الفكرتربية واجتماعرؤى فلسفيةمناهج وعقائدمنطق وتأصيل

ثلاثية النهوض الأخلاقي

تثبّت، اعترف، اتزن؛ الطريق إلى إنسان لا يخون الحقيقة

ليستِ النّجاةُ أَنْ يعرفَ الإنسانُ أسماءَ أمراضهِ، وَلا أَنْ يحفظَ خرائطَ عُيوبهِ كما يحفظُ المُسافرُ أسماءَ المُدنِ الّتي لَمْ يدخلها. فَقد يعرفُ المرءُ أنَّ سُوءَ الظّنِّ خرابٌ، وَأنَّ التّبريرَ هُروبٌ، وَأنَّ التّطرّفَ جنايةٌ على الميزانِ، ثُمَّ يظلُّ فِي لحظةِ الغضبِ أسيرَ ظنّهِ، وَفي لحظةِ الخطأ عبدَ عُذْرهِ، وَفي لحظةِ الحُكْمِ سيفًا لا يعرفُ إلّا القطعَ. المعرفةُ الّتي لا تتحوّلُ إلى عادةٍ داخليّةٍ تُشْبِهُ مصباحًا مُعلّقًا فِي بَيتٍ مهجورٍ؛ يُضِيءُ وَلا يسكنهُ أحدٌ. وَلذلكَ لا يكفي أَنْ نقولَ إنَّ التّأويلَ الفاسدَ يُزَوِّرُ الحقيقةَ، وَإنَّ التّبريرَ يُزَوِّرُ المسؤوليّةَ، وَإنَّ التّطرّفَ يُزَوِّرُ الميزانَ؛ بَلْ لا بُدَّ أَنْ نبنيَ فِي النّفسِ قُوًى مُضادّةً لهذهِ الآفاتِ، قُوًى لا تعملُ فِي الكُتبِ فَقط، بَلْ فِي اللّسانِ حينَ يُرِيدُ الاتّهامَ، وَفي القلبِ حينَ يُرِيدُ الهُروبَ، وَفي اليدِ حينَ تُرِيدُ البطشَ، وَفي المُجْتمعِ حينَ يُوشِكُ أَنْ يُحَوِّلَ الظّنَّ إلى حُكْمٍ، وَالخطأ إلى عقيدةٍ، وَالنّقدَ إلى عداوةٍ.

فَالإنسانُ لا يُشْفَى بِمجرّدِ أَنْ يعرفَ اسمَ المرضِ، بَلْ حينَ يُغَيِّرُ طريقةَ عيشهِ معهُ وَمُقاومتهِ لَهُ. وَكم مِنِ امرئٍ صارَ خبيرًا فِي شرحِ العُيوبِ، عاجزًا عَنْ مُخالفتها فِي نفسهِ. يكتبُ عَنْ سُوءِ الظّنِّ ثُمَّ يُسِيءُ الظّنَّ بِأقربِ النّاسِ إليهِ. يتحدّثُ عَنِ الاعترافِ ثُمَّ يملأُ اعتذارهُ بِـ لكن. يُهَاجِمُ التّطرّفُ ثُمَّ يُمَارِسُ إلغاءً ناعمًا لكلِّ مَنْ يُخَالِفُهُ. وَهذا هُوَ الفرقُ بَينَ الوعيِ بِوصفهِ زينةً ذهنيّةً، وَالوعيِ بِوصفهِ تربيةً عمليّةً. ليستِ النّجاةُ أَنْ نعرفَ أسماءَ أمراضنا، بَلْ أَنْ نبنيَ داخلنا مَا يمنعها مِنْ قيادةِ وَعينا. أَنْ نزرعَ فِي النّفسِ حارسًا قبلَ الحُكْمِ، وَمرآةً قبلَ الدّفاعِ، وَميزانًا قبلَ العُقوبةِ. وَمن هُنا تأتي الفضائلُ الثّلاثُ الّتي تقفُ فِي وَجهِ ثُلاثيّةِ الخرابِ؛ التّثبّتُ فِي مُواجهةِ التّأويلِ، وَالاعترافُ فِي مُواجهةِ التّبريرِ، وَالاتّزانُ فِي مُواجهةِ التّطرّفِ.

التّثبّتُ هُوَ طهارةُ الإدراكِ. ليسَ تردّدًا جبانًا، وَلا ضعفًا فِي الحسمِ، وَلا عجزًا عَنِ اتّخاذِ موقفٍ، بَلِ احترامٌ لِلحقيقةِ قبلَ إصدارِ الحُكْمِ. المُتثبّتُ لا يُطْفِئُ بَصيرتهُ، وَلا يدفنُ حدسهُ، وَلا يُلْغِي حقّهُ فِي الحذرِ، لكنّهُ يعرفُ أنَّ الحدسَ جرسٌ لا حُكْمٌ، وَأنَّ الانطباعَ شاهدٌ على مَا يجري فِي داخلهِ أكثرَ ممّا هُوَ دليلٌ على مَا يجري فِي داخلِ غيرهِ. التّثبّتُ أَنْ يمنحَ الإنسانُ الواقعَ فُرْصةً كَيْ يتكلّمَ قبلَ أَنْ يُلْبِسَهُ روايتهُ الخاصّةَ. أَنْ يسألَ نفسهُ: مَا الّذي حدثَ فِعلًا؟ ثُمَّ يسألُ: مَا الدّليلُ؟ ثُمَّ يسألُ: مَا الّذي أضفتهُ أنا مِنْ خوفي أَوْ غضبي أَوْ ذاكرتي القديمةِ؟ ثُمَّ يسألُ: هَلْ تُوجَدُ قراءةٌ أُخْرَى؟ ثُمَّ يسألُ: هَلْ سألتُ صاحبَ الموقفِ؟ ثُمَّ يسألُ السُّؤالَ الّذي يفتحُ بَابَ العدلِ: هَلْ فَرّقتُ بَينَ الواقعةِ وَالرّوايةِ؟

هذهِ الأسئلةُ الصّغيرةُ تصنعُ فَرقًا هائلًا فِي مصيرِ العلاقاتِ وَالأحكامِ. فَكم مِنْ خُصومةٍ وُلدت مِنْ رسالةٍ لَمْ يُرَدَّ عليها فِي وَقتها، وَكم مِنْ قطيعةٍ نشأت مِنْ صمتٍ فُسّرَ على أنّهُ احتقارٌ، وَكم مِنْ عداوةٍ بَدأت مِنْ نصيحةٍ قُرئت بِوصفها مُحاولةَ إذلالٍ، وَكم مِنْ ظُلْمٍ وَقعَ لِأنَّ إنسانًا حاكمَ غيرهُ على روايةٍ لَمْ يمنحهُ فُرْصةَ تصحيحها. إنَّ القاعدةَ العادلةَ هُنا ألّا تُحَاكِمَ إنسانًا على روايةٍ لَمْ تمنحهُ فُرْصةَ تصحيحها. قَدْ يكونُ ظنّكَ صحيحًا أحيانًا، لكنَّ صحّتهُ المُحْتملةَ لا تمنحكَ حَقَّ الاستغناءِ عَنِ التّثبّتِ. فَالعدلُ لا يطلبُ منّا أَنْ نكونَ ساذجينَ، بَلْ ألّا نكونَ ظالمينَ بِاسمِ الفطنةِ. وَشتّانَ بَينَ بَصيرةٍ تجمعُ القرائنَ، وَتأويلٍ يُلْبِسُ خوفهُ ثوبَ المعرفةِ.

“المعرفةُ الّتي لا تتحوّلُ إلى عادةٍ داخليّةٍ تُشْبِهُ مصباحًا مُعلّقًا فِي بَيتٍ مهجورٍ؛ يُضِيءُ وَلا يسكنهُ أحدٌ.”

وَمن أعمقِ مَا ينبغي أَنْ يتربّى عليهِ الإنسانُ التّفريقُ بَينَ الواقعةِ وَالرّوايةِ. هذهِ مهارةٌ تبدو بَسيطةً، لكنّها فِي حقيقتها خُلقٌ حضاريٌّ. أَنْ يقولَ الإنسانُ: مَا رأيتهُ هُوَ كذا. ثُمَّ يقولُ: مَا شعرتُ بِهِ هُوَ كذا. ثُمَّ يقولُ: مَا استنتجتهُ هُوَ كذا. ثُمَّ يُضِيفُ بِتواضعٍ شريفٍ: لكنّني لا أملكُ اليقينَ حتّى أتحقّقَ. فِي البُيوتِ، لَوْ تعلّمَ الزّوجانِ هذا التّفريقَ، لخفّت محاكمُ النّوايا. وَفي الصّداقاتِ، لَوْ تعلّمَ النّاسُ أَنْ يقولوا شعرتُ بِالتّجاهلِ بَدلَ أنتَ تحتقرني، لبقيت أبوابٌ كثيرةٌ مفتوحةً. وَفي المدارسِ، لَوْ تعلّمَ الطّفلُ أَنْ يُمَيِّزَ بَينَ مَا حدثَ وَما ظنّهُ، لنشأَ عقلهُ أقلَّ اندفاعًا إلى الاتّهامِ. وَفي الإعلامِ، لَوْ فُصلتِ الواقعةُ عَنِ التّعليقِ، وَالخبرُ عَنِ التّحريضِ، لصارَ الوعيُ العامُّ أهدأَ وَأعدلَ. وَفي المُجْتمعِ كُلّهِ، لَوْ شاعت هذهِ المهارةُ، لقلَّ سُوءُ الظّنِّ، وَهدأتِ الخُصوماتُ، وَصارَ الحوارُ مُمْكنًا.

المُجْتمعُ الّذي لا يُفَرِّقُ بَينَ الواقعةِ وَالرّوايةِ يعيشُ فِي ضبابٍ أخلاقيٍّ. يرى مقطعًا مُبْتورًا فَيحكمُ، وَيسمعُ إشاعةً فَيثورُ، وَيقرأُ عُنْوانًا فَيدينُ، وَيأخذُ انطباعًا فَيبني عليهِ موقفًا. ثُمَّ يتعجّبُ بَعدَ ذلكَ مِنْ كثرةِ الظُّلْمِ فِي فَضائهِ العامِّ. لكنَّ الظُّلْمَ لا ينشأُ مِنَ القسوةِ وَحدها، بَلْ مِنَ العجلةِ أيضًا. العجلةُ فِي الفهمِ قسوةٌ مُقنّعةٌ؛ لِأنّها تمنعُ الحقيقةَ مِنَ الدّفاعِ عَنْ نفسها. وَلهذا كانَ التّثبّتُ عبادةً لِلعقلِ وَالضّميرِ معًا؛ عبادةٌ لِأنّها تردُّ النّفسَ عَنْ هواها، وَعقلٌ لِأنّها ترفضُ القفزَ مِنَ الشُّبْهةِ إلى الحُكْمِ، وَرحمةً لِأنّها تحفظُ لِلنّاسِ حقّهم فِي البيانِ قبلَ الإدانةِ.

وَبعدَ التّثبّتِ تأتي الفضيلةُ الثّانيةُ؛ الاعترافُ. فَإذا كانَ التّثبّتُ يُطَهِّرُ الإدراكَ مِنَ الظّنِّ، فَإنَّ الاعترافَ يُطَهِّرُ الضّميرَ مِنَ التّبريرِ. الاعترافُ لا يعني إهانةَ الذّاتِ، بَلْ تحريرها مِنَ الكذبِ. فَالإنسانُ حينَ يقولُ بِصدقٍ: أنا أخطأتُ، لا يسقطُ؛ بَلْ يستعيدُ قُدْرتهُ على البناءِ. يسحبُ مِنَ الخطأ سُلْطتهُ الخفيّةَ، وَيُخْرِجُهُ مِنَ القبوِ إلى الضّوءِ، وَيمنعُ العُذْرَ مِنْ أَنْ يبقى ملكًا مُتوّجًا على رُوحهِ. إنَّ الخطأ غيرَ المعترفِ بِهِ يتحوّلُ إلى نمطٍ، أمّا الخطأ المعترفُ بِهِ فَيُمْكِنُ أَنْ يتحوّلُ إلى درسٍ. وَالضّميرُ لا يُشْفَى لِأنّهُ وَجدَ عُذْرًا جميلًا، بَلْ لِأنّهُ وَجدَ شجاعةً تكفي لقولِ الحقيقةِ وَلو كانت عليهِ.

وَللاعترافِ أسئلتهُ الّتي تُوقِظُ الإنسانَ مِنْ نُعَاسِ الدّفاعِ. يسألُ نفسهُ: مَا نصيبي مِنَ الخطأ؟ لا مَا نصيبُ غيري فَقط، وَلا مَا الظُّروفُ الّتي أحاطت بِي فَقط، بَلْ مَا الجُزْءُ الّذي ينبغي أَنْ أحملهُ أنا. ثُمَّ يسألُ: مَا الّذي كانَ ينبغي أَنْ أفعلهُ؟ ثُمَّ يسألُ: هَلْ أشرحُ أَمْ أُبَرِّرُ؟ فَهُناكَ فَرقٌ بَينَ شرحِ السّببِ وَالهربِ مِنَ المسؤوليّةِ. ثُمَّ يسألُ: هَلِ اعتذاري يحملُ مسؤوليّةً أَمْ يُوَزِّعُ اللّومَ؟ ثُمَّ يسألُ السُّؤالَ العمليَّ الّذي يمنعُ الاعترافَ مِنَ التّحوّلِ إلى عاطفةٍ عابرةٍ: مَا الفعلُ الإصلاحيُّ الّذي يجبُ أَنْ يتبعَ الاعترافَ؟ لِأنَّ الاعترافَ الّذي لا يتركُ أثرًا فِي السُّلوكِ قَدْ يُصْبِحُ غسلًا سريعًا لِلضّميرِ، لا بِدايةَ بِناءٍ.

“الاعترافُ ليسَ إعلانَ هزيمةٍ، بَلْ إعلانُ عودةِ الإنسانِ إلى سيادتهِ على نفسهِ. المُبرّرُ عبدٌ لعذرهِ، أمّا المعترفُ فَسيّدٌ على خطئهِ.”

الاعترافُ ليسَ إعلانَ هزيمةٍ، بَلْ إعلانُ عودةِ الإنسانِ إلى سيادتهِ على نفسهِ. المُبرّرُ عبدٌ لعذرهِ، أمّا المعترفُ فَسيّدٌ على خطئهِ. المُبرّرُ يقفُ خلفَ جدارٍ مِنَ الكلماتِ، أمّا المعترفُ فَيخرجُ إلى أرضِ الإصلاحِ. المُبرّرُ يُرِيدُ أَنْ ينجوَ مِنَ اللّومِ، أمّا المعترفُ يُرِيدُ أَنْ ينجوَ مِنْ تكرارِ الخللِ. وَهذا فَرقٌ كبيرٌ بَينَ مَنْ يُرِيدُ صُورةً نظيفةً وَمن يُرِيدُ نفسًا أنظفَ. قَدْ تبدو الصُّورةُ عندَ المُبرّرِ أجملَ، لكنَّ داخلهُ يزدادُ ازدحامًا بِما لَمْ يُوَاجَهْ. وَقد يبدو المعترفُ فِي لحظةِ الصّدقِ مُنْكشفًا، لكنّهُ يبدأُ مِنْ هذا الانكشافِ أوّلَ خُطْوةٍ إلى الحُرّيّةِ. فَالصّدقُ لا يفضحُ الإنسانَ ليتركهُ عاريًا، بَلْ يخلعُ عنهُ ثوبًا ضيّقًا مِنَ الكذبِ كَيْ يستطيعَ أَنْ يتنفّسَ.

غيرَ أَنْ الاعترافَ يحتاجُ إلى تمييزٍ دقيقٍ بَينَ المُحاسبةِ وَالانسحاقِ. لا نُرِيدُ أَنْ نُرَبِّيَ إنسانًا يجلدُ نفسهُ، بَلْ إنسانًا يُحَاسِبُهَا. الانسحاقُ يقولُ: أنا سيّءٌ وَلا أملَ. أمّا الاعترافُ فَيقولُ: أخطأتُ وَأستطيعُ الإصلاحَ. جلدُ الذّاتِ يقتلُ القُدْرةَ، أمّا الاعترافُ فَيُوقِظُهَا. جلدُ الذّاتِ يجعلُ الخطأ قبرًا، أمّا الاعترافُ يجعلهُ بَابًا. جلدُ الذّاتِ قَدْ يبدو فِي ظاهرهِ صدقًا قاسيًا، لكنّهُ فِي كثيرٍ مِنَ الأحيانِ هُروبٌ آخرُ؛ لِأنَّ الإنسانَ حينَ يقولُ أنا لا أصلحُ يُعْفِي نفسهُ مِنْ مشقّةِ الإصلاحِ، كما يُعْفِيهِ التّبريرُ حينَ يقولُ أنا لَمْ أُخْطِئْ. كلاهما يهربُ مِنَ العملِ؛ هذا بِإلغاءِ المسؤوليّةِ، وَذاكَ بِإلغاءِ الرّجاءِ.

المطلوبُ نفسٌ صادقةٌ لا نفسٌ مُهانةٌ؛ فَالصّدقُ يبني، أمّا الإهانةُ فَتُعِيدُ إنتاجَ الهروبِ بِثوبٍ آخرَ. النّفسُ المُهينةُ لذاتها قَدْ تتوقّفُ عَنِ الكذبِ لحظةً، لكنّها لا تملكُ طاقةَ النُّهُوضِ طويلًا. إنّها ترى العيبَ ثُمَّ تتحوّلُ هِيَ نفسها إلى سجنٍ. أمّا النّفسُ الصّادقةُ فَتقولُ: هذا خطئي، لكنّهُ ليسَ كُلَّ حقيقتي. وَهذا جُرْحي، لكنّهُ ليسَ عُذْري الأبديَّ. وَهذا فَشلي، لكنّهُ ليسَ اسمي النّهائيَّ. بِهذا التّوازنِ يُصْبِحُ الاعترافُ قُوّةً تربويّةً، لا سوطًا أعمى. وَمن هُنا ينبغي فِي البُيوتِ وَالمدارسِ وَالعلاقاتِ أَنْ نُكَافِئَ الصّدقَ بِمعنًى عميقٍ؛ لا بِأن نُلْغِيَ أثرَ الخطأ، بَلْ بِأن نجعلَ الاعترافَ طريقًا إلى العدلِ لا حُفْرةً لِلإذلالِ. فَإذا عُوقبَ الاعترافُ أكثرَ ممّا عُوقبَ الكذبُ، تعلّمَ النّاسُ أَنْ ينجوا بِالكذبِ. وَإذا صارَ الاعترافُ بَابًا لِلإصلاحِ، نشأَ إنسانٌ لا يخافُ الحقيقةَ.

ثُمَّ تأتي الفضيلةُ الثّالثةُ؛ الميزانُ. فَإذا كانَ التّثبّتُ طهارةَ الإدراكِ، وَالاعترافُ طهارةَ الضّميرِ، فَإنَّ الميزانَ طهارةُ الحُكْمِ وَالفعلِ. الميزانُ يعني أَنْ يكونَ الحُكْمُ بِقدرِ الواقعةِ، لا بِقدرِ الغضبِ. وَأن يكونَ الـرّدُّ بِقدرِ الخطأ، لا بِقدرِ الجُرْحِ القديمِ. وَأن يكونَ النّقدُ بِقدرِ الحاجةِ، لا بِقدرِ الرّغبةِ فِي الإلغاءِ. الميزانُ لا يطلبُ منكَ أَنْ تُلْغِيَ الحقَّ، وَلا أَنْ تُسَامِحَ حيثُ يجبُ الحزمُ، وَلا أَنْ تُسَاوِيَ بَينَ المُخْطئِ وَالمظلومِ، وَلا أَنْ تُمَيِّعَ الواضحَ بِاسمِ الاعتدالِ. الميزانُ أرفعُ مِنْ ذلكَ؛ إنّهُ أَنْ تمنحَ كُلَّ شيءٍ قدرهُ، فَلا تُصَغِّرَ العظيمَ، وَلا تُضَخِّمَ الصّغيرَ، وَلا تُعَاقِبَ الإنسانَ كُلّهُ على جُزْءٍ مِنْ فِعلهِ، وَلا تجعلَ غضبكَ يكتبُ الحُكْمَ ثُمَّ تستدعي الحقيقةَ لتوقّعهُ.

“الميزانُ هُوَ فَنُّ وَضعِ الأشياءِ فِي أحجامها؛ لِأنَّ النّفسَ فِي لحظةِ الألمِ تُرِيدُ التّوسيعَ، وَفي لحظةِ الهوى تُرِيدُ التّضييقَ.”

وَلهذا يسألُ صاحبُ الميزانِ نفسهُ: هَلْ حُكْمي عادلٌ؟ هَلْ ردّي مُتناسبٌ؟ هَلْ عمّمتُ مِنْ وَاقعةٍ وَاحدةٍ؟ هَلْ خلطتُ بَينَ الشّخصِ وَفعلهِ؟ هَلْ جعلتُ الخطأ أكبرَ مِنْ حجمهِ؟ هَلْ تركتُ بَابًا لِلإصلاحِ؟ هذهِ الأسئلةُ لا تجعلُ الإنسانَ ضعيفًا، بَلْ تمنعهُ مِنْ أَنْ يصيرَ ظالمًا وَهُوَ يُدَافِعُ عَنْ حَقٍّ. فَالميزانُ هُوَ أَنْ تمنحَ الحقيقةَ حقّها دُونَ أَنْ تمنحَ غضبكَ حَقَّ التّسلّطِ بِاسمها. وَما أكثرَ مَا يتسلّطُ الغضبُ بِاسمِ الحقيقةِ، وَينتقمُ بِاسمِ العدلِ، وَيمحو النّاسَ بِاسمِ الوُضوحِ، وَيقتلُ العلاقاتِ بِاسمِ الكرامةِ. وَحينَ يغيبُ الميزانُ، تُصْبِحُ الفضائلُ نفسها قابلةً لِلتّحوّلِ إلى أسلحةٍ؛ الصّراحةُ قسوةٌ، وَالغيرةُ تسلّطٌ، وَالعزّةُ كبرٌ، وَالحزمُ بَطشٌ، وَالنّقدُ تشفٍّ، وَالولاءُ عصبيّةٌ.

أمّا حينَ يحضرُ الميزانُ، يستعيدُ الإنسانُ إنسانيّتهُ فِي موضعِ الحُكْمِ. يرى الخطأ دُونَ أَنْ يبتلعَ بِهِ صاحبهُ. يرى الخطرَ دُونَ أَنْ يختلقَ حولهُ أساطيرَ. يرى الظُّلْمَ دُونَ أَنْ يحتاجَ إلى الكذبِ كَيْ يدينهُ. يرى المُخالفَ دُونَ أَنْ يُحَوِّلَهُ إلى شيطانٍ. يرى نفسهُ دُونَ أَنْ يرفعها فَوقَ النّقدِ أَوْ يسحقها تحتَ النّدمِ. الميزانُ هُوَ فَنُّ وَضعِ الأشياءِ فِي أحجامها. وَهُوَ مِنْ أصعبِ الفُنونِ؛ لِأنَّ النّفسَ فِي لحظةِ الألمِ تُرِيدُ التّوسيعَ، وَفي لحظةِ الهوى تُرِيدُ التّضييقَ. تُرِيدُ أَنْ تُضَخِّمَ خطأ مَنْ تكرهُ، وَتُصَغِّرَ خطأ مَنْ تُحِبُّ، وَتُعَظِّمَ عُذْرها، وَتُضْعِفَ عُذْرَ غيرها. لذلكَ كانَ الميزانُ جهادًا دائمًا ضِدَّ انحيازاتِ النّفس.

وَعلى مُسْتوى الفردِ، تبدأُ المناعةُ مِنْ مُراجعةٍ يوميّةٍ صغيرةٍ. لا يحتاجُ الإنسانُ كُلَّ يومٍ إلى خُطْبةٍ عظيمةٍ، بَلْ إلى لحظاتِ صدقٍ مُتكرّرةٍ. أَنْ يُؤَخِّرَ الحُكْمَ قبلَ الغضبِ وَلو دقيقةً. أَنْ يسألَ سُؤالًا وَاحدًا قبلَ الاتّهامِ. أَنْ يقولَ: لا أعرفُ دُونَ أَنْ يشعرَ أنّهُ نقصٌ. أَنْ يقولَ: رُبّما فَهمتُ خطأ دُونَ أَنْ يشعرَ أنّهُ فَقدَ كرامتهُ. أَنْ يقولَ: أنا أخطأتُ دُونَ أَنْ يشعرَ أنَّ قيمتهُ انتهت. أَنْ يُرَاجِعَ فِي آخرِ اليومِ موقفًا وَاحدًا؛ أينُ استعجلتُ؟ أينُ بَرّرتُ؟ أينُ بَالغتُ؟ أينُ خلطتُ بَينَ الألمِ وَالحُكْمِ؟ هذهِ المُراجعاتُ الصّغيرةُ تُشْبِهُ قطراتِ ماءٍ مُتواضعةً، لكنّها مَعَ الزّمنِ تحفرُ فِي صخرِ العادةِ مجرًى جديدًا.

وَليستِ المناعةُ الفرديّةُ حالةً مثاليّةً لا يُخْطِئُ فِيها الإنسانُ. بَلْ هِيَ قُدْرةٌ مُتزايدةٌ على العودةِ السّريعةِ إلى الحقِّ. الإنسانُ السّليمُ ليسَ مَنْ لا يُسِيءُ الظّنَّ أبدًا، بَلْ مَنْ ينتبهُ حينَ يُسِيءُ الظّنَّ. وَليسَ مَنْ لا يُبَرِّرُ أبدًا، بَلْ مَنْ يُمْسِكُ التّبريرَ مِنْ يدهِ قبلَ أَنْ يسرقَ منهُ الاعترافَ. وَليسَ مَنْ لا يغضبُ أبدًا، بَلْ مَنْ لا يُسَلِّمُ الغضبَ مفاتيحَ الحُكْمِ. هذا هُوَ النُّضْجُ الواقعيُّ؛ أَنْ تصبحَ بَينَ الخطأ وَالتّمادي مسافةٌ يتدخّلُ فِيها الوعيُ. وَكُلّما قصرت مُدّةُ الهُروبِ، وَاقتربت لحظةُ العودةِ، كانَ الإنسانُ أصدقَ وَأقوى.

“الإنسانُ الّذي لا يخونُ الحقيقةَ ليسَ إنسانًا بِلا ضعفٍ، بَلْ هُوَ إنسانٌ تعلّمَ ألّا يجعلَ ضعفهُ حاكمًا على الحقيقةِ.”

وَفي الأُسْرَةِ وَالعلاقاتِ، تُبْنَى المناعةُ بِثقافةٍ يوميّةٍ لا بِالشّعاراتِ. اسأل قبلَ أَنْ تتّهمَ. اشرح قبلَ أَنْ تُقَاطِعَ. اعتذر دُونَ مُراوغةٍ. عاتب دُونَ إلغاءٍ. خاصم دُونَ فُجورٍ. أحبَّ دُونَ تملّكٍ. اختلف دُونَ عداءٍ. هذهِ ليست عباراتٍ لِلزّينةِ، بَلْ قوانينُ نجاةٍ عاطفيّةٍ. فَالعلاقاتُ لا تحتاجُ إلى بَشرٍ لا يُخْطِئُونَ، بَلْ إلى بَشرٍ يعرفونَ كيفَ يتثبّتونَ، وَيعتذرونَ، وَيحفظونَ الميزانَ عندَ الغضبِ. علاقةٌ بِلا خطأ وَهمٌ، لكنَّ علاقةً بِلا تثبّتٍ وَلا اعترافٍ وَلا ميزانٍ مقبرةٌ بَطيئةٌ. البيتُ الّذي يستطيعُ أهلهُ أَنْ يسألوا بَدلَ أَنْ يتّهموا، وَأن يقولوا آسفٌ بِلا خداعٍ، وَأن يختلفوا بِلا إلغاءٍ، يُرَبِّي نُفُوسًا لا تخافُ الحقيقةَ.

مَا أكثرَ مَا تخربُ العلاقاتُ لا بِسببِ الواقعةِ الأُولَى، بَلْ بِسببِ سُوءِ إدارتها. كلمةٌ قاسيةٌ كانَ يُمْكِنُ أَنْ تُصْلَحَ بِاعتذارٍ، فَإذا بِالتّبريرِ يجعلها جُرْحًا مُزْمنًا. صمتٌ عابرٌ كانَ يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ بِسؤالٍ، فَإذا بِالتّأويلِ يجعلهُ خيانةً. خطأ محدودٌ كانَ يُمْكِنُ أَنْ يُوضَعَ فِي حجمهِ، فَإذا بِالتّطرّفِ يجعلهُ دليلًا على فَسادِ الإنسانِ كُلّهِ. لذلكَ تحتاجُ العلاقاتُ إلى طُقوسٍ أخلاقيّةٍ صغيرةٍ؛ سُؤالٌ قبلَ الحُكْمِ، إنصاتٌ قبلَ الـرّدِّ، اعتذارٌ بِلا لكن، حُدودٌ بِلا انتقامٍ، نقدٌ بِلا إذلالٍ، وَذاكرةٌ عادلةٌ لا تمحو الخيرَ عندَ الغضبِ. هذهِ الطُّقوسُ الصّغيرةُ هِيَ الّتي تحفظُ المودّةَ مِنْ أَنْ تموتَ تحتَ أقدامِ الانفعالِ.

أمّا المُجْتمعُ، فَلا تكفي فِيهِ النّيّاتُ الفرديّةُ الطّيّبةُ. يحتاجُ إلى مُؤسّساتٍ وَثقافةٍ عامّةٍ تحميهِ مِنْ ثُلاثيّةِ الخرابِ. فِي التّعليمِ، لا بُدَّ أَنْ نُعَلِّمَ التّفكيرَ لا الحفظَ وَحدهُ؛ أَنْ يتعلّمَ الطّالبُ كيفَ يُفَرِّقُ بَينَ المعلومةِ وَالـرّأيِ، بَينَ الدّليلِ وَالانطباعِ، بَينَ السُّؤالِ وَالاتّهامِ، بَينَ النّقدِ وَالهدمِ. فِي الإعلامِ، لا بُدَّ أَنْ نتحقّقَ قبلَ الإثارةِ؛ فَالخبرُ الّذي يسبقُ التّثبّتَ قَدْ يحرقُ سُمْعةً، وَيُشْعِلُ فِتنةً، وَيخلقُ وَعيًا عامًّا مبنيًّا على دُخانٍ. فِي الخطابِ الدّينيِّ وَالفكريِّ، لا بُدَّ أَنْ نُفَرِّقَ بَينَ اليقينِ وَالظّنِّ، وَبينَ القطعيِّ وَالاجتهاديِّ، وَبينَ الغيرةِ على الحقِّ وَالعُدْوانِ على النّاسِ بِاسمِ الحقِّ. فِي السّياسةِ، لا بُدَّ أَنْ نقبلَ النّقدَ بِوصفهِ أداةَ إصلاحٍ لا خيانةً. فِي الثّقافةِ، لا بُدَّ أَنْ نُعِيدَ الاعتبارَ لِلإنصافِ، فَلا نُكَافِئُ الصُّراخَ أكثرَ ممّا نُكَافِئُ العدلَ. وَفي القضاءِ الاجتماعيِّ، لا بُدَّ أَنْ نمنعَ مُحاكماتِ النّيّةِ الّتي تجعلُ كُلَّ إنسانٍ مُتّهمًا بِما لَمْ يثبت.

المُجْتمعُ النّاضجُ ليسَ الّذي لا يُخْطِئُ، بَلِ الّذي لا يُحَوِّلُ الخطأ إلى عقيدةٍ، وَلا النّقدَ إلى عداوةٍ، وَلا الظّنَّ إلى حُكْمٍ. المُجْتمعُ النّاضجُ يملكُ آليّاتٍ لِلتّصحيحِ؛ مدرسةً تُرَبِّي على السُّؤالِ، وَإعلامًا يحترمُ الحقيقةَ أكثرَ مِنَ السّبقِ، وَأُسْرَةً لا تجعلُ الاعترافَ عارًا، وَمُؤسّساتٍ تعترفُ بِالخللِ قبلَ أَنْ يفضحها الانهيارُ، وَخطابًا عامًّا يُفَرِّقُ بَينَ مَنْ ينصحُ وَمن يهدمُ. أمّا المُجْتمعُ المريضُ فَيفعلُ العكسَ؛ يتّهمُ قبلَ أَنْ يتحقّقَ، وَيُبَرِّرُ قبلَ أَنْ يعترفَ، وَيستقطبُ قبلَ أَنْ يُحَاوِرَ. ثُمَّ يشتكي مِنْ كثرةِ الانقسامِ، مَعَ أنَّ الانقسامَ لَمْ ينزل عليهِ مِنَ السّماءِ، بَلْ صنعتهُ عاداتٌ يوميّةٌ فِي النّظرِ وَالكلامِ وَالحُكْمِ.

وَالإنسانُ الّذي لا يخونُ الحقيقةَ ليسَ إنسانًا بِلا ضعفٍ، وَلا ملاكًا لا يُخْطِئُ، وَلا عقلًا بَاردًا لا يغضبُ، وَلا قلبًا لا يتألّمُ. إنّهُ إنسانٌ تعلّمَ ألّا يجعلَ ضعفهُ حاكمًا على الحقيقةِ. يتثبّتُ قبلَ أَنْ يحكمَ. يعترفُ قبلَ أَنْ يُبَرِّرَ. يتزنُ قبلَ أَنْ يبطشَ. يعرفُ أنَّ الحقيقةَ لا تحتاجُ إلى صُراخٍ دائمٍ كَيْ تكونَ حقيقةً، وَأنَّ الكرامةَ لا تحتاجُ إلى إنكارِ الخطأ كَيْ تبقى كرامةً، وَأنَّ القُوّةَ لا تعني التّطرّفَ، وَأنَّ الإنصافَ ليسَ ضعفًا، وَأنَّ الاعتذارَ ليسَ سُقوطًا، وَأنَّ السُّؤالَ ليسَ خيانةً لِلحدسِ، وَأنَّ التّدرّجَ فِي الحُكْمِ ليسَ تمييعًا لِلحقِّ. هذا الإنسانُ ليسَ خفيفًا فِي العالمِ؛ إنّهُ أثقلُ مِنْ ضجيجِ الكثيرينَ، لِأنّهُ يحملُ فِي داخلهِ ميزانًا لا يشتريهِ الغضبُ بِسهولةٍ.

هذا الإنسانُ حينَ يتألّمُ لا يُسْرِعُ إلى الاتّهامِ، بَلْ يمرُّ أوّلًا على بَابِ التّثبّتِ. وَحينَ يُخْطِئُ لا يُسْرِعُ إلى صناعةِ الأعذارِ، بَلْ يمرُّ على بَابِ الاعترافِ. وَحينَ يغضبُ لا يُطْلِقُ الحُكْمَ مِنْ أعلى الجُرْحِ، بَلْ يعرضهُ على الميزانِ. قَدْ يضعفُ، لكنّهُ لا يُقَدِّسُ ضعفهُ. قَدْ يزلُّ، لكنّهُ لا يبني لزلّتهِ قصرًا مِنَ المنطقِ. قَدْ يشتدُّ، لكنّهُ لا ينسى التّناسبَ. قَدْ يُخَاصِمُ، لكنّهُ لا يفجرُ. قَدْ يُحِبُّ، لكنّهُ لا يتملّكُ. قَدْ ينتمي، لكنّهُ لا يُعْمِيهِ انتماؤهُ عَنِ العدلِ. هذا هُوَ النُّمُوذَجُ المُضادُّ لثلاثيّةِ التّأويلِ وَالتّبريرِ وَالتّطرّفِ؛ إنسانٌ لا يدّعي امتلاكَ الحقيقةِ، لكنّهُ يخافُ أَنْ يخونها.

وَعلى مُسْتوى الحضارةِ، لا تنهضُ أُمَّةٌ بِلا هذهِ الفضائلِ الثّلاثِ. أُمَّةٌ لا تتثبّتُ ستعيشُ على الشّائعاتِ وَالانطباعاتِ وَالخوفِ. وَأُمَّةٌ لا تعترفُ ستكرّرُ أخطاءها وَتُزَيِّنُ هزائمها وَتُوَرِّثُ أبناءها أعذارها. وَأُمَّةٌ لا تتزنُ ستمزّقها الاستقطاباتُ، وَسيصيرُ كُلَّ اختلافٍ فِيها معركةَ وُجودٍ. الحضارةُ ليست أبنيةً عاليةً فَقط، بَلْ عاداتٌ عميقةٌ فِي رُؤْيةِ الواقعِ، وَتحمّلِ المسؤوليّةِ، وَإصدارِ الحُكْمِ. فَإذا فَسدت هذهِ العاداتُ، صارتِ الأبنيةُ وَاجهاتٍ لوعيٍ هَشٍّ. وَإذا صلحت، استطاعتِ الأُمَّةُ أَنْ تتعلّمَ مِنْ خطئها، وَتختلفَ بِلا انتحارٍ، وَتنتقدَ بِلا خيانةٍ، وَتعتذرَ بِلا مذلّةٍ، وَتحكمَ بِلا بَطشٍ.

“التّثبّتُ يقولُ لِلظّنِّ: انتظر حتّى يأتيَ الدّليلُ. وَالاعترافُ يقولُ لِلعذرِ: تنحَّ حتّى تظهرَ المسؤوليّةُ. وَالاتّزانُ يقولُ لِلغضبِ: لَنْ تحكمَ وَحدكَ بِاسمِ الحقِّ.”

لقد بَدأَ الخرابُ مِنْ ظَنٍّ تُوِّجَ حقيقةً، ثُمَّ مِنْ خطأ لُبّسَ ثوبَ العُذْرِ، ثُمَّ مِنْ حُكْمٍ فَقدَ الميزانَ. وَلا نجاةَ إلّا بِعكسِ الطّريقِ؛ تثبّتٌ يُعِيدُ الإنسانَ إلى الواقعِ، وَاعترافٌ يُعِيدُهُ إلى نفسهِ، وَاتّزانٌ يُعِيدُهُ إلى العدلِ. فَالتّثبّتُ يقولُ لِلظّنِّ: انتظر حتّى يأتيَ الدّليلُ. وَالاعترافُ يقولُ لِلعذرِ: تنحَّ حتّى تظهرَ المسؤوليّةُ. وَالاتّزانُ يقولُ لِلغضبِ: لَنْ تحكمَ وَحدكَ بِاسمِ الحقِّ. بِهذا فَقط يستعيدُ الإنسانُ شرفَ الرُّؤْيةِ، وَشرفَ الضّميرِ، وَشرفَ الحُكْمِ. وَبهذا فَقط تُصْبِحُ الحقيقةُ رفيقةَ بِناءٍ، لا شعارًا يرفعهُ كُلُّ فَريقٍ ضِدَّ الآخرِ.

فَالخارطةُ الذّهنيّةُ العامّةُ إذًا لِلخلوصِ مِنَ الخرابِ الحضاريِّ إلى بِداياتِ طريقِ النُّهُوضِ هِيَ: تثبّت كَيْ لا تظلمَ الحقيقةَ بِظنّكَ، وَاعترف كَيْ لا تظلمَ نفسكَ بِتبريركَ، وَاتّزن كَيْ لا تظلمَ النّاسَ بِتطرّفكَ. فَالحضارةُ، مثلُ النّفسِ، لا تنهضُ إلّا حينَ تتعلّمُ أَنْ ترى بِصدقٍ، وَتُقِرَّ بِشجاعةٍ، وَتحكمَ بِميزانٍ. وَكُلُّ إنسانٍ يفعلُ ذلكَ فِي غُرْفةِ نفسهِ يضعُ حجرًا فِي بِناءِ عالمٍ أعدلَ؛ لِأنَّ العالمَ لا يبدأُ مِنَ الخُطبِ الكُبْرى، بَلْ مِنْ عينٍ تتأنّى قبلَ أَنْ تتّهمَ، وَضميرٍ يصدقُ قبلَ أَنْ يهربَ، وَيدٍ تُمْسِكُ الميزانَ قبلَ أَنْ ترفعَ السّيفَ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى