْكِسَارًا وَلَا ذُلًّا، بَلْ إِجْلَالًا وَعِرْفَانًا؛ كَوُقُوفِ الجَبَلِ الأَشَمِّ صَامِتًا فِي مَهَابَةٍ أَمَامَ هَدِيرِ الرَّعْدِ فِي السَّمَاءِ.

عَرَفْتُ أَنَّ لِلُّغَةِ تُخُومًا تَخْرَسُ عِنْدَهَا أَبْجَدِيَّاتُ البَيَانِ، وَأَنَّ الصَّمْتَ حِينَ تَتَزَاحَمُ الرُّؤَى الجَلِيلَةُ فِي حَضْرَةِ الجَمَالِ قَدْ يَكُونُ أَبْلَغَ مِنْ أَلْفِ خُطْبَةٍ عَصْمَاءَ. فِي حَضْرَةِ الشَّوَقِ العَاتِي الَّذِي يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، يَتَعَلَّمُ المَرْءُ أَنَّ عَجْزَهُ عَنِ البَوْحِ هُوَ أَرْفَعُ أَشْكَالِ الاِسْتِطَاعَةِ البَلَاغِيَّةِ، وَأَنَّ وُقُوفَهُ مُتَسَمِّرًا عِنْدَ شَاطِئِ الدَّهْشَةِ قَدْ يَكُونُ عَيْنَ الوُصُولِ إِلَى سِدْرَةِ الحَقِيقَةِ.

وَمِنْ نَافِذَةِ هَذَا العَجْزِ المَهِيبِ، الَّذِي تَتَسَاوَى فِيهِ الكَلِمَاتُ وَالصَّمْتُ، تَتَسَلَّلُ أَشِعَّةُ الجَمَالِ الدَّاخِلِيِّ لِتُشْرِقَ بِنُورِهَا فِي سَمَاءِ الوَعْيِ. فَمَا كَانَ المَحْبُوبُ، فِي عُرْفِ القُلُوبِ العَالِيَةِ، غَايَةً تَنْتَهِي إِلَيْهَا الرِّحْلَةُ وَتَنْغَلِقُ عِنْدَهَا أَبْوَابُ المَعْنَى، بَلْ هُوَ المِرْآةُ الصَّقِيلَةُ الَّتِي جَلَتْهَا يَدُ الأَقْدَارِ لِيُبْصِرَ الإِنْسَانُ فِيهَا بَهَاءَ مَا فِي نَفْسِهِ مِنْ قُدْرَةٍ عَلَى التَّعْظِيمِ، وَرِفْعَةَ مَا فِي وِجْدَانِهِ مِنْ قَابِلِيَّةٍ لِلـرُّقِيِّ.

حِينَ أَسْبَغْتُ عَلَى طَيْفِكِ النَّائِي مَشَارِفَ الجَلَالِ، وَنَحَتُّ مِنِ اِسْمِكِ تَمَائِمَ عِصْمَةٍ لِلطُّهْرِ، لَمْ أَكُنْ أَصْنَعُ وَهْمًا أَتَعَلَّقُ بِهِ، بَلْ كُنْتُ أُتَرْجِمُ لِلْكَوْنِ نَقَاءَ سَرِيرَتِي، وَاِرْتِقَاءَ ذَائِقَتِي الَّتِي لَا تَرْضَى بِالدُّونِ، وَقُدْرَةَ القَلْبِ عَلَى أَنْ يَرَى فِي الوَجْهِ المَحْبُوبِ مَا يَتَجَاوَزُ المَلَامِحَ إِلَى مَا وَرَاءَ المَلَامِحِ. فَالـرُّوحُ الخَسِيسَةُ المُكَبَّلَةُ بِالأَطْمَاعِ لَا تَلِدُ إِلَّا شَهْوَةً زَائِلَةً تَمُوتُ بِمَوْتِ لَذَّتِهَا، أَمَّا القَلْبُ النَّبِيلُ، فَيَسْتَطِيعُ أَنْ يَجْعَلَ مِنَ الوُدِّ صَرْحًا مُمَرَّدًا مِنْ قَوَارِيرِ الصِّدْقِ، لَا تَشْرَخُهُ عَوَاصِفُ الزَّمَنِ، وَلَا تُعْتِمُهُ أَدْخِنَةُ الرَّغْبَةِ العَابِرَةِ.

لَقَدْ عَرَفْتُ مَقَادِيرَ جَمَالِيَ الدَّاخِلِيِّ مِنْ خِلَالِ قُدْرَتِي عَلَى صِيَاغَةِ هَذَا العِشْقِ الفَرِيدِ، لَا كَتَعَالٍ أَجْوَفَ عَلَى مَنْ أُحِبُّ، بَلْ كَشُهُودٍ صَافٍ لِمَا يَصْنَعُهُ الحُبُّ فِي القَلْبِ حِينَ يَسْمُو عَنْ مَأْلُوفِ التَّعَلُّقِ. أَدْرَكْتُ أَنَّ القَلْبَ الَّذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْسُجَ مِنْ خُيُوطِ اللَّهْفَةِ المُحْتَرِقَةِ بُرْدَةً ضَافِيَةً لِلْعَفَافِ، هُوَ قَلْبٌ صُقِلَ بِنَارٍ لَا تُحْرِقُهُ، وَغُسِلَ بِنُورٍ لَا يُفْسِدُهُ. إِنِّي أُحِبُّكِ لِأَشْهَدَ كَيْفَ يَنْهَضُ فِيَّ مَا هُوَ أَنْبَلُ مِنِّي، وَكَيْفَ يَنْبُتُ فِي صَدْرِي مِسْكٌ يَعْبَقُ أَرِيجُهُ كُلَّمَا نَسَمَتْ رِيَاحُ ذِكْرَاكِ عَلَى رُبُوعِ خَيَالِي.

وَلَا يَقِفُ فَيْضُ هَذِهِ المَعْرِفَةِ عِنْدَ تُخُومِ الذَّاتِ، بَلْ يَتَعَدَّاهَا فِي قَانُونِ الفَيْضِ المُتَّصِلِ، لِيَخْتَرِقَ حُصُونَ الآخَرِ بِنَفَاذِ بَصِيرَةٍ لَا تُخْطِئُ مَرْمَاهَا. فَالنَّاسُ، فِي غَيْرِ مَقَامِ الحُبِّ الشَّفِيفِ، صُورٌ مُبْهَمَةٌ تَمْشِي عَلَى أَرْضٍ مِنْ زُجَاجٍ قَابِلٍ لِلْكَسْرِ؛ لَا نَرَى مِنْهُمْ إِلَّا قُشُورًا بَاهِتَةً لَوَّحَتْهَا شَمْسُ التَّصَنُّعِ، وَغَرَّبَتْهَا مَصَالِحُ المَادَّةِ. أَمَّا فِي ظِلَالِ الوَجْدِ الصَّادِقِ العَمِيقِ، فَتَتَسَاقَطُ الأَقْنِعَةُ، وَيُفْتَحُ كِتَابُ الآخَرِ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ، لَا لِنَمْلِكَهُ، بَلْ لِنَفْهَمَهُ؛ لَا لِنُحَاصِرَهُ، بَلْ لِنَصُونَ مَوَاضِعَ الهَشَاشَةِ فِيهِ مِنْ قَسْوَةِ العُبُورِ.

بِالحُبِّ وَحْدَهُ، أَرَى فِيكِ مَا قَدْ لَا تَرَيْنَهُ أَنْتِ فِي نَفْسِكِ حِينَ تَقِفِينَ أَمَامَ المِرْآةِ. أَقْرَأُ تَارِيخَ أَحْزَانِكِ العَتِيقَةِ فِي لَمْحَةِ عَيْنِكِ الشَّارِدَةِ نَحْوَ الأُفُقِ، وَأَتَهَجَّى فَرَحَكِ المَكْتُومَ فِي اِرْتِجَافَةِ صَوْتِكِ حِينَ تُنَادِينَ، وَأَعْرِفُ مَوَاضِعَ الخَوْفِ فِيكِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَجِفَ النَّبْضُ. لَمْ يَعُدْ وُجُودُكِ مَحَطَّ رِحَالٍ عَابِرٍ فِي خَارِطَةِ أَيَّامِي، بَلْ بَاتَ خَارِطَةً لِعَوَالِمَ رُوحِيَّةٍ، كُلُّ شِبْرٍ فِيهَا يَقُصُّ حِكَايَةً مُذْهِلَةً مِنْ حِكَايَاتِ الوُجُودِ الأُولَى.

الحُبُّ يَسْكُبُ فِينَا الحَاسَّةَ السَّادِسَةَ الَّتِي نَتَحَسَّسُ بِهَا نُبُوءَاتِ النُّفُوسِ دُونَ مِسَاسٍ؛ فَنَعْرِفُ مَتَى نُقْدِمُ كَغَيْثٍ صَيِّبٍ يَرْوِي الجَدْبَ، وَمَتَى نَتَرَاجَعُ كَنَسِيمٍ عَلِيلٍ يَتْرُكُ المِسَاحَةَ لِلشَّوْقِ كَيْ يَنْمُوَ، وَكَيْفَ نَقْرَأُ حُرُوفَ الصَّمْتِ حِينَ يَكُونُ هُوَ المُتَحَدِّثَ الوَحِيدَ السَّيِّدَ فِي صَخَبِ اللِّقَاءِ. هَذَا هُوَ التَّوَحُّدُ المَعْرِفِيُّ الَّذِي يَجْعَلُ الآخَرَ جُزْءًا أَصِيلًا مِنْ مَنْظُومَتِنَا الدَّاخِلِيَّةِ، نَعْرِفُهُ كَمَا نَعْرِفُ أَنْفَاسَنَا، وَنَحْرُسُهُ كَمَا نَحْرُسُ آخِرَ قِنْدِيلٍ فِي لَيْلٍ طَوِيلٍ.

وَفِي خِضَمِّ هَذَا الكَشْفِ النَّفْسِيِّ المُتَوَالِي، يَنْبَلِجُ فَجْرُ المَعْنَى الحَقِيقِيِّ مِنْ صُلْبِ العَدَمِ المُطْبِقِ. كَانَتِ الأَشْيَاءُ، قَبْلَ مَعْرِفَتِكِ، أَسْمَاءً عَابِرَةً بِلَا دَهْشَةٍ، تَتَقَاذَفُهَا رِيَاحُ العَبَثِ فِي صَحْرَاءِ الرَّتَابَةِ القَاتِلَةِ لِلـرُّوحِ. كَانَ الشَّجَرُ فِي نَاظِرِي مَحْضَ خَشَبٍ يَنْتَظِرُ الفَأْسَ، وَكَانَ البَحْرُ مَحْضَ مَاءٍ مَالِحٍ يَبْتَلِعُ الصَّيَّادِينَ، وَكَانَ الزَّمَانُ مِقْصَلَةً بَشِعَةً تَحْصُدُ الرُّؤُوسَ بِلَا هَوَادَةٍ. فَلَمَّا دَخَلْتِ أَنْتِ فِي نَسِيجِ الرُّوحِ كَخَيْطٍ مِنْ نُورٍ، اِسْتَحَالَ العَالَمُ بِرُمَّتِهِ إِلَى قَصِيدَةٍ مُحْكَمَةِ القَوَافِي، رَزِينَةِ الأَوْزَانِ، لَا حَشْوَ فِيهَا وَلَا كَسْرَ فِي بَحْرِهَا.

بَاتَ لِلشَّمْسِ مُبَرِّرٌ جَمِيلٌ لِكَيْ تُشْرِقَ كُلَّ صَبَاحٍ؛ لِتُقَبِّلَ بِأَشِعَّتِهَا الدَّافِئَةِ أَرْضًا تَطَؤُهَا قَدَمَاكِ، وَبَاتَ لِلَّيْلِ، حِينَ يُرْخِي سُدُولَهُ، عُذْرٌ أَنْبَلُ؛ لِيَحْرُسَ بِنُجُومِهِ اليَقْظَى حُلْمًا خَفِيًّا نَلْتَقِي فِيهِ خَارِجَ نِطَاقِ الزَّمَانِ. الحُبُّ هُوَ الصَّائِغُ الأَعْظَمُ، وَالكِيمْيَائِيُّ السِّرِّيُّ، الَّذِي يَسْكُبُ ذَهَبَ المَعْنَى فِي قَوَالِبَ الحَيَاةِ الجَامِدَةِ، فَيُعْطِي لِلْأَلَمِ الإِنْسَانِيِّ فَلْسَفَةً نَبِيلَةً تُهَذِّبُهُ، وَلِلِانْتِظَارِ القَاسِي حَلَاوَةً تُصَبِّرُهُ، وَلِلْمَوْتِ نَفْسِهِ جَلَالًا يَجْعَلُهُ بَابًا إِلَى مَعْنًى لَا يَفْنَى.

قَدْ وَجَدْتُ فِيكِ دَلِيلِي إِلَى سِدْرَةِ الوُجُودِ الأَقْصَى، فَمَا عُدْتُ أَطْلُبُ المَعْرِفَةَ مِنْ كُتُبٍ بَارِدَةٍ يَأْكُلُهَا غُبَارُ الرُّفُوفِ، بَلْ صِرْتُ أَقْرَؤُهَا نَاطِقَةً حَيَّةً، مَكْتُوبَةً بِخُطُوطِ النُّورِ عَلَى جَبِينِ المَحَبَّةِ الَّذِي لَا يَشِيخُ. فَفِيكِ تَعَلَّمْتُ أَنَّ الفَلْسَفَةَ لَا تَسْكُنُ الكُتُبَ وَحْدَهَا، بَل قَدْ تَنْبُتُ فِي رَعْشَةِ يَدٍ، وَفِي نَبْرَةِ صَوْتٍ، وَفِي صَمْتٍ يَمْلأُ الغُرْفَةَ حَتَّى تَضِيقَ بِهِ الجُدْرَانُ. وَفِيكِ عَرَفْتُ أَنَّ المَعْرِفَةَ إِذَا لَمْ تَصِرْ حُنُوًّا، وَإِذَا لَمْ تُثْمِرْ رِفْقًا، وَإِذَا لَم *تَهْدِ القَلْبَ إِلَى مَقَامِ التَّطَهُّرِ، ظَلَّتْ حِجَارَةً مَرْصُوفَةً فِي طَرِيقٍ لَا يَنْتَهِي إِلَى بَيْتٍ.

هَا أَنَا، الشَّاهِدُ البَصِيرُ عَلَى مَا فَعَلَهُ الحُبُّ فِي كِيَانِي، أَقِفُ فِي مِحْرَابِ هَذَا الشَّوَقِ الرَّفِيعِ، أَنْظُرُ إِلَى الدُّنْيَا الصَّاخِبَةِ بِمُفْرَدَاتِهَا وَتَفَاهَاتِهَا مِنْ شُرْفَةِ نُبْلٍ لَا يَسْتَعْلِي عَلَى الخَلْقِ، وَلَكِنَّهُ يَأْبَى أَنْ يَنْحَدِرَ إِلَى وَحْلِهِمْ. لَسْتُ أَسِيرًا مُسْتَجْدِيًا لِعَاطِفَةٍ طَارِئَةٍ تَعْبَثُ بِي كَمَا تَعْبَثُ الرِّيحُ بِالهَشِيمِ، بَلْ أَنَا سَيِّدُ بَوَّابَاتِي الدَّاخِلِيَّةِ، فَتَحْتُهَا لَا لِتَغْزُونِي العَاطِفَةُ، بَلْ لِيَدْخُلَ ضَيْفُ المَعْرِفَةِ الأَكْبَرِ فَيَجِدَ فِي قَلْبِي مَقَامًا يَلِيقُ بِهِ.

أُحِبُّكِ لِأَعْرِفَ تَفَاصِيلَ الكَوْنِ مِنْ خِلَالِكِ، وَأَعْرِفُكِ لِأَزْدَادَ حُبًّا يَسْتَعْصِي عَلَى الفَنَاءِ، فِي دَائِرَةٍ مِنَ النُّورِ لَا تَدَّعِي مَا لَيْسَ لَهَا، وَلَا تَتَجَاوَزُ حَدَّهَا البَشَرِيَّ، وَلَكِنَّهَا تَرْتَقِي بِمَا فِيهَا مِنْ طُهْرٍ إِلَى أَعْلَى مَا يُمْكِنُ لِقَلْبٍ أَنْ يَبْلُغَهُ مِنْ صَفَاءٍ وَعِرْفَانٍ. فَدَعِي هَذَا النَّهْرَ الوِجْدَانِيَّ الدَّافِقَ بِمِيَاهِ الحِكْمَةِ يَسْرِي فِي أَوْرِدَةِ الغَيْبِ، وَدَعِي هَذَا الوَجْدَ يَرْوِي ظَمَأَ الأَيَّامِ الَّتِي طَلَبَتِ اليَقِينَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى القَلْبِ لِتَجِدَ فِيهِ مَا لَمْ تَجِدْهُ فِي المَرَايَا كُلِّهَا.

فَهُنَا رُوحٌ بَشَرِيَّةٌ اِتَّخَذَتْ مِنَ الوَجْدِ النَّقِيِّ كِتَابًا لِمَعْرِفَةِ الذَّاتِ وَالعَالَمِ، وَمِنَ العِشْقِ العَفِيفِ مِحْرَابًا لِلتَّبَتُّلِ، لَا لِتُضَيِّعَ نَفْسَهَا فِي مَنْ تُحِبُّ، بَلْ لِتَجِدَ نَفْسَهَا أَكْثَرَ نَقَاءً وَرُسُوخًا وَاِتِّسَاعًا. هُنَا قَلْبٌ عَرَفَ أَنَّ أَعْظَمَ مَا يَهَبُهُ الحُبُّ لَيْسَ اِمْتِلَاكَ المَحْبُوبِ، بَلِ اِمْتِلَاكَ البَصِيرَةِ؛ وَلَيْسَ سُكْنَى القُرْبِ، بَلِ اِتِّسَاعَ المَعْنَى؛ وَلَيْسَ لَذَّةَ اللِّقَاءِ، بَلْ تِلْكَ الحِكْمَةَ الَّتِي تَنْضَجُ فِي مَوَاسِمِ الشَّوَقِ كَالثَّمَرِ النَّادِرِ عَلَى أَغْصَانِ الرُّوحِ.

وَهَكَذَا تَسْتَحِيلُ لَوْعَةُ النَّبْضِ فِي قُلُوبِ العَاشِقِينَ، إِذَا صَفَتْ وَتَطَهَّرَتْ وَعَرَفَتْ قَدْرَهَا، إِلَى حِكْمَةٍ كَوْنِيَّةٍ لَا تُقَالُ كُلُّهَا، وَلَا تُكْتَبُ كُلُّهَا، وَلَكِنَّهَا تُعَاشُ فِي السَّكِينَةِ، وَتُقْرَأُ فِي الصَّمْتِ، وَتَتَلأْلأُ فِي العَيْنِ الَّتِي مَرَّ بِهَا الحُبُّ فَلَمْ يُذِلَّهَا، بَلْ غَسَلَهَا مِنْ غُبَارِ العَادِيِّ، وَعَلَّمَهَا أَنْ تَرَى. هُنَالِكَ لَا يَكُونُ الحُبُّ خَاتِمَةَ الطَّرِيقِ، بَلْ بِدَايَةَ المَعْرِفَةِ، وَلَا يَكُونُ المَحْبُوبُ جِهَةَ القَلْبِ الوَحِيدَةَ، بَلْ مِرْآةَ الجِهَاتِ كُلِّهَا، وَلَا تَكُونُ العَاطِفَةُ حَرِيقًا يَأْكُلُ الإِنْسَانَ، بَلْ نَارًا مُقَدَّسَةً تُصَفِّي الذَّهَبَ مِنْ خَبَثِهِ، وَتَرُدُّ الرُّوحَ إِلَى مَعْدِنِهَا الأَوَّلِ، نَاصِعَةً، عَزِيزَةً، وَمُتَوَّجَةً بِسِرِّ اليَقِينِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى