الفكرتربية واجتماعمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

حدود القوة العسكرية ووهم الحسم الإمبراطوري

من سلسلة دراسة في عوامل وظواهر أفول الامبراطورية الأمريكية المعاصرة

ليس السيف شرًّا لأنه يقطع، ولا فضيلةً لأنه يحمي؛ إنما تتحدد منزلته باليد التي تحمله، والعقل الذي يختار غايته، والحد الذي يعرف عنده متى يخرج من غمده ومتى يعود إليه. قد يكون السيف آخر أبواب النجاة حين تهجم الوحوش على المدينة، وقد يصير أول أبواب الهلاك حين يفتتن صاحبه ببريقه، فيظن أن كل عقدةٍ تستحق ضربة، وأن كل خصومةٍ يمكن أن تُحسم بالنصل، وأن القدرة على فتح الطريق تعني القدرة على معرفة ما ينبغي بناؤه في نهايته.

هذه هي المفارقة التي تسكن القوة العسكرية في قلب الإمبراطوريات؛ فهي أكثر أدوات الدولة وضوحًا وحسمًا، وأشدها إغراءً بالخداع. تستطيع في ساعاتٍ أن تهدم ما احتاج المجتمع إلى عقودٍ لبنائه، وأن تزيل حكومةً، وتشتت جيشًا، وتحتل أرضًا، وتغلق ميناءً، وتقطع طريقًا. لكنها حين تبلغ حدود السياسة والمجتمع والذاكرة والشرعية، تكتشف أن ما كان يبدو مادةً صلبةً أمام الصاروخ أكثر تعقيدًا من أن يُعاد تشكيله بالقوة. فالدولة ليست ثكنةً كبيرة، والمجتمع ليس جهازًا عسكريًّا يتوقف بإسقاط قيادته. قد تُحتل العاصمة ويبقى الناس، وتُحل المؤسسة ويبقى ما كانت تضبطه من مصالح وصراعات، ويُهزم الجيش النظامي فتتحول الحرب إلى تمردٍ منتشر لا يملك مركزًا واضحًا يُجبر على الاستسلام. وقد يختفي النظام الذي عُدَّ أصل الشر، ثم يكتشف المنتصر أن ذلك النظام كان، مع ظلمه، الغطاء الذي يحبس تحته شياطين كثيرة.

وإنَّ القوة العسكرية ليست عدد الجنود أو الطائرات وحده. إنها منظومةٌ مركبة من التقنية واللوجستيات والاستخبارات والصناعة والقيادة والتحالفات والإرادة السياسية. الجيش الذي لا يستطيع نقل جنوده وإطعامهم وإصلاح معداته ليس قويًّا مهما كثرت أسلحته، والدولة التي تملك المعلومات ولا تستطيع تحويلها إلى تقديرٍ صحيح قد تجعل دقة سلاحها في خدمة خطأٍ استراتيجي، والقوة التي تنتصر في الميدان ثم تعجز عن تحديد شكل السلام لا تكون قد حسمت الحرب، بل أجلت السؤال الأصعب إلى ما بعد الدمار.

وتُقاس القوة الحقيقية بقدرتها على تحويل النجاح العسكري إلى نتيجةٍ سياسية قابلةٍ للحياة. فالنصر ليس عدد المواقع التي سقطت، بل مقدار ما حققته الحرب من الغاية التي شُنت من أجلها، وما إذا كانت تلك الغاية ما تزال تستحق الكلفة بعد انكشاف النتائج. وقد يهزم الجيشُ خصمه في كل مواجهةٍ تقريبًا، ثم يخسر الحرب لأن المجتمع الآخر لم يقبل النظام المفروض، ولأن الزمن استنزف إرادة المنتصر، ولأن الغاية السياسية ظلت تتراجع كلما ازدادت الوسائل اتساعًا. ومن هنا ينبغي التفريق بين الردع والإجبار والهزيمة والاحتلال وبناء الدولة. الردع محاولةٌ لمنع الخصم من فعل شيءٍ لم يفعله بعد، من خلال إقناعه بأن الكلفة ستكون أعلى من المنفعة. والإجبار محاولةٌ لدفعه إلى تغيير سلوكٍ بدأه أو التراجع عن قرارٍ اتخذه. والهزيمة العسكرية تعني تحطيم قدرته المنظمة على القتال. أما الاحتلال فهو السيطرة المباشرة على الأرض والسكان. ثم يأتي بناء الدولة، وهو العمل على إنشاء مؤسساتٍ تملك قدرًا من الشرعية والكفاءة والاستقلال يسمح لها بالبقاء بعد رحيل القوة الأجنبية.

“تُقاس القوة الحقيقية بقدرتها على تحويل النجاح العسكري إلى نتيجة سياسية قابلة للحياة.”

وكل مرحلةٍ من هذه المراحل أصعب من سابقتها؛ لأن الردع يعتمد على حسابات الخصم، والإجبار يحتاج إلى التأثير في إرادته، والهزيمة تحتاج إلى كسر قوته، والاحتلال يحتاج إلى إدارة حياته، أما بناء الدولة فيحتاج إلى شيءٍ لا تستطيع قوةٌ خارجية إنتاجه وحدها؛ قبول المجتمع بأن المؤسسات الجديدة تخصه، وتمثل قدرًا من توازنه الداخلي، ولا تعيش فقط بمال الأجنبي وسلاحه. غير أن الخطاب السياسي يخلط بين هذه الأهداف. تبدأ الحرب لمنع خطر، ثم تتحول إلى إسقاط نظام، ثم يُقال إن الانسحاب بعد إسقاطه سيترك فراغًا، فيصبح بناء الدولة غايةً لم تكن جزءًا واضحًا من القرار الأول. وعندما يتعثر البناء تتحول حماية الإنجاز إلى سببٍ جديد للاستمرار. وهكذا تتكاثر الغايات فوق بعضها؛ لا لأن الدولة اختارتها بوعي، بل لأن كل نتيجةٍ صنعت التزامًا يحتاج إلى التزامٍ آخر كي لا يبدو السابق عبثًا.

هنا يولد الانتصار التكتيكي الذي يحمل في جوفه هزيمةً استراتيجية. قد تنجح الغارة في إصابة هدفها، لكن مقتل أبرياء حوله يفتح للتنظيم الخصم بابًا أوسع للتجنيد. وقد تسقط العاصمة بسرعة، لكن تفكيك الجيش والإدارة يوزع السلاح والرجال والغضب في الشوارع. وقد تُزال سلطةٌ معادية، ثم يحل محلها فراغٌ يجعل البيئة الإقليمية أكثر خطرًا على المنتصر نفسه. والحرب لا تُحكم بنتيجتها المباشرة فقط، بل بالنظام الذي تتركه خلفها. إذا دمرت حربٌ دولةً كانت تمثل خطرًا محدودًا، ثم أطلقت صراعاتٍ أهلية وشبكات تهريب وتدخلاتٍ إقليمية، فقد تكون قد أنجزت الهدف العسكري ونسفت الغاية الأمنية. وإذا احتاج المنتصر بعد الحرب إلى انتشارٍ دائم لحماية النتيجة، فإن النتيجة لم تستقر؛ إنها تعيش تحت التنفس الاصطناعي للقوة.

وتتجلى هذه المفارقة بوضوحٍ في الحروب غير المتكافئة. القوة الكبرى تحتاج في العادة إلى انتصارٍ واضح يستطيع قادتها تقديمه إلى مجتمعهم؛ عدوٌّ هُزم، ونظامٌ استقر، وجنودٌ عادوا. أما الطرف الأضعف فلا يحتاج إلى الانتصار الكامل؛ يكفيه أن يمنع الحسم، وأن يبقى قادرًا على القتال، وأن يجعل كلفة البقاء أعلى من قيمة الهدف في وعي المحتل. ولهذا يعمل الزمن في كثيرٍ من الأحيان ضد القوة الخارجية. يستطيع المحتل تحمّل خسائر أكبر ماديًّا، لكنه يحتاج إلى تبرير كل خسارةٍ أمام مجتمعٍ بعيد عن ساحة الحرب، بينما يقاتل الطرف المحلي داخل أرضه وذاكرته وشعوره بوجوده. وقد تكون خسائره أشد، لكنه يراها جزءًا من حربٍ لا يملك مغادرتها، في حين يستطيع المواطن في الدولة الكبرى أن يسأل بعد أعوام: لماذا ما زلنا هناك؟

ويمتلك المجتمع المحلي معرفةً لا تعوضها الأقمار الصناعية؛ اللغة، والعشيرة، والعداوات القديمة، وطرق المصالحة، وما تقوله الإشارة الصغيرة في السوق أو المسجد أو القرية. أما القوة الأجنبية فقد تملك صورةً كاملةً من الجو، لكنها لا تعرف المعنى الذي يتحرك تحت الصورة. وقد ترى الرجال والأبنية والطرق ولا ترى روابط الولاء والخوف والعار والثأر التي تجعل المجتمع يفعل ما يفعل. والتفوق التقني لا يحل معضلة الشرعية. تستطيع الدولة أن ترى الهدف قبل أن يراها، وأن تضربه من وراء البحار، لكنها لا تستطيع بتلك القدرة أن تجعل السكان يرون في فعلها عدلًا، أو أن تقنعهم بأن الحكومة التي تحميها تمثلهم. وقد يزيد التفوقُ المسافةَ بين القدرة والفهم؛ لأن النجاح المتكرر في إصابة الأهداف يمنح القيادة وهمًا بأنها تفهم الحرب، بينما تكون قد أتقنت فقط أكثر أجزائها قابليةً للقياس.

“التفوق التقني لا يحل معضلة الشرعية، والنجاح المتكرر في إصابة الأهداف لا يعني فهم الحرب.”

والاحتلال في جوهره مشكلة معرفةٍ قبل أن يكون مشكلة انتشار. يدخل المحتل مجتمعًا معقدًا وفي يده نموذجٌ مبسط عنه؛ طوائف، وقبائل، وأحزاب، وأغلبية، وأقلية، وأصدقاء، وأعداء. لكنه يكتشف أن التصنيفات التي تصلح للخرائط لا تصلح لإدارة البشر، وأن الهوية الواحدة قد تحمل داخلها ولاءاتٍ متصارعة، وأن من يتعاون معه اليوم قد يفعل ذلك طمعًا أو خوفًا أو انتقامًا من خصمٍ محلي، لا إيمانًا بالمشروع الذي يحمله. وأخطر أخطاء الاحتلال التعامل مع الدولة بوصفها آلةً يمكن تفكيكها ثم إعادة تركيبها وفق مخططٍ هندسي. فالمؤسسات ليست مباني ولوائح فقط؛ إنها ذاكرةٌ وخبرةٌ وعلاقاتٌ غير مكتوبة، وقد تكون فاسدةً ومستبدة، لكنها تؤدي وظائف لا تظهر قيمتها إلا بعد اختفائها. فإذا حُل الجيش والإدارة والأمن دفعةً واحدة، لا تُمحى السلطة السابقة وحدها، بل تُمحى كذلك القدرة التي كانت تمنع المجتمع من السقوط في فراغ القوة. ثم يلجأ المحتل إلى نخبٍ يعرف لغتها وتعرف لغته، وقد تكون أكثر تعليمًا وحداثةً، لكنها لا تملك جذورًا كافيةً داخل المجتمع. فيصنع مؤسساتٍ تبدو جيدةً في التقارير، وتعمل ما دام التمويل والخبراء والحماية حاضرِين، ثم تنهار حين تُرفع الدعائم؛ لأنها لم تنبت من توازنٍ داخلي، بل وُضعت فوقه.

وتتحول مشاريع الإعمار إلى سوقٍ واسعٍ للفساد حين يلتقي المال الضخم بالوقت الضيق وضعف الرقابة. تريد القوة أن تظهر النجاح سريعًا، فتقيس المدارس التي شُيدت لا مقدار التعليم الذي يجري فيها، وعدد الجنود الذين دُربوا لا مقدار ولائهم للمؤسسة، وحجم الأموال التي أُنفقت لا قدرة الاقتصاد على الاستمرار بعد انقطاعها. يصبح التقرير إثباتًا للإنجاز بدل أن يكون أداةً لاختباره.

كما تتصادم أهداف الأمن والديمقراطية. قد تحتاج القوة المحتلة إلى زعيمٍ محلي قوي يضبط الأرض، لكنها تريد في الوقت نفسه بناء مؤسساتٍ تقيد السلطة. وقد تتغاضى عن فساد الحليف لأنه يقاتل العدو، ثم تكتشف أن فساده هو الذي يدفع الناس إلى أحضان العدو. وقد تسلح جماعةً لمواجهة خطرٍ عاجل، ثم تصبح الجماعة نفسها خطر الغد.

والقوة الجوية أكثر الأدوات إغراءً بوهم الحرب النظيفة. فهي تقلل تعرض جنود الدولة المهاجمة للخطر، وتتيح إصابة أهدافٍ بدقةٍ لم تكن متاحةً في الحروب القديمة. لكن تقليل خسائر المهاجم لا يعني تلقائيًّا تقليل خسائر المدنيين؛ إذ تبقى النتيجة رهينةً بصحة المعلومة، ودقة تعريف الهدف، وطبيعة السلاح، ووجود المدنيين، ومقدار الاحتياط الذي تتخذه القيادة. ويُلزم القانون الإنساني أطراف الحرب بالتمييز بين المدنيين والمقاتلين، وبالتناسب والاحتياط، ويحظر الهجمات العشوائية أو التي يُتوقع أن تسبب ضررًا مدنيًّا مفرطًا قياسًا بالمكسب العسكري المباشر. وقد تقلل المسافة التقنية الاحتكاك الأخلاقي. من يطعن إنسانًا يرى وجهه ودمه، أما من يضغط زرًّا في غرفةٍ بعيدة فقد يرى نقطةً تتحرك على شاشة. لا يجعل ذلك الفاعل عديم الضمير تماماً، لكنه يجعل النظام محتاجًا إلى رقابةٍ أشد؛ لأن المسافة التي تحمي الجندي من الخطر قد تحمي القرار كذلك من الإحساس الكامل بنتيجته.

“المسافة التقنية التي تحمي الجندي من الخطر قد تحمي القرار كذلك من الإحساس الكامل بنتيجته.”

كما أن سهولة الضرب وفقدان الحس الإنساني تجعل استعمال القوة أكثر احتمالًا. كانت الحرب التقليدية تحتاج إلى تعبئةٍ علنية وجنودٍ وتوابيت، أما الضربة البعيدة فتستطيع السلطة تقديمها بوصفها عمليةً محدودةً لا تستدعي نقاشًا وطنيًّا واسعًا. وهكذا يتحول الاستثناء إلى ممارسةٍ متكررة، وتتسع ساحات العمليات من غير أن يشعر المجتمع بأنه دخل حربًا جديدة. ولا تقف آثار الضربة عند من قُتل فيها؛ فهي تدخل ذاكرة الأسرة والقرية والجماعة. قد يكون الهدف خطرًا حقيقيًّا، لكن الخطأ أو الضرر المحيط به يصنع ثأرًا جديدًا، ويمنح الخصم روايةً أقوى من أي منشورٍ دعائي. الحرب الحديثة قد تقتل قائدًا في دقيقة، لكنها لا تستطيع قتل القصة التي يولدها موته وظروفه في نفوس من حوله.

أما السلاح النووي فيمثل القوة المطلقة المحدودة الاستعمال. يستطيع ردع غزوٍ واسع أو رفع كلفة الحرب الكبرى إلى حدودٍ تجعلها غير عقلانية، لكنه لا يحسم تمردًا، ولا يطارد تنظيمًا صغيرًا، ولا يبني حليفًا موثوقًا، ولا يصلح اقتصادًا أو يمنح الشرعية لحكومة. وهو قد يحمي الدولة من الإبادة، لكنه لا يحفظ مجالها الإمبراطوري من التآكل. لقد امتلك الاتحاد السوفيتي ترسانةً نوويةً تستطيع تدمير خصومه، ثم انتهى اتحاده وتفكك مجاله الخارجي. لم تكن المشكلة غياب القدرة على القتل، بل عجز تلك القدرة عن إصلاح الاقتصاد والمؤسسات والشرعية، وعن جعل الأطراف ترى مستقبلها داخل النظام. السلاح الأشد فتكًا عجز عن منع انهيارٍ لم يأتِ في صورة جيوشٍ تغزو موسكو.

“السلاح الأشد فتكًا يعجز عن منع انهيار لا يأتي في صورة جيوش تغزو العواصم.”

والقواعد العسكرية تمنح الإمبراطورية فوائد حقيقية؛ سرعة الانتشار، وطمأنة الحلفاء، ومراقبة الممرات، وتخزين المعدات، وجمع المعلومات، وتقصير المسافة بين القرار والتنفيذ. لكن الانتشار يحمل كذلك كلفةً ماليةً وسياسية، ويجعل القوة حاضرةً داخل حساسيات المجتمعات المضيفة وسيادتها، وقد يحول القاعدة إلى رمزٍ للهيمنة وهدفٍ للخصوم.

وتملك وزارة الدفاع الأمريكية محفظةً عقاريةً هائلة تضم أكثر من سبعمئة ألف منشأة بقيمة استبدالية قُدرت بنحو 2.2 تريليون دولار في السنة المالية 2023، فيما توزَّع العسكريون الأمريكيون على آلاف المواقع داخل الولايات المتحدة وخارجها؛ وهي بنية تمنح واشنطن قدرة انتشارٍ لا تضاهيها دولة أخرى، لكنها تفرض كذلك التزاماتٍ مستمرة للصيانة والحماية والإدارة. وكل قاعدةٍ جديدة قد تُبرر بحماية قاعدةٍ أو حليفٍ أو ممرٍّ سابق. يتسع الانتشار وفق منطق التراكم؛ يؤدي الالتزام إلى خطر، ويؤدي الخطر إلى حاجةٍ لحماية الالتزام، فتولد الحماية التزامًا جديدًا. وما بدأ أداةً لخدمة السياسة قد يتحول إلى واقعٍ يفرض عليها غاياتها.

وتظهر دروس التاريخ أن هذا المأزق ليس أمريكيًّا وحده. دفعت أثينا في حملتها على صقلية بقوةٍ ضخمةٍ إلى ساحةٍ بعيدة، ثم تراكمت الأخطاء والتعزيزات حتى انتهت الحملة بخسارةٍ كارثيةٍ في الرجال والسفن، وكان ذلك ضربةً لم تستعد منها أثينا توازنها القديم. وخاضت بريطانيا حروبًا متعاقبةً في أفغانستان لحماية حدود إمبراطوريتها الهندية وموازنة النفوذ المنافس، لكنها اكتشفت أن السيطرة على الممرات لا تعني إخضاع مجتمعٍ جبليٍّ شديد الحساسية تجاه التدخل الخارجي. وخاضت فرنسا في الجزائر حربًا استطاعت فيها تحقيق تفوقٍ عسكري واسع، لكنها عجزت عن تحويل ذلك التفوق إلى قبولٍ سياسي دائم، وانتهت الحرب باستقلال الجزائر لأن القضية كانت قضية سيادة وهوية لا مجرد خلايا مسلحة.

ودخل الاتحاد السوفيتي أفغانستان بجيش دولةٍ عظمى، لكنه واجه خصمًا محليًّا مدعومًا من الخارج، وأرضًا تمتص القوة من غير أن تمنحها حسمًا، وحربًا استمرت قرابة عقدٍ ثم انتهت بالانسحاب. لا يصح اختزال سقوط الاتحاد السوفيتي في تلك الحرب، لكنها كانت أحد مصادر الاستنزاف وكشف حدود القدرة العسكرية أمام معضلةٍ سياسية واجتماعية. وفي فيتنام استطاعت الولايات المتحدة تحقيق تفوقٍ ناريٍّ هائل والانتصار في معارك كثيرة، لكن هجوم تيت عام 1968، رغم صده عسكريًّا وخسارة القوات الشيوعية أعدادًا كبيرة، قوّض ثقة الرأي العام الأمريكي في إمكان تحقيق النصر الموعود. وقد اعترفت مذكرةٌ داخلية أمريكية في العام نفسه بأن فكرة النصر العسكري، بالثمن المتوافق مع المصالح الأمريكية، أصبحت وهمًا خطيرًا.

وتجمع هذه النماذج حقيقةً واحدة؛ لا يكفي أن تسأل القوة عما تستطيع فعله، بل يجب أن تسأل عما سيبقى بعد أن تفعله. فالسيف يستطيع أن يفتح الجرح، لكنه لا يعرف وحده كيف يلتئم؛ ويستطيع أن يزيل العقدة بقطع الحبل، لكنه قد يكتشف أن الحبل كان يحمل السقف. وغالباً ما تنقلب القوة ضد صاحبها خصوصًا حين تتعدد الجبهات وتغيب الغاية السياسية، وحين يصبح التراجع مستحيلًا نفسيًّا لأن النخبة ربطت الاعتراف بالخطأ بسقوط الهيبة. وتنقلب حين تعوض الدولة نقص الشرعية بمزيدٍ من العنف، فيصبح العنف سببًا جديدًا لنقص الشرعية. وتنقلب حين يتحول السلاح من أداةٍ استثنائية إلى الجواب الافتراضي الذي يسبق الدبلوماسية والفهم. وتبدأ الإمبراطورية بأكل نفسها حين تولد كل حربٍ خصومًا جددًا، وحين تصبح حماية سمعة القوة أهم من حماية المصلحة التي دخلت الحرب من أجلها، وحين لا يستطيع القائد أن يقول إن الهدف لم يعد ممكنًا لأن دماءً وأموالًا أُنفقت، فيضيف إليها دماءً وأموالًا كي يمنح الماضي معنىً لا يستطيع المستقبل تحقيقه.

القوة العسكرية ضرورةٌ في عالمٍ لم يتخلَّ عن العدوان، لكنها لا تصبح حكمةً بكثرة ما تملك من سلاح. حكمتها في معرفتها بحدودها؛ أن تردع ما يمكن ردعه، وتحارب حين لا يبقى طريقٌ أقل كلفة، وتحدد غايةً يمكن تحقيقها، ولا تعد الشعوب بأن القنبلة ستصنع لها عقدًا اجتماعيًّا. السيف يحمي النظام حين يبقى خادمًا للسياسة والحق، لكنه يبدأ في التهام يد صاحبه حين يصبح إثبات القدرة على استعماله أهم من السؤال عما سيبقى بعد استعماله، وحين تفتتن الإمبراطورية بانتصارها في اللحظة الأولى إلى حدٍّ يمنعها من رؤية الهزيمة التي تنمو ببطءٍ داخل النصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى