في ظل تزاحم السيادات؛ من يقود النظام العالمي بعد انكسار المركز؟
من سلسلة دراسة في عوامل وظواهر أفول الامبراطورية الأمريكية المعاصرة
حين يخرج العالم من ظل القطب الواحد لا يدخل بالضرورة إلى شمسٍ أكثر دفئًا. فقد كانت الأحادية، على ما فيها من تسلطٍ واستثناء، تمنح النظام قدرًا من الوضوح؛ مركزٌ معروف، وتحالفاتٌ محددة، وعملةٌ غالبة، وقواعدُ يملك طرفٌ واحد القدرة الأكبر على إنفاذها أو انتهاكها. أما حين تتوزع القوة بين مراكز متعددة، فإن الحرية تزداد، لكن اليقين يتناقص، وتتسع مساحة الاختيار بقدر ما تتسع مساحة التصادم.
التعدد ليس اسمًا آخر للعدالة، كما أن الأحادية ليست اسمًا آخر للاستقرار. قد يؤدي تفتت القوة إلى مشاركةٍ أوسع في صنع القرار، وقد يؤدي إلى عالمٍ تتنازع فيه قوى كثيرةٌ المساحات نفسها من غير أن يملك أحدٌ القدرة على ضبط النزاع. ولذلك لا يكفي أن نسأل متى تنتهي الأحادية؛ ينبغي أن نسأل أي نظامٍ سيولد من شظاياها، ومن سيكتب قواعده، ومن سيدفع ثمن الفراغ بين موت المركز القديم ونضج التوازن الجديد.
ومن أبرز سمات المرحلة الجديدة صعود القوى الوسطى؛ دولٌ لا تستطيع حكم النظام العالمي، لكنها تستطيع منع القوى الكبرى من تجاهلها، أو ترجيح نتيجةٍ إقليمية، أو تعطيل تحالف، أو فتح سوق، أو التحكم في موردٍ أو ممرٍّ استراتيجي. ليست هذه الدول أقمارًا تدور حول شمسين أمريكية وصينية، بل تسعى إلى تحويل التنافس بين القوتين إلى مساحةٍ لزيادة استقلالها.
“التعدد ليس اسمًا آخر للعدالة، كما أن الأحادية ليست اسمًا آخر للاستقرار.”
تقدم الهند النموذج الأوضح؛ فهي تتعاون مع الولايات المتحدة واليابان وأستراليا ضمن الحوار الأمني الرباعي، وتبقى في الوقت نفسه عضوًا في بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، وتحافظ على علاقاتٍ عسكرية وتجارية طويلة مع روسيا. لا تريد نيودلهي أن تنتصر الصين على أمريكا، ولا أن تستعيد واشنطن قدرة الأمر المنفرد؛ تريد نظامًا تصبح فيه الهند مركزًا لا تابعًا، وتستعمل فيه كل شراكةٍ لتعزيز قدرتها على القرار.
وتتصرف تركيا بمنطقٍ مشابه، وإن من موقعٍ مختلف. فهي عضوٌ في حلف شمال الأطلسي، لكنها تطور علاقاتٍ اقتصادية وأمنية مع روسيا والصين وآسيا الوسطى، وتستخدم موقعها الجغرافي بين البحر الأسود والشرق الأوسط وأوروبا للعب أدوارٍ تفاوضية. قد تصطدم بواشنطن أو موسكو ثم تتعاون معهما في ملفٍ آخر، لأن منطق القوة الوسطى لا يقوم على الولاء الكامل، بل على تعظيم هامش الحركة.
وتريد البرازيل نظامًا يمنح الجنوب العالمي صوتًا أوسع من غير أن يحولها إلى جزءٍ من كتلةٍ صينية. حضورها في بريكس لا يلغي علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع الغرب، ودعوتها إلى إصلاح المؤسسات لا تعني رغبتها في استبدال هيمنةٍ بهيمنة. وهذا ما أكدته الرئاسة البرازيلية لبريكس عام 2025 حين قدمت المجموعة بوصفها منصةً للتحالفات المرنة وإصلاح الحوكمة وتعزيز التعددية، لا محورًا أيديولوجيًّا منغلقًا.
أما السعودية ودول الخليج فتمتلك نوعًا آخر من القوة الوسطى؛ طاقةٌ واستثماراتٌ وصناديق سيادية وموقعٌ جغرافي يربط آسيا بأوروبا وأفريقيا. ظلت هذه الدول لعقودٍ داخل المظلة الأمنية الأمريكية، لكنها بدأت على استحياء في توسيع علاقاتها مع الصين والهند وروسيا، وانضمت أو اقتربت من مؤسساتٍ تقودها قوى غير غربية. لا يعني ذلك أنها اختارت معسكرًا بديلًا، بل إنها لم تعد تقبل أن يكون أمنها واقتصادها ومستقبلها محصورًا في علاقةٍ واحدة رغم الضغوط الأمريكية المستمرة.
“منطق القوة الوسطى لا يقوم على الولاء الكامل، بل على تعظيم هامش الحركة والقدرة على الاختيار.”
وتمثل إندونيسيا، التي أصبحت العضو الحادي عشر في بريكس مطلع عام 2025، قوةً سكانيةً واقتصاديةً آسيوية تريد الاستفادة من الأسواق والاستثمارات الصينية مع الحفاظ على علاقاتٍ واسعة بالولايات المتحدة واليابان وأوروبا. انضمامها لا يحولها إلى حليفٍ سياسي لبكين، بل يمنحها منبرًا إضافيًّا للتفاوض وتمثيل مصالح الجنوب ورفض اختزال آسيا في المنافسة الصينية الأمريكية.
وجنوب أفريقيا تحمل وزنًا سياسيًّا ورومزيًّا يفوق حجم اقتصادها؛ فهي بوابةٌ إلى القارة وممثلٌ لمطالبها في إصلاح المؤسسات، لكنها لا تستطيع ولا تريد قطع علاقاتها بالغرب. والقوى الأوروبية نفسها، رغم تحالفها العميق مع واشنطن، أخذت تتحدث بصورةٍ متزايدةٍ عن الاستقلال الاستراتيجي والسيادة التقنية؛ لأنها اكتشفت أن الحليف يمكن أن يكون ضامنًا أمنيًّا ومصدر تبعيةٍ في الوقت نفسه.
هذه القوى لا تسعى غالباً إلى إسقاط كل نظامٍ قائم، بل إلى توسيع عدد المقاعد حول الطاولة. تريد أن تستطيع قول «لا» من غير أن تُطرد من السوق أو تُحرم من التقنية أو تُتهم بالانتقال إلى المعسكر المعادي. وهي لا تبحث عن استقلالٍ مطلق؛ فهذا شبه مستحيلٍ في اقتصادٍ شديد الترابط، بل عن اعتمادٍ متبادل لا يتحول إلى خضوعٍ أحادي. ولهذا قد يكون النظام القادم أقل شبهًا برقعة شطرنجٍ تنقسم إلى لونين، وأكثر شبهًا بسوقٍ كبيرةٍ تتبدل فيها التحالفات بحسب السلعة والملف. قد تتعاون دولتان في الطاقة وتتنافسان في الموانئ، وتلتقيان أمنيًّا وتختلفان ماليًّا، وتدخل إحداهما مؤسسةً تقودها الصين وتحالفًا تقوده أمريكا في الوقت نفسه. لن يكون السؤال الدائم: في أي معسكر أنت؟ بل: في أي مجال، وفي أي أزمة، وبأي ثمن؟
ويمكن تخيل عدة صورٍ للعالم بعد الأحادية. الصورة الأولى تعددية أقطابٍ مستقرةٌ نسبيًّا؛ تتفق القوى الكبرى على خطوطٍ حمراء، وتوزع النفوذ، وتصلح المؤسسات كي تعكس الأوزان الجديدة. لا تكون هذه الصورة عادلةً تمامًا، لكنها تمنع القوة الواحدة من احتكار القرار، وتمنح الدول الأصغر مجالًا أوسع للمناورة. وهي تحتاج إلى قبول الولايات المتحدة والصين وأوروبا والهند وروسيا وغيرها بأن أحدًا لا يستطيع الفوز بكل شيء. لكن التعددية المستقرة لا تنشأ من مجرد وجود قوى متعددة؛ تحتاج إلى قواعد تواصلٍ وإدارة أزمات وضبط تسلح ومؤسساتٍ لا يشعر المهزوم فيها أن خسارته وجودية. فإن غابت هذه الشروط، قد تتحول التعددية إلى توازن خوفٍ هش، يشبه غرفةً يحمل كل من فيها سلاحًا ولا يثق بأن الآخرين يعرفون موضع الزناد.
“السيادة لا تعني أن تختار طريقًا واحدًا، بل أن تمنح نفسك القدرة على منع طريقٍ واحد من خنقك.”
والصورة الثانية عالم الكتل المتنافسة؛ كتلةٌ غربية تقودها الولايات المتحدة، ومجالٌ صيني آسيوي، وشبكاتٌ روسية أو إقليمية، ودولٌ مضطرةٌ إلى اختيار أحدها. تتراجع التجارة بين الكتل، وتتكرر المعايير التقنية، وتنفصل شبكات المدفوعات والبيانات وسلاسل الإمداد. وقد تحمي الكتل أعضاءها، لكنها ترفع تكلفة الاقتصاد وتحوّل كل علاقةٍ تجارية إلى امتحان ولاء. وملامح هذا الاحتمال ظاهرةٌ في استخدام الرسوم وضوابط التصدير والعقوبات وسياسات إعادة التصنيع، وفي تحويل الرقائق والطاقة والبطاريات والمعادن الحرجة إلى مسائل أمنٍ قومي. لكن الانقسام الكامل شديد الكلفة؛ فالاقتصاد العالمي متشابكٌ إلى حد يجعل فك ارتباطه عمليةً مؤلمة للجميع، ولهذا قد ينشأ بدلًا منه انفصالٌ انتقائي في التقنيات الحساسة مع بقاء تجارةٍ واسعة في السلع الأخرى.
والصورة الثالثة نظامٌ مرنٌ تتغير أقطابه بحسب المجال. تكون الولايات المتحدة قطبًا عسكريًّا وماليًّا، والصين قطبًا صناعيًّا وتجاريًّا، وأوروبا قطبًا تنظيميًّا، والهند قطبًا سكانيًّا وتقنيًّا صاعدًا، ودول الخليج قطبًا في الطاقة ورأس المال، فيما تمتلك دولٌ أصغر مفاتيح ممراتٍ أو معادن أو صناعات بعينها. وهذا الاحتمال هو الأقرب إلى ملامح الحاضر؛ لا يوجد هرمٌ واحد، بل خرائط متداخلة، لكل واحدةٍ منها مركزٌ مختلف. في هذه الصورة قد تكون الدولة حليفةً لأمريكا أمنيًّا، معتمدةً على الصين تجاريًّا، مرتبطةً بأوروبا تنظيميًّا، ومستثمرةً في مؤسسات بريكس. السيادة لا تعني أن تختار طريقًا واحدًا، بل أن تمنع طريقًا واحدًا من أن يصبح قادرًا على خنقك.
والصورة الرابعة هي الأخطر؛ فوضى دولية بلا مركزٍ قادرٍ على إنتاج القواعد ولا توافقٍ قادرٍ على استبداله. تتراجع قدرة الولايات المتحدة على الإنفاذ، لكن القوى الأخرى تعجز عن الاتفاق على بديل. تصبح المؤسسات الدولية مسارح للخطابة، وتنتشر الحروب الإقليمية، وتتصاعد المنافسة على الممرات والطاقة والتقنية، وتكتشف الدول الصغيرة أن غياب الإمبراطور لا يعني حضور العدالة، بل قد يعني انكشافها أمام جيرانٍ أقوى. فالأحادية كانت ظالمةً في جوانب، لكنها قدمت بعض المنافع العامة؛ حماية طرق التجارة، واستقرارًا ماليًّا نسبيًّا، وقدرةً على تنسيق استجاباتٍ واسعة. إذا انتهى احتكارها من غير أن تتوزع وظائفها، قد يحصل العالم على حريةٍ أكبر من المركز، لكنه يفقد النظام الذي كان، رغم انحيازه، يمنع بعض صور الانفلات.
والصورة الخامسة توافقٌ بين القوى الكبرى يشبه «حفل أوروبا» بصيغةٍ حديثة؛ تتفاهم الدول الأقوى على إدارة الأزمات الكبرى وتقاسم المسؤوليات، مع الاعتراف بمجالات نفوذٍ ومصالح متبادلة. قد يقلل هذا النموذج احتمال الحرب المباشرة بينها، لكنه يحمل خطر تحويل الدول الصغيرة إلى موضوعٍ للمساومات بين الكبار، وإقامة الاستقرار على حساب العدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
والصورة السادسة ازدواجٌ بين اقتصادٍ عالمي مترابط وأمنٍ عالمي منقسم. تستمر الشركات في التجارة والاستثمار، وتظل الصين والولايات المتحدة وأوروبا محتاجةً إلى أسواق بعضها، بينما تتسع المواجهة العسكرية والتقنية. يكون الخصمان شريكين في المصانع، وعدوين في البحار؛ تعتمد كل قوةٍ على الأخرى اقتصاديًّا، وتستعد في الوقت نفسه لحربٍ قد تدمر هذا الاعتماد. وهذا التناقض ليس مستحيلًا؛ فقد يكون الترابط رادعًا للحرب، وقد يتحول عند الخوف إلى سلاحٍ يستخدمه كل طرف قبل أن يستخدمه الآخر. ولا يُحسم شكل العالم الجديد غالباً بإرادة القوى الكبرى وحدها. فالدول الوسطى والمؤسسات الإقليمية والشركات التقنية والأسواق والاضطرابات المناخية والديموغرافية ستشارك في صياغته. وقد تأتي أزمةٌ مالية أو حربٌ كبرى أو اختراقٌ تقني فتسرع تحولًا كان يحتاج إلى عقود، أو تعيد القوة إلى مركزٍ بدا أنه يتراجع.
“العالم المتعدد لا يسمح للقطب بأن يصدر الأوامر ثم يطلب من الحلفاء صياغة البيان.”
لكن انتهاء الأحادية يفرض على الولايات المتحدة قبل غيرها مراجعةً فلسفيةً لا مجرد تعديلٍ تكتيكي. لم يعد ممكنًا أن تتعامل مع كل تفاوضٍ بوصفه فرصةً لإقناع الآخرين بما قررته، ولا مع الشراكة بوصفها اسمًا مهذبًا للتبعية. العالم المتعدد لا يسمح للقطب بأن يصدر الأوامر ثم يطلب من الحلفاء صياغة البيان.
وعليه فإنه وبناء على التصور السياسي المجرد والمحايد ينبغي لواشنطن أن تفرق بين مصالحها الحيوية وامتيازاتها الموروثة. حماية أراضيها ومواطنيها وتحالفاتها الأساسية مصلحةٌ حيوية، أما احتفاظها بحق التدخل في كل إقليمٍ ومنع كل قوةٍ من امتلاك استقلالٍ نسبي فليس قانونًا طبيعيًّا للأمن. كثيرٌ مما تسميه الإمبراطوريات ضرورةً استراتيجية يكون في الحقيقة عادةً نشأت زمن التفوق ثم اكتسبت قداسة الاستمرار. كما ينبغي أن تتخلى عن احتكار الشرعية. لا يمكن لدولةٍ أن تطلب من العالم احترام القانون بينما تجعل تفسيره مرتبطًا بمواقفها، ولا أن تعتبر الحرب عدوانًا حين يفعلها الخصم وتدخلًا اضطراريًّا حين تفعلها هي. وفي العالم الأحادي تستطيع القوة أن تحجب هذا التناقض بأدواتها؛ أما في العالم المتعدد فيتحول كل استثناء إلى حجةٍ تقدمها للمنافس كي يستثني نفسه بدوره.
وإنَّ قبول التعدد لا يعني أن تتخلى الولايات المتحدة عن قيمها أو مصالحها، بل أن تفصل بين الدفاع عنها وادعاء تمثيل الإنسانية وحدها. تستطيع أن تفاوض من موقع قوة، لكنها لم تعد قادرةً على فرض أن تكون نتيجة كل تفاوض تأكيدًا لتفوقها. وتستطيع بناء تحالفات، لكن الحليف الجديد يريد أن يشارك في تحديد الغاية، لا أن يقدم الجنود والأسواق لقرارٍ أمريكي. وإذا أرادت واشنطن الحفاظ على جانبٍ من القيادة، فعليها أن تصلح النظام من داخله قبل أن تبني القوى الصاعدة نظامها خارجه. المؤسسات التي تعكس موازين عام 1945 بدرجةٍ أكبر من حقائق القرن الحادي والعشرين تفقد شرعيتها حتى لو بقيت نافذة. وكلما تأخر توسيع تمثيل الدول الصاعدة في مجلس الأمن والمؤسسات المالية، أصبحت البدائل أكثر جاذبية، لا لأنها أفضل بالضرورة، بل لأن النظام القائم أغلق باب الإصلاح.
ومن مصلحة أمريكا نفسها أن يكون التعدد منظمًا. فهي لا تستطيع منع تحول توزيع القوة إلى الأبد، لكنها تستطيع التأثير في القواعد التي تضبطه. إذا أصرت على حماية الامتياز الكامل فقد تدفع المنافسين إلى بناء نظامٍ مضاد؛ أما إذا قبلت بتقاسم المسؤولية فقد تبقى القوة الأولى داخل نظامٍ تشارك في قيادته، بدل أن تصبح مركزًا قديمًا يحاصره نظامٌ نشأ خصيصًا للهروب منه. وهذا التحول يحتاج إلى تواضعٍ استراتيجي؛ أن تعترف بأن العالم يستطيع إنتاج أفكارٍ ومؤسساتٍ ومصالح لا تمر عبر التجربة الأمريكية، وأن الاستقلال عن واشنطن ليس دائمًا عداءً لها، وأن الدولة التي تتاجر مع بكين لا تصبح تلقائيًّا عضوًا في معسكر صيني، وأن العضوية في بريكس ليست إعلان حربٍ على الغرب. كما يحتاج إلى إعادة تعريف الحلف. فالحليف ليس الدولة التي توافق المركز في كل ملف، بل الدولة التي تتشارك معه مصالح أساسيةً مع احتفاظها بحق الاختلاف. حين تقبل أمريكا بهذا التعريف، قد تخسر شيئًا من الطاعة وتربح كثيرًا من الثقة. أما إذا أصرت على الولاء الكامل، فستحتفظ بولاءاتٍ معلنة وتكتشف عند الأزمة أن تحتها طبقاتٍ من التذمر والتحوط.
والعالم بدوره لا ينبغي أن يخلط بين إنهاء الأحادية وهدم كل ما نشأ في ظلها. ليس من الحكمة تفكيك المؤسسات الدولية لمجرد أن الغرب كان صاحب اليد العليا فيها، بل إصلاحها وتوسيعها وإخضاع جميع القوى لقواعدها. فالبديل عن القانون المنحاز يجب أن يكون قانونًا أعدل، لا حق كل قوةٍ في صناعة استثنائها الخاص. كما أن مقاومة الهيمنة الأمريكية لا تبرئ الصين أو روسيا أو أي قوةٍ صاعدة من نزعاتها الإمبراطورية. التعدد الحقيقي لا يعني أن تصبح لكل إقليمٍ إمبراطوريته الصغيرة، ولا أن يُسمح للقوة القريبة بما رُفض من القوة البعيدة. إذا كان الاعتراض على الأحادية قائمًا على حق الشعوب في الاختيار، فلا يجوز التضحية بهذا الحق عند أول تفاهمٍ بين القوى الكبرى.
إن العالم يخرج من ظل الواحد، لكنه لم يصل بعد إلى نظامٍ يعرف كيف يعيش تحت شموسٍ كثيرة. وقد تكون السنوات القادمة مرحلةً طويلةً من الالتباس؛ يظل الدولار مركزيًّا وتزداد بدائله، تبقى التحالفات الأمريكية قويةً ويتوسع تحوط أعضائها، تنمو المؤسسات الجديدة من غير أن تحل محل القديمة، ويزداد استقلال القوى الوسطى من غير أن تنقطع عن المراكز الكبرى. وهذا الالتباس ليس عيبًا في التحليل، بل هو حقيقة المرحلة. فالأحادية لا تنتهي بمرسوم، والتعددية لا تولد كاملةً. بينهما زمنٌ تتعايش فيه البنية القديمة مع ما ينقضها؛ كقصرٍ ما تزال قاعاته مضاءةً، بينما تُفتح في السور أبوابٌ لم يرسمها المهندس الأول.
ولا تنتهي الأحادية يوم تتفوق الصين على أمريكا في صناعةٍ أو يتراجع الدولار نقطةً أو تتوسع بريكس بعضوٍ جديد. إنها تنتهي حين تتراكم هذه التحولات حتى يصبح العالم قادرًا على التجارة والتمويل والتفاوض والحماية والابتكار والمقاومة من غير المرور الحتمي عبر البوابة الأمريكية. عندها لن يكون للعالم تاجٌ واحدٌ ينتقل من رأسٍ إلى رأس، بل سيصبح التاج شبكةً من السلطات المتناثرة؛ يصوغ بعضَها المال، وبعضَها المصنع، وبعضَها التقنية، وبعضَها الجغرافيا، وبعضَها القدرة على جمع الآخرين حول مصلحةٍ مشتركة.
“التاج لم يعد عرشًا يحتكره الواحد، بل شبكة من السلطات المتناثرة بين المال والمصنع والتقنية والجغرافيا.”
وقد يكون هذا العالم أعدل إذا حُكم بالتفاوض والقانون، وقد يكون أشد وحشيةً إذا تحول التعدد إلى سباق إمبراطوريات. وبين الاحتمالين تقع مسؤولية القوى الصاعدة والدول الوسطى والولايات المتحدة نفسها؛ فإما أن تقبل بأن السيادة لم تعد عرشًا يحتكره الواحد، وإما أن تجعل صراعها على شظايا التاج يحرق الرأس والعالم معًا.
