الدولة بين الحقيقة والأسطورة
كيف يتم الخداع بحيث تتحول الوسيلة إلى غاية والغاية إلى وسيلة
تبدأُ المفارقةُ الكبرى في الوعيِ السياسيِّ الحديثِ من حقيقةٍ يكادُ يتفقُ عليها معظمُ التنظيرِ الفلسفيِّ والقانونيِّ: أنَّ الدولةَ لم توجدْ ابتداءً لكي تُعبَدَ، ولا لكي تتحولَ إلى كيانٍ فوقَ الإنسانِ، ولا لكي يصبحَ المواطنُ مادةً خامًا في آلةٍ ضخمةٍ تطلبُ منه الصمتَ والامتثالَ والتضحيةَ الدائمةَ، بل وُجدتْ، في أصلِ معناها، لكي تحميَ الإنسانَ من فوضى القوةِ، وتصونُ حقوقَهُ من عدوانِ الأفرادِ والجماعاتِ، وتنظمَ مصالحَهُ المتشابكةَ، وتمنحَهُ إطارًا عامًا يستطيعُ داخلَهُ أن يعيشَ بقدرٍ من الأمنِ والعدلِ والاستقرارِ. غيرَ أنَّ الخطابَ السياسيَّ السائدَ في كثيرٍ من البيئاتِ يقلبُ هذه الحقيقةَ رأسًا على عقبٍ، فيجعلُ الدولةَ، وهي الوسيلةُ، غايةً عليا، ويجعلُ المواطنَ، وهو الأصلُ الذي من أجلِهِ نشأتِ الدولةُ، تابعًا صغيرًا يدورُ في فلكِها، ويُطلبُ منه أن يتألمَ باسمِها، وأن يصمتَ باسمِها، وأن يتنازلَ عن حقِّهِ باسمِها، وأن يدفعَ الثمنَ باسمِها، وأن يرى في كلِّ مطالبةٍ بالكرامةِ أو المساءلةِ أو العدالةِ نوعًا من الأنانيةِ أو ضعفِ الولاءِ أو سوءِ الفهمِ لمعنى المصلحةِ العامةِ.
“الدولةُ لم توجدْ ابتداءً لكي تُعبَدَ، ولا لكي تتحولَ إلى كيانٍ فوقَ الإنسانِ، بل وُجدتْ لكي تحميَ الإنسانَ من فوضى القوةِ، وتصونُ حقوقَهُ من عدوانِ الأفرادِ والجماعاتِ.”
وهنا لا نكونُ أمامَ اختلافٍ بسيطٍ في ترتيبِ الأولوياتِ، بل أمامَ انقلابٍ فلسفيِّ كاملٍ في معنى العقدِ السياسيِّ. فالدولةُ، حين تنشأُ في صورتِها الرشيدةِ، ليستْ سيدًا يبحثُ عن رعايا، بل أداةٌ كبرى يتوافقُ الناسُ على إنشائها لأنَّهم لا يستطيعون، أفرادًا متناثرينَ، حمايةَ وجودِهِمُ المشتركِ من الفوضى والعدوانِ والتنازعِ. الإنسانُ هو السابقُ في المعنى، والدولةُ لاحقةٌ عليه. حاجتُهُ إلى الأمنِ سبقتْ جهازَ الأمنِ، وحاجتُهُ إلى العدلِ سبقتِ المحكمةَ، وحاجتُهُ إلى تنظيمِ المصالحِ سبقتِ الإدارةَ، وحاجتُهُ إلى صيانةِ الحقوقِ سبقتِ النصوصَ والقوانينَ. وما الدولةُ، في جوهرِها، إلا صياغةٌ مؤسسيةٌ لهذه الحاجاتِ الإنسانيةِ الأولى. فإذا نُزعتْ هذه الحاجاتُ من قلبِ الدولةِ، أو صارتِ الدولةُ تطلبُ من الإنسانِ أن يتنازلَ عنها حفاظًا على صورتِها، فقدْ فقدتْ علَّتَها الأخلاقيةَ، وصارتْ جسدًا إداريًا ضخماً يتحركُ بلا روحٍ.
لم تنشأِ الدولةُ لأنَّ الناسَ احتاجوا إلى كيانٍ مقدسٍ يطوفون حولَ هيبتِهِ، بل لأنَّهم احتاجوا إلى سقفٍ يمنعُ سقوطَ بعضِهِمْ على بعضٍ. لم تنشأْ لأنَّ الإنسانَ ناقصُ القيمةِ حتى تكتملَ قيمتُهُ بالذوبانِ فيها، بل لأنَّهُ عظيمُ القيمةِ إلى الحدِّ الذي احتاجَ معهُ إلى نظامٍ يحمي هذه القيمةَ من الافتراسِ. فالإنسانُ في الطبيعةِ العاريةِ مكشوفٌ أمامَ بطشِ الأقوى، وتقلبِ المصالحِ، وصراعِ الأهواءِ، وتغولِ العصبياتِ. وحين أدركُ أنَّ الحريةَ بلا قانونٍ قد تنقلبُ إلى فوضى، وأنَّ القوةَ بلا عدلٍ قد تتحولُ إلى شريعةِ غابةٍ، وأنَّ المصالحَ بلا تنظيمٍ قد تنتهي إلى احترابٍ دائمٍ، اخترعَ الدولةَ لا ليخضعَ لها كإلهٍ، بل ليقيمَ بها حدًا بين الحقِّ والعدوانِ، وبين الحريةِ والفوضى، وبين السلطةِ والخوفِ، وبين المصلحةِ الخاصةِ والخيرِ العامِّ.
“حمايةُ الحقوقِ ليستْ منحةً تتصدقُ بها الدولةُ على مواطنيها حين ترضى، بل هي أصلُ شرعيتِها ومقياسُ وظيفتِها؛ فالأمنُ هو أمنُ الإنسانِ في كرامتِهِ، وليسَ أمنَ المباني والشعاراتِ.”
ولهذا فإنَّ الأمنَ الذي تبررُ الدولةُ به وجودَها ليس أمنَ المباني والمؤسساتِ والشعاراتِ، بل أمنَ الإنسانِ في بيتِهِ وشارعِهِ وعملِهِ وكرامتِهِ. والعدالةُ التي تمنحُ الدولةَ معناها ليستْ ترتيبًا شكليًا في المحاكمِ، بل قدرةَ الضعيفِ على أن ينتصفَ من القويِّ، وقدرةَ المواطنِ العاديِّ على أن يقفَ أمامَ صاحبِ المنصبِ أو المالِ أو النفوذِ وهو مطمئنٌّ إلى أنَّ القانونَ لا يبيعُهُ عندَ أولِ اختبارٍ. والاستقرارُ الذي تدّعيهِ الدولةُ ليس سكونًا قسريًا يخنقُ الأصواتَ، بل طمأنينةٌ عامةٌ تنشأُ من شعورِ الناسِ بأنَّ حقوقَهُمْ مصونةٌ، وأنَّ الأخطاءَ قابلةٌ للتصحيحِ، وأنَّ السلطةَ ليستْ قدرًا مغلقًا، وأنَّ المؤسساتِ ليستْ جدرانًا صمّاءَ. وحمايةُ الحقوقِ ليستْ منحةً تتصدقُ بها الدولةُ على مواطنيها حين ترضى، بل هي أصلُ شرعيتِها ومقياسُ وظيفتِها، لأنَّ الدولةَ التي لا تحمي حقَّ الإنسانِ لا تستطيعُ أن تطلبَ منه بعدَ ذلك أن يقدسَها باسمِ النظامِ.
غيرَ أنَّ الانقلابَ المفاهيميَّ يبدأُ عندما تنسى الوسيلةُ أنَّها وسيلةٌ، أو عندما يُرادُ لها أن تنسى. تبدأُ الدولةُ، أو منْ يتحدثون باسمِها، في إعادةِ ترتيبِ المعنى بحيثُ يصبحُ بقاؤُها وهيبتُها وصورتُها ومكانتُها مقدمةً على الإنسانِ نفسِهِ. يتحولُ السؤالُ من: كيفَ تخدمُ الدولةُ المواطنَ؟ إلى: كيفَ يُثبتُ المواطنُ أنَّهُ مفيدٌ للدولةِ؟ ومن: كيفَ تصونُ المؤسساتُ كرامةَ الناسِ؟ إلى: كيفَ يحفظُ الناسُ هيبةَ المؤسساتِ؟ ومن: ما الذي ينبغي على الدولةِ أن تقدمَهُ حتى تستحقَّ الثقةَ؟ إلى: ما الذي ينبغي على المواطنِ أن يقدمَهُ حتى لا يُتَّهَمَ بالتقصيرِ؟ ومعَ الوقتِ، يصبحُ الإنسانُ مقاسًا بما يضحي به لا بما يُصانُ له، وبما يصمتُ عنه لا بما يطالبُ به، وبما يحتملُهُ لا بما يستحقُّهُ.
هذا التحولُ لا يقعُ بالقوةِ وحدَها، بل يقعُ غالبًا عبرَ خطابٍ متدرجٍ مراوغٍ يعرفُ كيفَ يزحفُ إلى الوعيِ دونَ أن يصدمَهُ دفعةً واحدةً. لا يبدأُ الأمرُ عادةً بالقولِ الفجِّ: إنَّ حقوقَ المواطنِ لا قيمةَ لها. بل يبدأُ بعباراتٍ كبرى لها رنينٌ نبيلٌ: مصلحةُ الدولةِ فوقَ كلِّ شيءٍ، هيبةُ الدولةِ، أمنُ الدولةِ، سمعةُ الدولةِ، مكانةُ الدولةِ، ضروراتُ المرحلةِ، حساسيةُ الظرفِ، مقتضياتُ الاستقرارِ. وكلُّ عبارةٍ من هذه العباراتِ قد تحملُ معنًى مشروعًا في موضعِهِ، لكنَّ الخطرَ يبدأُ حين تتحولُ إلى مفاتيحَ عامةٍ لإغلاقِ كلِّ بابٍ، وإلى عناوينَ عريضةٍ تُعَلَّقُ عليها كلُّ القراراتِ دونَ تفصيلٍ ولا مساءلةٍ. فالمشكلةُ ليستْ في أن تكونَ للدولةِ مصلحةٌ، ولا في أن تكونَ لها هيبةٌ، ولا في أن تكونَ لها أمنٌ وسمعةٌ ومكانةٌ، بل في أن تتحولَ هذه المفاهيمُ إلى أصنامٍ لفظيةٍ يُطلَبُ من المواطنِ أن ينحنيَ أمامَها قبلَ أن يسألَ: مَنْ يحددُ هذه المصلحةَ؟ ومَنْ ينتفعُ بها؟ ومَنْ يدفعُ ثمنَها؟ وهل هي حقًا مصلحةُ الدولةِ بوصفِها إطارًا لخدمةِ المجتمعِ، أمْ مصلحةُ سلطةٍ أو نخبةٍ أو جهازٍ أو fئةٍ تتخفى في ثوبِ الدولةِ؟
“تتحولُ اللغةُ من أداةٍ لوصفِ الواقعِ إلى أداةٍ لتغييرِ قدرةِ الناسِ على تسميتِهِ؛ فالظلمُ لا يعودُ ظلمًا بل ضرورةً، والتضييقُ لا يعودُ تضييقًا بل تنظيمًا، والسكوتُ لا يعودُ خوفًا بل مسؤوليةً.”
حين تتكررُ هذه المصطلحاتُ بما يكفي، يتولدُ في الوعيِ العامِّ نوعٌ من الاستسلامِ اللغويِّ. يصبحُ المواطنُ مستعدًا لأن يقبلَ الأذى لأنَّهُ قيلَ له إنَّ الأذى ضروريٌّ للدولةِ، وأن يتنازلَ عن حقِّهِ لأنَّهُ قيلَ له إنَّ المطالبةَ به تضرُّ بالاستقرارِ، وأن يصمتَ عن الفسادِ لأنَّهُ قيلَ له إنَّ كشفَهُ يُسِيءُ للسمعةِ، وأن يتحملَ سياساتٍ اقتصاديةً موجعةً لأنَّهُ قيلَ له إنَّ المصلحةَ العليا تقتضي ذلكَ، وأن يرى في السؤالِ قلةَ نضجٍ، وفي الاعتراضِ تهورًا، وفي المطالبةِ بالشفافيةِ سوءَ أدبٍ سياسيٍّ. وهنا تكونُ اللغةُ قد أدتْ وظيفتَها الخطيرةَ: لم تغيرِ الواقعَ فقط، بل غيرتْ قدرةَ الناسِ على تسميتِهِ. فالظلمُ لا يعودُ ظلمًا بل ضرورةً، والتضييقُ لا يعودُ تضييقًا بل تنظيمًا، والفشلُ لا يعودُ فشلًا بل تحديًا، والسكوتُ لا يعودُ خوفًا بل مسؤوليةً.
ومنْ أعجبِ ما يفعلهُ هذا الخطابُ أنَّهُ يُكْثِرُ من الحديثِ عن واجباتِ المواطنِ حتى يكادُ يحوّلُ المواطنةَ إلى عبءٍ من طرفٍ واحدٍ، بينما يخفتُ صوتُهُ حين يأتي الحديثُ عن حقوقِ المواطنِ وكرامتِهِ ومساءلةِ السلطةِ ومسؤوليةِ الدولةِ تجاهَ المجتمعِ. تراهُ فصيحًا صارمًا حين يطلبُ من الناسِ الصبرَ، ودفعَ الضرائبِ، واحترامَ القوانينِ، وحمايةَ الصورةِ العامةِ، والتضحيةَ في الأزماتِ، والامتناعَ عن النقدِ في اللحظاتِ الحساسةِ، لكنَّهُ يصبحُ حذرًا غامضًا حين يسألُ الناسُ عن حقِّهِمْ في تعليمٍ جيدٍ، وصحةٍ كريمةٍ، وقضاءٍ عادلٍ، وإدارةٍ نزيهةٍ، ومالٍ عامٍّ مصونٍ، وشفافيةٍ في القرارِ، ومحاسبةٍ لمنْ أخطأَ أو أفسدَ أو أهدرَ. وكأنَّ العقدَ الاجتماعيَّ قدْ تحوّلَ إلى عقدِ إذعانٍ؛ طرفٌ يطلبُ ويُلزمُ ويُحاسبُ، وطرفٌ يدفعُ ويصمتُ ويتحمّلُ.
وهذهِ هي اللحظةُ التي يصبحُ فيها المواطنُ وسيلةً لا غايةً. يصبحُ وسيلةً لتمويلِ السياساتِ من خلالِ الضرائبِ والرسومِ، لكنَّهُ لا يُعَامَلُ دائمًا بوصفِهِ صاحبَ حقِّ في معرفةِ كيفَ تُنْفَقُ الأموالُ. يصبحُ وسيلةً لتجميلِ الصورةِ العامةِ عبرَ الاحتفالاتِ والشعاراتِ والأرقامِ، لكنَّهُ لا يُسْمَعُ حين يتحدثُ عن واقعِهِ اليوميِّ. يصبحُ وسيلةً لدعمِ السلطةِ حين تحتاجُ إلى الالتفافِ الجماهيريِّ، لكنَّهُ يُتْرَكُ وحيدًا حين يحتاجُ إلى إنصافٍ. يصبحُ وسيلةً لتبريرِ القراراتِ؛ فإنْ نجحتْ قيلَ إنَّ الدولةَ أحسنتْ، وإنْ فشلتْ قيلَ إنَّ المواطنَ لم يصبرْ بما يكفي، أو لم يتعاونْ بما يكفي، أو لم يفهمْ مقتضياتِ المرحلةِ بما يكفي. وهكذا تتحولُ الدولةُ من مؤسسةٍ تخدمُ البشرَ إلى مؤسسةٍ تستخدمُ البشرَ، من إطارٍ لحمايةِ الإنسانِ إلى آلةٍ تستخرجُ منه المالَ والصَّمْتَ والتصفيقَ والاحتمالَ.
وليسَ هذا التحولُ قاصرًا على الأنظمةِ السلطويةِ الصريحةِ، كما قد يظنُّ بعضُهُمْ. فالاستبدادُ ليس دائمًا صراخًا عسكريًا ولا قمعًا عاريًا ولا طغيانًا فظًا. قد يتسللُ في أنظمةٍ تبدو ديمقراطيةً في ظاهرِها، حين تتحولُ الآلياتُ التمثيليةُ إلى غطاءٍ لنخبٍ لا تُسَاءَلُ بما يكفي، وحين يُطْلَبُ من المواطنينَ التضحيةُ باستمرارٍ باسمِ الاقتصادِ أو الأمنِ أو التنافسِ الدوليِّ أو حمايةِ المؤسساتِ، بينما تبقى دوائرُ القرارِ الحقيقيةُ مغلقةً أو محميةً بلغةِ الخبراءِ والضروراتِ. قد يُقَالُ في الديمقراطياتِ أيضًا إنَّ المواطنَ يجبُ أن يقبلَ إجراءاتٍ قاسيةً لأنَّ الأسواقَ تتطلبُ ذلكَ، أو لأنَّ التصنيفَ الماليَّ يفرضُهُ، أو لأنَّ الأمنَ العامَّ يستدعيهِ، أو لأنَّ مكانةَ الدولةِ الدوليةَ على المحكِّ. وقد تكونُ بعضُ هذه الحججِ صحيحةً في مواضعِها، لكنَّ المشكلةَ تبدأُ حين تتحولُ إلى لاهوتٍ إداريٍّ لا يحقُّ للناسِ مساءلتُهُ، وحين تُصْبِحُ الانتخاباتُ وحدَها كافيةً لمنحِ القرارِ حصانةً أخلاقيةً، مع أنَّ الاختيارَ الدوريَّ لا يُلْغِي حقَّ المجتمعِ في المراقبةِ المستمرةِ.
“التضحيةُ قد تكونُ نبيلةً حين تكونُ عادلةً وضروريةً ومؤقتةً وشفافةً، لكنَّها تتحولُ إلى استغلالٍ حين تصبحُ قدرًا دائمًا على فئةٍ، وامتيازًا دائمًا لفئةٍ أخرى.”
إنَّ الصيغَ الناعمةَ منْ قلبِ العلاقةِ بينَ الدولةِ والمواطنِ أخطرُ أحيانًا لأنَّها لا تأتي بوجهِ الاستبدادِ المألوفِ. إنَّها لا تقولُ للناسِ إنَّهُمْ بلا حقوقٍ، بل تقولُ لهمْ إنَّ حقوقَهُمْ مهمةٌ ولكنْ ليسَ الآنَ. لا تقولُ إنَّ المساءلةَ مرفوضةٌ، بل تقولُ إنَّ توقيتَها غيرُ مناسبٍ. لا تقولُ إنَّ النخبةَ فوقَ السؤالِ، بل تقولُ إنَّ الملفاتِ معقدةٌ ولا يفهمُها العامةُ. لا تقولُ إنَّ المواطنَ مجردُ وسيلةٍ, بل تُكْثِرُ منْ تكريمِهِ لفظيًا، ثمَّ تطلبُ منهُ عمليًا أنْ يتحملَ الكلفةَ الأكبرَ دونَ قدرةٍ حقيقيةٍ على التأثيرِ في القرارِ. وهكذا قد يتحولُ المواطنُ في النظامِ الديمقراطيِّ أيضًا إلى ممولٍ دائمٍ، وناخبٍ موسميٍّ، ومستهلكٍ للخطابِ، بينما تظلُّ السياساتُ الكبرى تُصَاغُ في مناطقَ بعيدةٍ عن يدِهِ، ثمَّ تُعَادُ إليهِ في صورةِ “مصلحةٍ عامةٍ” لا يملكُ إلا أنْ يُصَدِّقَهَا أو يُتَّهَمَ بالجهلِ والأنانيةِ.
إنَّ الخطابَ الشعبويَّ، سواءٌ جَاءَ مِنْ سُلْطَةٍ مُتَغَلِّبَةٍ أَوْ حِزْبٍ انْتِخَابِيٍّ أَوْ نُخْبَةٍ إِعْلَامِيَّةٍ، يَخْشَى سُؤَالًا بَسِيطًا أَكْثَرَ مِمَّا يَخْشَى الخُطَبَ الطَوِيلَةَ: كَيْفَ تَخْدُمُ هَذِهِ المَصْلَحَةُ المُوَاطِنِينَ الَّذِينَ وُجِدَتِ الدَوْلَةُ أَصْلًا لِخِدْمَتِهِمْ؟ كُلَّمَا قِيلَ إِنَّ هَذَا القَرَارَ لِمَصْلَحَةِ الدَوْلَةِ، يَجِبَ أَنْ يُطْرَحَ هَذَا السُؤَالُ. فَإِذَا قِيلَ إِنَّ الضَرَائِبَ ارْتَفَعَتْ لِمَصْلَحَةِ الدَوْلَةِ، وَجَبَ أَنْ نَسْأَلَ: كَيْفَ سَيَنْعَكِسُ ذَلِكَ عَلَى حَيَاةِ المُوَاطِنِينَ؟ هَلْ سَتَتَحَسَّنُ المَدَارِسُ والمُسْتَشْفَيَاتُ والطُرُقُ والخِدْمَاتُ؟ هَلْ سَتُدَارُ الأَمْوَالُ بِشَفَافِيَّةٍ؟ هَلْ سَيَتَحَمَّلُ أَصْحَابُ الِامْتِيَازَاتِ نَصِيبَهُمْ؟ هَلْ سُتُحَاسَبُ الإِدَارَاتُ الَّتِي تُهْدِرُ؟ أَمْ أَنَّ المُوَاطِنَ العَادِيَّ سَيَدْفَعُ فَقَطْ ثُمَّ يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَفْرَحَ لِأَنَّهُ سَاهَمَ فِي “مَصْلَحَةِ الدَوْلَةِ”؟ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ تَقْيِيدَ حُرِّيَّةٍ مَا لِمَصْلَحَةِ الدَوْلَةِ، وَجَبَ أَنْ نَسْأَلَ: هَلْ يَحْمِي ذَلِكَ النَّاسَ مِنْ خَطَرٍ مُحَدَّدٍ؟ مَا حُدُودُهُ؟ مَنْ يُرَاقِبُهُ؟ هَلْ هُنَاكَ قَضَاءٌ مُسْتَقِلٌّ يَضْمَنُ أَلَّا يَتَحَوَّلَ الِاسْتِثْنَاءُ إِلَى قَاعِدَةٍ؟ أَمْ أَنَّنَا أَمَامَ تَوْسِيعٍ جَدِيدٍ لِسُلْطَةِ الجِهَازِ بِاسْمِ الأَمْنِ؟
وَإِذَا قِيلَ إِنَّ الصَّمْتَ مَطْلُوبٌ لِحِمَايَةِ سُمْعَةِ الدَوْلَةِ، وَجَبَ أَنْ نَسْأَلَ: هَلْ تُحْمَى السُّمْعَةُ بِإِخْفَاءِ العُيُوبِ أَمْ بِإِصْلَاحِهَا؟ هَلْ يُسِيءُ للدَوْلَةِ مَنْ يَكْشِفُ الفَسَادَ، أَمْ مَنْ يُمَارِسُهُ؟ هَلْ يَضُرُّ بِالمَكَانَةِ مَنْ يُطَالِبُ بِتَحْسِينِ الأَدَاءِ، أَمْ مَنْ يَتْرُكُ الأَدَاءَ يَتَدَهْوَرُ ثُمَّ يَمْنَعُ النَّاسَ مِنَ الكَلَامِ؟ إنَّ الدولةَ التي تخافُ على سمعتِها من الحقيقةِ لا تحمي سمعتَها بل تؤجلُ انهيارَها. فالسمعةُ ليستْ قشرةً إعلاميةً، بل نتيجةٌ تراكميةٌ للعدلِ والكفاءةِ والشفافيةِ. وما من دولةٍ تُهانُ لأنَّها عرفتْ خطأها وأصلحتْهُ، وإنَّما تهانُ حين تفرضُ على الناسِ أن يسمّوا الخطأَ صوابًا، والعجزَ إنجازًا، والفسادَ استثناءً عابرًا لا يحقُّ لأحدٍ أن يراهُ.
إنَّ السؤالَ عن مصلحةِ المواطنِ ليسَ سؤالًا أنانيًا، بل هو عودةٌ إلى أصلِ الفكرةِ. فالدولةُ لم توجدْ من أجلِ الدولةِ، بل من أجلِ المجتمعِ. والمجتمعُ ليس لفظًا مجردًا فوقَ الناسِ، بل هو مجموعُ البشرِ الذين يعيشونَ ويتعبونَ ويدفعونَ ويأملونَ ويخافونَ ويحتاجونَ إلى عدلٍ يحميهِمْ. فإذا قيلَ إنَّ مصلحةَ الدولةِ تقتضي التضحيةَ، فليكنِ السؤالُ: هل التضحيةُ موزعةٌ بعدلٍ؟ هل لها غايةٌ واضحةٌ؟ هل لها أمدٌ محددٌ؟ هل تُرَاجَعُ نتائجُها؟ هل من يطلبُها يشاركُ فيها؟ هل هي تضحيةٌ لإنقاذِ المجتمعِ أم لتغطيةِ فشلِ من لا يُحاسبُ؟ فالتضحيةُ قد تكونُ نبيلةً حين تكونُ عادلةً وضروريةً ومؤقتةً وشفافةً، لكنَّها تتحولُ إلى استغلالٍ حين تصبحُ قدرًا دائمًا على فئةٍ، وامتيازًا دائمًا لفئةٍ أخرى.
وهنا يتضحُ أنَّ المشكلةَ ليست في احترامِ الدولةِ، ولا في الدفاعِ عنها، ولا في التضحيةِ من أجلِها عند الحاجةِ الحقيقيةِ. فالدولةُ ضرورةٌ، والدفاعُ عن كيانِها واجبٌ حين يتهددُهُ خطرٌ فعليٌّ، والتضحيةُ جزءٌ من معنى العيشِ المشتركِ عندما تكون الجماعةُ كلُّها أمامَ امتحانٍ حقيقيٍّ. لكنَّ المشكلةَ تبدأُ حين تتحولُ هذه المعاني النبيلةُ إلى أدواتِ ابتزازٍ دائمةٍ؛ حين يُطلبُ من المواطنِ أن يضحيَ في كلِّ ظرفٍ، وأن يصمتَ في كلِّ أزمةٍ، وأن يتنازلَ في كلِّ مرحلةٍ، وأن يصدقَ في كلِّ مرةٍ، بينما لا يرى مقابلَ ذلك التزامًا موازيًا من الدولةِ بحقِّهِ، ولا من السلطةِ بمساءلةِ نفسِها، ولا من النخبِ بتحملِ نصيبِها من الكلفةِ. هنا لا نكونُ أمامَ وطنيةٍ ولا دولةٍ رشيدةٍ، بل أمامَ معادلةٍ مختلةٍ تجعلُ الإنسانَ وقودًا لآلةٍ لا تعترفُ له إلا بقدرِ ما يخدمُ دورانَها.
والحقُّ أنَّ الدولةَ التي تعيدُ ترتيبَ العلاقةِ على أساسِ الغايةِ والوسيلةِ لا تضعفُ بذلكَ، بل تقوى. فالدولةُ التي تقولُ لمواطنيها: أنتم غايتُنا، وكرامتُكم معيارُنا، وحقوقُكم ليست منّةً، ومساءلتُكم لنا ليست خيانةً، وقوتُنا لا معنى لها إن لم تحمِكُم، هي دولةٌ تؤسسُ ولاءً أعمقَ من الخوفِ. أما الدولةُ التي تطلبُ من الناسِ أن يصغروا أمامَها، وأن يحبّوا آلتَها أكثرَ من حياتِهم، وأن يخافوا على هيبتِها أكثرَ مما يخافونَ على كرامتِهم، فإنَّها قد تجمعُ حولَها صمتًا واسعًا، لكنَّها لا تصنعُ ثقةً حقيقيةً. والصَّمْتُ ليس استقرارًا، كما أنَّ الخوفَ ليس ولاءً، وكثرةُ التضحياتِ المفروضةِ ليست دليلَ حبٍّ، بل قد تكونُ علامةً على أنَّ العقدَ اختلَّ حتى صارَ طرفٌ واحدٌ يكتبُ الشروطَ ويقبضُ الثَّمَنَ.
إنَّ كرامةَ المواطنِ ليست عقبةً أمامَ قوةِ الدولةِ، بل مصدرُ هذه القوةِ. المواطنُ الذي يشعرُ أنَّ الدولةَ تحميهِ يدافعُ عنها عند الخطرِ، أما المواطنُ الذي يشعرُ أنَّها تستعملُهُ فقد يطيعُها في الظاهرِ ويفرغُ منها في الباطنِ. المواطنُ الذي يرى القانونَ عادلاً يحترمُهُ حتى حين لا يراقبُهُ أحدٌ، أما الذي يرى القانونَ سيفًا انتقائيًا فإنَّهُ يتعاملُ معهُ كعقبةٍ لا كمرجعيةٍ. المواطنُ الذي يثقُ أنَّ صوتَهُ مسموعٌ قد يصبرُ على القرارِ الصعبِ لأنَّهُ يفهمُ ضرورتَهُ، أما الذي يُطلبُ منه الصبرُ دون شرحٍ ولا شفافيةٍ ولا محاسبةٍ، فإنَّ صبرَهُ يتحولُ إلى مرارةٍ مكتومةٍ. لا تبنى الدولُ العظيمةُ بمواطنينَ مكسورينَ، ولا تُحمى المؤسساتُ بقلوبٍ ممتلئةٍ بالإهانةِ، ولا يصيرُ الإنسانُ شريكًا في المصيرِ إذا عُومِلَ كأداةٍ في خدمةِ الصورةِ.
ولذلك فإنَّ قلبَ المعادلةِ يبدأُ من تحريرِ اللغةِ نفسِها. يجبُ أن يعودَ معنى “مصلحةِ الدولةِ” إلى السؤالِ عن مصلحةِ الناسِ، ومعنى “هيبةِ الدولةِ” إلى نزاهةِ القانونِ لا خوفِ المواطنِ، ومعنى “أمنِ الدولةِ” إلى أمنِ المجتمعِ لا أمنِ السلطةِ من النقدِ، ومعنى “سمعةِ الدولةِ” إلى جودةِ الواقعِ لا براعةِ التجميلِ، ومعنى “مكانةِ الدولةِ” إلى احترامِها لكرامةِ الإنسانِ لا إلى قدرتِها على إسكاتِ الشكوى. وحين تستعيدُ الكلماتُ حقيقتَها, تستعيدُ السياسةُ شيئًا من عافيتِها. أما حين تبقى الكلماتُ غائمةً، فإنَّها تتحولُ إلى عباءاتٍ واسعةٍ لكلِّ من يريدُ أن يمررَ تحتَها ما لا يستطيعُ الدفاعَ عنهُ في ضوءِ العقلِ.
ولا بدَّ كذلك من إعادةِ بناءِ العقدِ الاجتماعيِّ في الوعيِ لا في النصوصِ وحدَها. العقدُ الحقيقيُّ ليس قائمةَ واجباتٍ على المواطنِ، ولا قائمةَ صلاحياتٍ للدولةِ، بل توازنٌ متبادلٌ بينَ الحقِّ والواجبِ، والحمايةِ والالتزامِ، والسلطةِ والمساءلةِ. المواطنُ يدفعُ، لكن من حقِّهِ أن يعرفَ كيفَ يُدَارُ ما يدفعُهُ. يلتزمُ بالقانونِ، لكن من حقِّهِ أن يرى القانونَ عادلاً على الجميعِ. يضحي في الخطرِ، لكن من حقِّهِ أن يعرفَ أنَّ التضحيةَ ليست غطاءً لامتيازاتِ الآخرينَ. يحترمُ المؤسساتِ، لكن من حقِّهِ أن يطالبَ بإصلاحِها. يصونُ الدولة..، لكن من حقِّهِ أن يمنعَ اختزالَها في سلطةٍ أو نخبةٍ أو طبقةٍ أو جهازٍ. فإذا فُصِلَتِ الواجباتُ عنِ الحقوقِ، لم نعدْ أمامَ عقدٍ، بل أمامَ أمرٍ. وإذا كثرتِ التضحياتُ دونَ مساءلةٍ، لم نعدْ أمامَ مواطنةٍ، بل أمامَ تعبئةٍ. وإذا صارَ المواطنُ مطالبًا دائمًا ومحرومًا دائمًا، فإنَّ الدولةَ تكونُ قدْ نقضتContract معناهَا وهي تظنُّ أَنَّهَا تحميهِ.
إنَّ المواطنَ ليس ترسًا في آلةِ الدولةِ، ولا رقمًا في موازنتِها، ولا جمهورًا في احتفالاتِها، ولا مادةً دعائيةً في صورتِها، ولا ممولًا صامتًا لسياساتِها. المواطنُ هو سببُ وجودِ هذه الآلةِ كلِّها. من أجلِهِ تُسنُّ القوانينُ، وتُنْشَأُ المؤسساتُ، وتُجمعُ المواردُ، وتُصانُ الحدودُ، وتُبنى المدارسُ والمستشفياتُ، وتُدارُ الإداراتُ، وتُحمى الطرقُ، وتُحرسُ الحقوقُ. فإذا غابَ هذا المعنى، تحولتِ الدولةُ إلى إدارةٍ ضخمةٍ للإنسانِ لا إلى خدمةٍ لهُ؛ تحصي عليهِ أنفاسَهُ، وتطالبُهُ بواجباتِهِ، وتستدعيهِ للتضحيةِ، لكنَّها تنسى أن تسألهُ: هل أنصفتُكَ؟ هل حميتُكَ؟ هل جعلتُ حياتَكَ أكثرَ كرامةً؟ هل كنتُ لَكَ جسرًا إلى الأمانِ أم عبئًا إضافيًا فوقَ أعبائكَ؟
ومن هنا فإنَّ ذروةَ المقالةِ كلِّها تكمنُ في سؤالٍ واحدٍ ينبغي أن يصاحبَ كلَّ خطابٍ سياسيٍّ يرفعُ رايةَ الدولةِ: كيفَ يعودُ هذا على المواطنِ الذي وُجِدَتِ الدولةُ من أجلِهِ؟ ليس كلُّ ما يفيدُ جهازًا يفيدُ الدولةَ بمعناها الأخلاقيِّ. وليس كلُّ ما يحمي سلطةً يحمي المجتمعَ. وليس كلُّ ما يحسنُ الصورةَ يحسنُ الحقيقةَ. وليس كلُّ ما يفرضُ الصَّمْتَ يصنعُ الاستقرارَ. وليس كلُّ ما يجمعُ المالُ يبني التنميةَ. وليس كلُّ ما يُقَالُ عنهُ مصلحةٌ عامةٌ يكونُ كذلكَ. الميزانُ النهائيُّ هو الإنسانُ: أمنُهُ، كرامتُهُ، حقوقُهُ، حريتُهُ المسؤولةُ، قدرتُهُ على العيشِ الكريمِ، وثقتُهُ بأنَّ السلطةَ التي يخضعُ لها لا تستعملُ خضوعَهُ ضدَّهُ.
إنَّ المقالةَ، في جوهرِها، لَا تدعو إلى إضعافِ الدولةِ، بل إلى إنقاذِها من انقلابِها على وظيفتِها. لا تدعو إلى أنانيةٍ فرديةٍ ترفضُ الواجباتَ، بل إلى عقدٍ عادلٍ لا يبتلعُ الحقوقَ. لا تدعو إلى الفوضى باسمِ الحريةِ، بل إلى نظامٍ لا يجعلُ النظامَ صنمًا. لا ترفضُ التضحيةَ حِينَ تكونُ واجبةً، بل ترفضُ تحويلَ التضحيةَ إلى قدرٍ دائمٍ على المواطنِ وامتيازٍ دائمٍ لمن يطلبونَها. لا تطعنُ في معنى الدولةِ، بل تطعنُ في المتاجرةِ بهذا المعنى حين يُستخدمُ لإسكاتِ من وُجِدَتِ الدولةُ لحمايتِهمْ.
“حينَ نَستعيدُ الترتيبَ الصحيحَ، نرى المعادلةَ بوضوحٍ: الدولةُ وسيلةٌ، والإنسانُ غايةٌ؛ القانونُ وسيلةٌ، والعدلُ غايةٌ؛ المؤسساتُ وسائلُ، والكرامةُ غايةٌ.”
وحين نستعيدُ الترتيبَ الصحيحَ، نرى المعادلةَ بوضوحٍ: الدولةُ وسيلةٌ، والإنسانُ غايةٌ؛ القانونُ وسيلةٌ، والعدلُ غايةٌ؛ المؤسساتُ وسائلُ، والكرامةُ غايةٌ؛ الأمنُ وسيلةٌ، والحياةُ الإنسانيةُ الآمنةُ غايةٌ؛ السمعةُ وسيلةٌ، والحقيقةُ العادلةُ غايةٌ. وكلَّما انقلبتْ هذه المعادلةُ، بدأَ الاستبدادُ، ولو لبسَ ثوبَ النظامِ، وبدأَ الاستغلالُ، ولو تحدثَ بلغةِ المصلحةِ، وبدأَ التزييفُ، ولو احتمى بالرموزِ الكبرى. أما حين تعودُ الوسيلةُ إلى حجمِها، والغايةُ إلى مقامِها، فإنَّ الدولةَ تصبحُ أقوى لا أضعفَ، لأنَّها لا تعودُ محتاجةً إلى ابتلاعِ المواطنِ كي تثبتَ وجودَها، بل تستمدُ وجودَها من حمايتِهِ.
في نهايةِ المطافِ، لا تُقاسُ عظمةُ الدولةِ بما تطلبُهُ من الإنسانِ، بل بما تحفظُهُ لهُ. لا تُقاسُ بهيبةِ المسؤولِ، بل بقدرةِ المواطنِ الضعيفِ على أن ينالَ حقَّهُ. لا تُقاسُ بكثرةِ الشعاراتِ، بل بنظافةِ المؤسساتِ. لا تُقاسُ بطولِ الصَّمْتِ، بل بجودةِ العدلِ. ولا تُقاسُ بمدى استعدادِ الناسِ للتنازلِ، بل بمدى شعورِهم أنَّهم ليسوا مضطرينَ إلى التنازلِ عن كرامتِهم كي يُحسبوا صالحينَ. فحين يتحولُ المواطنُ من صاحبِ الحقِّ الأصيلِ إلى أداةٍ في خدمةِ كيانٍ يُقَدَّمُ لهُ باعتبارِهِ أعلى من الإنسانِ، تكونُ الدولةُ قدْ فقدتْ روحَها وإن بقيتْ مبانيها وقوانينها وأعلامها. أما الدولةُ التي تذكرُ دائمًا أنَّها وُجِدَتْ من أجلِ الإنسانِ، فإنَّها لا تحتاجُ إلى أن تطلبَ منه العبادةَ ولا الذوبانَ؛ يكفيها أن تنصفَهُ ليحترمَها، وأن تحميَهُ ليحمِيَها، وأن تجعلَهُ شريكًا في معناهَا لا قربانًا على مذبحِ صورتِها.
