الفكرتربية واجتماعمنطق وتأصيل

بين منهج التنافسية ومنهج التكاملية

حين يربح الإنسان بالتكامل والتساند ويخسر بالتنافس والتنازع

ليستِ الحياةُ مَيْدَانًا أَعْمَى يتسابقُ فيهِ الناسُ على افتراسِ المكانةِ، ولا حَلْبَةً ضَيِّقَةً لا يثبتُ فيها أحدٌ إلا بإزاحةِ غيرِهِ، ولا سُلَّمًا وَحِيدًا لا يصعدُ عليهِ إنسانٌ إلا إذا دفعَ من فوقَهُ أو داسَ من تحتَهُ. إنَّ هذا التصورَ، على شيوعِهِ في الأزمنةِ التي ضاقتْ فيها النفوسُ واتسعتِ الأسواقُ، ليسَ إلا قراءةً فقيرةً لمعنى الوجودِ الإنسانيِّ، قراءةً ترى العالمَ كأنَّهُ غنيمةٌ محدودةٌ، والمجدَ كأنَّهُ مقعدٌ واحدٌ، والكرامةَ كأنَّها شعلةٌ لا تضيءُ يَدًا إلا إذا أطفأتْ يَدًا أخرى. ومنْ هنا نشأتْ واحدةٌ من أعمقِ عللِ الاجتماعِ البشريِّ؛ أن يتحولَ اختلافُ الأدوارِ إلى صراعٍ، وتنوعُ المواهبِ إلى غيرةٍ، وتعددُ الخصائصِ إلى معركةِ إثباتٍ، وأن يتوهمَ الإنسانُ أنَّ قيمتَهُ لا تكتملُ إلا بنفيِ قيمةِ غيرِهِ، وأنَّ مكانتَهُ لا تظهرُ إلا إذا حجبَ مكانةَ سواهُ.

والحقُّ أنَّ الحياةَ، في بنيتِها الأعمقِ، ليستْ مؤسسةً على التنازعِ وحدَهُ، بلْ على التكاملِ قبلَ كلِّ شيءٍ. فالجسدُ لا يحيا لأنَّ القلبَ ينازعُ الدماغَ، ولا لأنَّ العينَ تستكبرُ على اليدِ، ولا لأنَّ الرئةَ ترى نفسَها أحقَّ بالسيادةِ من الكبدِ، بلْ لأنَّ كلَّ عضوٍ يعرفُ وظيفتَهُ، ويؤديها في موضعِهِ، ويتواضعُ أمامَ كمالِ البنيةِ التي لا يستغني بعضُها عن بعضٍ. والسماءُ لا تفقدُ بهاءَها لأنَّ النجمَ ليسَ قَمَرًا، ولا البحرُ ينقصُ لأنَّ النهرَ يصبُّ فيهِ، ولا الشجرةُ تحتقرُ جذورَها لأنَّها غائبةٌ في الترابِ بينما الثمرُ ظاهرٌ للعيونِ. إنَّ كلَّ بناءٍ عظيمٍ في الكونِ قائمٌ على فلسفةٍ دقيقةٍ؛ ليستِ القيمةُ في تشابهِ الأجزاءِ، بلْ في انتظامِها؛ وليستِ القوةُ في أن يفعلَ الجميعُ الشيءَ نفسَهُ، بلْ في أن يؤديَ كلُّ واحدٍ ما خُلِقَ لهُ أو ما يحسنُهُ ضمنَ نسقٍ أوسعَ منْهُ.

“إنَّ كلَّ بناءٍ عظيمٍ في الكونِ قائمٌ على فلسفةٍ دقيقةٍ؛ ليستِ القيمةُ في تشابهِ الأجزاءِ، بلْ في انتظامِها؛ وليستِ القوةُ في أن يفعلَ الجميعُ الشيءَ نفسَهُ، بلْ في أن يؤديَ كلُّ واحدٍ ما خُلِقَ لهُ.”

ولذلكَ ينبغي، منذُ البدءِ، أن نفرقَ بينَ التنافسِ الشريفِ والتنافسيةِ التنازعيةِ. فالتنافسُ الشريفُ مَعْنًى نَبِيلٌ، بلْ ضرورةٌ حضاريةٌ، وهوَ الذي أشارَ إليهِ القرآنُ في قولِهِ: “وفي ذلكَ فليتنافسِ المتنافسونَ”. إنَّهُ تنافسٌ في الخيرِ، وسباقٌ في الإتقانِ، واستنهاضٌ للطاقاتِ، واستفزازٌ كريمٌ للهممِ، بحيثُ يرى الإنسانُ في تفوقِ غيرِهِ دَافِعًا للارتقاءِ لا سَبَبًا للحقدِ، وفي سبقِ أخيهِ نِدَاءً إلى تحسينِ نفسِهِ لا رُخْصَةً لهدمِ السابقينَ. هذا التنافسُ لا يكرهُ التكاملَ، بلْ يخدمُهُ؛ لأنَّهُ يرفعُ مستوى الجميعِ، ويزيدُ جودةَ العملِ، ويدفعُ كلَّ صاحبِ موهبةٍ إلى أن يخرجَ أحسنَ ما عندَهُ. أما التنافسيةُ التي نعني نقدَها هنا فهيَ شيءٌ آخرَ؛ إنَّها روحُ التنازعِ، والأثرةِ، وحبِّ الاستحواذِ، وقلقِ المكانةِ، ومحاولةِ إثباتِ الذاتِ عبرَ إلغاءِ الآخرِ أو تضييقِ مساحتِهِ أو مصادرةِ دورِهِ. إنَّها ليستْ سِبَاقًا إلى الإحسانِ، بلْ صراعٌ على المركزِ. ليستْ رغبةً في الجودةِ، بلْ هلعٌ من أن يلمعَ غيري. ليستْ طَلَبًا للكمالِ، بلْ عبادةٌ خفيةٌ للأنا.

هذهِ التنافسيةُ المريضةُ تبدأُ غَالِبًا من تصورٍ نَفْسِيٍّ خَاطِئٍ وهو أنَّ العالمَ لا يتسعُ إلا لواحدٍ، وأن السماء تضيق بكثرة النجوم، وأنَّ الاعترافَ بالآخرِ ينقصني، وأنَّ نجاحَهُ تَهْدِيدٌ لي، وأنَّ قيمتي لا تثبتُ إلا إذا كنتُ في المقدمةِ دَائِمًا. ومنْ هنا يتحولُ الإنسانُ إلى حارسٍ قلقٍ لصورتِهِ، لا إلى عاملٍ أمينٍ في موضعِهِ. يراقبُ ما نالَهُ غيرُهُ أكثرَ مما يراقبُ ما يجبُ عليهِ هوَ، ويحزنُ لظهورِ الكفاءةِ في سواهُ أكثرَ مما يحزنُ لضعفِ الكفاءةِ في نفسِهِ، ويقيسُ العالمَ كلَّهُ بميزانٍ: هلْ أنا ظاهرٌ؟ هلْ أنا الأولُ؟ هلْ ذُكِرَ اسمي؟ هلْ نُسِبَ الفضلُ إليَّ؟ وهكذا تُسْرَقُ الطاقةُ من العملِ إلى المقارنةِ، ومن البناءِ إلى الحسدِ، ومن الرسالةِ إلى المنصةِ، ومن إصلاحِ الواقعِ إلى حمايةِ الذاتِ من أن تبدوَ أقلَّ لَمَعَانًا.

“هذهِ التنافسيةُ المريضةُ تبدأُ غَالِبًا من تصورٍ نَفْسِيٍّ خَاطِئٍ وهو أنَّ العالمَ لا يتسعُ إلا لواحدٍ، وأن السماء تضيق بكثرة النجوم، وأنَّ الاعترافَ بالآخرِ ينقصني، وأنَّ نجاحَهُ تَهْدِيدٌ لي، وأنَّ قيمتي لا تثبتُ إلا إذا كنتُ في المقدمةِ دَائِمًا.”

أما التكامليةُ فهيَ فلسفةٌ أوسعُ وأنبلُ. إنَّها لا تلغي التميزَ الفرديَّ، ولا تذيبُ الأشخاصَ في قطيعٍ بلا ملامحَ، ولا تطالبُ الموهوبَ أن يخفيَ موهبتَهُ حتى لا يثيرَ حساسيةَ غيرِهِ. بلْ على العكسِ، التكامليةُ تقومُ على الاعترافِ بالفروقِ، وعلى تحريرِ الخصائصِ من عقدةِ الصراعِ. تقولُ للإنسانِ: قيمتُكَ ليستْ في أن تكونَ كلَّ شيءٍ، بلْ في أن تكونَ ما تحسنُهُ على أحسنِ وجهٍ، وأن تضعَ هذا الإحسانَ في موضعِهِ الصحيحِ داخلَ بناءٍ أوسعَ. التكامليةُ لا تقتلُ الفردَ، بلْ تنقذُهُ من وهمِ الاكتفاءِ بذاتِهِ. لا تسلبُهُ مكانتَهُ، بلْ تمنحُها مَعْنًى. لأنَّ المكانةَ الحقيقيةَ لا تأتي من تضخمِ الفردِ على حسابِ الجماعةِ، بلْ من تحولِهِ إلى عنصرٍ لا يستغنى عنهُ في بناءٍ نافعٍ.

في النظامِ الاجتماعيِّ، تظهرُ آثارُ التنافسيةِ حينَ تتحولُ الطبقاتُ والفئاتُ والجماعاتُ إلى جزرٍ متناحرةٍ، لا ترى في صعودِ غيرِها إلا خَصْمًا من رصيدِها. يصبحُ ابنُ المدينةِ في صراعٍ معَ ابنِ الريفِ، والمتعلمُ في استعلاءٍ على العاملِ، والغنيُّ في قطيعةٍ عن الفقيرِ، والجيلُ القديمُ في خصومةٍ معَ الجيلِ الجديدِ، وكلُّ جماعةٍ تسعى إلى احتكارِ تعريفِ القيمةِ والفضيلةِ والنجاحِ. وحينَ يسودُ هذا المنطقُ، يتفتتُ المجتمعُ لا لأنَّهُ يفتقدُ المواهبَ، بلْ لأنَّهُ يعجزُ عن تركيبِها. تكثرُ فيهِ القدراتُ، لكنَّها تتحولُ إلى أحجارٍ متناثرةٍ لا إلى بيتٍ. أما المجتمعُ التكامليُّ فيفهمُ أنَّ الحضارةَ لا يبنيها المفكرُ وحدَهُ، ولا العاملُ وحدَهُ، ولا التاجرُ وحدَهُ، ولا المربي وحدَهُ، ولا السياسيُّ وحدَهُ؛ بلْ يبنيها انتظامُ هذه القوى كلِّها في عقدٍ عادلٍ، يعرفُ فيهِ كلُّ طرفٍ أنَّ غيرَهُ ليسَ خَصْمًا وُجُودِيًّا، بلْ شريكٌ في حملِ العبءِ العامِّ.

وما أكثرَ ما تخسرُ المجتمعاتُ حينَ تقيسُ القيمةَ بمركزٍ واحدٍ. إذا جعلتِ المالَ مِعْيَارًا أَعْلَى، احتقرتِ العلمَ والتربيةَ والأخلاقَ. وإذا جعلتِ السلطةَ مِعْيَارًا أَعْلَى، احتقرتِ الخدمةَ والمعرفةَ. وإذا جعلتِ الشهرةَ مِعْيَارًا أَعْلَى، احتقرتِ العملَ الصامتَ. وإذا جعلتِ الشهادةَ وحدَها مِعْيَارًا أَعْلَى، احتقرتِ الخبرةَ والمهارةَ. التكامليةُ تعيدُ توزيعَ النورِ على مواضعِهِ: تعطي للعالمِ مقامَهُ، وللعاملِ مقامَهُ، وللمربي مقامَهُ، وللأمِّ والأبِ مقامَهُما، وللحرفيِّ مقامَهُ، وللمديرِ مقامَهُ، وللمفكرِ مقامَهُ، وللحارسِ الأمينِ مقامَهُ. لا لأنَّها تساوي بينَ الوظائفِ في طبيعتِها، بلْ لأنَّها تدركُ أنَّ لكلِّ وظيفةٍ شرفَها حينَ تؤدى بإتقانٍ ضمنَ مصلحةِ الكلِّ. وليسَ المجتمعُ العادلُ هوَ الذي يلغي التفاوتَ في الأدوارِ، بلِ الذي يمنعُ تحولَ هذا التفاوتِ إلى احتقارٍ أو استغلالٍ أو إقصاءٍ.

وفي الأسرةِ تظهرُ هذهِ الفلسفةُ بصورةٍ أشدَّ حساسيةً، لأنَّ البيتَ هوَ أولُ مدرسةٍ يتعلمُ فيها الإنسانُ معنى الدورِ والمكانةِ والرحمةِ والسلطةِ. فإذا دخلتِ التنافسيةُ التنازعيةُ إلى العلاقةِ بينَ الرجلِ والمرأةِ، تحولَ الزواجُ من ميثاقِ سكنٍ وتراحمٍ وتكاملٍ إلى ساحةِ إثباتِ ذاتٍ. تبدأُ المعركةُ حينَ يظنُّ الرجلُ أنَّ مكانتَهُ لا تثبتُ إلا بإلغاءِ رأيِ المرأةِ، أو تظنُّ المرأةُ أنَّ كرامتَها لا تتحققُ إلا بمنازعةِ الرجلِ في كلِّ موضعٍ من مواضعِ دورِهِ، أو حينَ ينظرُ كلُّ طرفٍ إلى دورِ الآخرِ كأنَّهُ خصمٌ من سلطتِهِ لا إضافةٌ إلى البيتِ. عندئذٍ لا يعودُ البيتُ بَيْتًا، بلْ مجلسَ إدارةٍ متوترٍ، أو محكمةً يوميةً، أو حلبةً صامتةً يتصارعُ فيها الطرفانِ على من تكونُ كلمتُهُ الأخيرةُ، ومن يملكُ تعريفَ الصوابِ، ومن يثبتُ أنَّهُ الأهمُّ.

وليسَ التكاملُ بينَ الرجلِ والمرأةِ دعوةً إلى ظلمِ أحدِهِما، ولا إلى ابتلاعِ شخصيةِ طرفٍ باسمِ الطرفِ الآخرِ، ولا إلى إلغاءِ حقِّ المرأةِ في الكرامةِ والرأيِ والاختيارِ، ولا إلى إعفاءِ الرجلِ من الرحمةِ والعدلِ والمسؤوليةِ. بلِ التكاملُ هوَ الفهمُ العميقُ أنَّ الاختلافَ بينَهُما ليسَ لعنةً يجبُ محوها، ولا حربًا يجبُ حسمُها، بلْ طاقةٌ يجبُ تهذيبُها وترتيبُها. الرجلُ ليسَ عَظِيمًا لأنَّهُ يقهرُ، والمرأةُ ليستْ كريمةً لأنَّها تنازعُ في كلِّ شيءٍ؛ كلاهُما يعلو حينَ يعرفُ أنَّ البيتَ لا يقومُ بمنطقِ المنتصرِ والمهزومِ، بلْ بمنطقِ السكنِ والمسؤوليةِ. فإذا تنازعَ الطرفانِ على القيادةِ بمعناها السلطويِّ، ضاعَ الأبناءُ بينَ قوتينِ متصادمتينِ. وإذا تكاملا على أساسِ العدلِ والرحمةِ وفهمِ الخصائصِ وتوزيعِ الأدوارِ وفقَ القدرةِ والحاجةِ والمصلحةِ، صارَ البيتُ مَرْفَأً لا ميدانَ حربٍ.

إنَّ بعضَ الخطاباتِ الحديثةِ وقعتْ في خطأٍ عميقٍ حينَ تصورتْ أنَّ إنصافَ المرأةِ لا يكونُ إلا بإدخالِها في صراعٍ دائمٍ معَ الرجلِ، وكأنَّ كلَّ معنىً للرجولةِ عدوانٌ، وكلَّ اختلافٍ في الوظيفةِ ظلمٌ، وكلَّ دورٍ خاصٍّ إهانةٌ. وفي المقابلِ، وقعتْ خطاباتٌ تقليديةٌ في خطأٍ مقابلٍ حينَ جعلتِ التكاملَ سِتَارًا لتجميدِ المرأةِ، أو مصادرةِ عقلِها، أو جعلِها تَابِعًا بلا شخصيةٍ. كلا الطرفينِ لمْ يفهمِ التكامليةَ؛ الأولُ جعلَ العلاقةَ تَنَافُسًا صِفْرِيًّا، والثاني جعلَها خُضُوعًا هَرَمِيًّا. أما المنهجُ الراشدُ فيرى أنَّ الأسرةَ تحتاجُ إلى قيادةٍ مسؤولةٍ لا استبدادَ فيها، وإلى مشورةٍ حقيقيةٍ لا شكليةٍ، وإلى توزيعِ أدوارٍ مرنٍ لا يلغي الفطرةَ ولا يتجاهلُ الواقعَ، وإلى اعترافٍ متبادلٍ بأنَّ الرجلَ والمرأةَ لا يتكاملانِ حينَ يتشابهانِ قَسْرًا، ولا حينَ يبتلعُ أحدُهُما الآخرَ، بلْ حينَ يتعاونانِ على بناءِ بيتٍ أكبرَ من أنا كلِّ واحدٍ منْهُما.

وفي الإدارةِ العامةِ والمؤسساتِ، تكشفُ التنافسيةُ المريضةُ عن وجهِها في صورٍ لا تحصى. موظفونَ يتصارعونَ على الظهورِ، ومديرٌ يخافُ من كفاءةِ من تحتَهُ، وأقسامٌ تتعاملُ كأنَّ نجاحَ قسمٍ آخرَ خصمٌ من نجاحِها، ومسؤولٌ يختارُ الأقلَّ كفاءةً لأنَّهُ أكثرُ طاعةً، ومؤسسةٌ تعاقبُ المبدعَ لأنَّهُ يربكُ هدوءَ الرداءةِ. وفي هذا المناخِ يصبحُ العملُ الإداريُّ غابةً صغيرةً، لا ينتصرُ فيها الأصلحُ بلِ الأقدرُ على التموقعِ، ولا يصعدُ فيها الأجدرُ بلِ الأبرعُ في صناعةِ التحالفاتِ الخفيةِ. يختفي سؤالُ: من هوَ الإنسانُ المناسبُ في المكانِ المناسبِ؟ ويظهرُ بَدَلًا منْهُ سؤالٌ: من هوَ الأقربُ؟ من هوَ الأضمنُ ولاءً؟ من لا يهددُ صورتي؟ من يصفقُ أكثرَ؟ وهكذا تُهْدَرُ الطاقاتُ، وتفسدُ المؤسسةُ، ويدفعُ المجتمعُ ثمنَ إدارةٍ جعلتِ المكانةَ أعلى من الكفاءةِ.

“المكانةُ الحقيقيةُ لا تأتي من تضخمِ الفردِ على حسابِ الجماعةِ، بلْ من تحولِهِ إلى عنصرٍ لا يستغنى عنهُ في بناءٍ نافعٍ.”

أما المنهجُ التكامليُّ في الإدارةِ فيقومُ على فلسفةِ الخصائصِ والقدراتِ. لا يطلبُ من الجميعِ أن يكونوا قادةً، ولا من القادةِ أن يتقنوا كلَّ شيءٍ، ولا من صاحبِ الرؤيةِ أن يغرقَ في التفاصيلِ، ولا من صاحبِ التنفيذِ أن يتكلفَ التنظيرَ. يعرفُ أنَّ في الناسِ من يحسنُ التفكيرَ الاستراتيجيَّ، ومن يحسنُ الإدارةَ اليوميةَ، ومن يحسنُ التواصلَ، ومن يحسنُ البناءَ التقنيَّ، ومن يحسنُ ضبطَ الأرقامِ، ومن يحسنُ تهدئةَ النزاعاتِ، ومن يحسنُ الإبداعَ، ومن يحسنُ الحراسةَ الدقيقةَ للمعاييرِ. المؤسسةُ العاقلةُ لا تحشرُ هؤلاءِ في قالبٍ واحدٍ، ولا تجعلُهُمْ يتقاتلونَ على كرسيٍّ واحدٍ، بلْ تصنعُ لهُمْ هندسةَ أدوارٍ تجعلُ اختلافَهُمْ مصدرَ قوةٍ. فالرجلُ المناسبُ في المكانِ المناسبِ ليسَ شِعَارًا إِدَارِيًّا، بلْ فلسفةٌ حضاريةٌ كاملةٌ؛ ألا يُظْلَمَ الإنسانُ بوضعِهِ في غيرِ موضعِهِ، ولا تُظْلَمَ المؤسسةُ بحرمانِها من كفاءتِهِ في موضعِها الصحيحِ.

ومن أخطرِ نتائجِ التنافسيةِ في المؤسساتِ أنَّ المديرَ الضعيفَ يخافُ من الأقوياءِ حولَهُ، بينما المديرُ الراشدُ يبحثُ عنْهُمْ. الأولُ يريدُ فَرِيقًا يصغرُهُ كيْ يبدوَ كَبِيرًا، والثاني يريدُ فَرِيقًا يكبرُ بهِ لأنَّهُ يعرفُ أنَّ عظمةَ القائدِ ليستْ في أن يكونَ أذكى فردٍ في كلِّ شيءٍ، بلْ في أن يجمعَ حولَهُ من يكملونَهُ ويقوونَهُ وينبهونَهُ. القائدُ التنافسيُّ يرى في كلِّ موهبةٍ حولَهُ تَهْدِيدًا مُحْتَمَلًا، فيحاصرُها أو يهمشُها أو ينسبُ فضلَها إلى نفسِهِ. القائدُ التكامليُّ يرى فيها رَصِيدًا للمشروعِ، فينميها ويمنحُها مَكَانًا ويقبلُ أن يلمعَ غيرُهُ لأنَّ لمعانَ الفريقِ هوَ لمعانُهُ الأعمقُ. ولهذا تفشلُ مؤسساتٌ كثيرةٌ لا لنقصِ المواردِ، بلْ لأنَّ الأنانيةَ الإداريةَ تأكلُ مواردَها من الداخلِ.

وفي ميدانِ الإصلاحِ والعمل المدني الجمعي، تبلغُ المسألةُ ذروتَها. فالمصلحونَ والصالحونَ والمفكرونَ كثيرًا ما يرفعونَ شعاراتِ التعاونِ والتكاملِ، لكنَّهُمْ عندَ لحظةِ العملِ يتصرفونَ بمنطقِ التنافسيةِ الخفيةِ. كلُّ واحدٍ يريدُ أن تكونَ المبادرةُ مبادرتَهُ، والمنصةُ منصتَهُ، والقيادةُ لهُ، واللغةُ لغتَهُ، والمرجعيةُ إلى رأيِهِ. فإذا نجحَ غيرُهُ ضاقَ صدرُهُ، وإذا تصدرَ سواهُ تشككَ في نيتِهِ، وإذا اختلفَ معهُ في وسيلةٍ جعلَ الاختلافَ خَطَرًا على المنهجِ كلِّهِ. وهنا يُهْزَمُ الإصلاحُ من داخلِهِ قبلَ أن تهزمَهُ السلطةُ أو الإعلامُ أو الفسادُ. لأنَّ الخيرَ إذا بقيَ مُوَزَّعًا على جزرِ الأنا، استطاعَ الشرُّ المنظمُ أن يبتلعَهُ جَزِيرَةً جَزِيرَةً.

“القائدُ التنافسيُّ يرى في كلِّ موهبةٍ حولَهُ تَهْدِيدًا مُحْتَمَلًا… القائدُ التكامليُّ يرى فيها رَصِيدًا للمشروعِ، فينميها ويمنحُها مَكَانًا ويقبلُ أن يلمعَ غيرُهُ لأنَّ لمعانَ الفريقِ هوَ لمعانُهُ الأعمقُ.”

ومن العجيبِ أنَّ أصحابَ المبادئِ الهدامةِ قد يختلفونَ ظَاهِرًا، لكنَّهُمْ يتكاملونَ عَمَلِيًّا حينَ تتلاقى مصالحُهُمْ. يتعاونُ صاحبُ المالِ الفاسدِ معَ الإعلامِ التافهِ، ومعَ السياسيِّ النفعيِّ، ومعَ صانعِ الشهرةِ الرخيصةِ، ومعَ شبكةِ المصالحِ، ومعَ جمهورٍ مخدرٍ، حتى وإن كانَ كلُّ واحدٍ منْهُمْ يحتقرُ الآخرَ في داخلِهِ. أما أهلُ الإصلاحِ فقد يحبُّ بعضُهُمْ بَعْضًا في المجالسِ، ويتبادلونَ الثناءَ في الخطابِ، لكنَّهُمْ يعجزونَ عن بناءِ آلةٍ مشتركةٍ. والسببُ أنَّ الفسادَ كثيرًا ما يكونُ أذكى في فهمِ المصالحِ من الخيرِ في فهمِ التكاملِ. الفسادُ لا يطلبُ وحدةَ القلوبِ، بلْ يكتفي بوحدةِ الأهدافِ المؤقتةِ. أما الخيرُ فينتظرُ أَحْيَانًا أن يتطابقَ الجميعُ في الرؤيةِ واللغةِ والمزاجِ قبلَ أن يعملوا، فإذا لمْ يقعْ هذا التطابقُ تعطلتِ المشاريعُ.

وهنا ينبغي أن ننتبهَ إلى قاعدةٍ مهمةٍ ألا وهي أنَّ التكاملَ لا يشترطُ التطابقَ. بلْ لا معنى للتكاملِ إذا كانَ الجميعُ متطابقينَ. التكاملُ يحتاجُ إلى اختلافاتٍ قابلةٍ للانتظامِ، وإلى عقولٍ تقبلُ ألا تملكَ المشهدَ كلَّهُ، وإلى نفوسٍ تستطيعُ أن ترى في موهبةِ الآخرِ امْتِدَادًا لا تَهْدِيدًا. المصلحُ المفكرُ يحتاجُ إلى المربي العمليِّ، والمربي يحتاجُ إلى الإداريِّ، والإداريُّ يحتاجُ إلى الإعلاميِّ، والإعلاميُّ يحتاجُ إلى الممولِ النزيهِ، والممولُ يحتاجُ إلى صاحبِ الرؤيةِ، وصاحبُ الرؤيةِ يحتاجُ إلى من يراجعُهُ ويمنعُهُ من التحليقِ بَعِيدًا عن الأرضِ. فإذا أرادَ كلُّ واحدٍ أن يكونَ كلَّ شيءٍ، ضاعَ كلُّ شيءٍ. أما إذا قبلَ كلُّ واحدٍ أن يكونَ جُزْءًا شَرِيفًا في بناءٍ كبيرٍ، قامَ البناءُ ولوْ تأخرَ.

والتكامليةُ في الإصلاحِ تحتاجُ إلى أخلاقٍ خاصةٍ. تحتاجُ إلى الإيثارِ لا بمعنى محوِ الذاتِ، بلْ بمعنى تقديمِ مصلحةِ المشروعِ حينَ يتعارضُ بروزُ الذاتِ معَها. تحتاجُ إلى نسبِ الفضلِ لأهلِهِ، لا ابتلاعِهِ. تحتاجُ إلى قبولِ القيادةِ حينَ تكونُ أصلحَ، وقبولِ الجنديةِ حينَ يكونُ غيرُكَ أصلحَ للقيادةِ. تحتاجُ إلى ثقافةِ تداولِ الأدوارِ، وإلى مؤسساتٍ لا تقدسُ المؤسسَ، وإلى آلياتِ قرارٍ تمنعُ تضخمَ الفردِ، وإلى مراجعةٍ دائمةٍ للسؤالِ المقلقِ: هلْ نحنُ نخدمُ الفكرةَ أمْ نستخدمُ الفكرةَ لخدمةِ صورتِنا؟ وما لمْ يُطْرَحْ هذا السؤالُ بشجاعةٍ، ستظلُّ مشاريعُ الإصلاحِ تتكاثرُ في العددِ وتضعفُ في الأثرِ، لأنَّها محمولةٌ على أكتافِ أفرادٍ يريدُ كلٌّ منْهُمْ أن يكونَ شجرةً وحدَهُ، بدلَ أن يكونوا غابةً.

وفي التربيةِ والتعليمِ، تفسدُ التنافسيةُ حينَ يتحولُ التعلمُ إلى سباقٍ لإثباتِ التفوقِ الشخصيِّ وحدَهُ، لا إلى اكتشافِ المواهبِ وبناءِ الإنسانِ. الطالبُ الذي يُرَبَّى على أنَّهُ لا قيمةَ لهُ إلا إذا كانَ الأولَ قد يتعلمُ الحسدَ قبلَ العلمِ، والخوفَ قبلَ الفضولِ، والمقارنةَ قبلَ المعرفةِ. وليسَ معنى ذلكَ أن نلغيَ التفوقَ أو نطفئَ الطموحَ، بلْ أن نعيدَ تعريفَهُ. التفوقُ الحقيقيُّ ليسَ أن تسحقَ زملاءَكَ، بلْ أن تبلغَ أقصى ما تستطيعُ، وأن تعرفَ موهبتَكَ، وأن تتعلمَ كيفَ تعملُ معَ غيرِكَ. فالحياةُ لا تحتاجُ فقطْ إلى طالبٍ يحفظُ أكثرَ، بلْ إلى إنسانٍ يفكرُ، ويتعاونُ، ويحسنُ دورَهُ، ويحترمُ أدوارَ الآخرينَ. المدرسةُ التي تغرسُ التكامليةَ تصنعُ مُجْتَمَعًا؛ أما التي تزرعُ التنافسيةَ المريضةَ فقد تصنعُ متفوقينَ قلقينَ، يتقنونَ الصعودَ الفرديَّ ولا يحسنونَ بناءَ شيءٍ مشتركٍ.

وفي الاقتصادِ كذلكَ يظهرُ الفرقُ بينَ المنهجينِ. هناكَ تنافسٌ اقتصاديٌّ شريفٌ يدفعُ إلى تحسينِ الجودةِ وخفضِ الكلفةِ وتوسيعِ الخياراتِ، وهذا محمودٌ حينَ تضبطُهُ الأخلاقُ والقانونُ. لكنَّ التنافسيةَ المتوحشةَ تجعلُ السوقَ حلبةَ افتراسٍ؛ شركةٌ تسحقُ أخرى لا لأنَّها أجودُ، بلْ لأنَّها أقدرُ على الاحتكارِ؛ تاجرٌ يربحُ لا بإتقانِ الخدمةِ بلْ بتضليلِ المستهلكِ؛ مؤسسةٌ تستغلُّ العاملَ باسمِ الإنتاجيةِ؛ إعلانٌ يسرقُ رغباتِ الناسِ ويصنعُ حاجاتٍ وهميةٍ؛ اقتصادٌ يقيسُ النجاحَ بحجمِ الربحِ لا بقدرِ النفعِ العامِّ. أما الاقتصادُ التكامليُّ فيفهمُ أنَّ الربحَ المشروعَ لا يعادي الخيرَ العامَّ، وأنَّ المنتجَ والعاملَ والمستهلكَ والمجتمعَ ليسوا أَعْدَاءً، وأنَّ السوقَ إذا فقدَ العدلَ تحولَ إلى غابةٍ أنيقةٍ. الاقتصادُ التكامليُّ لا يقتلُ المبادرةَ الفرديةَ، بلْ يربطُها بالمسؤوليةِ، ويجعلُ التخصصَ والإتقانَ والتعاونَ أَسَاسًا للنموِّ لا مجردَ الصراعِ على ابتلاعِ المنافسينَ.

وفي الثقافةِ والمعرفةِ، تقتلُ التنافسيةُ روحَ الحقيقةِ. حينَ يتحولُ المفكرونَ والكتابُ والعلماءُ إلى متنافسينَ على الصدارةِ، يصبحُ العلمُ نفسُهُ وسيلةً للمكانةِ، لا طَرِيقًا إلى الحقِّ. يفرحُ بعضُهُمْ بخطأِ غيرِهِ أكثرَ مما يفرحُ بظهورِ الصوابِ، ويشتغلُ بتصيدِ النقصِ لا بتكميلِ البناءِ، ويخشى أن يعترفَ بفضلِ مخالفِهِ حتى لا يرتفعَ قدرُهُ. أما التكامليةُ المعرفيةُ فتعرفُ أنَّ الحقيقةَ أوسعُ من عقلٍ واحدٍ، وأنَّ كلَّ باحثٍ يرى من زاويةٍ، وأنَّ النقدَ ليسَ إِعْدَامًا، وأنَّ الإضافةَ لا تحتاجُ إلى هدمِ كلِّ ما سبقَها. الحضاراتُ التي تحترمُ المعرفةَ تجعلُ العلماءَ يتكاملونَ ولو اختلفوا، أما الحضاراتُ التي تقدسُ الأنا تجعلُ كلَّ صاحبِ فكرةٍ يحاولُ أن يبدأَ التاريخَ من نفسِهِ.

وللتنافسيةِ جذورٌ نفسيةٌ عميقةٌ لا بدَّ من كشفِها. في أصلِها خوفٌ من النقصِ، وخوفٌ من النسيانِ، وخوفٌ من أن يكونَ الإنسانُ عَادِيًّا، وخوفٌ من ألا يُرَى. لذلكَ يسعى إلى المكانةِ كما يسعى العطشانُ إلى الماءِ، لكنَّهُ يخطئُ الطريقَ؛ يظنُّ أنَّ المكانةَ تُنْتَزَعُ من أفواهِ الآخرينَ، وأنَّ المجدَ لا يسعُ إلا اسْمًا وَاحِدًا. ولو عرفَ الإنسانُ أنَّ قيمتَهُ في صدقِهِ وإتقانِهِ ووظيفتِهِ ضمنَ الحقِّ، لا في حجمِ التصفيقِ حولَهُ، لتحررَ من كثيرٍ من هذا اللهاثِ. إنَّ التكامليةَ تحتاجُ إلى نفسٍ آمنةٍ، لا ترى في كلِّ نجاحٍ خارجيٍّ تَهْدِيدًا دَاخِلِيًّا. تحتاجُ إلى إنسانٍ يستطيعُ أن يقولَ: لستُ كلَّ شيءٍ، ولا أحتاجُ أن أكونَ كلَّ شيءٍ، ويكفيني أن أكونَ شَيْئًا صَادِقًا في موضعِهِ الصحيحِ.

ومن جذورِها كذلكَ غيابُ فلسفةِ الدورِ. كثيرٌ من الناسِ لا يفهمونَ أنَّ الدورَ ليسَ إهانةً، وأنَّ المحدوديةَ ليستْ نَقْصًا، وأنَّ التخصصَ ليسَ قَيْدًا بلْ طريقٌ إلى الإتقانِ. يريدُ الواحدُ أن يفكرَ وينفذَ ويقودَ ويتكلمَ ويحصدَ الفضلَ، فإذا عجزَ غضبَ من العالمِ. بينما الحكمةُ أن يعرفَ الإنسانُ حدودَهُ لا ليصغرَ، بلْ ليكبرَ في مكانِهِ الصحيحِ. البذرةُ التي تصرُّ أن تكونَ جَبَلًا لن تصيرَ جَبَلًا ولن تبقى بذرةً نافعةً. والإنسانُ الذي يرفضُ موهبتَهُ لأنَّهُ يريدُ موهبةَ غيرِهِ يضيعُ مرتينِ؛ لا يبلغُ ما حسدَ غيرَهُ عليهِ، ولا يحققُ ما كانَ قَادِرًا عليهِ. التكامليةُ تعيدُ الإنسانَ إلى ذاتِهِ لا لتسجنَهُ فيها، بلْ لتجعلَهُ يثمرُ منْها.

أما أَخْلَاقِيًّا، فالتنافسيةُ المريضةُ ثمرةُ الأثرةِ، والتكامليةُ ثمرةُ الإيثارِ. والأثرةُ ليستْ أن يحبَّ الإنسانُ نفسَهُ فقطْ، بلْ أن يجعلَ نفسَهُ مركزَ المعنى كلِّهِ. أما الإيثارُ فليسَ أن يكرهَ نفسَهُ، بلْ أن يعرفَ لها قدرَها داخلَ قدرٍ أكبرَ. الإيثارُ الراشدُ لا يطلبُ من الإنسانِ أن يمحوَ موهبتَهُ أو يتنازلَ عن حقِّهِ، لكنَّهُ يطلبُ منْهُ ألا يجعلَ موهبتَهُ سِكِّينًا، ولا حقَّهُ ذَرِيعَةً لابتلاعِ حقوقِ الآخرينَ، ولا رغبتَهُ في التقديرِ سَبَبًا لتعطيلِ الخيرِ. وحينَ تسودُ هذه الأخلاقُ يصبحُ الإنسانُ قَادِرًا على أن يقولَ: قد لا أكونُ في الواجهةِ، لكنَّ المشروعَ يتقدمُ؛ قد لا يُذْكَرُ اسمي، لكنَّ الخيرَ وقعَ؛ قد لا يكونُ رأيي هوَ المعتمدَ، لكنَّ الرأيَ المعتمدَ صالحٌ؛ قد يقودُ غيري، وأنا معهُ ما دامَ يقودُ إلى الحقِّ.

والحلُّ لا يكونُ بمجردِ موعظةِ الناسِ عن التعاونِ، لأنَّ التعاونَ لا يعيشُ بالشعاراتِ. لا بدَّ من بناءِ أنظمةٍ تجعلُ التكاملَ مُمْكِنًا وَمُجْزِيًا. في الأسرةِ، لا بدَّ من وضوحِ الأدوارِ معَ رحمةٍ ومرونةٍ وعدلٍ، ومن حوارٍ لا يحولُ الخلافَ إلى حربِ كرامةٍ. في الإدارةِ، لا بدَّ من توصيفٍ دقيقٍ للمسؤولياتِ، ومؤشراتٍ تقيسُ نجاحَ الفريقِ لا بطولةَ الفردِ، وترقيةٍ تعتمدُ الكفاءةَ لا الولاءَ الشخصيَّ. في الإصلاحِ، لا بدَّ من مجالسِ شورى حقيقيةٍ، وتوزيعِ أدوارٍ، وتداولِ قيادةٍ، وحفظِ حقوقِ الأفكارِ، ونسبِ الفضلِ، وآلياتٍ لحلِّ النزاعِ. في التعليمِ، لا بدَّ من مشاريعَ جماعيةٍ تعلمُ الطالبَ أنَّ نجاحَ الفريقِ لا يقلُّ شَرَفًا عن نجاحِ الفردِ. في الثقافةِ، لا بدَّ من أدبٍ نقديِّ يعترفُ بالفضلِ قبلَ بيانِ النقصِ، ويبني على المنجزِ بدلَ أن يعيشَ على هدمِهِ.

“المجدُ ليسَ أن تكونَ وحدَكَ فوقَ تلٍّ عالٍ والناسُ حولَكَ صغارٌ، بلْ أن تكونَ جُزْءًا من بناءٍ إذا ارتفعَ رفعَ معهُ غيرَكَ. المجدُ الفرديُّ سريعُ اللمعانِ سريعُ الانطفاءِ، أما المجدُ التكامليُّ فهادئٌ طويلُ العمرِ.”

ولا بدَّ كذلكَ من إعادةِ صياغةِ مفهومِ المجدِ. فالمجدُ ليسَ أن تكونَ وحدَكَ فوقَ تلٍّ عالٍ والناسُ حولَكَ صغارٌ، بلْ أن تكونَ جُزْءًا من بناءٍ إذا ارتفعَ رفعَ معهُ غيرَكَ. المجدُ الفرديُّ سريعُ اللمعانِ سريعُ الانطفاءِ، أما المجدُ التكامليُّ فهادئٌ طويلُ العمرِ. قد لا يعرفُ الناسُ أسماءَ كلِّ من وضعوا حجارةَ المسجدِ أو المدرسةِ أو الجسرِ، لكنَّهُمْ ينتفعونَ بالبناءِ أَجْيَالًا. والمصلحُ العميقُ لا يسألُ دَائِمًا: هلْ سيذكرني الناسُ؟ بلْ يسألُ: هلْ سيبقى الأثرُ إذا نسوني؟ هذا السؤالُ وحدَهُ قادرٌ على تهذيبِ كثيرٍ من شهوةِ الظهورِ.

إنَّ التنافسيةَ التنازعيةَ لا تحققُ القيمةَ كما يتوهمُ أصحابُها، بلْ تلتهمُ القيمةَ. لأنَّها تجعلُ الإنسانَ مَشْغُولًا بحراسةِ صورتِهِ لا بتحسينِ جوهرِهِ، وَمَشْغُولًا بسبقِ الآخرينَ لا بإتقانِ دورِهِ، وَمَشْغُولًا بمنعِ غيرِهِ من الصعودِ لا ببناءِ سلمٍ يصعدُ عليهِ الجميعُ. أما التكامليةُ فهيَ التي تصنعُ القيمةَ الحقيقيةَ لأنَّها تربطُ الموهبةَ بالموضعِ، والحريةَ بالمسؤوليةِ، والفردَ بالفريقِ، والتخصصَ بالغايةِ، والقيادةَ بالخدمةِ، والنجاحَ الفرديَّ بالنفعِ العامِّ. ومن فهمَ ذلكَ أدركَ أنَّ أعظمَ الناسِ أَثَرًا ليسَ بالضرورةِ أكثرَهُمْ حُضُورًا في الواجهةِ، بلْ أكثرَهُمْ قدرةً على أن يجعلَ غيرَهُ يعملُ أفضلَ، ويفكرُ أعمقَ، ويثمرُ أكثرَ.

وفي النهايةِ، ليستِ الدعوةُ إلى التكامليةِ دعوةً إلى قتلِ الطموحِ، ولا إلى مساواةٍ باردةٍ تلغي الفروقَ، ولا إلى منعِ السباقِ في الخيراتِ، ولا إلى جعلِ الناسِ كتلةً رماديةً بلا تميزٍ. إنَّها دعوةٌ إلى تحريرِ الطموحِ من الأنانيةِ، والتميزِ من العزلةِ، والقيادةِ من التسلطِ، والاختلافِ من العداوةِ، والعملِ من عبادةِ الذاتِ. هيَ دعوةٌ إلى أن نتنافسَ في الإحسانِ لا في الإلغاءِ، وأن نتسابقَ في الخدمةِ لا في الاستحواذِ، وأن نطلبَ المكانةَ من بابِ النفعِ لا من بابِ الصراعِ، وأن نؤمنَ أنَّ الإنسانَ لا يصغرُ حينَ يكمّلُ غيرَهُ، بلْ يكبرُ؛ لأنَّ الجزءَ حينَ ينتظمُ في بناءٍ عظيمٍ يأخذُ من عظمةِ البناءِ ما لا يأخذُهُ وهوَ حجرٌ منفردٌ في الخلاءِ.

إنَّ الحياةَ أعظمُ من أن تُدَارَ بمنطقِ “إما أنا أو أنتَ”. الأسرةُ لا تقومُ بهذا المنطقِ، والمؤسسةُ لا تزدهرُ بهِ، والإصلاحُ لا ينجحُ عليهِ، والمعرفةُ لا تنمو في ظلِّهِ، والحضارةُ لا تتأسسُ بروحِهِ. المنهجُ الأقومُ أن نقولَ: أنا بما أحسنُ، وأنتَ بما تحسنُ، ونحنُ بما نستطيعُ أن نبنيهِ مَعًا. فحيثُ تسودُ التنافسيةُ المريضةُ، يكثرُ الضجيجُ وتقلُ الثمرةُ، وتلمعُ الأسماءُ وتنهارُ المشاريعُ، وتنتصرُ الأنا ويخسرُ الجميعُ. وحيثُ تسودُ التكامليةُ، قد يقلُّ الصخبُ، لكنَّ الأثرَ يعمقُ؛ قد تتوزعُ الأضواءُ، لكنَّ البناءَ يرتفعُ؛ قد لا يستأثرُ أحدٌ بالمجدِ كلِّهِ، لكنَّ الجميعَ ينالونَ شرفَ المشاركةِ في خيرٍ أكبرَ من ذواتِهِمْ.

ولعلَّ الحكمةَ الجامعةَ أنَّ الإنسانَ لمْ يُخْلَقْ ليكونَ نسخةً من غيرِهِ، ولا ليكونَ عَدُوًّا لهُ، بلْ ليكونَ إِضَافَةً إليهِ في طريقِ الحقِّ والخيرِ والجمالِ. فإذا فهمنا ذلكَ في البيتِ، هدأتْ حروبُ الرجلِ والمرأةِ. وإذا فهمناهُ في الإدارةِ، جلسَ الإنسانُ المناسبُ في المكانِ المناسبِ. وإذا فهمناهُ في الإصلاحِ، تحولتِ الجزرُ المتباعدةُ إلى قارةٍ. وإذا فهمناهُ في المجتمعِ، صارتِ الفروقُ جُسُورًا لا خنادقَ. وإذا فهمناهُ في ذواتِنا، تحررنا من خوفِ المقارنةِ وبدأنا رحلةِ الإتقانِ. عندئذٍ لا يصبحُ الآخرُ خَصْمًا لمجدي، بلْ شَرْطًا من شروطِ كمالِهِ؛ ولا يصبحُ التكاملُ تَنَازُلًا عن القيمةِ، بلِ الطريقَ الأصدقَ إليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى