الفكرتربية واجتماعمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

محددات النفوذ وحدود الإمبراطورية الأمريكية

من سلسلة دراسة في عوامل وظواهر أفول الامبراطورية الأمريكية المعاصرة

لا تُستنزف الدول الكبرى بما تنفقه في الخارج وحده، بل بما يفعله الخارج ببنية الداخل. فالإمبراطورية ليست سفنًا وقواعد تنتشر بعيدًا عن المجتمع ثم تعود إليه من غير أثر؛ إنها نهرٌ عظيمٌ من المال والعقود والمناصب والمعلومات يمر عبر الدولة، فيروي مؤسساتٍ بعينها، ويغمر مصالح بعينها، ويعيد تشكيل النخب التي تقرر أين تبدأ الحرب ومتى تنتهي، ومن يُعاقب ومن يُحمى، وأي خطرٍ يصبح قضيةً وطنية وأي جرحٍ داخلي يبقى مؤجلًا. وقد تبدأ الدولة باستخدام الإمبراطورية لخدمة مصالحها، ثم تنتهي الإمبراطورية باستخدام الدولة لحماية مصالحها هي؛ لا بوصفها كيانًا واعيًا، بل بوصفها شبكةً كثيفةً من المؤسسات والشركات والأجهزة والمهن والمنافع التي صار استمرارها مرتبطًا باستمرار الانتشار والصراع والإنفاق. عندئذٍ لا يعود السؤال عن جدوى الالتزام الخارجي سؤالًا استراتيجية مجردًا، بل تهديدًا لعقودٍ ووظائف ونفوذٍ وميزانيات.

لكن الإمبراطورية لا تستطيع ابتلاع الدولة ما لم تكن داخلها فجوةٌ اجتماعية تتيح للنخب أن تحول الكلفة العامة إلى منفعةٍ خاصة. وهنا تبرز مسألة التفاوت؛ لا بوصفها غيرةً أخلاقيةً من وجود الأثرياء، بل سؤالًا عن العلاقة بين الثروة والقرار. وجود الأثرياء لا يجعل النظام أوليغارشيًّا في ذاته. قد تكون الثروة ثمرة ابتكارٍ أو إنتاجٍ أو مخاطرة، وقد تمنح المجتمع استثماراتٍ وفرصًا وتقدمًا. إنما يبدأ التحول إلى الأوليغارشية حين يصبح للثروة منفذٌ إلى التشريع والإدارة والإعلام لا يملكه المواطن العادي، وحين تستطيع الفئة الغنية تحويل قواعد السوق والضرائب والعقود إلى أدواتٍ لحماية ثروتها من المنافسة والمحاسبة. والفارق جوهري بين اقتصادٍ يسمح للبعض بالثراء وبين نظامٍ يسمح للثري بأن يكتب شروط ثرائه. الأول قد يكون متفاوتًا لكنه يظل قادرًا على التجدد، أما الثاني فيغلق السلم بعد صعود من بلغوا قمته. وتتحول النخب من منافسين داخل السوق إلى حراسٍ لأبوابه، ومن منتجين للقوة إلى مديرين للامتياز.

“الفارق جوهري بين اقتصاد يسمح للبعض بالثراء وبين نظام يسمح للثري بأن يكتب شروط ثرائه.”

وتظهر بيانات الاحتياطي الفدرالي اتساع الفجوة في تركيب الثروة؛ ففي الربع الأول من عام 2026 امتلكت الشرائح الواقعة في أعلى واحدٍ في المئة عشرات التريليونات من الدولارات في الأسهم وحصص الأعمال غير المدرجة، بينما كانت حصة النصف الأدنى من السكان في هذين النوعين من الأصول ضئيلةً جدًا بالمقارنة. ولا يعني ذلك أن كل ثروةٍ نفوذٌ سياسي مباشر، لكنه يوضح أن الصعود في قيمة الأسهم والأعمال يثري فئاتٍ معينة بدرجةٍ لا يشعر بها من يعتمد أساسًا على الأجر أو أصلٍ سكني مثقل بالدَّين. وحين ينفصل ازدهار المؤشرات المالية عن الأمان اليومي للطبقة الوسطى، يصبح الخطاب عن قوة الاقتصاد أقل إقناعًا. قد ترتفع قيمة الشركات وتزدهر التقنيات، بينما يواجه المواطن كلفة السكن والتعليم والصحة وشعورًا بأن كل تقدمٍ جديد يعزز مكانة من يملكون الأصول قبل أن يحسن حياته. لا يعني ذلك أن الاقتصاد الأمريكي لا ينتج؛ فهو لا يزال من أكثر الاقتصادات ابتكارًا، لكن السؤال هو كيف تتحول القدرة التقنية إلى رخاءٍ اجتماعي واسع.

هنا يظهر الفرق بين الاقتصاد الإنتاجي والاقتصاد المالي. ليس التمويل نقيضًا للإنتاج؛ فالمصنع يحتاج إلى رأس المال، والابتكار يحتاج إلى مستثمرٍ يقبل المخاطرة. إنما يصبح التمويل عبئًا حين لا يعود وسيلةً لتوجيه المال نحو النشاط المنتج، بل يتحول النشاط كله إلى مادةٍ لاستخراج العوائد السريعة، وإعادة شراء الأسهم، والمضاربة بالأصول، واحتكار الأسواق. الدولة الصاعدة تبني المصانع والبنية التحتية والمهارات، أما الدولة التي تستريح إلى امتيازها فقد تجد إدارة الأصول القديمة أكثر ربحًا من إنشاء قدرةٍ جديدة. يصبح شراء المنافس أسهل من التفوق عليه، ورفع سعر الخدمة أجدى من تحسينها، والاحتفاظ بالبراءة والمعيار والمنصة أكثر ربحًا من توسيع فوائد التقنية في المجتمع.

ومع انتقال أجزاءٍ من الصناعة إلى الخارج، نشأ اقتصادٌ شديد الكفاءة في زمن السلم، لكنه مكشوفٌ في زمن الأزمة. لا يعني ذلك أن إعادة كل صناعة إلى الداخل ممكنةٌ أو حكيمة؛ فالتجارة وتقسيم العمل مصدران حقيقيان للرخاء. لكن الدولة التي لا تعرف من أين تأتي مكونات سلاحها ودوائها ورقائقها تكتشف أن الكفاءة بلا احتياط قد تكون اسمًا آخر للهشاشة. وقد أشار مكتب المحاسبة الحكومي في عام 2025 إلى قصور رؤية وزارة الدفاع لمصادر بعض مكونات ومواد سلسلة الإمداد، بما يحد من قدرتها على تقييم الاعتماد على الموردين الأجانب. ولهذا عادت السياسة الصناعية إلى مركز النقاش الأمريكي؛ ليست حنينًا إلى المصنع القديم وحده، بل محاولةً لاستعادة قدرٍ من السيادة الإنتاجية. غير أن إعادة التصنيع أصعب من كتابة التعريفات والإعانات؛ تحتاج إلى تعليمٍ تقني وبنية تحتية وطاقة مستقرة وعمالة ماهرة واستراتيجيةٍ تتجاوز الدورة الانتخابية. ولا يمكن بناء المصنع بقرارٍ سياسي إذا كانت شبكة المدارس والمواصلات والإسكان لا تسمح للإنسان الذي سيعمل فيه أن يعيش بكرامة.

“الدولة التي لا تعرف من أين تأتي مكونات سلاحها ودوائها ورقائقها تكتشف أن الكفاءة بلا احتياط اسم آخر للهشاشة.”

وتتصل هذه الأزمة بالدَّين؛ فالدَّين العام ليس مجرد رقمٍ يعلو في شاشة، بل رهنٌ تدريجي لجزءٍ من القرار المستقبلي. تستطيع الولايات المتحدة الاقتراض بقدرةٍ لا تملكها معظم الدول، بفضل حجم اقتصادها وعمق أسواقها ومركزية عملتها. وهذا الامتياز حقيقي، لكنه لا يحول الاقتراض إلى موردٍ بلا كلفة، ولا يجعل كل عجزٍ مستدامًا إلى الأبد. فالفرق كبير بين قدرة الدولة على بيع سنداتها اليوم وقدرتها على الاستمرار في توسيع الدَّين من غير أن تقيد خياراتها غدًا. فالمشكلة لا تبدأ بالضرورة حين يعجز المقرضون عن شراء السندات، بل حين تصبح خدمة الدَّين بندًا ينافس الاستثمار والدفاع والضمان الاجتماعي على المال العام، ويجعل كل أزمةٍ جديدة تبدأ من مساحةٍ أضيق.

وكان قد قدّر مكتب الميزانية في الكونغرس في فبراير عام 2026 أن يرتفع الدَّين الفدرالي الذي يحمله الجمهور من 101 في المئة من الناتج المحلي في عام 2026 إلى 120 في المئة عام 2036، وأن ترتفع مدفوعات الفائدة الصافية من 3.3 إلى 4.6 في المئة من الناتج؛ لتبلغ عند نهاية المدة ما يقارب خمس الإنفاق الفدرالي كله. وهذه التقديرات لا تعني إفلاسًا وشيكًا، لكنها توضح أن الفائدة ستأكل حصةً متزايدةً من حرية الدولة في الاختيار. وعندما ترتفع كلفة الفائدة لا تسأل عن مصدر العجز؛ فهي تزاحم الاستثمار في المختبر والطريق كما تزاحم الإنفاق العسكري. لكن السياسة لا توزع اللوم بالتساوي؛ فقد يطالب كل فريقٍ بتقليص البرنامج الذي يخدم خصمه، ويعامل الإنفاق الذي يحمي قاعدته الانتخابية أو المؤسسية بوصفه ضرورةً مقدسة. وهكذا يصبح العجز المالي صورةً للعجز السياسي عن تحديد الأولويات.

ولا يجوز اختزال الدَّين الأمريكي في كلفة الإمبراطورية وحدها؛ فالبرامج الاجتماعية والضرائب والدورات الاقتصادية والفوائد كلها عوامل كبرى. كما لا يصح القول إن خفض الجيش وحده يحل المشكلة. إنما تظل العلاقة بين العجز والانتشار الخارجي قائمةً؛ فالدولة التي تريد حماية شبكةٍ عالمية من القواعد والتحالفات وخوض سباقاتٍ تقنية وعسكرية في عدة أقاليم تحتاج إلى اقتصادٍ وماليةٍ عامة تستطيعان حمل هذه الالتزامات من غير تآكل الداخل. والخطر أن يستعمل امتياز الدولار لتأجيل السؤال بدل حله. تستطيع الولايات المتحدة تمويل عجزها بعملتها وجذب رأس المال العالمي إلى سنداتها، لكن الامتياز الذي يُستخدم بلا ضبط قد يتحول إلى مخدرٍ يؤجل الألم ويعمق علته. فكلما اتسع الدَّين أصبح الحفاظ على الثقة في العملة والأسواق ضرورةً إمبراطوريةً وداخليةً في آن، وأصبح أي اضطرابٍ في هذا الامتياز أكثر كلفةً.

وفي قلب هذا الاقتصاد تتحرك مجمّعات المصالح. والمجمع الصناعي العسكري ليس مؤامرةً يجلس أعضاؤها في غرفةٍ مظلمة ويقررون إشعال الحروب؛ إنه بنية حوافزٍ أكثر تعقيدًا. الجيش يحتاج إلى الشركات، والشركات تحتاج إلى العقود، وأعضاء الكونغرس يرون الوظائف في دوائرهم، والباحثون يحصلون على التمويل، والضباط ينتقل بعضهم بعد الخدمة إلى شركات الدفاع، فيما تقدم مراكز التفكير دراساتٍ قد تتأثر بدرجاتٍ مختلفة بمصادر الدعم. لا يعني هذا أن السلاح غير ضروري أو أن كل خبيرٍ تابعٌ لمن يموله. إنما يعني أن السياسة الخارجية لا تُصاغ في فراغٍ محايد، وأن هناك مؤسساتٍ تكسب من تعريف العالم بوصفه أكثر خطرًا، ومن اعتبار كل تهديدٍ محتمل برنامج تسليحٍ عاجلًا. وقد بلغت التزامات الحكومة الاتحادية عبر العقود في السنة المالية 2025 نحو 793 مليار دولار، موزعةً بين الوكالات المدنية والدفاعية؛ وهو حجمٌ يوضح مقدار تشابك الإنفاق العام بالقطاع الخاص، من غير أن يكون كله عسكريًّا بالطبع.

وتعمل شركات التقنية بوصفها مجمعًا جديدًا للقوة؛ تدير السحابة والبيانات والذكاء الاصطناعي والاتصالات، وتدخل خدماتها في الأمن والحرب والإدارة المدنية. وقد صار الفصل بين الشركة الخاصة والجهاز السيادي أقل وضوحًا؛ فالدولة تحتاج إلى المنصة والخوارزمية، والشركة تحتاج إلى العقود والحماية والأسواق التي تفتحها القوة الوطنية. لكن هذه الشركات لا تقدم أداةً فقط؛ تملك قدرةً على ترتيب ما يراه المواطن والعالم. وحين يجتمع الاحتكار التقني بالنفوذ السياسي والعقود الأمنية، تصبح المنصة بنيةً تحتيةً للسيادة من غير أن تخضع دائمًا للمحاسبة التي تخضع لها المؤسسة العامة. وقد هبطت الثقة الأمريكية في شركات التقنية الكبرى إلى عشرين في المئة في عام 2026، فيما قال 41 في المئة إن ثقتهم بها قليلةٌ جدًا أو معدومة؛ وهي علامةٌ على أن المجتمع بدأ يرى في القوة الرقمية مصدرًا للقلق بقدر ما يراها مصدرًا للابتكار.

والقطاع المالي بدوره لا يحرك الاقتصاد وحده؛ يؤثر في العقوبات، والدَّين، والسياسة النقدية، وطبيعة العلاقة بين الدولة والأسواق. وشركات الطاقة ترتبط بالتحالفات والحروب والممرات والعقوبات. أما جماعات الضغط الخارجية فتسعى إلى جعل مصالح دولٍ أو جهاتٍ أخرى جزءًا من تعريف المصلحة الأمريكية، مستفيدةً من نظامٍ قانوني يسمح بالتأثير المنظم، لكنه لا يضمن تكافؤ الوصول بين جميع المتضررين من القرار. ولا تعني الإشارة إلى هذه الشبكات أن الدولة فقدت استقلالها كله، بل أن القرار نتيجة تفاعلٍ بين المصلحة العامة ومصالح قادرةٍ على تقديم نفسها بوصفها مصلحةً عامة. وقد تتحول الإمبراطورية إلى وسيلةٍ لإعادة توزيع المال العام نحو النخب حين تُخصخص الأرباح وتُعمم المخاطر؛ تكسب الشركة من العقد والحرب، بينما يتحمل المواطن الدَّين، ويتحمل المجتمع البعيد الدمار، ويُطلب من الجميع أن يروا في النتيجة خدمةً للأمن القومي.

“تتحول الإمبراطورية إلى وسيلة لإعادة توزيع المال العام نحو النخب حين تُخصخص الأرباح وتُعمم المخاطر.”

وقد عرفت الإمبراطوريات هذه العلاقة بين العطب المالي والمجد الخارجي. تدفقت الفضة إلى إسبانيا الإمبراطورية ووسعت قدرتها على تمويل الحروب، لكنها ارتبطت بالتضخم وباعتمادٍ لم يكن بديلًا مستدامًا عن القاعدة الإنتاجية. ولم تكن أزمة فرنسا قبيل الثورة نقصًا في الأرض أو السكان، بل أزمة مالية وشرعية عجزت الدولة عن إصلاحها لأن توزيع الأعباء كان يمس امتيازات طبقاتٍ قوية. وواجهت الدولة العثمانية ضغوط الحرب والجباية والدَّين والإصلاح، وانتهت بعض مراحل ضعفها المالي إلى تعاظم الرقابة الأجنبية على مواردها. أما بريطانيا فلم تختفِ، لكنها عاشت تراجعًا نسبيًّا حين لم يعد تفوقها الصناعي القديم متناسبًا مع كلفة المجال الإمبراطوري.

ولا تسير الولايات المتحدة حتمًا في الطريق نفسه؛ فالتاريخ يقدم أنماطًا لا نسخًا متطابقة. وهي تملك عناصر مضادةً للأفول لا يجوز أن يحجبها النقد. نظامها الاتحادي يوزع مراكز القوة، وقد يسمح للولايات والمدن والمؤسسات بابتكار حلولٍ حين يعجز المركز. ومجتمعها المدني وقضاؤها وصحافتها، رغم الأزمات، لا تزال تملك أدواتٍ لمقاومة التمركز وكشف الانتهاكات.

وتحتفظ الولايات المتحدة بقدرةٍ استثنائية على الابتكار. خلص تقرير مجلس العلوم الوطني لعام 2026 إلى أنها ما تزال من أكثر الاقتصادات كثافةً في البحث والتطوير، وأن أبحاثها وبراءات مخترعيها من الأعلى عالميًّا في التأثير، وأنها تتمتع بمزايا قويةٍ في الاستثمار المدعوم برأس المال المغامر والخدمات التقنية والمعرفية. كما يظل نظام جامعاتها جاذبًا للكفاءات، وقد حصل حاملو التأشيرات المؤقتة في عام 2024 على أكثر من نصف شهادات الدكتوراه الأمريكية في عدة مجالاتٍ علمية وتقنية رئيسية، ويبقى معظمهم بعد التخرج مساهمين في قوة العمل العلمية. وهذه القدرة على اجتذاب الإنسان أحد أهم الفروق بين أمريكا وقوى مغلقةٍ سبقتها. فالإمبراطورية التي تستورد العقول تستطيع تجديد ذاتها من طاقات العالم، بشرط ألا يتحول الخوف السياسي إلى جدارٍ يطرد من تحتاج إليهم. والهجرة ليست فضيلةً آلية؛ تحتاج إلى إدارةٍ وعدالة واندماج، لكنها ظلت مصدرًا لتجدد المجتمع والاقتصاد الأمريكيين عبر أجيال.

كما تملك الدولة ثروةً طبيعيةً وسوقًا داخليةً عميقة، ومؤسساتٍ مالية واسعة، وثقافة مبادرةٍ تستطيع تحويل الفشل إلى مشروعٍ جديد. وقد أثبت تاريخها قدرةً على الإصلاح بعد أزماتٍ شديدة؛ من إعادة بناء الاتحاد بعد الحرب الأهلية، إلى إصلاحات العصر التقدمي، إلى الصفقة الجديدة، إلى حركة الحقوق المدنية. لم تكن الإصلاحات كاملةً ولا خطية، لكنها تثبت أن النظام ليس مغلقًا بإحكام.

ولهذا ينبغي التمييز بين الأزمة والانحلال. الأزمة تعني أن المؤسسات تعمل على نحوٍ ضعيف أو متحيز، لكنها ما تزال تملك قدرةً على التصحيح. أما الانحلال فيبدأ حين تتوقف القواعد الأساسية عن العمل، ولا يعود أحدٌ قادرًا على فرضها أو راغبًا في الاعتراف بها. السؤال ليس مقدار الغضب وحده، بل هل ما تزال الانتخابات قادرةً على نقل السلطة؟ وهل تُنفذ الأحكام القضائية حتى حين تزعج الحكومة؟ وهل تبقى الإدارة المهنية قادرةً على العمل عبر تغير الأحزاب؟ وهل تجمع الدولة الضرائب وتدير خدماتها؟ وهل يحافظ الجيش على طابعه المؤسسي وابتعاده عن الصراع الحزبي؟ وهل يمكن تمرير إصلاحاتٍ فعلية، ولو بصعوبة؟

“يبدأ أفول الإمبراطورية من الداخل حين يصبح المواطن مطالبًا بتمويل نظام عالمي لا يرى انعكاس عظمته في حياته.”

كما ينبغي مراقبة مقدار العنف السياسي؛ أهو هامشيٌّ تدينه الأغلبية وتعاقبه المؤسسات، أم أخذ يصبح أداةً طبيعيةً في المنافسة؟ وهل تتجدد النخب بدخول قوى اجتماعية جديدة، أم تتحول المناصب إلى دائرةٍ مغلقةٍ بين المال والحكومة والشركات؟ وهل يستطيع النظام الاعتراف بخطئه، أم أصبح كل اعترافٍ تهديدًا لهيبته؟ وفق هذه المعايير، لا تبدو الولايات المتحدة دولةً منحلةً أو عاجزةً عن العمل، لكنها تعاني أزمةً عميقة في الثقة والتوزيع والاستمرارية. والخطر ليس سقوطًا قريبًا محتومًا، بل أن تتراكم القيود حتى تصبح كل أزمةٍ جديدةٍ أقل قابليةً للعلاج من سابقتها، ويصبح الإصلاح المطلوب أكبر من قدرة النظام على الاتفاق عليه.

يمكن لأمريكا أن تقلص التفاوت من غير قتل المبادرة، وأن تضبط المال السياسي من غير إلغاء حرية التنظيم، وأن تعيد بناء الصناعة من غير الانغلاق عن العالم، وأن تراجع انتشارها الخارجي من غير التخلي عن أمنها وحلفائها. ويمكنها أن تجعل التقنية منفعةً اجتماعية لا احتكارًا، وأن تحول الهجرة إلى مصدر قوةٍ منظم، وأن تعيد وصل الجامعة والمدرسة والمختبر بحياة المواطن. لكن الإصلاح يحتاج إلى نخبٍ تقبل دفع ثمنه، وإلى مجتمعٍ يدرك أن العظمة الخارجية لا تعوض التآكل الداخلي. فالإمبراطورية تستطيع أن تؤجل الإصلاح بتوزيع الخوف والمجد، وأن تقول للمواطن إن السؤال عن المدرسة والطريق والتأمين ترفٌ أمام خطر العالم. غير أن العالم لن يحمل الدولة إذا انهار مجتمعها؛ والسفينة التي تملك مدافع بعيدة المدى لا تنجو إذا أخذ الماء يدخل من قاعها.

يبدأ أفول الإمبراطورية من الداخل حين يصبح المواطن مطالبًا بتمويل نظامٍ عالمي لا يرى انعكاس عظمته في حياته، ولا يثق بالمؤسسات التي تديره، ولا يعتقد أن الثروة والتضحية موزعتان بعدل. عندها لا يرفض الإمبراطورية لأنه تحول إلى داعية عزلةٍ بالضرورة، بل لأنه يشعر أن التاج يزداد لمعانًا فيما يثقل الرأس الذي يحمله. وقد يبقى التاج زمنًا بعد ذلك، تحرسه الجيوش والعملات والتحالفات، لكن الدولة تبدأ بخسارة المورد الذي لا تصنعه المطابع ولا المصانع؛ استعداد المجتمع لأن يرى قوة بلاده قوةً له، لا قوةً قائمةً فوقه وعلى حسابه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى