مشارف ومفارش
هُمَامًا أَقْبَلْتَ، وَرِيَاضًا أَتَيْتَ، وَعَلَى رُبَى المَرُوءَةِ وَالنُّبْلِ حَلَلْتَ؛ فَمَرْحَبًا بِكَ فِي وَاحَةٍ تُرَابُهَا الشِّعْرُ، وَسَمَاؤُهَا الفِكْرُ، وَنَبَاتُهَا النَّهْجُ السَّلِيمُ وَالخُلُقُ القَوِيمُ، وَمَاؤُهَا مَدَادٌ يَجْرِي فِي جَدَاوِلِ الحُرُوفِ، فَيَسْقِي مِنَ العُقُولِ مَا أَجْدَبَ، وَيُزْهِرُ فِي القُلُوبِ مَا كَادَ يَذْبُلُ مِنْ مَعَانِي الجَمَالِ وَالصِّدْقِ وَالإِخَاءِ. هِيَ وَاحَةٌ لَا تَقِيسُ الرِّجَالَ بِضَجِيجِ أَصْوَاتِهِمْ، وَلَا تَزِنُ الحُرُوفَ بِكَثْرَةِ سُطُورِهَا، بَلْ تَنْظُرُ إِلَى مَا وَرَاءَ الصَّوْتِ مِنْ صِدْقٍ، وَإِلَى مَا تَحْتَ الحَرْفِ مِنْ قَلْبٍ، وَإِلَى مَا يَسْكُنُ العِبَارَةَ مِنْ نُبْلِ غَايَةٍ وَطُهْرِ مَقْصَدٍ. فَرُبَّ كَلِمَةٍ قَصِيرَةٍ حَمَلَتْ فِي جَوْفِهَا أُمَّةً، وَرُبَّ صَمْتٍ وَقُورٍ كَانَ أَبْلَغَ مِنْ خُطَبٍ تَزَاحَمَتْ فِيهَا الأَلْسِنَةُ وَغَابَتْ عَنْهَا الحَقِيقَةُ. هِيَ وَاحَةٌ أُسِّسَتْ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، وَقْفًا لِلَّهِ تَعَالَى، لَا تُرَادُ بِهَا شُهْرَةٌ تَذْهَبُ، وَلَا مَنْفَعَةٌ تَنْقَضِي، وَلَا رَايَةٌ شَخْصِيَّةٌ تَرْتَفِعُ لِيَنْخَفِضَ غَيْرُهَا؛ إِنَّمَا رَايَتُهَا الحِفَاظُ عَلَى الهُوِيَّةِ، وَصِيَانَةُ اللُّغَةِ، وَمُحَارَبَةُ التَّبَعِيَّةِ، وَرَدُّ الرُّوحِ إِلَى أُصُولِهَا كُلَّمَا بَعْثَرَتْهَا رِيَاحُ التَّقْلِيدِ فِي شِعَابِ الاغْتِرَابِ.
لَا تَخْشَى هَذِهِ الوَاحَةُ عَلَى الهُوِيَّةِ مِنَ الانْفِتَاحِ، وَلَا تَحْرُسُ الأَصَالَةَ بِأَسْوَارِ الانْغِلَاقِ؛ فَالشَّجَرَةُ الرَّاسِخَةُ لَا تَفْزَعُ مِنَ الرِّيحِ، وَالنَّهْرُ الوَاثِقُ مِنْ مَنْبَعِهِ لَا يَخْشَى أَنْ تَرِدَهُ الجَدَاوِلُ. إِنَّمَا الخَشْيَةُ عَلَى غُصْنٍ قُطِعَ مِنْ جِذْرِهِ، وَعَلَى مَاءٍ نَسِيَ مَنْبَعَهُ، وَعَلَى حَرْفٍ تَزَيَّا بِلِسَانِ غَيْرِهِ حَتَّى اسْتَوْحَشَ مِنْ لِسَانِ أُمِّهِ.
وَالغَارِسُونَ فِيهَا مِنْ أُولِي الهِمَّةِ وَالذِّمَّةِ؛ أُنَاسٌ لَا يَغْرِسُونَ لِيَجْنُوا وَحْدَهُمْ، وَلَا يَسْقُونَ لِيُكْتَبَ عَلَى النَّهْرِ اسْمُهُمْ، بَلْ يَضَعُونَ البِذْرَةَ فِي التُّرَابِ، ثُمَّ يَمْضُونَ رَاضِينَ أَنْ تَسْتَظِلَّ بِشَجَرَتِهَا أَجْيَالٌ لَمْ تَعْرِفْ أَسْمَاءَهُمْ. فَالإِخْلَاصُ أَنْ تَعْمَلَ وَعَيْنُكَ عَلَى الثَّمَرَةِ، لَا عَلَى أَكُفِّ المُصَفِّقِينَ، وَأَنْ تُحْسِنَ وَإِنْ لَمْ يَرَ إِحْسَانَكَ أَحَدٌ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ اللهُ شَاهِدَهُ لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى شُهُودِ النَّاسِ. وَالحَاصِدُونَ هُمْ أَبْنَاءُ الأُمَّةِ؛ فَمَا فَتِئْنَا نَغْرِسُ وَيَحْصُدُونَ، وَنُشَيِّدُ وَيَسْكُنُونَ، وَنُضِيءُ وَيَعْبُرُونَ، وَنُكْرِمُ فَيَجْحَدُ بَعْضُهُمْ، وَنَعْفُو فَيَجْهَلُ بَعْضُهُمْ، إِلَّا قَلِيلًا مِنْ كِرَامٍ مُنْصِفِينَ يَرَوْنَ الحَقَّ حَقًّا فَيَلْتَزِمُونَهُ، وَيَتَحَرَّوْنَ الصِّدْقَ دَرْبًا فَيَنْتَهِجُونَهُ، وَيَشْهَدُونَ بِالَّذِي يَرْفَعُهُمْ فِي عُيُونِ الخَلْقِ، فَيَرْتَقُونَ.
وَمَا أَنْبَلَ الإِنْصَافَ حِينَ يَصْدُرُ عَمَّنْ لَا يَرْجُو نَفْعًا، وَلَا يَخْشَى ضُرًّا، وَلَا يَجْعَلُ شَهَادَتَهُ مِرْآةً لِهَوَاهُ! فَالإِنْصَافُ مَرُوءَةُ العَقْلِ، كَمَا أَنَّ الوَفَاءَ مَرُوءَةُ القَلْبِ، وَالصِّدْقُ مَرُوءَةُ اللِّسَانِ. وَمَنْ فَقَدَ الإِنْصَافَ لَمْ تُغْنِهِ عَنْهُ فَصَاحَةٌ وَلَا عِلْمٌ؛ لِأَنَّ العِلْمَ إِذَا لَمْ يُنْبِتْ عَدْلًا كَانَ شَجَرًا عَقِيمًا، وَالفَصَاحَةَ إِذَا لَمْ تَخْدُمِ الحَقَّ كَانَتْ زِينَةً عَلَى وَجْهِ بَاطِلٍ. وَإِنَّ الجُحُودَ لَا يُنْقِصُ مِنْ قَدْرِ العَطَاءِ، كَمَا لَا يَنْقُصُ إِنْكَارُ الأَعْمَى مِنْ بَهَاءِ الصَّبَاحِ؛ وَإِنَّمَا يَفْضَحُ الجُحُودُ فَقْرَ الجَاحِدِ، وَيَكْشِفُ ضِيقَ وِعَائِهِ عَنْ حَمْلِ الفَضْلِ. فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً، وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ؛ وَمَا كَانَ لِلَّهِ لَمْ تَأْكُلْهُ أَرَضَةُ النِّسْيَانِ، وَلَمْ تَطْمِسْهُ خُطَى العَابِرِينَ.
وَإِنِّي أَرَاكَ، أَيُّهَا الهُمَامُ، رَبَّ حَرْفٍ مُطِيعٍ، وَصَاحِبَ أَدَبٍ رَفِيعٍ، أَقْبَلْتَ بِهِ جَوْهَرًا إِلَى حَيْثُ مَنْ يُدْرِكُونَ قَدْرَهُ، وَيُجِلُّونَ قُدْرَتَهُ، وَيَشُدُّونَ مِنْ عَزِيمَتِهِ، وَيَسْعَوْنَ بِهِ وَمَعَهُ إِلَى مَشَارِفِ الإِبْدَاعِ وَمَفَارِشِ الإِمْتَاعِ، بِإِقْنَاعٍ وَانْتِفَاعٍ. أَرَاكَ مِمَّنْ إِذَا أَقْبَلَ الحَرْفُ عَلَيْهِ أَحْسَنَ وِفَادَتَهُ، وَإِذَا اسْتَوْدَعَهُ المَعْنَى سِرَّهُ لَمْ يَبْتَذِلْهُ، وَإِذَا أَجْلَسَتْهُ اللُّغَةُ فِي مَجْلِسِهَا لَمْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَى ثِمَارِهَا قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا مِنْ عَجَلَةِ القَوْلِ وَغُبَارِ التَّكَلُّفِ. فَالأَدَبُ لَيْسَ كَثْرَةَ مَا نَقُولُ، بَلْ حُسْنَ مَا نَخْتَارُ؛ وَلَيْسَ فَخَامَةَ لَفْظٍ يَتَبَخْتَرُ فِي ثَوْبِهِ، بَلْ صِدْقَ مَعْنًى يَدْخُلُ القَلْبَ دُونَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ.
وَالحَرْفُ بَيْنَ يَدَيِ الأَدِيبِ أَمَانَةٌ؛ قَدْ يَكُونُ مِفْتَاحًا لِقَلْبٍ مُغْلَقٍ، أَوْ مِصْبَاحًا فِي دَرْبٍ مُظْلِمٍ، أَوْ سُلَّمًا تَرْتَقِي بِهِ نَفْسٌ أَثْقَلَهَا الوَهَنُ. وَقَدْ يَكُونُ، إِنْ فَسَدَ القَصْدُ، سَهْمًا يَخْرِقُ صَدْرًا، أَوْ مِعْوَلًا يَهْدِمُ مَا بَنَتْهُ أَعْوَامٌ مِنَ الوُدِّ. فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ كَلِمَتَهُ جَبْرًا لَا كَسْرًا، وَغَرْسًا لَا قَلْعًا، وَجِسْرًا لَا جِدَارًا. وَمَا الإِبْدَاعُ زِينَةَ مَجْلِسٍ، وَلَا طَائِرًا مِنْ زُخْرُفٍ يُعَلَّقُ فِي سَقْفِ اللُّغَةِ؛ إِنَّمَا هُوَ صِدْقٌ يَبْلُغُ مِنَ النُّضْجِ أَنْ يَخْلُقَ لِنَفْسِهِ صُورَتَهُ، وَشُعُورٌ يَبْلُغُ مِنَ الصَّفَاءِ أَنْ يَجِدَ عِبَارَتَهُ، وَرُؤْيَةٌ تَنْفُذُ مِنْ ظَوَاهِرِ الأَشْيَاءِ إِلَى سَرَائِرِهَا. وَالمُبْدِعُ الحَقُّ لَا يَرْفَعُ الحَرْفَ لِيَرْتَفِعَ فَوْقَ النَّاسِ، بَلْ يَرْتَفِعُ بِهِمْ إِلَى مَا فَوْقَ العَادَةِ وَالابْتِذَالِ.
هَا قَدْ مَدَّ لَكَ الكِرَامُ النَّمَارِقَ مِنْ كُلِّ سَامِقٍ وَوَامِقٍ؛ نَمَارِقَ لَا تُنَضَّدُ لِرَاحَةِ الجَسَدِ، بَلْ لِطُمَأْنِينَةِ الرُّوحِ، وَلَا تُفْرَشُ لِمَنْصِبٍ أَوْ مَظْهَرٍ، بَلْ لِمَنْ حَمَلَ فِي قَلْبِهِ نُبْلَ القَادِمِ، وَفِي قَلَمِهِ أَمَانَةَ الكَاتِبِ، وَفِي خُطَاهُ وَقَارَ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ المَكَانَ يُكْرَمُ بِأَهْلِهِ، وَأَنَّ الأَهْلَ يَكْرُمُونَ بِمَا يَحْمِلُونَ مِنْ مَعَانٍ. فَأَقْبِلْ؛ تَجِدْ مَا يَصْبُو إِلَيْهِ كُلُّ حُرٍّ بَرٍّ، وَمَا يَرْنُو إِلَيْهِ كُلُّ ذِي نَظَرٍ، نُهُوضًا بِالأُمَّةِ لُغَةً وَفِكْرًا وَأَدَبًا. أَقْبِلْ إِلَى صُحْبَةٍ لَا تُطْفِئُ مِصْبَاحَكَ لِتُظْهِرَ مَصَابِيحَهَا، وَلَا تَقْطَعُ جَنَاحَكَ خَشْيَةَ أَنْ تَسْبِقَهَا فِي التَّحْلِيقِ؛ بَلْ تَفْرَحُ بِكُلِّ جَنَاحٍ يَعْلُو، وَبِكُلِّ صَوْتٍ صَادِقٍ يُضِيفُ إِلَى جَوْقَةِ الجَمَالِ نَغْمَةً لَمْ تَكُنْ فِيهَا.
فَالمَرُوءَةُ أَنْ تُعِينَ عَلَى النُّهُوضِ دُونَ أَنْ تُذَكِّرَ بِالعَثْرَةِ، وَأَنْ تَدُلَّ عَلَى الطَّرِيقِ دُونَ أَنْ تَتَبَاهَى بِالمَعَرِفَةِ أَوْ تَتَشَفَّى بِالتِّيهِ، وَالإِخْلَاصُ أَنْ تَفْرَحَ بِنَجَاحِ أَخِيكَ كَأَنَّهُ زِيَادَةٌ فِي رَصِيدِكَ، وَأَنْ تَحْزَنَ لِوَهَنِهِ كَأَنَّ شَقًّا أَصَابَ جِدَارَكَ. وَالنَّقَاءُ أَنْ تُبْقِيَ سَرِيرَتَكَ بَيْضَاءَ وَلَوْ مَرَّتْ بِهَا أَقْدَامُ المُسِيئِينَ، وَأَنْ تَظَلَّ كَالمَاءِ؛ يَغْسِلُ مَا يَلْقَاهُ وَلَا يَحْمِلُ مِنْ أَدْرَانِهِ إِلَّا مَا يَلْزَمُهُ لِيَمْضِيَ وَيَصْفُوَ مِنْ جَدِيدٍ. وَالمَرُوءَةُ أَنْ تَرْفَعَ دُونَ أَنْ تَمُنَّ، وَأَنْ تُصْلِحَ دُونَ أَنْ تَفْضَحَ، وَأَنْ تَصْفَحَ دُونَ أَنْ تُذِلَّ. وَالإِخْلَاصُ أَنْ تَغْرِسَ وَلَا تَشْتَرِطَ أَنْ تَكُونَ أَنْتَ الحَاصِدَ، وَأَنْ تُضِيءَ وَلَا تَسْأَلَ العَابِرِينَ هَلْ حَفِظُوا اسْمَ المِصْبَاحِ. وَذَاكَ هُوَ النَّقَاءُ: أَنْ يَبْقَى قَلْبُكَ أَبْيَضَ، لَا لِأَنَّ الحَيَاةَ لَمْ تَمْتَحِنْهُ، بَلْ لِأَنَّهُ امْتُحِنَ، ثُمَّ اخْتَارَ أَلَّا يَتَعَلَّمَ مِنَ الوَحْلِ إِلَّا كَيْفَ يُنْبِتُ فِيهِ زَهْرًا.
وَإِنَّا لَنَسْعَدُ بِكُلِّ مُقْبِلٍ كَرِيمٍ، وَنُفْسِحُ لَهُ المَكَانَ، وَنُنْزِلُهُ مِنَ المَكَانَةِ مَا يَلِيقُ بِقَدْرِهِ، وَلَا نَرَى فِي إِكْرَامِهِ نَقْصًا مِنْ مَقَامِنَا؛ فَالكِرَامُ لَا تَضِيقُ مَجَالِسُهُمْ بِالكِرَامِ، وَالسَّمَاءُ لَا تَغَارُ مِنْ نَجْمٍ جَدِيدٍ، وَالبُسْتَانُ لَا يَحْزَنُ إِذَا أَزْهَرَتْ فِيهِ وَرْدَةٌ أُخْرَى. نُفْسِحُ لَهُ لَا مِنَّةً، بَلْ اعْتِرَافًا بِحَقِّ الفَضْلِ فِي أَنْ يَجِدَ مَوْضِعَهُ، وَبِحَقِّ الحَرْفِ الجَمِيلِ فِي أَنْ يَجِدَ أُذُنًا تُصْغِي إِلَيْهِ وَقَلْبًا يَفْهَمُهُ. فَمَا أَحْوَجَ المُبْدِعَ إِلَى مَنْ يَرَى بَاكُورَةَ الثَّمَرِ فِي زَهْرَتِهِ، وَيُبْصِرُ فِي تَعَثُّرِ الخُطْوَةِ الأُولَى بُشْرَى الطَّرِيقِ الطَّوِيلِ، وَيُقَوِّمُهُ بِرِفْقٍ دُونَ أَنْ يَكْسِرَ فِي نَفْسِهِ شَهِيَّةَ المَسِيرِ.
وَنَأْمَلُ أَنْ تَحْمِلَ مَعَنَا رِسَالَةَ الوَاحَةِ النَّاهِضَةِ؛ رِسَالَةً لَا تُحْمَلُ عَلَى الكَوَاهِلِ، بَلْ تَسْكُنُ الضَّمَائِرَ، وَلَا تُكْتَبُ فِي صُدُورِ الصُّحُفِ فَحَسْبُ، بَلْ تُكْتَبُ فِي صُدُورِ الرِّجَالِ. رِسَالَةً تَقُولُ إِنَّ اللُّغَةَ وَطَنٌ، وَإِنَّ الفِكْرَ حِصْنٌ، وَإِنَّ الأَدَبَ تَهْذِيبٌ لِلوُجْدَانِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ تَرْفًا لِلْبَيَانِ. وَنَأْمَلُ أَنْ تُبَشِّرَ بِهَا كُلَّ مَاجِدٍ نِحْرِيرٍ، وَكُلَّ نَقِيِّ السَّرِيرَةِ يَبْحَثُ عَنْ صُحْبَةٍ تُشْبِهُ نُبْلَهُ، وَكُلَّ صَاحِبِ حَرْفٍ أَعْيَاهُ أَنْ يَطْرُقَ أَبْوَابًا لَا تُحْسِنُ اسْتِقْبَالَ الجَمَالِ.
قُلْ لَهُمْ: هَهُنَا وَاحَةٌ لَا تَسْأَلُ القَادِمَ عَمَّا فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُ عَمَّا فِي قَلْبِهِ، وَلَا تُفَتِّشُ فِي نَسَبِهِ قَبْلَ أَنْ تَنْظُرَ فِي أَدَبِهِ، وَلَا تَرْفَعُهُ لِاسْمٍ يَحْمِلُهُ، بَلْ لِقِيمَةٍ يَحْمِلُهَا.
وَقُلْ لَهُمْ: هَهُنَا تَتَسَابَقُ الهِمَمُ وَلَا تَتَصَارَعُ، وَتَتَعَانَقُ المَوَاهِبُ وَلَا تَتَدَافَعُ، وَيَأْخُذُ الكَبِيرُ بِيَدِ الصَّغِيرِ دُونَ أَنْ يَسْتَصْغِرَهُ، وَيَنْظُرُ الصَّغِيرُ إِلَى الكَبِيرِ دُونَ أَنْ يَحْسُدَهُ. هَهُنَا يَعْرِفُ كُلُّ غَارِسٍ أَنَّ البُسْتَانَ لَا يَكْتَمِلُ بِزَهْرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنَّ النَّهْرَ لَا يَسْأَلُ الجَدْوَلَ الَّذِي يَصُبُّ فِيهِ عَنْ قَدْرِ مَائِهِ، مَا دَامَ يَجِيءُ صَافِيًا.
فَأَقْبِلْ أَيُّهَا الهُمَامُ، لِيَكُونَ لَكَ فِي الوَاحَةِ مَوْضِعُ غَرْسٍ وَظِلٍّ، وَلَكَ فِي القُلُوبِ مَكَانٌ لَا تُزَاحِمُكَ فِيهِ المَنَاصِبُ وَلَا الأَلْقَابُ. أَقْبِلْ بِحَرْفِكَ نَقِيًّا كَمَا جَاءَ مِنْ يَنْبُوعِ رُوحِكَ، وَدَعْهُ يَخْتَرْ لِنَفْسِهِ بَيْنَ مَشَارِفِ الإِبْدَاعِ مَقَامًا، وَبَيْنَ مَفَارِشِ الإِمْتَاعِ مُتَّكَأً. أَقْبِلْ؛ فَإِنَّ الوَاحَةَ لَا تَعِدُكَ بِطَرِيقٍ بِلَا تَعَبٍ، وَلَكِنَّهَا تَعِدُكَ بِرِفْقَةٍ لَا تَتْرُكُكَ وَحْدَكَ فِي الطَّرِيقِ؛ وَلَا تَعِدُكَ أَنْ يَفْهَمَكَ الجَمِيعُ، وَلَكِنَّهَا تَعِدُكَ بِقُلُوبٍ تُنْصِفُكَ إِذَا أَحْسَنْتَ، وَتَنْصَحُكَ إِذَا أَخْطَأْتَ، وَتَحْفَظُ لَكَ قَدْرَكَ فِي الحَالَيْنِ.
