حروب أمريكا بعد الحادي عشر من سبتمبر واقتصاد الإكراه الدائم
من سلسلة دراسة في عوامل وظواهر أفول الامبراطورية الأمريكية المعاصرة
لم تكن هجمات الحادي عشر من سبتمبر جرحًا رمزيًّا في هيبة الولايات المتحدة فحسب، بل ضربةً حقيقيةً قتلت الآلاف وكشفت قدرة تنظيمٍ غير دولتي على تحويل أدوات الحياة المدنية إلى سلاحٍ داخل قلب القوة الأعظم. وكان من الطبيعي أن تطلب الدولة حماية شعبها وملاحقة المسؤولين ومنع تكرار الجريمة. لكن المأساة لم تفتح حربًا محددةً على فاعلين محددين فقط؛ فتحت بابًا دخلت منه فكرةٌ أشد اتساعًا وخطورة، هي أن العالم كله يمكن أن يصير ساحةً لحربٍ لا يحدها إقليم ولا زمن ولا تعريفٌ مستقر للنصر.
كان اسم «الحرب على الإرهاب» يحمل منذ البداية غموضًا يسمح بالتمدد؛ فالإرهاب طريقةٌ في استعمال العنف، لا دولةٌ توقع استسلامًا، ولا جيشٌ يمكن عدُّ دباباته بعد الهزيمة. وحين يُعلن الحرب على طريقةٍ أو مفهوم، تصبح النهاية عصيةً على التحديد. يمكن القضاء على تنظيم، لكن يبقى تنظيمٌ آخر، ويمكن قتل قائد، لكن تبقى الفكرة والبيئة والمظالم والصراعات التي تنتج قادةً جُدُداً. وتكمن مخاتلة عبارة «الحرب على الإرهاب» في أن الإرهاب ليس عدوًّا محددًا، بل وصفٌ سياسي وقانوني شديد المطاطية؛ يتبدل معناه بتبدل الجهة التي تملك سلطة التعريف. فالعنف نفسه قد يُسمّى إرهابًا إذا ارتكبه خصم، ويُدرج تحت الدفاع عن النفس أو الضرورة الأمنية إذا مارسته دولة. وبذلك تحوّل المصطلح من أداة لملاحقة جريمة محددة إلى مظلة تبرّر الغزو والاغتيال والاحتجاز والمراقبة والعقوبات وتجاوز السيادة، من غير معيار ثابت ولا نهاية قابلة للقياس. وزاد خطره اقترانه الغربي المتكرر بالإسلام والمسلمين، حتى غدا الاشتباه الديني والثقافي بديلًا من الدليل، واتسعت دائرة الاتهام من تنظيمات مسلحة إلى مجتمعات وجاليات وخطابات سياسية كاملة. وهكذا لم تعد «الحرب على الإرهاب» اسمًا لحرب واضحة، بل لغةً تمنح القوة حق تعريف العدو وتوسيع الاستثناء كلما اقتضت المصلحة.
“تحول المصطلح من أداة لملاحقة جريمة محددة إلى مظلة تبرر الغزو والاحتجاز دون معيار ثابت ولا نهاية قابلة للقياس.”
وهكذا اتسعت الحرب من أفغانستان إلى العراق، ومن العمليات العسكرية الكبرى إلى ضرباتٍ وغاراتٍ ومهام استخباراتية في ساحاتٍ متعددة. ولم يعد المواطن الأمريكي يعرف دائمًا متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي، لأن صورة الحرب نفسها تغيرت؛ لم تعد إعلانًا رسميًّا يتبعه تجنيدٌ واسع، بل صلاحياتٍ مفتوحةً وعملياتٍ خاصةً وطائراتٍ مسيّرةً ومتعاقدين وقواعد وملاحقاتٍ تعيش تحت عنوانٍ واحد. في أفغانستان بدأ الهدف بإسقاط النظام الذي وفر الملاذ للقاعدة وملاحقة المسؤولين عن الهجمات، ثم اتسع إلى إعادة بناء دولةٍ وجيشٍ وإدارةٍ واقتصاد. ولم يكن توسيع الغاية بلا منطق؛ فقد بدا أن منع عودة الخطر يحتاج إلى نظامٍ جديد. لكن الانتقال من تدمير معسكرات تنظيم إلى إعادة تشكيل مجتمعٍ ودولةٍ كاملة لم يُعامل بوصفه انتقالًا إلى مشروعٍ مختلف جذريًّا يحتاج إلى معرفةٍ وموارد وشرعيةٍ من نوع آخر.
بُنيت قوات أمنٍ أفغانية على صورة القوات الغربية؛ تعتمد على طيرانٍ وصيانة ولوجستيات واستخبارات ودعمٍ تقني لا يستطيع الاقتصاد والدولة المحليان توفيره استقلالًا. وعندما انسحب الدعم والمتعاقدون وتقلص الإسناد الجوي، انكشفت هشاشة القدرة التي بدت سنواتٍ في التقارير جيشًا وطنيًّا قائمًا. وقد خلص المفتش الأمريكي الخاص بإعمار أفغانستان إلى أن قرار الانسحاب أضعف المعنويات، وأن الاعتماد العميق على الدعم الغربي، إلى جانب الفساد والأهداف غير الواقعية وضعف الملكية المحلية، أسهم في انهيار القوات التي تلقت قرابة تسعين مليار دولار من المساعدات الأمنية. ليست العبرة أن الأفغان عاجزون عن بناء دولة، بل أن الدولة التي تُبنى وفق حاجات الممول والعقيدة العسكرية الأجنبية قد تبدو قويةً ما دامت متصلةً بأجهزته، ثم تتوقف حين يُسحب القابس. وما انهيار في أغسطس 2021 لم يكن عدد الجنود فقط، بل العلاقة بين المؤسسة والغاية؛ كثيرون لم يروا في النظام ما يستحق التضحية، ولم يثقوا بأن القيادة أو الحليف الخارجي سيبقيان.
“الدولة التي تُبنى وفق حاجات الممول والعقيدة العسكرية الأجنبية قد تبدو قوية ما دامت متصلة بأجهزته ثم تتوقف حين يُسحب القابس.”
وفي العراق ظهر الوهم نفسه في صورةٍ أكثر حدّة. امتلكت الولايات المتحدة القدرة على إسقاط النظام سريعًا، لكنها دخلت مرحلة ما بعد السقوط من غير فهمٍ كافٍ لطبيعة الدولة والمجتمع وموازين الطوائف والقوميات والمؤسسات. أدى تفكيك الجيش وأجزاء واسعةٍ من الإدارة إلى تحويل مئات الآلاف من الرجال المسلحين وأصحاب الخبرة إلى خارج النظام الجديد، فيما واجه الاحتلال مقاومةً وصراعاتٍ أهلية وشبكاتٍ مسلحةً لم تكن موجودةً بالقوة نفسها قبل الغزو. لم تعجز القوة الأمريكية عن احتلال بغداد؛ عجزت عن تحويل احتلالها إلى عقدٍ سياسي يقبله العراقيون ويستطيع العيش من دون الحماية الأجنبية. وهذه هي المسافة بين إسقاط الحكومة وبناء الدولة؛ الأولى تحتاج إلى صواريخ ودبابات، والثانية تحتاج إلى شرعيةٍ ومصالحةٍ ومؤسساتٍ نابعة من المجتمع، وهي أشياء لا يستطيع الجيش استيرادها في حاويات. كما توسع الاعتماد على المتعاقدين، فأصبحت الحرب سوقًا هائلةً للخدمات الأمنية واللوجستية والإعمار. قد يقدم المتعاقد كفاءةً وخبرة، لكنه يضيف طبقةً من الغموض بين الدولة والفعل؛ مَن يحاسبه، وأي قانونٍ يحكمه، وهل ولاؤه للمهمة العامة أم للعقد؟ وحين يعتمد الجيش على شركاتٍ في الصيانة والنقل والحماية والتحليل، يصير تقليص الحرب مساسًا باقتصادٍ كامل نشأ حول استمرارها.
وهنا تتصل الحرب بالمجمع الصناعي العسكري. لم يكن تحذير الرئيس دوايت أيزنهاور من هذا المجمع اتهامًا بأن كل شركة دفاع تريد حربًا، بل تنبيهًا إلى تزاوج مؤسسةٍ عسكرية دائمة وصناعةٍ ضخمةٍ ومراكز قرار وبحث؛ تزاوجٍ يمكن أن يكتسب وزنًا سياسيًّا واقتصاديًّا يجعل تقليص السلاح أصعب من زيادته. توجد مدن ومناطق تعتمد على المصانع والقواعد والعقود، وأعضاء في الكونغرس يدافعون عن الإنفاق الذي يوفر وظائف لناخبيهم، ومسؤولون ينتقلون بين الحكومة والشركات، وشركات تمول مراكز بحثٍ وحملات ضغط. ولا يحتاج النظام إلى مؤامرةٍ واحدة؛ يكفي أن تتجه حوافز أطرافه جميعًا نحو تعريف العالم بوصفه أكثر خطرًا، وأن يصبح البرنامج العسكري حلًّا لمشكلة الأمن ومشكلة التوظيف ومشكلة النفوذ في آن.
وقد وثق مشروع «تكاليف الحرب» في جامعة براون أدوات التأثير السياسي لصناعة السلاح، من الضغط والتبرعات الانتخابية والباب الدوار إلى تمويل مراكز الفكر والمشاركة في اللجان الاستشارية. وهذه الروابط لا تجعل كل تحليلٍ أمني كاذبًا، لكنها تفرض السؤال عن مقدار ما يصنع التهديدُ الإنفاقَ، ومقدار ما يصنع الإنفاقُ تعريفَ التهديد. فالحرب حين تصبح نشاطًا اقتصاديًّا مستمرًّا لا تعود حادثةً تقطع الحياة الطبيعية؛ تصبح جزءًا من الحياة الطبيعية نفسها. يعيش موظفون ومهندسون ومساهمون وسياسيون على سلسلة الإنفاق، ويصبح السلام الكامل ــ لو أمكن ــ مشكلةً اقتصادية لبعض القطاعات. لا يريد العامل الحرب، لكنه يريد وظيفته، ولا يعلن السياسي رغبته في الصراع، لكنه يخشى إغلاق المصنع في دائرته. وهكذا تتشكل بنيةٌ لا تختار الحرب دائمًا، لكنها تجد صعوبةً في اختيار عالمٍ يحتاج إلى سلاحٍ أقل.
“الحرب حين تصبح نشاطًا اقتصاديًّا مستمرًّا لا تعود حادثة تقطع الحياة الطبيعية؛ تصبح جزءًا من الحياة الطبيعية نفسها.”
وقدّرت دراسة «تكاليف الحرب» أن ما أنفقته الولايات المتحدة أو التزمت بإنفاقه على حروب ما بعد الحادي عشر من سبتمبر بلغ نحو ثمانية تريليونات دولار حتى السنة المالية 2022؛ منها قرابة 5.8 تريليون دولار في الاعتمادات والتكاليف المباشرة وغير المباشرة، وما لا يقل عن 2.2 تريليون دولار لالتزامات رعاية المحاربين القدامى خلال العقود التالية. وهذا التقدير لا يصف فاتورةً أُغلقت، بل كلفةً يستمر جزءٌ منها بعد توقف المعارك الكبرى. لا يمكن تحويل هذا الرقم ببساطة إلى قولٍ إن كل دولارٍ كان يمكن نقله مباشرةً إلى مدرسةٍ أو مستشفى؛ فالإنفاق العسكري يوفر وظائف وأبحاثًا وقدراتٍ ضرورية، وبعض الحروب ارتبطت بأخطارٍ حقيقية. لكن الكلفة البديلة تظل حقيقة؛ كل موردٍ تخصصه الدولة لغاية لا تستطيع تخصيصه في اللحظة نفسها لغاية أخرى، وكل دَينٍ تمول به الحرب يترك فوائد تنافس الاستثمار المستقبلي.
والإمبراطورية تصبح منافسًا للدولة على مواردها حين تتسع التزامات الخارج من غير أن تتحدد أولوياتها. تحتاج القواعد إلى صيانة، والأسلحة إلى تحديث، والجنود إلى تدريب ورعاية، والحلفاء إلى ضمانات، والحروب السابقة إلى علاج المحاربين وفوائد الدَّين. تتراكم طبقات الكلفة حتى يصبح الإنفاق الحالي ثمنًا لقراراتٍ اتخذت قبل عقدين بقدر ما هو استعدادٌ لأخطار الغد. وفي المقابل تبقى البنية التحتية والتعليم والصحة والبحث المدني ومعالجة الدين حاجاتٍ لا تنتظر. ليست المعادلة أن تختار الدولة بين جيشٍ وطريق، بل أن تعرف مقدار الجيش الذي يحمي الطريق ومقدار الانتشار الذي يلتهم المال من غير أن يزيد الأمن. فإذا عُرّف كل خفضٍ عسكري بوصفه خيانة، وكل إنفاقٍ مدني بوصفه رفاهية، أصبحت الدولة خادمةً لمؤسسة القوة بدل أن تكون القوة خادمةً للدولة.
ومع ذلك، لا تعاني الولايات المتحدة من ضعف الجيش. بقيت في عام 2025 أكبر منفقٍ عسكري في العالم بفارقٍ هائل، إذ بلغ إنفاقها نحو 954 مليار دولار، أي قرابة ثلث الإنفاق العسكري العالمي، مع استمرار الاستثمار في القدرات النووية والتقليدية المتقدمة. وتمنع هذه الحقيقة أي تحليلٍ سطحي يساوي الأفول الأمريكي بعجزٍ مادي أو انهيارٍ في القدرة القتالية. المشكلة هي العائد السياسي المتناقص للقوة؛ أن تنفق الدولة أكثر مما ينفق خصومها مجتمعين في بعض المقارنات، ثم تعجز عن إنتاج نظامٍ مستقر في ساحةٍ احتلتها، أو تحتاج بعد عشرين عامًا إلى الانسحاب من بلدٍ يعود خصمها إلى حكمه. ليست المفارقة أن الجيش ضعيف، بل أن الجيش قويٌّ إلى حدٍّ يغري السياسة بأن تكلفه بمهام لا يستطيع أي جيشٍ إنجازها. وقد يصبح التفوق نفسه حجابًا يمنع التعلم. حين تفشل الحرب، يبحث الخطاب عن نقصٍ في القوات أو القيود أو الوقت، بدل أن يسأل إن كانت الغاية قابلةً للتحقيق عسكريًّا أصلًا. يقال إن المشكلة لم تكن في استخدام القوة، بل في عدم استخدامها بما يكفي، فتُعالج حدود الأداة بمضاعفة الأداة.
“ليست المفارقة أن الجيش ضعيف، بل أن التفوق الهائل يغري السياسة بتكليفه بمهام لا يستطيع أي جيش إنجازها.”
وتنقلب القوة ضد صاحبها حين تتعدد الجبهات. قد تستطيع دولةٌ عظمى القتال في أكثر من إقليم، لكنها تدفع ثمنًا في الجاهزية والذخائر والاهتمام السياسي. وقدرة الجيش على فتح جبهة لا تعني أن الدولة تستطيع إدارة آثارها الاقتصادية والدبلوماسية والاجتماعية مع جبهاتٍ أخرى. وتنقلب حين تغيب الغاية السياسية أو تتبدل من غير اعتراف. إذا لم يعرف الجندي والمواطن ما الذي يُعد نصرًا، صار الانتصار قابلًا للتأجيل بلا نهاية. وكلما غابت الغاية أصبح قياس النجاح قائمًا على الأنشطة؛ عدد الضربات، وعدد المتدربين، وعدد المشروعات، لا على ما إذا كانت الحرب قد صنعت سلامًا قابلًا للبقاء.
وتنقلب حين يصبح التراجع مستحيلًا نفسيًّا. فبعد سنواتٍ من الخسائر تخشى القيادة أن تعترف بأن الهدف لم يتحقق، لأن الاعتراف يبدو إهانةً لمن ماتوا. لكن إضافة قتلى جدد لا تمنح الموت السابق معنىً إذا كانت الغاية نفسها متعذرة؛ إنها تحول الوفاء للضحايا إلى سببٍ لإنتاج ضحايا آخرين. وتنقلب حين تعوض الدولة نقص الشرعية بمزيدٍ من العنف. كلما رفض السكان النظام المفروض زادت المداهمات والاعتقالات والضربات، وكلما زاد العنف اتسعت دائرة من يرفضون النظام. فتدخل القوة في حربٍ مع المجتمع الذي تزعم أنها تريد تحريره، وتصبح حمايتها للحكومة المحلية سببًا إضافيًّا لفقدان تلك الحكومة شرعيتها.
وتنقلب حين يصبح السلاح بديلًا افتراضيًّا للدبلوماسية؛ لأن الضربة أسرع من التفاوض، وتنتج صورةً واضحةً للقرار والحزم، بينما تحتاج التسوية إلى وقتٍ وتنازلاتٍ واعترافٍ بأن الخصم يملك مصالح لا يمكن محوها. لكن سهولة الضربة لا تعني أنها أقصر طريق إلى النتيجة؛ قد تكون أسرع طريقٍ إلى حربٍ أطول. وتنقلب حين تولد كل حربٍ خصومًا جددًا. التنظيم الذي يُهزم في مكان قد ينتقل إلى مكانٍ آخر، والدولة التي تُعاقب قد تتحالف مع منافس، والحليف الذي يُجبر على المشاركة يبدأ في البحث عن استقلاله. ليست كل مقاومةٍ دليلًا على خطأ القوة، لكن القوة التي توسع جبهة خصومها مع كل استعمالٍ لها تحتاج إلى مراجعة معنى انتصاراتها.
وفوق ذلك تؤثر الحرب في الداخل. توسع السرية، وتمنح السلطة التنفيذية صلاحياتٍ استثنائية، وتطبع المراقبة، وتخلق لغةً تقسم العالم إلى موالٍ وعدو. وما يُنشأ لمواجهة خطرٍ خارجي قد يجد طريقه إلى الحياة الداخلية، لأن المؤسسة التي تتعلم العمل خارج الرقابة لا تتنازل بسهولةٍ عن سلطاتها بعد تراجع الخطر. ولا يعني نقد الحرب أن تنزع الدولة سلاحها أو تترك حلفاءها أو تقبل العدوان. فلسفة القوة المنضبطة تبدأ بالاعتراف بأن الحرب قد تكون ضروريةً ومشروعة، لكنها آخر الوسائل لا أولها، وأن مشروعيتها لا تعفيها من الحساب الدقيق للوسائل والنتائج. وتقتضي هذه الفلسفة تحديد أهدافٍ قابلة للتحقق. لا يكفي القول إن الغاية هي هزيمة الشر أو نشر الاستقرار؛ ينبغي تحديد ما الذي يجب أن يتغير، وما مقدار القوة اللازم، وما الظروف التي تعني النجاح، وما النقطة التي يصبح عندها استمرار الحرب أقل خدمةً للمصلحة من إنهائها.
وتحتاج الحرب إلى رقابةٍ دستورية لا تسمح للسلطة التنفيذية بتحويل تفويضٍ قديم إلى جوازٍ دائم للقتال في دولٍ وتنظيمات لم تكن موجودةً عند صدوره. فقرار الحرب أثقل القرارات؛ لا يجوز أن يعيش في الظل أو يصبح عادةً إدارية. وتحتاج إلى مساءلةٍ حقيقية عن الضرر المدني؛ لا بوصف الضحايا مشكلة علاقات عامة، بل بشرًا لهم حقوق، ونتائج لموتهم في الاستراتيجية نفسها. الاعتراف بالخطأ والتعويض والتحقيق العلني لا يضعف الجيش؛ يمنع المؤسسة من تكرار الأخطاء، ويحفظ صدقية ما تعلنه عن التمييز والتناسب. كما تحتاج إلى خطط خروجٍ لا تُكتب بعد فشل الحرب، بل قبل بدايتها. لا تعني خطة الخروج تحديد تاريخٍ جامدٍ يعرفه الخصم، بل تصورًا سياسيًّا لمن سيتحمل المسؤولية، وكيف تُنقل السلطة، وما الموارد التي يستطيع النظام المحلي توفيرها، وما الشروط التي تمنح الالتزام من التحول إلى إقامةٍ لا نهاية لها.
“حين يصبح إثبات القوة أهم من تحقيق المصلحة، يبدأ السيف في التهام يد صاحبه.”
ويجب ألَّا يُخلط بين تغيير الأنظمة وبناء الدول. قد تقرر الدولة في ظرفٍ نادر أن إسقاط نظامٍ ضرورة، لكن عليها أن تعرف أن القرار يفتح مسؤوليةً تفوق الحرب نفسها، وأنها لا تستطيع ضمان نتيجةٍ ديمقراطية أو مستقرة لمجرد أنها تمتلك نيةً معلنةً في تحقيقها. والقوة المنضبطة تقبل أن بعض المشكلات لا حل عسكريًّا لها. تستطيع حماية الحدود من جماعةٍ مسلحة، لكنها لا تحل أزمة هويةٍ أو توزيع سلطة. تستطيع ردع دولة، لكنها لا تعالج الانهيار الاقتصادي الذي يغذي الفوضى. وقد تمنع مذبحةً عاجلة، لكنها لا تبني المصالحة التي تمنع عودتها. إن ضبط القوة لا يقلل صدقيتها، بل يزيدها. حين يعرف الخصم أن الدولة لا تهدد في كل مناسبة، يأخذ تهديدها الجاد بجديةٍ أكبر. وحين يعرف الحليف أن الحرب لن تُشن بلا حساب، يثق بأن طلب مشاركته لا يخدم مغامرةً عابرة. وحين يعرف المواطن أن السلطة تستطيع التراجع والاعتراف بالخطأ، لا يضطر إلى الاختيار بين التصديق الأعمى والعداء للدولة.
لقد خرجت الولايات المتحدة من حروب ما بعد سبتمبر بجيشٍ ما يزال بالغ القوة، لكنها خرجت كذلك بذاكرةٍ ثقيلة من التكاليف والوعود غير المنجزة والأنظمة التي لم تعش كما رُسم لها. وهذا لا يعني أن أمريكا كفت عن القدرة، بل يعني أن قدرتها اصطدمت بحدود العالم الذي حاولت إعادة تشكيله. والدرس ليس أن السيف بلا قيمة؛ ففي عالمٍ عنيف قد يكون السيف هو الذي يمنع الذئب من دخول البيت. لكن السيف لا يعرف أي بيتٍ يستحق الحماية، ولا أي حربٍ ستلد بيتًا أكثر أمنًا، ولا متى تصبح اليد التي تحمله أسيرةً له. فحين يصبح إثبات القوة أهم من تحقيق المصلحة، وحين تُخاض الحرب لأن التراجع يمس الهيبة، وحين تُقاس الدولة بعدد الأهداف التي تستطيع تدميرها لا بمقدار السلام الذي تستطيع بناءه، يبدأ السيف في التهام يد صاحبه؛ يقطع من ثروته وحريته وسمعته ووحدته الداخلية، حتى تظل القبضة مرفوعةً في السماء ولا يبقى تحتها من الغاية إلا ظلُّ سلاحٍ نسي لماذا استُلَّ.
