الأدبوحي الخاطر

عتاب على مقام الكبرياء

فلسفة الاستغناء المجيد وسطوة كرامة الروح

فِي الْتِبَاسِ المَعْنَى، حَيْثُ تَمْتَزِجُ الرُّؤْيَا بِالدُّهْشَةِ، أَقِفُ اليَوْمَ عَلَى ذُرْوَةِ التَّأَمُّلِ، أَرْنُو بِعَيْنِ البَصِيرَةِ إِلَى تِلْكَ السُّفُوحِ الَّتِي اخْتَرْتِ أَنْ تُقِيمِي فِيهَا بَيْنَ ظَنٍّ وَتَرَدُّدٍ، وَبَيْنَ قُرْبٍ يَتَمَنَّعُ وَبُعْدٍ يَتَصَنَّعُ. لَقَدْ جِئْتُكِ فِي البَدْءِ أَحْمِلُ بَيْنَ جَوَانِحِي قَلْبًا صِيغَ مِنْ صَفَاءِ اليَقِينِ، وَرُوحًا تَفِيضُ بِنُبْلِ Mَقَاصِدِ وَشَرَفِ الغَايَاتِ، ظَنًّا مِنِّي أَنِّي أُلْقِي بِبِذَارِ الخُلُودِ فِي تُرْبَةٍ تَسْتَحِقُّ هَذَا العَطَاءَ الفَارِهَ. لَقَدْ رَعَيْتُكِ رِعَايَةَ السَّمَاءِ لِلأَرْضِ العَطْشَى فِي جَدْبِ صَيْفٍ، وَسَكَبْتُ مِنْ أَبَارِيقِ وِجْدَانِي مَاءً طَهُورًا يَغْسِلُ عَنْ مَلَامِحِكِ رَهَقَ الأَيَّامِ، وَيَصُوغُ مِنْ حَضُورِكِ العَابِرِ مَقَامًا مِنْ جَلَالٍ.

كُنْتُ أَرَى فِيكِ الفِكْرَةَ البِكْرَ، وَالجَمَالَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ تُقَامَ لَهُ صَلَوَاتُ الحَرْفِ فِي مَحَارِيبِ البَيَانِ، فَنَسَجْتُ لَكِ مِنْ قَوَارِيرِ حُبِّي عَبَاءَةً مِنْ مَجْدٍ، وَأَلْبَسْتُكِ تَاجًا مِنْ قَصَائِدَ لَا تَبْلَى. غَرَسْتُ فِي صَحْرَاءِ كِيَانِكِ، وَفِي جَدْبِ وَاقِعِكِ، مِنْ بُذُورِ الحُبِّ مَا هُوَ جَوْهَرُ البَقَاءِ وَسِرُّ اسْتِمْرَارِهِ، حَتَّى غَدَوْتِ، بِفَضْلِ مَدَادِي وَاهْتِمَامِي، مَقَامًا لَا تَطَالُهُ أَيْدِي العَابِرِينَ المُبْتَذَلِينَ.

غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ النُّفُوسِ، حِينَ يَمَسُّهَا الِارْتِفَاعُ المُفَاجِئُ، يُصِيبُهَا دُوَارُ الزَّهْوِ؛ وَتَنْسَى فِي نَشْوَةِ التَّحْلِيقِ أَنَّ الأَجْنِحَةَ الَّتِي رَفَعَتْهَا لَمْ تَنْبُتْ كُلُّهَا مِنْ ظَهْرِهَا. سَقَيْتُكِ مِنْ ثَنَاءٍ صَادِقٍ يَسْتَبْطِنُ إِعْجَابًا بِجَمَالِ خِلْقَتِكِ وَذَكَاءِ فِطْرَتِكِ، فَخِفْتُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَطَرُ العَذْبُ قَدْ أَنْبَتَ فِي أَرْضِكِ شَوْكَ الزَّهْوِ، بَدَلَ أَنْ يُنْبِتَ زَهْرَ العِرْفَانِ. طَفِقْتِ تَنْظُرِينَ فِي مِرْآةِ الزَّهْوِ، تَحْسَبِينَ أَنَّ كُلَّ مَا يَلْمَعُ فِيهَا مِنْ صَمِيمِ جَوْهَرِكِ، وَمَا كَانَ كُلُّهُ إِلَّا أَثَرًا مِنْ رِعَايَةٍ، وَصَدًى مِنْ عِنَايَةٍ، وَبَقِيَّةً مِنْ حُبٍّ أَرَادَ لَكِ أَنْ تَكُونِي أَرْفَعَ مِمَّا كُنْتِ.

أَسْبَغْتُ عَلَيْكِ مِنْ صِفَاتِ الذَّاكِاءِ وَالحُسْنِ مَا جَعَلَكِ تَمْضِينَ فِي الأَيَّامِ بِثِقَةٍ أَكْبَرَ مِنْ حُدُودِهَا، وَتَنْظُرِينَ إِلَى الأَشْيَاءِ مِنْ بُرْجٍ شَيَّدْتُهُ لَكِ بِلَبِنَاتٍ مِنْ صَبْرِي وَحِرْصِي. كُنْتُ أَرْمُقُ هَذَا النُّمُوَّ المُتَسَارِعَ فِي زَهْوِكِ بِعَيْنِ الشَّفَقَةِ تَارَةً، وَبِعَيْنِ الحِكْمَةِ تَارَةً أُخْرَى، مُوقِنًا أَنَّ الوِعَاءَ الَّذِي لَا يَتَّسِعُ Lِلْعَطَاءِ سَيَضِيقُ حَتْمًا بِمَا أُفِيضَ فِيهِ. فَبَدَلًا مِنْ أَنْ تُقَابِلِي الجَلَالَ بِالخُشُوعِ، وَالكَرَمَ بِالعِرْفَانِ، مَالَتْ بِكِ أَهْوَاءُ الزَّهْوِ إِلَى صَلَفٍ يُوجِعُ، وَتَكَبُّرٍ يُحْزِنُ، وَتَجَاهُلٍ بَارِدٍ لَا يُشْبِهُ مَا كُنْتُ أَرْجُوهُ Lَكِ مِنْ حَصَافَةٍ وَنُبْلٍ.

أَيُّ عَزْمٍ مُتَعَجِّلٍ هَذَا الَّذِي يَقْتَادُكِ نَحْوَ مَتَاهَاتِ الحَيْرَةِ؟ وَأَيُّ وَهْمٍ يُسَوِّلُ لَكِ أَنْ تَجْعَلِي مِنَ الصَّمْتِ أَدَاةً، وَمِنَ الجَفَاءِ اِمْتِحَانًا، وَمِنَ التَّجَاهُلِ وَسِيلَةً لِقِيَاسِ مَا فِي القَلْبِ مِنْ وِدٍّ وَاحْتِمَالٍ؟ أَهُوَ خَوْفُ القَلْبِ حِينَ يَخْتَبِرُ حُدُودَ الأَمَانِ، أَمْ هُوَ اضْطِرَابٌ فِي الدَّاخِلِ يُحَاوِلُ أَنْ يَسْتَوْثِقَ مِنَ الحُبِّ بِمَا يُؤْذِيهِ؟ كَيْفَ لِمَنْ شَرِبَتْ مِنْ لَبَانِ الوُدِّ الصَّافِي أَنْ تُقَابِلَ ذَلِكَ كُلَّهَ بِجَفَاءٍ يَكْسِرُ خَاطِرَ المَحَبَّةِ؟ أَتَحْسَبِينَنِي، وَأَنَا العَلِيمُ بِدُرُوبِ النُّفُوسِ وَخَفَايَاهَا، غَافِلًا عَنْ تِلْكَ المُنَاوَرَاتِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تَتَسَلَّلُ مِنْ خَلْفِ السُّكُونِ؟ أَظَنَنْتِ، حِينَ قَابَلْتِ حَرَارَةَ العَاطِفَةِ بِبَرْدِ الجَفَاءِ، وَحِينَ اسْتَبْدَلْتِ الوَصْلَ الشَّرِيفَ بِتَجَاهُلٍ مَصْنُوعٍ، أَنَّكِ تُحْكِمِينَ قَبْضَتَكِ عَلَى خُيُوطِ قَلْبِي؟ مَا أَبْعَدَ مَنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ سَعَةِ الحِلْمِ وَعَمَى الغَفْلَةِ!

لَمْ أَكُنْ يَوْمًا جَاهِلًا بِمَا يَدُورُ فِي غُرَفِ الزَّهْوِ المُغْلَقَةِ؛ فَأَنَا مَنْ يَفُكُّ المَعَانِي قَبْلَ تَشَكُّلِهَا، وَأَنَا مَنْ يَقْرَأُ زَفَرَاتِ الصُّدُورِ قَبْلَ أَنْ تَنْطِقَ بِهَا الشِّفَاهُ. إِنَّمَا كَانَ صَمْتِي وَتَغَابِيَّ عَنْ زَلَّاتِكِ ضَرْبًا مِنْ ضُرُوبِ التَّرَفُّعِ، وَكِبْرِيَاءِ الحِلْمِ الَّذِي يَأْبَى أَنْ يَنْزِلَ إِلَى وَحْلِ العِتَابِ فِي كُلِّ صَغِيرَةٍ. أَرَدْتُ أَنْ أَمْنَحَكِ، مِنْ فَرْطِ مَوَدَّتِي وَنُبْلِ ظَنِّي، مَسَاحَةً لِلمُرَاجَعَةِ، وَفُرْصَةً لِلرُّجُوعِ إِلَى رُشْدٍ كُنْتُ أَرَاهُ فِيكِ وَأَنْتَظِرُهُ مِنْكِ.

كُنْتُ أَغُضُّ الطَّرْفَ عَنْ جَفَائِكِ المَصْنُوعِ، وَأَتَبَسَّمُ فِي سَرِيرَتِي لِتِلْكَ المُحَاوَلَاتِ المَكْشُوفَةِ لِاسْتِدْرَاجِي إِلَى دَوَّامَاتِ القَلَقِ. لَمْ أَكُنْ سَاذَجًا أَلْتَقِطُ طُعْمَ التَّلَاعُبِ، بَلْ كُنْتُ المُتَسَامِي الَّذِي يَرَى الطِّفْلَةَ الخَائِفَةَ فِيكِ، فَيَرْبِتُ عَلَى طَيْشِهَا بِحَنَانِ الأَبِ، وَيَتَرَفَّعُ عَنْ مُحَاسَبَتِهَا بِعَقْلِ الحَكِيمِ. كُنْتُ أَتَغَابَى لِأَنَّ الكَرِيمَ يَتَجَاهَلُ مَا يَخْدِشُ كِبْرِيَاءَ الفَضِيلَةِ، وَلِأَنِّي أَرَدْتُ أَنْ أُورِدَكِ مَنَاهِلَ الخُلُقِ الكَرِيمِ، ذَلِكَ الَّذِي يَتَرَفَّعُ عَنْ ضِيقِ الغَايَاتِ وَاضْطِرَابِ الوَسَائِلِ.

وَلَكِنَّ الطَّبْعَ، إِذَا أَلِفَ الزَّهْوَ، عَسُرَ عَلَيْهِ أَنْ يَرَى اليَدَ الَّتِي رَفَعَتْهُ. هَا أَنْتِ تَتَأَمَّلِينَ الزَّمَانَ بِنَظْرَةٍ يَسْكُنُهَا بُؤْسٌ نَبِيلٌ، أَوْ هَكَذَا تُوهِمِينَ نَفْسَكِ، بَيْنَمَا الحَقِيقَةُ أَنَّكِ تَتَخَبَّطِينَ فِي مَا لَا يَلِيقُ بِكِ مِنْ اضْطِرَابِ اليَقِينِ. لَقَدْ أَوْصَلَنِي تَعَنُّتُكِ وَجَفَاؤُكِ إِلَى النُّقْطَةِ الَّتِي تَنْتَفِضُ فِيهَا كَرَامَةُ الرَّجُلِ الحُرِّ، لَا لِتُخَاصِمَ الحُبَّ، بَلْ لِتَحْمِيَهُ مِنْ أَنْ يُبْتَذَلَ. أَنَا لَا أَسْتَجْدِي وُدًّا، وَلَا أَقِفُ عَلَى أَبْوَابِ القُلُوبِ مُتَسَوِّلًا قَطْرَةَ اهْتِمَامٍ؛ أَنَا النَّهْرُ المَدِيدُ الَّذِي إِنْ لَمْ يَجِدْ وَعَاءً يَلِيقُ بِفَيْضِهِ، عَادَ فَحَفِظَ مَاءَهُ فِي جَوْفِ كِبْرِيَائِهِ.

لَقَدْ كُنْتُ لَكِ وَطَنًا، وَشَيَّدْتُ لَكِ فِي أَعْمَاقِي وَطَنًا يَفُوقُ اتِّسَاعُهُ اتِّسَاعَ المَجَرَّاتِ، وَلَا تَمَسُّهُ رِيَاحُ الزَّوَالِ، غَيْرَ أَنَّكِ آثَرْتِ أَنْ تَمْضِي فِي أَزِقَّةِ الجَفَاءِ، وَأَنْ تَسْتَبْدِلِي بِسَعَةِ الأَمَانِ ضِيقَ المُنَاوَرَةِ. فَاعْلَمِي الآنَ، وَأَنْتِ فِي نَشْوَةِ زَهْوِكِ، أَنَّكِ لَمْ تُعَرِّضِي لِلْفَقْدِ عَاشِقًا عَادِيًّا، بَلْ قَلْبًا مِنْ أَكْرَمِ القُلُوبِ وَأَحْصَفِهَا، قَلْبًا يَفِيضُ شَرَفًا وَعِفَّةً، وَلَا يُسَاوِمُ عَلَى ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرِيَائِهِ، وَلَوْ وُضِعَتْ مَوَدَّةُ الدُّنْيَا كُلُّهَا فِي يَمِينِهِ، وَوَصْلُهَا فِي يَسَارِهِ.

لَا يَضِيرُنِي قَطُّ أَنْ تَجْهَلِي قَدْرِي، أَوْ أَنْ تَتَأَخَّرِي عَنْ رُؤْيَةِ مَقَامِي. فَهَلْ يَضِيرُ الجَبَلَ أَنْ يَحْجُبَهُ عَنْ بَعْضِ العُيُونِ ضَبَابٌ عَابِرٌ سَاقَتْهُ رِيحٌ طَائِشَةٌ؟ إِنَّ الضَّبَابَ مَهْمَا تَكَاثَفَ، وَمَهْمَا تَلَوَّنَ بِرَمَادِ الحَيْرَةِ، حَالَةً عَابِرَةً لَا كِيَانَ لَهَا وَلَا اسْتِقْرَارَ. أَمَّا القِمَّةُ فَتَبْقَى قِمَّةً، لَا تَنْتَظِرُ شَهَادَةَ مَنْ ضَلَّتْ عَيْنُهُ عَنْهَا. وَغُرُورُكِ لَيْسَ حِجَابًا عَلَى الحَقِيقَةِ، بَلْ حِجَابٌ عَلَى قَلْبِكِ أَنْ يَرَاهَا فِي وَقْتِهَا. فَقِيمَتِي ثَابِتَةٌ كَثَبَاتِ الجِبَالِ الرَّوَاسِي، وَمَقَامِي لَا يَنْتَظِرُ اعْتِرَافًا مِنْ بَصِيرَةٍ أَتْعَبَهَا زَهْوُهَا. وَكَمَا يَنْقَشِعُ الضَّبَابُ عَنِ القِمَمِ، سَتَنْقَشِعُ عَنْكِ سَكْرَةُ الوَهْمِ، وَتَرَيْنَ مَا كَانَ أَقْرَبَ إِلَيْكِ مِنْ أَنْ تُدْرِكِيهِ.

حَتَّى مَعَ غِيَابِي، أَوْ مَعَ سَحْبِي لِرِعَايَتِي عَنْ أَرْضٍ لَمْ تُحْسِنِ الاِحْتِفَاظَ بِخِصْبِهَا، فَإِنَّ أَثَرِي الَّذِي سَكَنَ أَوْصَالَكِ يَوْمًا لَنْ يُغَادِرَكِ سَرِيعًا. سَتَظَلُّ بَصَمَاتُ عِنَايَتِي مَحْفُورَةً فِي تَلَافِيفِ ذَاكِرَتِكِ، وَسَيَبْقَى أَثَرِي كَوَشْمٍ دَافِئٍ عَلَى جِلْدِ أَيَّامِكِ. سَتَبْحَثِينَ فِي كُلِّ الوُجُوهِ عَنْ وَمْضَةٍ مِنْ ذَلِكَ البَهَاءِ الَّذِي أَغْدَقْتُهُ عَلَيْكِ، فَلَا تَجِدِينَ إِلَّا مَا يُذَكِّرُكِ بِمَا فَرَّطْتِ فِيهِ. سَتَذْكُرِينَ، حِينَ تَنْقَشِعُ نَشْوَةُ الكِبْرِ وَيَصْحُو فِيكِ وَجَعُ الفَقْدِ، كَيْفَ كَانَ وُجُودِي مَلَاذًا لَا يَطَالُهُ الخَوْفُ، وَكَيْفَ كَانَتْ كَلِمَاتِي طَوْقَ نَجَاةٍ فِي بَحْرٍ كَانَ يُثْقِلُكِ بِتَفَاهَتِهِ وَضَجِيجِهِ.

سَتَبْحَثِينَ عَنْ ذَلِكَ الصَّدْرِ الَّذِي كَانَ يَتَّسِعُ لِكُلِّ تَنَاقُضَاتِكِ، فَلَا تَجِدِينَ سِوَى جُدْرَانِ الصَّمْتِ تَرُدُّ إِلَيْكِ صَدَى مَا أَضَعْتِ. غَرِيبَةٌ أَنْتِ؛ لَا لِأَنَّ العَالَمَ ضَاقَ بِكِ، بَلْ لِأَنَّكِ أَكْثَرْتِ مِنَ الاِتِّسَاعِ فِي الظَّنِّ حَتَّى ضَاقَ بِكِ كُلُّ حُضُورٍ صَادِقٍ. وَمَا كَانَ ذَلِكَ الاتِّسَاعُ إِلَّا انْتِفَاخًا قَلِقًا لِزَهْوٍ لَمْ يَتَعَلَّمْ بَعْدُ كَيْفَ يَحْتَوِي صِدْقَ المَشَاعِرِ وَنُبْلِ المَقَاصِدِ.

فَامْضِي، إِنْ شِئْتِ، فِي طَرِيقِ الجَفَاءِ، وَتَلَحَّفِي بِعَبَاءَةِ Тَّجَاهُلِ، وَدَعِي أَلْعَابَكِ الصَّغِيرَةَ بَعِيدًا عَنْ مِحْرَابِي. فَلَقَدْ رَفَعْتُ نِدَاءَ الرَّحِيلِ عَنْ مَعْبَدِكِ، وَنَفَضْتُ غُبَارَ الاِنْتِظَارِ عَنْ أَثْوَابِ عِزَّتِي. سَأَعُودُ إِلَى عُزْلَتِي المَجِيدَةِ، إِلَى «أَنَا» الَّتِي تَأْبَى أَنْ تَتَنَازَلَ عَنْ صَفَاهَا، أَوْ أَنْ تَتَمَرَّغَ فِي طِينِ مُنَاوَرَاتٍ لَا تَلِيقُ بِهَا. سَأَبْقَى كَمَا كُنْتُ دَائِمًا؛ جَبَلًا لَا تُزِيلُهُ الرِّيَاحُ، وَمُحِيطًا لَا تُكَدِّرُهُ الحَصَى، وَشَارَةَ نُبْلٍ فِي مَقَامِ الرُّجُولَةِ الحَقَّةِ.

وَلْتَعْلَمِي، وَاليَقِينُ يَقِفُ بَيْنَنَا شَاهِدًا لَا خَصْمًا، أَنَّ انْصِرَافِي عَنْكِ لَيْسَ انْكِسَارًا، بَلْ هُوَ انْتِصَارُ الرَّجُلِ لِكَرَامَتِهِ، وَانْتِصَارُ القَلْبِ لِصَفَائِهِ، وَانْتِصَارُ المِيزَانِ لِرُوحٍ لَا تَقْبَلُ المُسَاوَمَةَ. سَأَتْرُكُكِ تُصَافِحِينَ ظِلَّكِ البَارِدَ، بَيْنَمَا أَمْضِي أَنَا لِأَعْزِفَ لَحْنَ الاِسْتِغْنَاءِ عَلَى قِيثَارَةِ الكِبْرِيَاءِ، مُحْتَفِظًا بِكُلِّ قَطْرَةٍ مِنْ عِزَّتِي، وَمُرَدِّدًا فِي صَمْتٍ مَدَوٍّ أَنَّ الوَصْلَ شَرَفٌ لَا يُمْنَحُ إِلَّا لِمَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ، وَالحُبَّ مَقَامٌ لَا يَثْبُتُ فِيهِ إِلَّا مَنْ أَحْسَنَ صَوْنَهُ، وَالنَّدَمَ، حِينَ يَأْتِي مُتَأَخِّرًا، لَا يُعِيدُ مَا أَضَاعَهُ الزَّهْوُ، وَلَكِنَّهُ يُعَلِّمُ القَلْبَ كَيْفَ يَعْرِفُ قِيمَةَ مَا لَمْ يُحْسِنْ حِفْظَهُ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى